دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - سميح القاسم..العاشق الملهوف يرحل
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » الزهايمر     .::.     » ذات شتاء     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » أرض الحكايا: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » تقاسيم الفلسطيني:من أشهر المجموعات القصصية للأديبة د.سناء ال     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » طلاسم عشق     .::.     » رؤى     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » ناسك الصومعة: هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.     » رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس     .::.     » رواية أعشقني---هي من أشهر الأعمال الإبداعيّة للأديبة د.سناء     .::.     » كتاب "السّير في الطّريق السّريع"للهنديّ رام بوكسان     .::.     » Sanaa Shalan Resume     .::.     » سناء شعلان في سطور     .::.     » ظلال     .::.     » سيدي البعيد 25     .::.     » فانتازيا سمير الجندي     .::.     » سيدي البعيد 24     .::.     » حين يهرم شهريار     .::.     » موسيقى آذار     .::.     » باب     .::.     » رفيق الليل     .::.     » لا تتوقف عن الحلم     .::.     » زهرة     .::.     » غرباء     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع عالم الثقافة العربية

مؤلف رسالة
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 3:55 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



سميح القاسم ..وداعا آخر شعراء المقاومة

عادل الأسطة

برحيل الشاعر العربى الفلسطينى سميح القاسم تنطوى صفحة شعراء المقاومة البارزين فى فلسطين المحتلة، راشد حسين ومحمود درويش وتوفيق زياد وسالم جبران وآخرين لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء.

ممن حملوا لواء الشعر فى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين انطفأت قناديلهم قبل أن ينطفئ قنديل زميلهم وصديقهم ورفيق دربهم سميح القاسم. عرف سميح القاسم شاعرا قبل أن يعرف كاتب مسرحية وقاصا وكاتب مقالة وكاتب رسالة، وظل يعرف شاعرا ويقرأ شاعرا، وإن انجزت عن قصصه الطويلة الثلاثة التى هى أشبه بحكاية من سيرته الذاتية، كما كتب هو، دراسات عديدة. وقد أقر هو فى سيرته الذاتية انها مجرد منفضة أنه شاعر بالدرجة الأولي، وإن كتب النثر بين فترة وفترة.

وكان سميح القاسم، كاتبا وشاعرا، غزير الإنتاج، فقد أصدر أكثر من ستين كتابا أعيت متابعى نتاجه، بل واربكتهم وما زاد الطين بلة أنها صدرت بطبعات عديدة مختلفة لا تكاد تتطابق، فقد أسهم هو، وأسهم بعض الناشرين أيضا، بحذف نصوص شعرية وإضافة أخري، ما يجعل طبعات أعماله موضع دراسة لدارس يروق له تحقيق الأعمال الأدبية فى طبعاتها المختلفة.

كتب سميح القاسم القصيدة القصيرة الأشبه بالأبجرام، والقصيدة الطويلة، والسربية/ المطولة، وهو الذى ذهب إلى أن مصطلح السربية من اختراعه هو، فالقصيدة الطويلة التى غالبا ما صدرت فى كتاب كانت تتموج فى حركاتها كما تتموج حركة سرب الطيور، وكتب أيضا القصيدة العمودية، فأصدر ما عرف بديوان الحماسة، وهو فى ثلاثة أجزاء تذكر المر بحماسة أبى تمام، ورافع سميح عن هذا اللون من الكتابة تحت عنوان «سوناتا جيدة» ومارش جيد، وربما ما شجعه على كتابة هذا اللون من القصائد هو انتماؤه للحزب الشيوعى الذى يركز على دور الأديب فى الحركة الجماهيرية والأخذ بيدها وتحريضها على واقعها من أجل عالم أفضل، وهو ما تطلبه واقع العرب الباقين فى فلسطين، هؤلاء الذين تعرضوا لاضطهاد قومى وتمييز عنصرى حارب الحزب الشيوعى من أجل الغائه، وكان لابد من توعية المظلومين المضطهدين وقراءة الأشعار على مسامعهم وهذا ما فعله سميح بامتياز، حتى أن بعض النقاد ذهب إلى أن الشاعر منبرى أشبه بخطيب.

وظل سميح يكتب قصيدة المقاومة وإن خفتت حدتها مع سقوط الاتحاد السوفيتى وتفككه فى العام 1989، يومها أعلن سميح أنه لن يكتب الشعر، ونشر إعلانه فى مجلة «الناقد» اللندنية وكانت حجته فى ذلك أن المشاريع الثلاثة التى عقد عليها حياته قد أخفقت: المشروع القومى والمشروع الوطنى والمشروع الأممي. انتهى الأول بهزيمة حزيران 1967 وموت جمال عبدالناصر، ووصل الثانى إلى نهايته مع خروج منظمة التحرير من بيروت فى العام 1982، وأما الثالث فتجسد بانهيار الاتحاد السوفيتي. غير أن سميح مثل شعراء كثيرين يقولون ما لا يفعلون ولا يلتزمون دائما بما يقولون فقد واصل كتابة الشعر واستمر يكتبه حتى فى أوج مرضه، وأصدر مجموعات شعرية كثيرة لا يستطيع المرء حفظ عناوينها لكثرتها وكثرة ما كتب الشاعر ربما جعل بعض محبيه والمعجبين به يحجمون عن مواصلة قراءته ومتابعته، إذ يبدو ان هاجس الشكل الفني، وكتابة القصيدة التى تتجاوز سابقتها، واصدار الديوان الذى يشكل إضافة نوعية لا كمية، لم يكن هاجس سميح، قدر ما كان هاجس محمود درويش. وربما كان لكل واحد من الاثنين ظروفه، لقد اختلفت التجربة المعيشية واختلفت أيضا المرجعية الثقافية، خلافا لما كان عليه الأمر قبل رحيل درويش فى العام 1970. نشأ سميح شاعرا ذا حس قومى عروبي، وهو انتساب ما بدأ فى أشعاره الأولى التى كتبها قبل قصيدته «طلب للحزب»، وتعد قصيدته «ليلى العدنية» من ديوان «دخان البراكين» 1968 خير تعبير عن المرحلة العروبية القومية، تضاف إليها قصائده فى الثورات العربية الصاعدة فى الستينيات، وأهمها الثورة المصرية وقائدها جمال عبدالناصر الذى خصه بمديح، كما خص إنجازاته المتمثلة فى تأميم قناة السويس وبناء السد العالي: يا أسطى سيد، ابن وشيد، شيد لى السد العالي.. إلخ، وفى «ليلى العدنية» يبدو سميح مفعما بالروح القومية، ممتلئا بها ومنتشيا، يتغنى بالعروبةوبأمجادها وانتصاراتها، لكن هذا التغنى والانتشار سوف يتراجع كثيرا وقد بدأ فى بداية الثمانينيات من القرن العشرين حين حاصرت القوات الإسرائيلية مدينة بيروت ولم ينجدها العرب، وحين خرجت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتفرقت أيدى عرب فى السودان وفى ليبيا وفى تونس وفى اليمن وفى الجزائر.. وفي.. وفي.. وفى هذه الفترة يكتب سميح القاسم مجموعة قصائد ينشرها فى ديوان جهات الروح (1983) ومنها قصيدة تغريبة التى يهديها لمحمود درويش. ما عاد العالم العربى كما بدا فى «ليلى العدنية».

شاءها الله سهية/ شاءها الله.. فكانت/ كبلادى العربية/ نكهة الغوطة والموصل فيها/ ومن الأوراس.. عنف وقمامة/ وأبوها شاءها أحلى صبية/ شاءها اسما وشكلا/ فدعاها الوالد المعجب: ليلي/ وإليكم أيها الإخوان.. ليلى العدنية».

وانما غدا العالم العربى شيئا آخر/ وهو ما يقوله فى تغريبة:

«يفرقنا العالم اليعربي/ ويجمعنا العالم الأجنبي/ ونبقى أجانب فى العالمين/ ويبقى الرحيل»

وستصل ذروة شعوره بالخيبة من العالم العربى فى مطولته التى كتبها فى التسعينيات وعنوانها «خذلتنى الصحاري» فالصحراء التى تغنى بها فى الستينيات ومدحها، الصحراء التى كانت تقف إلى جانبه وتمد له يد العون، خذلته وما عادت تقدم له شيئا لم تتخل عنه وحسب بل وخذلته.

والطريف أن الشاعر نفسه أخذ يتردد على عواصم الصحاري/ العالم العربي، والأكثر طرافة أنه أخذ يمدح رؤساءها وملوكها، وهذا ما بدا فى أحد دواوينه الذى جمع فيه قصائد تمدح هذه العاصمة أو تلك بل هذا الحاكم أو ذاك، ما يؤكد الصلة الحميمة بين سميح القاسم ومحمد مهدى الجواهري، ومن قبل المتنبي، وقد ذهب سميح إلى أن هناك صلة نسب تجمعه بالمتبني، مدح المتبنى كافور ثم ذمه، وكم مدح الجواهرى هذا الملك أو ذاك الرئيس، وأكمل سميح المهمة، هو الذى كان فى السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين شاعرا شيوعيا ملتزما يهجو النظام العربى كله. أهذا هو ما أغنى أشعاره وجعلها قابلة للتساؤل؟ ولم يقتصر الأمر فى شبابه أهو الملوم أم الواقع العربى هو الذى خذله أم لأنه الزمن والسن والعمر و.... و....؟

كانت عناوين دواوين سميح الأولى عناوين مقاومة متمردة «أغانى الدروب»،«دخان البراكين»، .. و «يكون أن يأتى طائر الرعد وغدت لاحقا عناوين مليئة بالخيبة والانكسار: «خذلتنى الصحاري»، و«أرقى مراوغة.. حرير كاسد، لا بأس».. ومع كل هذا فقد خسر الشعر العربى شاعرا مهما.




هل هناك شعر مقاومة ؟

قحطان جاسم _ شاعر ومترجم عراقي

ماذا نعنى بشعر المقاومة.. إذا كان المقصود هو تحشيد الجمهور بمواجهة عدو خارجى فإنّ هذا النوع من القصائد اندثر او يكاد يغيب تماما.

هذا النوع من الشعر ظهر فى فترة ما قبل وبعد ظهور دول الاستقلال ووصل قمته فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى فى كل القارات التى كانت مستعبدة للغرب. آنذاك كانت لقصيدة المقاومة جمهور ونخب تتداولها وتقوم بنشرها وترويجها. أما عدونا الراهن ،فهو، بالدرجة الرئيسية ، عدو داخلي، متوحش متخلف وشرس يصعب توصيفه ومعرفة خلفياته لتشابك أهداف صنّاعه وريبتها...بمقابل جماهير مغيّبه يطحنها الفقر والمرض والأمية والقهر السياسي، ونخب مخذولة مسحوقة أضاعت بوصلتها الفكرية والاخلاقية. ولهذا لا تجد قصائد المقاومة المتعارف عليها، فى وسط كهذا يعيش محنة خانقة، صدى لها.

لكن هذا لا يعنى غياب حسّ المقاومة عن القصيدة العربية الراهنة تماما، إذا ما فهمنا بها الرفض ونقد المتداول والمعاش والمقبول. يمكنك أن تجد ذلك مبثوثا فى قصائد صلاح فائق، حميد العقابي، جمال القصاص،سوزان إبراهيم ، قحطان جاسم، سميح درويش ، أفياء الأسدى ، عبدالكريم كاظم، وديع سعادة ، سعدى يوسف، سلام دواي، والعديد من الشاعرات و الشعراء الآخرين الذين يضيق المجال عن ذكرهم. إلاّ أنها مقاومة من نوع مختلف. مقاومة تتوجه للقاريء الفرد باعتباره إنسانا-ذاتا ضد مشاريع تحويله الى قطيع وتغييبه فى الحشد والجمهور. وهى تسعى للارتقاء به وليس النزول الى انحطاطه ومغازلة غبائه وانهزاميته او تجييشه. إنها مقاومة تنحو الى طرح أسئلة مفكّرة لم يتعود عليها الجمهور عن الله والوجود والطبيعة والإنسان، يسعى عبرها الشعراء، كلّ بطريقته الخاصة لإيقاظ ذاتية الفرد ، وليس الحشد، ووضعه أمام نفسه، ومساءلته عن موقفه الأنسانى والأخلاقى والوجودي.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 3:56 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


سميح يُهَمْهم قرب القهوة


إنعام كجه جي


قرأ معلم اللغة العربية موضوع الإنشاء الذي كتبه أحد التلاميذ، ثم وقف وقال للآخرين: «لقد ولد في صفكم شاعر». وكان صاحب الإنشاء يدعى سميح القاسم، ولد فلسطيني في آخر المرحلة الابتدائية، كبر وصار شاعرا بالفعل. شاعر مقاومة. يكتب قصائد حماسية تتغنى بالحرية وتندد بالاحتلال.

ذهب الحاكم العسكري الإسرائيلي إلى بيتهم، ذات يوم، وهدد باتخاذ إجراءات صارمة ضده وضد جميع الموظفين من أقاربه إذا لم يتراجع عن تحدي السلطة. وفي حين حاول الأب أن يشرح للضابط أن ابنه لا يخالف القانون، بل يعبر عن رأيه بالأشعار، فإن والدة سميح تقدمت وقالت بهدوء حاسم: «يا حضرة الحاكم لا نحب أن تهددنا في بيتنا. ويمكنك أن تقطع رأس ابني، لكنني لن أمنعه عما يقوم به، لأنني أفتخر به كما هو».

حضر سميح القاسم أسبوعا ثقافيا عربيا أُقيم في مدينة غرينوبل الفرنسية أواخر 1986. وفي مقابلة معه وصف علاقته بمحمود درويش بأنها كانت أجمل وأرقّ حتى من ثنائية الشاعرين الإنجليزيين بايرون وشيلي. وكان اللقاء الأول بينهما قد جرى بعد أن أصدر سميح مجموعته الأولى «مواكب الشمس»، عام 1958. وإثر ذلك زارته، في الرامة، مجموعة من الطلبة والشعراء الشبان، بينهم محمود. وبعدها رد سميح الزيارة وذهب لرؤية درويش في قرية دير الأسد، وقام بينهما تواشج سيدوم عقودا، تتخلله خلافات من شأنها أن تفسد الود، ولم تفسده. وحتى في أيام الخلاف الشديد، وهما في طرفي العالم، فإن أيا منهما لم يسمح لأي متطفل بأن يسيء إلى الآخر.

غضب سميح القاسم على محمود درويش لأنه غادر فلسطين. وهو في الحقيقة كان حزينا لأنه سيفارق صديقا عزيزا عليه. ثم عادا والتقيا، بعد ثمانية أعوام، في مناسبة أدبية في أميركا، وتبادلا قراءة الشعر وتعانقا وتعاتبا في حضور معين بسيسو، وعادت القوافي إلى مجاريها. كانا يتنافسان لا في مستويات الإبداع فحسب بل في الوسامة وغوايات المنبر. وفي إحدى مقابلاتي معه ذكر سميح أن صديقه محمود كان يقارنه، في أيام الصبا الأولى، بعبد الحليم حافظ، شكلا لا صوتا. وهي مقارنة كانت تغيظه. لكنه استطرد بالدعابة التي لا تفارقه: «قد يكون هناك شبه في الصوت بيني وبين نجوى فؤاد... وفي الرقص هناك شبه بيني وبين القذافي».

حضر الشاعران ومعهما نزار قباني مهرجانا أدبيا نظمته دار رياض الريس في لندن، أواخر الثمانينات. وفي الأمسية المخصصة لسميح القاسم تأخر الشاعر عن الحضور لأكثر من ساعة. ثم قيل إن البوليس قد احتجزه لسبب غير مفهوم. ولما ظهر أخيرا ووقف على المسرح في القاعة المحتشدة، سخر من ساعات الاحتجاز والاستجواب في مركز الشرطة وقال مطمئنا الحضور، وهو يمط الكلمات على طريقة عادل إمام: «متعودة.. دايما».

تأخر سميح القاسم في الزواج ومارس ما يسميه «الصعلكة الثورية»، حتى تعرف على شابة من قريباته أقنعته بإمكانية أن يغير نمط حياته الصاخب بصيغة أفضل للسعادة. وتزوجا ورزقا بأربعة ذكور، وبقي يتمنى لو تكون له بنت يسميها طلل. وكتب أبياتا لم ينشرها في طلل التي ظلت في الخاطر. وكانت عادته أن يُهَمْهم بالقصيدة طويلا ثم يجلس ليدونها سريعا ويشذبها. وقد هيأت له زوجته السيدة نوال، أم وطن، طاولتين في المنزل عليهما كل لوازم الكتابة، واحدة في غرفة المكتب والثانية في الصالون. لكنه نادرا ما كتب شعرا عليهما بل على طاولة المطبخ. ويقول إنها أكثر أُلفة وأقرب إلى دلة القهوة على الموقد.

قبل الزواج والانشغال بالأطفال، كانت تطبع له قصائده على الآلة الكاتبة. وفي فترة الخطوبة دار طويلا وسأل وفتش لكي يعثر على تسجيل لأغنية عبد الوهاب «يا نوال فين عيونك»، يهديه لها. وحين تسلمت الشريط اكتفت بتعليق مقتضب: «شكرا.. لكنني أُفضل أم كلثوم». وهو أيضا كان يحب «الست» وقد خاطبها في إحدى قصائده:

«أم كلثوم اطمئني

يصبح الحزن متى غنيت

حزنين.. اطمئني».

وقد رحل الشاعر مطمئنا، أو على قلق، لأنه ترك لنا أحزانا تتفجر على امتداد الخارطة.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 3:57 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


ورحل سميح القاسم

فاروق جويدة

يرحل سميح القاسم والدم الفلسطينى يغرق ربوع غزة امام اكثر من 11الف بيت هدمتها عصابة الموت فى تل ابيب و2000 شهيد و10000 جريح ..

يرحل صوت فلسطين الذى بقى على عهده مع وطنه فلم يغادره وظل متمسكا بأرضه وبيته وتاريخه .. مع رحيل سميح القاسم تخسر القضية الفلسطينية جناحها فقد كان مع رفيق دربه محمود درويش جوادا لشعر المقاومة الذى واكب بكل الصدق والقوة قضية العرب الأولى .. فى الوقت الذى خرج فيه محمود درويش حاملا قضية شعبه الى كل بلاد الدنيا بقى سميح القاسم متمسكا بأرضه وترابه .. وفى هذا الإختلاف فى المواقف قدم درويش تجربته الثرية فى المنفى وقدم القاسم تجربته مع الوطن وترك الإثنان للقضية الفلسطينية تاريخا حافلا من الشعر والمواقف.. كانت الآراء دوما تختلف حول شعر درويش والقاسم كان درويش يغنى كثيرا لنفسه بينما كان القاسم يصدح مع شعبه .. فى شعر محمود درويش تجد قلبا يحارب وفى شعر سميح القاسم تجد يدا صلبة تحمل السلاح وكلاهما حارب على طريقته كان شعر درويش اوسع مساحة وهو يغنى للوطن بينما كان شعر سميح القاسم مناجاة امام وطن ذبيح كانت بينهما حكايات وقصص وحوارات رغم ان الأيام فرقت بينهما امام طغيان الاحتلال .. بقى سميح القاسم يزرع شجرة الزيتون امام بيته الذى لم يغادره وطاف محمود درويش كل عواصم الدنيا مقاتلا بشعره مدافعا عن حق شعبه فى الوطن والكرامة .. لقد خسرت القضية الفلسطينية اشياء كثيرة .. خسرت يوم رحيل ابو عمار والشيخ ياسين وخسرت يوم انفصلت غزة عن بقية الوطن واعلنت استقلالها وخسرت يوم حمل الفلسطينيون السلاح هذا فتح وهذا حماس وخسرت يوم تشرذم الشعب الفلسطينى ونسى قضيته الأولى فى الوطن والأرض والحياة ..والآن يرحل سميح القاسم بعد سنوات قليلة من رحيل درويش شاعر القضية ومع رحيل رفاق القلم تخسر القضية الفلسطينية اهم شعرائها ويخسر الشعر العربى صوتين من اجمل الأصوات التى غردت فى حديقة الشعر العربى .


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 3:59 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


سميح القاسم.. رحيل المغني المحارب

عباس بيضون

بعد محمود درويش يتم برحيل سميح القاسم غياب الثنائي الذي أشرف على العالم العربي والشعر المعاصر من قلب فلسطين المحجوبة حتى ذلك الوقت. وكان صوت درويش ـ القاسم أكثر من قصيدة، كان صوتاً مجروحاً ومعذباً وصارخاً بقدر ما كان استذكاراً وهوية واسماً آخر وعنواناً لفلسطين. لقد ظهر ذلك الصوت قبل السلاح وكان بالتأكيد يحمل في طياته كل الكثافة وكل الزخم اللذين تكدست فيهما لا الذكريات فحسب، ولكن أيضاً الرعف والحنين والتواريخ الدامية والمضيئة وسلسلة الثورات والمعارك والبطولات المكسورة والحروب الخاسرة.
درويش والقاسم لا نظلم أياً منهما حين نقرنهما ببعضهما بعضاً فقد تواصل الاسمان كما تواصل الشخصان وكانا معاً وجهاً مزدوجاً ومتفارقاً لفلسطين التي غدت بدءاً من أواسط القرن الماضي ضميرنا وسرنا وجرحنا في آن معاً. لقد بدأ هذا التاريخ بخسارة مدوّية ومأساة وسيبقى هذا طابعه وستبقى هكذا دمغته وسيبقى ينزف ويكون نزفه وتكون تنهداته إيقاعنا ولحننا، ربما لهذا ظهر المغني قبل المحارب، ربما لهذا بدأت المرثية قبل الأهزوجة، ربما لذلك ورثنا هذا الجرح وأورثناه وتركناه ينطق ويتكلم عنا.
سميح القاسم الذي اهتدى من شيوعيته إلى فلسطينيته أو كانتا في الأصل واحداً، لقد بقي له وللعرب الباقين هذا الركن وذلك المعزل، وكان ينبغي أن يمر وقت كاف حتى يتحول هذا المعزل إلى دوامة وذلك الركن إلى معترك، وبالتأكيد كان لسميح القاسم وبقية الشعراء والكتاب الفلسطينيين الذين صدحوا من فلسطين الصيحة الأولى التي وصلتنا مدماة متقطعة وكان ينبغي أن يمرّ وقت قبل أن تمتلئ وتتّسق وتمور بالنياعة والنضارة وتغدو كونية وملحمية وتستعيض عن منفاها في وطنها بمنفى عالمي وتغدو الأرض بكليتها بلدها ومنفاها ويغدو الشتات أسطورتها وسِفرها وتغدو فلسطين معها ومعهم ايتاكا الجديدة ويغدو الشاعر عوليسها الجديد.
بقي سميح القاسم في فلسطين وهاجر محمود درويش قبل أن يرجع في عودة ثانية إليها. لكن الباقي ما كان له أن ينكسر وما كان لصوته أن يشحب ويخفت. لقد بقي تحت زيتونته وكان عليه أن يصدغها وأن يصرخ في وجه من يريد أن يغصبه إياها. كان عليه أن يشهر قصيدته كما لو كانت سلاحاً وأن يحارب بها ويُطلقها على المتربصين به. كان عليه أن يبدي أسنانه لا قلبه وحده، وأن يخيف ما وسعه أن يخيف، وأن يصرخ ما أمكنه أن يصرخ وحين كان وحده في الدرب، وحده في العزلة، كان يرفع صوته بنشيد المحارب، يواجه بكبريائه مَن يضعون أصابعهم في جرحه. كان يرفع رأسه من فوق مضطهديه. وظل دائماً في تخييل المعركة. كما ظل دائماً في ذكرى المواقع والأيام والحروب. تلك كانت تحييه في الذاكرة وتحييه في الخيال وتحييه في الواقع حتى لا يقتله القهر ولا تقتله العزلة.
كان له نشيد المحارب الذي يتحوّل أحياناً إلى أغنية نصر واستدعاء للمستقبل وأمل لا يشيخ وبشارة خضراء كالزيتون. بقي سميح القاسم في فلسطين حيث كان عليه أن يقاتل وأن يغني في المعركة وأن يهلل ويرتجز في وسطها. أما درويش فقد هاجر ليبحث ثانية عن ايتاكا ـ فلسطين وليغني خسارته وليحمل المرثية إلى ضفاف العالم.
كتب سميح القاسم كثيراً. ألّف ما يزيد على الستين مؤلفاً في الشعر والرواية والمسرح والمقالة والترجمة والرسائل. كان الحبر والحرف بالتأكيد حياته الثانية وكلما خط كلمة عربية كان يسترد بذلك هويته ويحيي فلسطين، يستردها بالكتابة ويستردها بالشعر ويستردها بالأغنية ويستردها بالنثر، وحين أصابه السرطان واجهه بكبرياء المحارب وشجاعة المحارب. لم يترك قلمه يسقط من يده ولم يخف من المرض بل حاول أن يخيفه هو الذي اعتاد منذ نعومة أظفاره أن يخيف ما هو أشد من السرطان وأقوى من الموت.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 4:02 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الالتزام

محمد الحرز:


لم يجدل سميح القاسم ضوء شاعريته على فكرة المقاومة فقط، ولم يكن التزامه السياسي والحزبي بابا تدخل منه الريح تدخل وتخرج كيفما تشاء على حديقة شعره. ليست تلك حياة الشخص الذي امتدت سنونه أكثر من السبعين، وليست كذلك الشخص الذي أنجز أكثر من سبعين عملا ما بين النثر والشعر. عند سميح القاسم كانت فكرة المقاومة نوعا من الالتزام الذي لا يرتبط بالكتابة فقط، بل هي نوع من طريقة حياة لا ينهض بها سوى الشعراء الكبار، نوع من القدرة على المشي بالحياة في أرض مزروعة بالألغام، لا القدم تجفل، ولا الإرادة تتزعزع، ولا إبداعه يحرف عن مساره. في تاريخ الشعرية العربية المعاصرة لم أجد مثل هذه الفكرة في الالتزام مثلما هي ضاربة بجذورها ومتعمقة فيه كما هي حياة سميح القاسم. إن ما يظهر على السطح هو شاعر المقاومة الفلسطينية، شاعر الغضب الثوري، شاعر القومية العربية، شاعر الملاحم، شاعر الصراع. لكن في العمق من حياته هو السطح ذاته من دون تمايز أو انفصال. لذلك شاعريته بالقدر الذي ترتبط فيه بالسياسة هي غناء لأجل الحياة، وبالقدر الذي ترتبط فيه أيضا بالمقاومة هي غناء أيضا لأجل الحياة. لا شيء غير ذلك يجعلنا ننحرف عن النظر إليه من هذه الزاوية. ومثلما كان بول إيلوار يغني للحب والحرية والمقاومة في زمن الاحتلال النازي لفرنسا كان سميح القاسم على ذات الإيقاع. من النادر في حياتنا العربية أن نقف على هذه الصرامة في حياة الشعراء. محمود درويش الذي طور تجربته الشعرية وما يتعلق بها من فكرة المقاومة باتجاه مختلف عن سميح بعدما افترقا في منتصف المشوار، كان هو الآخر في نهاية المطاف غير من مساره وجدده بعيدا عن رفيق دربه في المقاومة. سميح عندما التقيته في عمان بالأردن عام 1994م على هامش مهرجان جرش وقد أهداني ديوانه «الكتب السبعة» لم أر في تعابير وجهه سوى الجذور النابتة بقوة في أرض صلبة، سوى الأجداد الذين يضربون بأقدامهم بكل قوتهم، ليذكروك بأنهم ما زالوا حاضرين وبقوة في إرادتك ومقاومتك وشعرك. هكذا كان سميح وهكذا كنت أراه. لقد استراح الآن من فكرة التزامه، وأطلق حياته من فكرة معناها، وأعطى عنان صهيله للعدم وللبياض الذي يرى بهما هذا الصهيل.
(شاعر من السعودية)

رحل أنيقاً

عبد الوهاب الملوح


آب شهر رحيل الشعراء، آخر الصيف وطلائع الخـريف يذهـب الشـعراء إلى حيث يكتبون قصائد للرياح الآتية من جهة النسيان، وهكذا رحل سميح القاسم شاعر المقاومة الذي وظََّف كل شـعره من أجل القضية الفلسطينية وكتب من أجلها أقوى البيانات والمقالات والتصريحات.
أيضا كان سميح القاسم مناضلا حقيقيا مؤمنا بالقضية الفلسطينية إيمانه بحقيقة وجوده كائنا يستحق الحياة، لذلك لم يترك أرض فلسطين، وظل يناضل في صلب الحزب الشيوعي، وقد كانت له نقاشات مطولة في هذا الصدد مع الراحل الكبير محمود درويش، الأخ الذي لم تلده أمي كما يحلو لسميح أن يناديه.
كانت هذه النقاشات حول النضـال من الداخـل أو الخـارج، وكـانت هذه الرسائل عبارة عن نصـوص أدبية بين الشاعـرين، بل أكاد أجزم أنها كانت أشعر وأبلغ من الكثـير من شعر سمـيح القـاسم الـذي لم تكن علاقته بالشعر جـمالية مهمـومة بالبحـث في تطـوير تقنيات الكتابة، بقدر ما كان الشعر وسيلة تعبيرية بالنسبة له وخادم قضية فقط.
لقد كانت هناك محاولات للراحل بحثا في ماهية الشعر وفي جماليته من مثل مجموعتيه ’’PERSONNA NONA GRATA’’ ومجموعة ’’كولاج’’ غير أنها تبقـى ضمـن مدونتـه التي بلغـت أكـثر مـن سبـعين مجمـوعة شـعرية مـحاولات لا ترقى إلى مستوى البحث الحقيقي في الشعرية وتقنياتها، فهـو عـكس فـدوى طـوقان وتوفـيق زيـاد ومحمـود درويـش وعـكس مريد البرغوثي الذين بقدر ما كان همهم القضية الفلسطينية بقدر ما حاولوا النظأي بالشظعر عن التوظيف الإيديولوجي الآني، وكانت علاقتهم بالشعر علاقة جمالية إبداعية.
جاءت مقارباتهم ذات بعد كوني مركزه الإنسـان الفلسـطيني والإنسـان عموما، بينما جاء شعر سميح القاسـم الذي خـلا من التجـريب ومن البحث اللغوي صدى لهمّ المناضل السياسي داخله، مناضل ملتزم حد العظم بقضية شعبه، وما الشعر بالنسبة له إلا وسيلة للتعبئة والتجييش وفضح أساليب المستعمر وكشف معاناة الشعب الفلسطيني.
لقد رحل الآن سميح القاسم في نفس الشهر الذي رحل فيه محمود درويش، في نفس الوقت الذي تعودت فيه إسرائيل صبّ قنابلها على الشعب الأعزل، في نفس الوقت الذي يتراجع فيه دور المثقفين العرب على حساب الانتهازيين السياسيين.
كان سميح فلسطينيا حقيقيا، قال حين رحل درويش ’’تخـليت عـن وزر حزني ووزر حياتي وحملتني وزر موتـك أنـت تركـت الحـصان وحيدا لماذا؟’’. رحلوا كلهـم الآن، رحلوا إلى حـيث لـن يكـتبوا ولن يغنوا ولن يرفعوا معنويات الحجر والشجر ولن يزرعوا الأمل في الطريق المعتمة. رحل سميح القاسم بعد كل هذا التعب غير أنه لم يسلم سلاحه ولم ينحن لأحد غير شعبه.
هكذا رحل أنيقا كما سبق وعبر عن ذلك قائلا: ’’وليأت الموت وأنا مستح مرتد ملابسَ جميلة ومرتبة، أنا أحب الأناقة حتى في الموت، أحبه أن يكون أنيقا ومرتبا وجميلا ونظيفا’’. رحل أنيقا من دون أن يتلوث بأي شيء ورحل كبيرا وهو يدافع عن شعبه.
(شاعر من تونس)

النموذج والأمثولة

يحيى يخلف


رحل سميح القاسم بعد حياة حافلة بالشعر والكفاح وحب الوطن وحب الحياة، وعلى خطى نبضات ودقات قلب الأرض مشى في دروب الحرية، ونثر على الطريق صرخته وناره ورسائل عشقه وصدى غضبه واشتباكه مع المحتل مقرنا الكلمة بالممارسة، رابطا القول بالعمل، والإبداع بالفعل، محملا الكلمة أكثر مما تحتمل الحروف، وكعبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي وغسان كنفاني ومحمود درويش ومعين بسيسو وعشرات غيرهم ضبط خطواته على خطى الفدائيين والمقاومين ولهب الكفاح المسلح والشعبي، فكان الشعر الفلسطيني جزءا من أدبيات الثورات الفلسطينية المتعاقبة، من ثورة 1936 حتى المقاومة الباسلة في غزة، وخلق مع رفاقه المبدعين في مطلع الستينيات من القرن الماضي ظاهرة فريدة في الأدب العربي هي ظاهرة أدب المقاومة، ظاهرة لم تكن موجودة بشكلها ومضمونها اللذين وصلا إلينا، فمثَل ذلك إضافة نوعية أغنت المحتوى الكفاحي والتحرري في الفكر والثقافة العربيين. تحلى سميح بسلوك اتسم بالبساطة، والخلق الكريم عبر فيه عن ثراء ثقافته، وعمق انتمائه، وصدق مشاعره، وحميمية آسرة حببت إليه قراءه وأبناء شعبه الفلسطيني والعربي، وأكد بسلوكه كمثقف أن السلوك في ذروة تجلياته هو التعريف الحقيقي للمثقف، كان سميح هو النموذج والأمثولة، توفرت في شعره كل العناصر الفنية التي حولت معظم قصائده إلى أغاني وأناشيد، وأيقونات، وصارت مسيرته الشعرية على مدى أكثر من خمسة عقود سجلا لمسيرة كفاح شعبه، ووثيقة سياسية واجتماعية ونضالية لكل المحطات التاريخية التي مر بها الشعب الفلسطيني. من الصعب الإحاطة بسيرة ومسيرة سميح في هذه العجالة، فإبداع سميح الشعري يحتاج إلى دراسات وكتب وليس مقالة مقتضبة، ولعلي اختم كلامي بما هو شخصي، فقد رافقت فترة مرضه التي امتدت ثلاث سنوات ونصف، وكنت شاهدا على صراعه الشجاع مع المرض، وقدرته على الصمود، وقوة الحياة في روحه، فقد ظل يتحلى بمعنويات عالية، وكان لديه تصميم على الانتصار في هذا الصراع، فمنذ أن اخبرنا البروفسور جمال زيدان الذي اشرف على علاجه قبل ما يزيد على ثلاث سنوات أن حالته خطيرة، وان أمامه ثلاثة شهور فقط قبل أن يودع الحياة، حاولت أيامها مع عدد من الأصدقاء إقناعه بسرعة إقامة حفل زفاف ابنه عمر التي تم تأخيرها بسبب مرضه، إلا انه رفض وأصر على أن يكون الحفل في نهاية الصيف القادم، أي بعد تسعة شهور، كنا نود إدخال الفرح إلى قلبه، لكنه أراد أن يوحي لنا انه سيعيش وينتصر على المرض، وبالفعل جاء الصيف، وأقيم حفل الزفاف، وتزوج ابنه عمر، وأنجب له بعد عام حفيدا وهو ينحاز إلى الحياة في مواجهة الموت، وخلال تدهور حالته في الآونة الأخيرة كنت أزوره، وكانت آخر زيارة في مستشفى صفد قبل ثلاثة أيام، وكان يومها في وضع مقبول، وعندما دخلت المستشفى وضعت على أنفي الكمامة التي يتعين وضعها لدى زيارة مريض يفتقر إلى المناعة، دخلت عليه وانحنيت لكي اقبل جبينه، فمد يده وانزل الكمامة عن وجهي، وأصر على أن يقبلني. كنت اشعر في داخلي بأن هذا اللقاء ربما يكون الأخير، وان حلاوة روحه هذه ناجمة عن مقاومته للموت، وفي جو مفعم بالحميمية سألني عن عائلتي وعن روايتي الجديدة التي سبق أن أخبرته إنها قيد الإعداد، وعن العدوان في غزة، وتحدثنا عن أولادنا وأحفادنا، وفوجئت به يطلب من ابنه وطن الذي كان موجودا، فوجئت بأنه يطلب من وطن أن يريني على هاتفه الذكي مقطع فيديو يظهر فيه وهو يداعب حفيده. (سميح الصغير) ابن ولده عمر، في مشهد رائع يعيد سميح الجد إلى فرح طفولي ما مر بذاكرة شاعر. رحل سميح ولكنه ظل (باق في الرامة) كما ظل أميل حبيبي، الذي أوصى أن يكتب على شاهد قبره (باق في حيفا)، الرامة التي عاش بها مع عائلته، كما عاش بها آباؤه وأجداده، سميح اختار منذ أكثر من عشرة أعوام مكان دفنه وضريحه. اختار أرضا على تلة قريبة من بيته، وأعدها لتكون قبره وحديقته، يطل منها على سهول وتلال فلسطين وطبيعتها الساحرة التي خلقها الله منذ الأزل، سميح يذهب هناك ليموت كما تموت الغزلان، لينام هناك مثل حبة قمح تغفو في باطن الأرض الطيبة والحنونة المجبولة بمسك الشهداء.
(كاتب وروائي من فلسطين)

مستدرجاً الموت..

تمام علي بركات


التاسع من آب الجاري مرت الذكرى السنوية السادسة لرحيل «محمود درويش»، مرت كما جرت العادة، أماس شعرية تتلى فيها قصائده، مقالات تستحضر غيابه، برامج تلفزيونية تحييه لدقائق في صوته، لتعود وتدفنه في أصوات الآخرين وهكذا، مرت دون أن تنذر بأن رحيلاً باهظا آخر سيحمله قادم الأيام القريبة، رحيلاً سيعيد لتلك الذكرى ألق بطلها. كيف لا والراحل هذه المرة، أحد شطري البرتقالة «سميح القاسم « الرجل الذي أطل منذ مدة قريبة على قناة «الميادين» ليقول بأن جسده يذوي ولم يبقَ منه سوى القلب، وهذا ما قالته الصورة أيضاً، فصاحب (أغاني الدروب - 1964)، ظهر نحيل الجسد أصفر المحيا متقارب تجاعيد الوجه، وحده صوته بقي محتفظا بسماته القديمة، قويا وجريئا وواثقا.
19 آب 2104، أنهى «القاسم» نزاله مع مرض السرطان، كما أنهى أيضا نزاله مع الخذلان والخيبة، مغلقاً الضلع الثالث لمثلث شعراء المقاومة الفلسطينية، الذي جمعه بكل من الراحل الشاعر توفيق زياد - أشد على أياديكم، وصاحب «ورد أقل» في - «سجل أنا عربي» ومنتصب القامة أمشي، ثلاث قصائد طافت شهرتها بين الناس لثلاث شعراء فلسطينيين، كتبوا أشعارهم المقاتلة ضد الاحتلال الصهيوني، من داخل فلسطين، ونقلوا ببراعة مزاج الشارع الفلسطيني المقاوم ومزاج الجماهير العربية الغاضبة من تخاذل حكامها بحق قضيتهم الحقيقية فلسطين.
ستصبح قصيدة «منتصب القامة أمشي» التي لحنها وغناها الفنان «مارسيل خليفة» القصيدة الأكثر التصاقاً بوجدان الجمهور العربي المقاوم، الأكثر تعبيراً عن رغبة الفرد الفلسطيني والعربي بما يريد أن يكونه: إنسانا يحمل كرامته ودمه معا، وستصبح جرساً معلقاً يرن في الذاكرة، كلما استجد خطب يعتري الأرض المحتلة أو إحدى الدول العربية، جرسا يستنهض الهمم ويذكر بمفردات الحياة الكريمة التي تعني عند كل عربي مقاوم: إما حياة وكرامة أو مماتٌ يغيظ العدا.
تسع سنوات فصلت بين ولادة صاحب «مواكب الشمس» 11-أيار-1939 والنكبة الفلسطينية 1948، ليكبر الفتى وفي دمه تجري خيالات لمذابح سفكت فيها نظرات الفلسطينيين على عتبات بيوتهم وبياراتهم، ولخيوط فجر طويلة ومتقطعة تتكشف كل صباح عن نزوحات جماعية هرباً من الموت، تركت في وجدان القاسم طعنة لا تميت ولا تحيي، صور لأطفال شاردين خارج دروب النزوح، نساء متشحات بحزن قاصم للظهر، حملنه وبقج الفقر المعدة على عجل، رجال بقامات مائلة، أولموا للموت فتياناً كالزنابق، هم الغائبون الوحيدون عن مشهد الألم والخزي هذا.
تلك المقاطع القاسية والصور المؤلمة التي استقرت في جوانيات صاحب «كولاج»، مسته فداحتها وأهوالها على رقته، وأحالت سنين المراهقة لديه إلى عبء ثقيل الشغف، بين قريحةٍ لاذت بالشعر لتكافح الاحتلال، وعملٍ ميداني يتطلع إلى تحقيقه مع المقاتلين والثوار الفلسطينيين، فكان أن انتسب للحزب الشيوعي عندما صار الاتحاد السوفياتي بعد انتصار البلشفية، واحداً من أقوى بلدان العالم التي ترفع شعارات من قبيل الحرية والمساواة والعدل، ما جعل القاسم نصيراً لقضايا الشعوب المظلومة، إلا أن مزاولة صاحب «جهات الروح» العمل السياسي الحزبي، جعله يدرك فورا كم تبتعد أيديولوجيات الأحزاب المعقدة على لمعان شعاراتها، عن أيديولوجيته البسيطة: «عدو وأرض محتلة مقاومة وكفاح بجميع الوسائل حتى دحر العدو وتحرير الارض» أدار ظهره ميمماً وجهه نحو الشعر الذي احتوى غضبه وخوفه، حزنه وفرحه، أمله ويأسه، وهدأ من روعه، ليدله إلى طريقه: بالشعر أقاوم.
غزير هو النتاج الشعري والأدبي للراحل «القاسم»، إلا أن قصيدة «منتصب القامة» صارت هي العلامة الفارقة في نتاجه الأدبي كله، بعدما صارت من القصائد الأمثولة، كلمات صارت من مفردات الكرامة العربية بعدما جرت على لسان كل الأجيال العربية التي مجدت المقاومة ضد المحتل أيا يكن، ليغنيها ابن الجنوب اللبناني كما غناها ابن القدس، وليرددها ابن الجولان كما يرددها ابن لواء اسكندرون، كلمات صار صاحبها جزءا وجدانيا من وعي المقاومة وثقافتها.
مشى «سميح القاسم» كما أرادت قصائده: قامة منتصبة وهامة مرفوعة، بعدما اتكأ بمرفقيه: شعره وما بقي من حرائق القلب على وهن اللحظات الأخيرة، مشى من مرض جسده هذه المرة، خلعه عن كتفيه كعباءة رثة وقام منه إلى الموت، نهض من أثقال قلب الشاعر المهزوم، لا من مرض أو خلل في تجربته الأدبية عموما والشعرية خاصة، بل لان ما ناضل حبره لأجله طيلة عمره إن كان في سبيل القضية الفلسطينية خاصة وبالقضايا العربية والقومية والعالمية عموما، مات دونه، همدت مخالبه عن حروفها وجف حبره في عروقه وترملت قصائده، ولم يكتب له أن يرى فلسطينه معافاة من جراحاتها النازفة، لم يشم رائحة الهمم التي استنهضتها أشعاره لتحرير وطنه، تدنو من أسوار القدس، بل شاهد بأم عينه الذابلة، كيف بدا البعض من الذين ظنهم أهلا وأشقاء، بحفر الأنفاق تحت تاريخ فلسطين برمته، تحت اسمها وحجارتها وناسها وحتى أغانيها.
مات صاحب «دمي على كفي» وغزة تشطف دم أبنائها وأطفالها عن الإسفلت بعد العدوان الصهيوني الأخير عليها، لتكتب على الجدران وعلى القلوب، على الهواء والماء، على البندقية والرجاء: «تقدموا.. كل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جهنم؛ تقدموا.. يموت منا الطفل والشيخ؛ ولا يستسلم؛ وتسقط الأم على أبنائها القتلى؛ ولا تستسلم؛ لن تكسروا أعماقنا؛ لن تهزموا أشواقنا؛ نحن القضاء المبرم؛ تقدموا تقدموا».
نعم لم يمهله الزمن حتى يرى بيارات يافا وبحر حيفا وشوارع القدس العتيقة وكل المدن الفلسطينية، تعفي أجراس العودة من أشغالها الشاقة، وتمنح أصوات العائدين وضحكاتهم تلك الأجراس الهرمة إجازة تقاعد دائمة بسبب انتهاء مهمتها بعد تحرير فلسطين، لكنه شاهد كيف أينعت الكرامة والرجولة في غزة، اطمأن قلبه إلى أن إرثه بالنضال والكفاح ومقاومة المحتل ومقارعة الخطوب الجسام، في أيد أمينة.
«أنا لا أُحبُّكَ يا موتُ.. لكنّني لا أخافُكْ؛ وأدركُ أنَّ سريرَكَ جسمي.. وروحي لحافُكْ؛ وأدركُ أنّي تضيقُ عليَّ ضفافُكْ؛ أنا.. لا أُحبُّكَ يا موتُ.. لكنني لا أخافُكْ»!»
بهذه الكلمات الحاسمة خاطب صاحب «رماد الوردة» الموت، مستدرجا إياه إلى كهولته التي صارت عبئا على قلبه، ناصباً له فخاخا من التحدي والاستسلام بآن، وماذا يريد الموت أن يرى من شاعر إلا ذلك: تحدياً للطفه واستسلاماً لرحمته.
سميح القاسم نهض إلى الموت كما ينهض الرجال ليصافحوا الرجال.
(كاتب سوري)

الكتاب الأيقونة

فتحي أبو النصر


ستفتقد الثقافة والفكر العربي والأممي شخصية نزيهة وصلبة وذات احترام كلي، بينما شكل تجربة شعرية بارزة لها طابعها النوعي المتفرد في المقاومة والعشق على مدى عقود. أتذكر الآن قصائده القديمة عن صنعاء وعدن (لأكثر من سبب ولأكثر من حنين أيضاً) مع أنها ضمن عديد قصائد صاخبة له غير متوافقة مع ذائقتي، ومع ذلك لا املك سوى أن أقدرها بدون تحفظ.. ثم انها أنتجت مرحلة ارتفاع النبرة المباشرة في الشعر العربي الحديث «وتسييسه».. مرحلة الستينيات خصوصاً وشيء من السبعينيات، وهي مرحلة لها خصوصياتها وظروفها الاستثنائية شديدة التأثير في مستوى النص بكل المقاييس. إلا ان سميح القاسم - نجح رغم كل شيء ولو بطيئاً مقارنة بدرويش مثلاً - في تطوير شعريته ورؤاه إلى حد مبهر. أما بشكل خاص وحميمي فإنني أعتز بتقديسي لرسائله مع محمود درويش متلاقحة مع رسائل الأخير له، والعكس. في حالة هارمونيكية متناغمة تصاعداً وهبوطاً وامتزاجاً وافتراقاً في إثارة المعنى وأبعاده داخل النقاش الفلسفي والجمالي والإبداعي والوطني والإنساني والعاطفي الخ. ذلك الكتاب الأيقونة الذي يخلف أثراً لا يمّحي في الوجدان والوعي ولا يستجدي تصفيق الجماهير التي تتلذذ باستلابها كينونة المبدع العميقة فقط! هناك حيث الإدهاش المتجلي والناضج لهمس غريبين كونيين عظيمين كسميح ودرويش. هناك حيث المرآة الحقيقية لذروة تجليات مبدعين كبيرين إنسانياً، وشاسعين في وعيهما بالذات والآخر، كما بفلسطين تاريخاً وهوية وجغرافيا وقضية ومصيراً، فضلاً عن تمجيدهما للإنسانية كهوية، وبالتفاصيل الصغيرة في هذه الحياة العابرة التي يجب أن نحياها كنشيد كرامة وسلام وحرية بكل أخلاقية قيمية يميزها اتساقها المكابد بأفقها الإنساني اللامحدود والمقاوم للشر وللهيمنة وللتوحش وللاستغلال واللاعدالة في هذا العالم.
إلى ذلك يقفز في خاطري الآن اعتزازه المتفوق بأنه من نسل القرامطة الذين هاجروا إلى الشمال واستقروا بفلسطين. فأتذكر روح جدنا علي بن الفضل الذي تعرض للتشويه الممنهج واللامعقول من قبل المعتوهين والحمقى الذين سطوا على التاريخ وزيفوه، كما اتيقن بالمقابل من ان الروح الأصيلة والواسعة للشيوعي الكبير سميح القاسم لم تأت من فراغ أبداً. سميح القاسم الذي كان «اشد من الماء حزناً» ونبالة بالتأكيد لا يموت .. لا يموت في ذاكرة الهم الفلسطيني على الإطلاق.
(شاعر وصحافي من اليمن)


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 4:04 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


تعبتُ من الحياة

جمال الجمل

رحيل القاسم، ليس رحيلا لشخص، قال كلمته ومضى، إنه رحيل زمن.
وفي تصوري أن هذا الرحيل لم يحدث قبل ساعات داخل غرفة بيضاء في مستشفى، لكنه حدث في فضاء الزمان والمكان، حيث تغيرت المفاهيم، وتبدل القاموس السياسي والشعري، وتنحت قضايا وعناوين لتحل محلها قضايا وعناوين لاتلائم الشاعر اليقيني المقاوم
لقدر عاصرت موت يوسف إدريس قبل غيابه الفيزيقي بسنوات، كما اعاصر منذ سنوات موت الكثير من المبدعين والمفكرين والفنانين الذين يتنفسون من الماء إلى الماء.
سميح نفسه كان يدرك هذه المتغيرات، ويوقن أنه يمضي في طريق كيخوتة، فلا المقاومة التي تروج لها صحف وفضائيات، هي المقاومة التي تناولها سميح في اشعاره، ولا حتى فلسطين هي فلسطين.
الرفاق ذهبوا بأحزانهم وأحلامهم، ولم يبق من توفيق زياد وراشد حسين ومعين يسيسو، ومحمود درويش ايضا، إلا ما تسمح به الذاكرة العربية الآنية، وهي ذاكرة تفضحها اقتباسات شباب الأمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وركاكة المثقفين الذين يتصدرون المشهد، وهيمنة وزارات الثقافة، وشروط الناشرين الباحثين عن جمهور لا يقرأ، وإذا قرأ فإنه يتوقف أمام عشق راء، وصهيل الجنس بين ساقي جيم، والافخاذ السماوية المشاع، أكثر مما يتوقف عند قضية من القضايا التي كانت تشغل بال شعراء القضية.
لا اليسار هو اليسار الذي ناضل سميح من أجله، ولا العروبة هي العروبة، ولا الاستشهاد نفسه له ذلك الطعم القديم، ربما لهذا خاطب سميح نفسه وخاطبنا:
«يا أيها الموتى بلا موت
تعبت من الحياة بلا حياة
وتعبت من صمتي
ومن صوتي
تعبت من الرواية والرواة».
في أحد لقاءاتنا بالقاهرة، أخذنا الحديث عن طقوسه الخاصة جدا في الكتابة، وكان من أجمل ما قاله انه يحب الكتابة في الليل، وكل من حوله نيام، لكنهم يجب ان يكونوا قريبين منه، ليسمع صوت أنفاسهم.
وعندما سألته: لماذا؟
قال: لا أعرف، أحب أن اشعر بوجود الناس، لكنني لا أحب أن يقاطعوني ويشوشـوا تركيزي.
لا أعرف هل ذهب سميح لينام وتركنا نكمل الكتابة، أم أننا النائمون وسميح ذهب ليكتب؟
ما أعرفه أن سميح الشخص ذهب إلى حيث يذهب الاشخاص، أما الشاعر فيبقى متحررا من الأعباء والمشاحنات، وكما كتب يوما لنجيب محفوظ أكتب: طوبى للحرف الشامخ في الليل منارة/ والعار لأبراج العاج المنهارة».
(شاعر مصري)


امتحان الوجود والهوية

ياسر سكيف


لم يذكر الشاعر الفلسطيني سميح القاسم يوماً إلا واستحضر ذكره, بالنسبة لي شخصيّاً, تلك العقائدية, التي ربّما كانت مُحبّبة يوماً, والتي استبدّت بالشعرية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي, ولم تنجح سوى قلّة ٍ قليلة ٍ من الشعراء في التفلّت من قيدها, وفي البحث عن أشكال وآليات جديدة للاشتغال الشعري. ولطالما أحسست بأنّ ما يشدني إلى القاسم وجداني أكثر منه فنيّاً, وإن كان من أدبيّ أغراني في تجربته فقد رأيته في روايته (إلى الجحيم أيها الليلك) رغم تواضعها في سياق جنسها الأدبي, أكثر مما رأيته في تجربته الشعرية. ففي هذه الرواية يُظهر القاسم جانباً, بقي حيياً, من الميل إلى المُغامرة الفنيّة. ولم يتبدّ هذا الجانب في شعره أبداً إذ بقي مستقرّاً عند عتبة المعنى الأداتي للفن عموماً وللشعر على وجه الخصوص, وهذا ما يعود في أسبابه, دون أن أقول جديداً, إلى امتحان الوجود المستمر, وامتحان الهوية المهدّدة في هذا الوجود. ذلك الامتحان الذي عاشه الشاعر في ظل الاحتلال, والذي جعل من تجربته الشعرية تنوء بحملها الأخلاقي على حساب الفني. وكأنما كان على القاسم ألا يتخطى الممارسة الوظيفية للأدب لأسباب ربّما أهمها الفهم الأيديولوجي القبْلي والمُحدّد لدور الأدب ووظيفته, يضاف إلى هذا انغلاق العالم الخارجي كعيش حواري مع الإنسان والفكرة. وعند هذه النقطة ـ السبب يحضر محمود درويش كنموذج على الجدلية التي تحققت بين الحرية كشرط وجود وبينها كشرط إبداعي. ولا أقصد الحرية التي تتحقق في الخلاص من قبضة الاحتلال فحسب, بل تلك التي تخص الانفلات من قبضة استبداد الأيديولوجيا أيضاً. وهكذا بقي نص القاسم أسير شعبويته التي جعلت منه صوتا ً جماعيا ً يصدره الفرد بالنيابة, وبالتالي تجرّد من ملمح الفرد الذي قد تتبنى الجماعة صوته, كما في تجربة درويش, وهذا ليس حكم قيمة على نص القاسم, إذ لا مساحة هنا لإحكام القيمة التي تحتمل الأخذ والرد, إنما هو توصيف فحسب لما يرشح به النص. نعم نص القاسم هو نص مقاوم, وهذا التقييم, كما نلاحظ, لا يأتي من الحقل الأدبي, ولكنه يؤكد على أنه نص مُغلق على ذاته الاجتماعية؛ بحيث لا يترك مجالا ً لقراءته بأدوات القراءتين الأدبية والفنيّة, بقدر ما يستدرج قراءته من حقول ثقافية أخرى. وبالتالي لا يمكن الحديث عن أية إضافة أحدثها القاسم في تجربته الشعرية, تلك الإضافة التي يمكن أن تستفز جهدا ً نقديا ً في الحقل الأدبي, وإن كانت هناك من إضافة فإنما إلى البعد الأيديولوجي في الأدب. ومن هنا أقول: إن القيمة التي يمكن أن تسجّل وتحتسب لسميح القاسم, في مسار الشعرية العربية, هي تاريخيّة فحسب, وليست فنيّة بأي حال.
(ناقد سوري)


آخر الشعراء النجوم..

سامر محمد إسماعيل

ساعدت الغنائية العربية الممتطية صهوة الأيديولوجية والحقوق المُغتصبة على بروز سميح القاسم مع العديد من الأسماء الشعرية التي تبنت قالباً جاهلياً جديداً في قلب المجتمعات الحديثة بعيد الاستقلال في هذا البلد العربي أو ذاك، إلا أن شعراء فلسطين ومن لاذت موضوعاته بالحق الفلسطيني كانوا الأقرب إلى وعي الجمهور الجديد، فبعد عقود طويلة من فترة الشعر الرومانسي الذي تربع المهجريون على عرشه بدايات القرن العشرين، كان لا بد للقصيدة العربية من أن تخرج من التفخيم والبرجزة والترصيع والتكلف؛ نحو مجازاتٍ أكثر قرباً من القصيدة الشفوية التي تعد أصل الشعر العربي الكلاسيكي، وهي هنا تقترب من صيغة النشيد أكثر منها كنص يحفر عميقاً في اللغة وأحوالها وصياغة صورها وأصالة شعريتها. هكذا عادت من جديد ظاهرة الشاعر النجم إلى واجهة الثقافة العربية بعدما اختفت تقريباً منذ العصر العباسي مع المتنبي وأبي تمام وسواهما من مالئي الدنيا وشاغلي الناس؛ مقدمةً العديد من شعراء المنابر الذين وجدوا أنفسهم محاطين بجمهور يتلقى الهزيمة تلو الهزيمة، فالنكبة كما تسمى في التعبير القومي الدارج عن خسارة العرب لفلسطين، وتهجير شعبها من مدنه وقراه، ومن بعدها نكسة حزيران تركتا وشوماً لا تمحى في العقل والذائقة العربيين؛ لكنهما في الوقت ذاته أفسحتا المجال أمام ظاهرة الشاعر العراف، الشامان، الرائي؛ والذي كانت تُخصص ملاعب كرة القدم لجماهير أمسياته؛ إضافةً لحضوره الغزير على وسائل الإعلام، وتدريس قصائده الثورية الرافضة ذات النبرة العالية في مناهج المراحل الأولى من المدارس العربية كأدب ملتزم ومقاوم؛ فقصيدة القاسم التي يقول مطلعها: «خلوا الشهيد مكفناً بثيابه، خلوه في السفح الخبير بما به» إضافةً لقصيدته «تقدموا فكل سماءٍ فوقكم جهنمُ» كانت ولا تزال في قائمة القصائد التي حفظتها أجيال من تلاميذ المدارس في سوريا، بل إن قصيدة القاسم ظلت جنباً إلى جنب مع قصيدة محمود درويش هي المثال الأكثر نضارةً للتعبير عن الحق الفلسطيني، وعن الوجدان العربي المكسور، والمهشم، صحيح أن القاسم ظل وصيفاً أمام نجومية رفيق دربه، إلا أن صاحب «مواكب الشمس-1958» رغم تاريخه الطويل من النضال والاعتقال ودخوله أكثر من مرة إلى السجون الإسرائيلية، ورفضه مغادرة الأراضي المحتلة وانتسابه إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ووضعه غير مرة تحت الإقامة الجبرية من قبل قوات الاحتلال، وترجمة أعماله إلى عدة لغات منها العبرية، ونيله مرتين وسام القدس من الرئيس الراحل ياسر عرفات؛ أقول رغم كل هذا ظل القاسم أقل نجوميةً من محمود درويش، ففيما انتزع صاحب «الجدارية» لقب شاعر القضية بامتياز ولسنوات حتى بعد مغادرته لفلسطين مبكراً وسفره إلى بيروت والقاهرة وتونس وباريس، ظل القاسم يكتب أشعاره من أرض موطنه؛ حائزاً العديد من الألقاب التي لم تجعل نجوميته تقترب إلى نصف النجومية التي حصدها صاحب «ورد أقل» الذي كان يكتب معظم خطابات ياسر عرفات؛ لا سيما بعد ترك درويش بيروت إبان الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي لها للقضاء على منظمة التحرير هناك وقواها المسلحة في لبنان، لقد ظل القاسم رغم غزارة نتاجه الشعري والأدبي عموماً بعيداً عن شعراء الصف الأول، وما كتاب «الرسائل - العودة - بيروت 1989» بينه وبين درويش سوى نوع من المماحكة المعلنة بين موهبة لا ترد وموهبة أثقلتها ألقابها المتعددة من مثل: «شاعر الغضب الثوري - الشاعر النبوئي - شاعر البناء الأوركسترالي - الشاعر العملاق» وغيرها الكثير؛ وذلك دون أن تجد مؤلفات صاحب «يا عدوّ الشمس» ذلك الصدى اللازم لها بين أوساط الجمهور العربي الذي كان يهدر برمي إسرائيل في البحر مردداً لاءات قمة الخرطوم-1967 الثلاث: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض؛ فلم يكن لكتب القاسم الكثيرة في النثر والرواية والشعر والتوثيق هذا الوهج الذي نالته كتب شعراءٍ آخرين؛ حتى أن مواطنه عز الدين مناصرة البعيد عن كل هذا الضجيج الذي رافق كلاً من درويش والقاسم، تتمتع نصوصه بخصوصية شعرية عالية وموهبة نادرة تضاهي نصوص هذين الشاعرين وتتفوق عليها في الكثير من المواضع؛ فنجومية الشاعر هنا لا تعني إطلاقاً عدم مناقشة نصوصه نقدياً وفنياً كما حدث مع مجمل تجربتي القاسم ودرويش؛ ولئن غنى مارسيل خليفة ولحّن لكل من درويش والقاسم ومناصرة فهذا لا يعني أيضاً أنه ليس هناك أكثر من جيل شعري فلسطيني تم تهميشه وإهماله على حساب احتلال الشعراء النجوم لعرش القصيدة الفلسطينية المعاصرة - بالمناسبة ما الذي تشكو منه أشعار معين بسيسو أو غسان زقطان مثلاً؟ - لكن الغنائية والدرامية والملحمية وحاجة الجمهور إلى مخلّص تدعم دوماً أسطرة شاعر ودفعه ليكون لسان حال الجماهير سواء أراد ذلك أم لم يرده؛ وربما في كثير من الأحيان إنشاد الحشود قصائد تعبوية في مرحلة من مراحل المواجهة مع العدو؛ كانت تبدو للقاسم نوعاً من الريادة المستمرة عبر التنبؤ بلواعج الشارع العربي، لا سيما أن حياة الإنسان الفلسطيني حتى هذه اللحظة هي من أقسى أنواع الحياة، وأكثرها اغتراباً وقدرةً على تفتيق قريحة صوتية فجائعية يكون الشاعر مشجبها الفني والأدائي ورمزها المناسباتي المحبب. هذه العوامل ظلمت نصوص القاسم مثلما ظلمت نصوص درويش، بل حمّلتها ما لا طاقة لها به؛ لتزيد غربة الشاعر واغترابه، ولتنغص عليه صفو ذهنه وسليم سليقته؛ ولهذا نجد في أشعار القاسم ما يستحق المراجعة والوقوف عنده طويلاً كما في «ويكون أن يأتي طائرُ الرعد - دار الجليل - 1969» أو في « لا أستأذن حداً - درا الريس-1988» أو حتى في « سأخرج من صورتي ذات يوم - مؤسسة الأسوار-2000»، فقياس قامة من مثل سميح القاسم بقربه أو ابتعاده عن كونه شاعراً نجماً أم لا هو أكيد إجحاف بحقه؛ وإكمال لما حاول البعض تصنيفه ضمنه؛ وهنا أستطيع القول ابن بلدة الرامة كانت معظم نصوصه أقرب إلى الهدير منها إلى الهمس؛ إلى الصراخ أكثر منها إلى الغناء، وظلم كبير أن نطلق حكماً نهائياً على هذه النصوص أو ننفيها في قالب نصوص المقولات الكبرى؛ إذ كان لا بد في نهاية الأمر مما لا بد منه؛ كان لا بد من شعراء يستطيعون عكس عصرهم في قصائدهم؛ ومن يمثل كل هذا الدم الفلسطيني المسفوح سوى شاعر من مقام صاحب «دمي على كفي - الناصرة -1967» أو « منتصب القامة أمشي - منشورات الأسوار -2012»؟ الأغنية - القصيدة التي لا تزال تحرك الجموع فهل ما زالت تحركها؛ وهل ما زال هناك متسع لنجومية الشاعر في زمن الشارع وتسيد كائناته حتى على وعي النخب العربية؟ سؤال يصير محرجاً يوماً بعد يوم للكثيرين ممن حزنوا أو وجدوا وقتاً للحزن على سميح القاسم الذي لم يكن ليرحل هكذا، دون أن يشاهد في آخر أيامه ازدهار حفلات تقطيع الرؤوس بين بغداد ودمشق؛ فيما يزهق الدم الفلسطيني في غزة يومياً وبنفس إيقاع التواطؤ العربي؛ وذات الإذعان وغض النظر عن الجريمة الإسرائيلية الكاملة فوق أرض فلسطين؛ مرةً عبر تهدئة ومرةً عبر هدنة؛ ومرات عبر وساطة مصرية غامضة بين تل أبيب والقاهرة يتم فيها التأكيد على ثوابت كامب ديفيد! أجل لم يمت القاسم من أمرٍ قليل، بل إن ما شاهده في ساعاته الأخيرة من هذا الواقع العربي المرعب قرّب له الموت وحببه إلى نفسه الرقيقة؛ هارباً من حرب التلفزيونات العربية التي لا تتوقف عن كيل التهم لبعضها البعض؛ واستشهادها دوماً بتقارير عن المحطات الإسرائيلية؛ فيما الأنظمة العربية الراعية لها تواظب على تنجيد كراسي حكامها وملوكها؛ وهي تتفرج بدم بارد على ذبح طائرات الإف 16 لأطفال غزة ونسائها وشيوخها؛ مشهد يمكنه قتل شاعر برهافة القاسم؛ مشهدٌ مفتوح على نازحين جدد ووكالات غوث جديدة، ولفلسطينيين عرب جدد؛ مشهد تعوم فيه الأرض العربية بمخيمات جديدة، وحروب داخلية يتذابح فيها الإخوة، وتقام المتاريس بينهم في القرى والبلدات والمدن والأحياء والأزقة، ولهذا ربما رحل الشاعر في آب كصديقه الذي غاب عنا في التاسع منه عام 2008؛ فبعد ست سنوات يحق للقاسم أن يرى رفيقه هناك في الأبدية البيضاء؛ حيث لا تلفزيونات إسرائيلية ولا أمسيات حروب أهلية ولا جوائز أدبية..
(كاتب سوري)



الليلك الفلسطيني

صقر أبو فخر

الليلك هو لون الحيرة والقلق، والكآبة أحياناً. ليس لوناً صافياً أو رائقاً هو، بل امتزاج الأزرق والأحمر والأصفر معاً، تماماً مثل سميح القاسم الفلسطيني العربي الذي يحمل جواز سفر إسرائيلياً ويرفض أن تكون هويته غير عربية. كانت «دنيا»، حبيبة الطفولة، ترتدي الثوب الليلكي عندما لجأت مع أهلها إلى لبنان في سنة 1948 فأورثته كمداً طاغياً، وكثيراً ما كان يراها في أحلامه عائدة بثوبها الليلكي، فيسكت وجيف قلبه. لكنه، في ما بعد، صرخ متحرقاً: «إلى الجحيم أيها الليلك»؛ حينذاك، انتصر على انقسام الهوية وانشطار الذات، وأنهى ألم الحيرة وباح بالحق: الليل الذي لك هو الليل الذي لي، وأرفض أن تكون فلسطين «لي ولك»... إنها لي وحدي. وسميح القاسم الذي ينتمي إلى عشيرة عربية موزعة في فلسطين وسوريا ولبنان، ويتحدر من فارس قرمطي هبط فلسطين من أرض الحجاز، مولود في قرية الرامة في الجليل في 11/5/1939، وهي القرية التي ولد فيها يوسف الرامي الذي أنزل المسيح عن الصليب ووضعه في القبر واحتفظ بالكأس الفضية المقدسة التي استخدمها المسيح في عشائه الأخير مع التلاميذ. وبهذا المزيج التاريخي واللوني، صار سميح إحدى سنديانات الوعر الراسخة منذ نحو ألفي سنة بالقرب من جبل حيدر، والممتدة جذورها في ذلك البهاء الدهري الأخضر.

[ [ [

سميح القاسم هو عصارة الشعر الوطني الفلسطيني الحديث الذي كان من رواده وأركانه عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، ثم سار في ركابهم راشد حسين وحنا أبو حنا وتوفيق زيّاد وسالم جبران ومعين بسيسو ويوسف الخطيب وهارون هاشم رشيد، وهؤلاء جميعاً انتموا إلى الشعر كخندق في معركة البقاء، وكملجأ ضد محو الهوية واندثار اللغة، فكانوا يخوضون معاركهم بما ملكت أصابعهم، أي بالشعر وسحر الكلمات. ولهذا ارتبط اسمه بالقضايا الوطنية وبمحمود درويش معاً، والاثنان كانا جناحي الشعر الفلسطيني، فالبدايات واحدة وإن افترقت المصائر. محمود درويش انفرد بتجربة المنفى التي، على الأرجح، جعلت شعره يرقُّ ويشفُّ ويتحول رحيقاً، ويصبح هو قديساً للفلسطينيين، وأيقونة لهم ومرمم جروحهم وواهب الأمل لديهم. وصار سميح القاسم رمحهم وصوتهم وأنفاسهم المكتومة.

[ [ [

تأثر في طفولته بالأناشيد الوطنية مثل «موطني» (وهو أجمل نشيد حتى اليوم، كتبه ابراهيم طوقان ولحنه الأخوان فليفل) و«نحن الشباب» و«بلاد العُرب أوطاني» و«يا ظلام السجن خيِّم» و«يا علم العُرب». وفي ما بعد ظل شعره مشحوناً بإيقاع الأناشيد. شعره بسيط ومباشر، ولغته واضحة، وقصائده مفعمة بالغضب والقوة والتحدي. لنتذكر قصيدة «رسالة إلى غزاة لا يقرأون» التي يبدأ مطلعها بعبارة «تقدموا تقدموا»، فهي من النوع البسيط والقوي في آن، لكن ليس من السهل أن يكتب غير سميح القاسم قصيدة على منوالها وأن يشحنها بومض مدهش من الحماسة. ومهما اختلفت الآراء في شعره، ومهما تصيد بعض الأقلام مقارنة مع شعر محمود درويش، فإن جواز سفر سميح القاسم، أي هويته، هو شعره أولاً وأخيراً؛ بمضامينه الوطنية والقومية.

[ [ [

كان سميح مرحاً وحاضر النكتة دائماً. ويروي أنه عندما ذهب إلى دوائر الأحوال الشخصية ليسجل ابنه البكر «وطن محمد» سأله الموظف، وهو يهودي عراقي: لماذا وطن محمد؟ وأين عيسى وموسى؟ فأجابه سميح على الفور: أنا لست وزيراً للاستيعاب مهمته إسكان الأنبياء والرسل. وحين وُلد ابنه الثاني اقترح على زوجته اسمين: «جليل» أو «جولان»، فقالت له: أخشى أن ننجب طفلة فتسميها «ضفة» أو «غزة». ولما ولد ابنه الأصغر اتصل به ياسر عرفات للمباركة، واقترح عليه اسم «علي» تيمناً بالشهيد علي أبو طوق، أو «أسامة» تيمناً بأسامة بن زيد أصغر قائد في الفتوحات العربية. هنا تناولت والدة سميح الهاتف وقالت لياسر عرفات إن اسم الطفل سيكون «ياسر».

[ [ [

كانت الدنيا لديه غير «دنيا» ذات الثوب الليلكي. «إنها مجرد منفضة». هكذا وضع عنواناً لمذكراته الجميلة والآسرة. إنها منفضة حقاً يتساقط فيها رماد الأيام وحطام الأحبة. وها هو سميح القاسم ينثال إليها وديعاً كحمائم الينابيع في الجليل، ويتناثر شعراً وجسداً وكلمات ويترك في هذه الدنيا عطراً لا يتبدد، وعناداً مشهوداً. أَليس هو الذي رفض التجنيد الإلزامي، وسار أولاده على منواله؟ أَليس هو مَن رفض مقابلة أنور السادات؟ أَليس هو من رفض «جائزة إسرائيل للإبداع» وقَبِلها إميل حبيبي؟ وظل رابضاً على مواقفه حتى «ذهب الذين أحبهم وبقي مثل السيف فردا».


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 4:06 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


ما يليق بالشعراء

رفعت سلام

اكتمل سميح القاسم، وانغلقت الدائرة؛ خرج من النسبي، ودخل المطلَق، ليسمح لنا - من بعد - بالنظر وإعادة النظر في ما يتجاوز العابر، التفصيلي، الجزئي. فمن ها هنا، يبدأ الزمن في إسقاط الظلال والشبهات، فلا تبقى سوى القامة وحدها، لنكتشف ما غاب عن البصر والبصيرة في حُمّى الغرق في تفاصيل الآني والراهن. كان لا بد أن أغادر قريتي إلى القاهرة، ملتحقًا بالجامعة (1970) لأتعرف إلى سميح القاسم. فالقرية الصغيرة لا يصلها شيء من الحراك الثقافي المحموم آنذاك، وخاصةً في الشعر. وكان لا بد من أن ألجأ إلى مكتبة الجامعة، لأكتشف الأعمال الجديدة، الصادرة آنذاك ببيروت، لأبناء الحركة الشعرية الجديدة. هكذا، وقعتُ على أحد رفوف المكتبة متخمًا بأحدث هذه الأعمال آنذاك.. سميح القاسم، توفيق زياد، محمود درويش، السياب، نازك الملائكة، نزار قباني.. كان اكتشافًا باهرًا لي، ألتهمه كل يوم، لبضع ساعات بالمكتبة. و«شعراء المقاومة الفلسطينية» - حسب المصطلح الرائج آنذاك - كان الاكتشاف النوعي. هكذا، التقيت بسميح، لأول مرة، وأنا أنتقل من الكتابة «العمودية» إلى «التفعيلية»، خائفًا مرعوبًا من «المغامرة»! صوتٌ خاص، يمتد أفقيًّا على مدى خمسين عامًا، بلا قفزات مفاجئة، أو تحولاتٍ فارقة، أو مغامرات، يتطور داخليًّا تطورًا حثيثًا، لا يكاد المرء - من رهافته - أن يلمسه. لكنه يحافظ دائمًا - على مر الأعوام والدواوين - على جذوره وطابعه الأوّلي في مواجهة العالم بالشعر: القضية الفلسطينية، وهوية الفلسطيني في الوجود.. هو تماهي الذات في القضية العامة، التي تصبح القضية الذاتية، بلا ذاتية، كأنها بلا ذات خارجها، سوى صوته المجلجل، الراثي، الهجَّاء، الشَّاكي، المغنِّي، الحالم بما لم يتسع العالم له: استعادة الوطن المفقود. هكذا، أصبح صوت الحلم الفلسطيني، صوت الحلم العربي بفلسطين، يصَّاعد أحيانًا، ويخفت حينًا، بقدر تصاعد وخفوت الحضور الفلسطيني في ذاته، وفي الواقع العربي، بلا انفصال. تلك هي ضريبة اختيار الشاعر للتماهي بالقضية المركزية لوجوده، التي لا يملك من أمرها سوى القصيدة. أما وقد تفرق دمها بين القبائل الفلسطينية إلى حد رفع السلاح، فلم يعد لصوته المجلجل بالبشارة والتحدي - في ما مضى - إلا أن يخلد لما يشارف اليأس. وفي حالاتٍ فريدة، يبدو الموت كأنه «اختيار»، كأنه.. ذلك ما يليق بالشعراء. فذات أغسطس آخر منذ سنوات قريبة، اختار درويش الرحيل، ليلحق به سميح في أغسطس تالٍ، دون أن يشارف حلمهما الأبدي حافة التحقق، بل انتكس بأكثر مما كان يراود كوابيسهما. كأنه رحيل بمثابة رفض واحتجاج على ما جرى ويجري من التنكيل بالحلم الذي بشرا به ذات عُمر، وذات شعر.
(شاعر مصري)


انشقاق شطري البرتقالة

فجر يعقوب

علاقتي الحقيقية بسميح القاسم تعود إلى ثلاثة عقود، ودعنا من المنهج التدريسي الذي عرّفنا به في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، فلن يكون هو محرّك البحث عن الكلمات في رحيله كما تفعل مواقع التواصل الاجتماعي في هذه الأثناء. في تلك الأيام العاصفة التي تلت خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وانتقال مؤسسات فصائلها المكونة لها إلى عواصم عربية مختلفة، عملت في دمشق مع مجلة فلسطينية منتقلة حديثاً إليها، وكان لدي طموح الصحافي المندفع الذي يميز سني الشباب. وفي اللحظة التي تداعى فيها البعض لانشقاق المنظمة بفعل صراعات داخلية وإقليمية أرخت بظلالها على الكيان المعنوي للشعب الفلسطيني في مطارح شتاته، انقسم الفرقاء في السياسة وفي الثقافة أيضاً من حول هذا الكيان الشرعي، وصار على السياسي الفلسطيني البحث عن مكونات الثقافة التي يستدعيها لتخدم خطابه، وبطبيعة الحال كان على الرمز الأكبر فيها الشاعر الراحل محمود درويش أن يتحمل سهام هذا الخطاب بوصفه «الرمز اليميني المنحرف».
كان الخطاب برمته خادشا للحياء، إذ كيف يمكن لكَ أن تجمع بين شغفك بالشاعر الكبير، وقصائده التي تربيت عليها، وقرّبتها من فؤادك، ومكونات هذا الخطاب المتعثّر المشوّه الذي يفبركه المشرف العام على المجلة التي تعمل فيها سكرتيراً لتحريرها. كان عليه أن يفبرك أيضاً أن النصف الثاني من شق البرتقالة سيكتب للمجلة من فلسطين نكاية بشقها في المنفى. يا الله سميح القاسم سيكتب في مجلة أعمل فيها. هذا شرف كبير. ولم أعرف بحكم سنوات البراءة أن سميحا لم يكن له علاقة بهذا الموضوع، وظللت أداوم مدة عامين في مؤسسة الأرض التي كانت تتحصل على منشورات الأرض المحتلة، و«أنقش» قصائده بخط يدي بحضور مديرها ـ عطية مقداد ـ وكان ممنوعاً عليّ تصوير أي شيء آخر من جريدة الاتحاد، لسان حال الحزب الشيوعي الإسرائيلي، أو مجلة الفجر الجديد، لاعتبارات أمنية خاصة، لكن هذا أيضاً لم يمنعني من الحصول على كتابات أنطوان شلحت ورياض مصاروة وعلي الخليلي وآخرين من نفس المصادر ونشرها في مجلة المشرف العام، الذي كان يكيّف خطابه «المتوهج» مع كذبة انشقاق شطري البرتقالة.
(سينمائي فلسطيني)


رمز المقاومة

شعبان يوسف

تفجرت معرفتنا بشعراء الأرض المحتلة عموما في بداية عقد السبعينيات، وكان الناقد الراحل رجاء النقاش له فضل كبير في ذلك، عبر ما كان يكتبه في مجلتي المصور والهلال، ورغم أننا تعرّفنا الى ثلاثة شعراء دفعة واحدة وهم محمود درويش أولا، ثم سميح القاسم ثانيهما، وكان الثالث توفيق زياد، وكان سميح القاسم يبهرنا بأشعاره، وكنت أتفاعل مع أشعاره بشكل كبير، حيث انه يشكل مساحة خاصة ومختلفة عن المساحة العريضة التي تكونت في الساحة العربية، وكان أمل دنقل يمثل الجانب الأحدّ فيها، وكان عبد الصبور يمثل الجانب العاقل والمتأمل، وكانت بقية الأصوات مثل البياتي وحجازي وبلند الحيدري تأتي على ضفاف هؤلاء، وكان سميح بين رفاقه مثالا ـ آنذاك ـ للشاعر الذي ظل يقاتل شعرا ونثرا وسياسة في مواجهة الأعداء، وجها لوجه، من دون النزوع إلى الخروج الأبدي من الأرض، هذه الأرض التي تجسدت في أشعاره كثيرا، ولذلك فهو كان رمزا متعدد الصور للمقاومة، صورة الشاعر المقاوم الذي يعيش بين الذئاب ويتلقى كل دقيقة طعنات سيوفهم، ورغم ذلك فشعره ليس شعرا تقريريا، لكنه شعر ممزوج بروح التاريخ والأسطورة والمذاق الآخر، كذلك كانت قصائده عن السد العالي ونجيب محفوظ والنيل في ما بعد، قصائد آسرة، ليس لأنها قصائد تغني لما هو الأقرب للروح، ولكن لأنها قصائد تنطوي على النزوع الانساني الخالص، وخارج هذا الشعر المطرّز بالألوان والأحجار الكريمة، شعر ينطق فيه العالم كله، تبعا لما كان يحمله سميح من الانتماء للماركسية، التي انتمينا لها وغنينا معها، وكان سميح يجاهر بذلك دوما، وكانت تعجبني مجاهرته مثل رفيقه إميل حبيبي، ولم يختفيا تحت عباءات قومية داكنة، وكم كانت هذه المجاهرة تكلفه، وتدفعه لدفع فواتير باهظة، لكن كان هناك في الأرض من كانوا يحبون هذا الشاعر ويتعاطفون معه بكل ما يملكون من صوت وقلم، وكنا نتابع أخباره كأنه واحد من آل البيت الثوري العربي والمقاتل، واختلفت المصائر والاهواء وطرق كتابة الشعر، لكنه سيظل الشاعر الذي وقف طوال حياته في مواجهة أعدائه يقف أمام سيوف الخصم، إنه البديل عنا، كنا نردد قصائده، رغم معاظلة بعضها في البدايات، وكان البحث عنه وعن صوته الذي جاءنا بقوة متعة ما بعدها متعة، وقرأنا دواوينه منذ دمي على كفي حتى أشعاره الأخيرة، وكم كان يحزنني ويحزننا الخلاف الذي تحول إلى معركة بينه وبين رفيقه محمود درويش، وكم كنا سعداء عندما انقشع غبار هذه المعركة
(كاتب من مصر)



زيتونة كبيرة

محمد الأشعري

لم أعد أذكر من وصل إليّ قبل الآخر: محمود درويش أم سميح القاسم، لكني كنت دائما أتلقاهما كشاعرين يحيل أحدهما على الآخر عبر لعبة مرآوية. فالحقيقة أنني عندما أقرأ اللهجة العالية لسميح القاسم تطالعني في الآن ذاته اللهجة المتوارية لمحمود درويش. عندما أقرأ قصيدة سميح القاسم الضاجة بصوت القضية وتفاعلاتها ويومياتها أقرأ قصيدة محمود درويش المسكونة هي الأخرى بالقضية، لكن المسكونة أيضا بقلاقل المختلف: اللغة والخيال والتراجيديا الإنسانية المترتبة عن الاقتلاع والفقدان.
وقد كنت في بداية شبابي أجنح إلى المقارنة بين التجربتين الشعريتين لكل من درويش والقاسم، وأميل إلى الاعتقاد بأنهما معا ضروريتان للقضية، وضروريتان أيضا للشعر. ثم تصورت أنهما يقفان على طرفي نقيض، ولكن في نوع من المواجهة غير المعلنة، إلى أن بدآ ينشران في «اليوم السابع» رسائلهما المتبادلة، فكانت تلك الرسائل حينها اكتشافا حقيقيا خولت لنا أن نستمع إلى صوتين يشبان في الذاكرة وفي المشاعر الهاربة، ويضعان أسئلة دقيقة في المجال السياسي، ولكن أيضا في المجال الشعري.
ومنذ ذلك العهد وأنا أتابع ما يكتبه سميح القاسم وفي ذهني أنه تحول إلى شجرة زيتون كبيرة في فلسطين لا يمكن اقتلاعها، ولا يمكن ترويضها لتصير شجرة أخرى. أظن أن سميح القاسم سعيد اليوم لأنه أخيرا سيلتقي صديقه محمود درويش خارج المنافي.
(شاعر وروائي مغربي)


سهوب فسيحة لجناحي الشاعر

نذير جعفر

«ورقاً سَيِّدي؛ أشتهي ورقاً للكتابة؛ كي أعيد الكتابة؛ إنَّ موتي دُعَابة».
لا، لم يكن خياراً عادلا: الهوية «الإسرائيلية» القسرية أو التهجير! بين هذين الحدّين وجد سميح القاسم نفسه يتأرجح وأبناء جيله على حبال النار ووقع الهزيمة المرّة التي منيت بها الجيوش العربية في (1948) و(1967)، ولم يتردد في حسم قراره بالبقاء والتشبّث بالجذور التي تمدّه بنسغ الحياة والإبداع، رافضا اقتفاء أثر صديق عمره محمود درويش الذي آثر الرحيل، وكان رحيله صدمة مؤلمة هزّت أعماقه بقوة وخلّفت فراغاً كبيراً بغيابه، لأن ما يربط بينهما كان أقوى من الشعر والحب والنسيان!
بين شروط الحياة القاسية التي فرضها الاحتلال والتوق إلى الحريّة بدأت المواجهة شعراً ونضالاً سياسياً وسجناً والتحاماً بالمقاومة وانتفاضات جماهيرها المتتالية، وتضامناً مع قوى التحرّر الوطني في العالم؛ ما جعل منه رمزاً وطنيّا وقومياً وإنسانياً، وجعل من قصائده أقانيم صمود تتردد على الشفاه في المدارس والساحات وميادين القتال، وتُغنّى في كل مكان.
وبقدر ما يغري تحول الشاعر إلى رمز فإنه يقصي خصوصيته الإنسانية وعالمه الداخلي وتفاصيل حياته اليومية الثريّة. ومن هنا تم تنميط سميح القاسم وفق ترسيمة أحادية، تختزل وجوده الإنساني، وصراعاته، وتناقضاته، وقوته، وضعفه، ونزواته، ومواقفه المتباينة إلى مجرد ألقاب عدة، بدءاً من شاعر المقاومة، وشاعر العروبة، وشاعر الحداثة، وشاعر الأرض المحتلة، وشاعر الانتفاضة، وصولا إلى قيثارة فلسطين، ومتنبي فلسطين، والشاعر القديس، وسيّد الأبجدية!
تلك الألقاب حجبت صورة الشاعر الحقيقية بوصفه إنساناً يحب ويكره ويتردد ويخطئ، وبوصفه شاعراً له ما له في التقاط جوهر قضية شعبه والالتصاق بها والتعبير عنها، وعليه ما عليه من تفاوت مستوى قصائده النائسة بين الخطابية المباشرة التي تُرضي المزاج العام وحشود التلقي الإيديولوجي، وتتكئ في نجاحها عليهما من جهة، وغير المباشرة التي تتألق في التجريب الفنّي على مستوى الصورة المبتكرة، والفكرة العميقة، والبعد الأسطوري والتراثي، والإيقاع الموسيقي المتنوع، والغنائية الساحرة من جهة ثانية، والتي لم تنل حقها من الانتشار والدراسة!
اجتمعت في تجربة القاسم أجيال من الشعر العربي عبر عصوره المتعدّدة، فترى فيه محاكاة لعمود الشعر في تجاربه الأولى، وخروجاً عنه في قصائد التفعيلة، وتجاوزاً له في التجارب اللاحقة التي تمزج بين الغنائية والنثر كما في «كولاج»، أو التي توظف المنجز البلاغي التراثي في سياق جديد كما في «كتاب الإدراك».
لكنه في كل ذلك، وطوال رحلته الشعرية، لم يتخلَ فنيّاً عن جماليات الغنائية، والإيقاع الموسيقي، وتوظيف تقنيات التكرار، والطباق، والمقابلة، ممّا سهّل وصول نصوصه إلى شرائح اجتماعية واسعة، وساعد على حفظها وتلحينها وأدائها، وهو ما لم يحظ به سوى عدد قليل من الشعراء العرب المعاصرين، في طليعتهم محمود درويش ونزار قبّاني.
كما لم يتخلَ على مستوى المضامين والموضوعات والأفكار عن القضية المركزية والمحورية في شعره المتمثلة في المواجهة بين أصحاب الأرض والحق في فلسطين والعدو الصهيوني الغاصب. وعبر موشور هذه القضية تتحدّد رؤية الشاعر ومواقفه السياسية عبر آرائه وقصائده التي تبدو مفارقة إلى حدٍّ ما لانتمائه التنظيمي والإيديولوجي للحزب الشيوعي «الإسرائيلي» والأحزاب الشيوعية العربية، قبل أن يغادر موقعه التنظيمي فيها. فتبدو دعوته للوحدة العربية وإيمانه بها قدسا من الأقداس، شأنها شأن عروبته وحرصه على استرجاع كل شبر مغتصب حيثما كان. ولعل هذا ما يفسّر تأييده وانحيازه وتمجيده لجمال عبد الناصر بوصفه قائدا قوميا عروبياً، وثناءه لأحمد بن بلة، وتثمينه لقدرات الجيش العربي السوري في لجم «إسرائيل» وتحطيم أسطورة جيشها الذي لا يقهر! وتعزّزت هذه القناعة لديه على أثر الزيارتين اللتين قام بهما إلى سوريا في العام (1997) و(2003) حيث قابل في أولاهما الرئيس بشار الأسد، وحظي فيهما باستقبال شعبي ورسمي حاشد. ومن هنا يبدو تصريحه لعلاء حليحل في الحوار الذي أجراه معه (2012) ونشر في (قديتا نت) غير مفهوم، فهو يقر بمقاومة وممانعة وعلمانية النظام السوري ويتمنى (قلبيا) بقاءه شرط تحقيق الديموقراطية، ويشكك في هذه الممانعة على أثر تدخل الجيش في الأحداث الجارية داعيا إلى التغيير!
كما تبرز نزعة القاسم الأممية والشيوعية في قصائده جنبا إلى جنب مع النزعة القومية، وهو ما نلاحظه في استنكاره لإعدام عبد الخالق محجوب في السودان، وتضامنه مع «هوشي منه» في فيتنام، ومختلف حركات التحرّر الوطني في أفريقيا.
ولا يخفي الشاعر في كثير من آرائه المبثوثة في زواياه الصحافية ومقالاته خطر الطائفية المستفحل في ظل تراجع المدّ القومي العربي وحركات اليسار، داعياً في إحدى تلك المقالات إلى تصنيع كمامات خاصة لمواجهة سمومها القاتلة.
من الصعب تتبع ودراسة نتاج شاعر مثل سميح القاسم في هذا المقام له ما يربو على (65) كتاباً ما بين ديوان شعري ورواية ومسرحية ومقالة، وإن تمّ التلميح إلى أبرز الثيمات الفنيّة والموضوعاتية في شعره، فإنه يجدر بقارئ هذه التجربة أن يشير إلى مغامرته الروائية المتمثلة في ثلاث روايات أو حكايات كما ارتأى أن يجنّسها بنفسه، وهي: «الصورة الأخيرة في الألبوم»، و«إلى الجحيم أيها الليلك»، و«ملعقة سم صغيرة ثلاث مرات يوميا». وربما كانت رواية «الصورة الأخيرة في الألبوم» أبرز تمثيل للثيمة الموضوعاتية الرئيسة التي تنضوي تحتها هذه الروايات الثلاث ومفادها أن التعايش ممكن مع اليهود ومستحيل مع الكيان الصهيوني الذي تمثّله «إسرائيل». وهذا يستدعي التفريق بين اليهودية كديانة والصهيونية كعقيدة.
فالشاب الفلسطيني «أمير» حامل الماجستير في السياسة يعيش عاطلا من العمل وعالة على أمه التي تتكفل بمصاريفه ومصاريف أخيه «علي» طالب الثانوية العامة، لذلك يقبل بفرصة عمل في مطعم عن طريق رفيقه «إبراهيم» متحمّلا ظلم وكراهية الآخر المحتل، وتشاء المصادفة أن يلتقي بـ«روتي» ابنة الضابط الإسرائيلي فتنشأ بينهما علاقة، ويكتشف من خلالها أن والدها يحتفظ بألبوم يضع فيه صور الفدائيين الذين يتم اعتقالهم وتصفيتهم على يده، وتخشى أن يكتشف أبوها علاقتها بـ«أمير»، فتكون صورتها أيضا بين تلك الصور التي يحتفظ بها في ألبومه السرّي الخاص!
وبقدر ما تتعاطف «روتي» مع «أمير» وأسرته على أثر زيارتها الودية لقريته وتعرفها إلى أمه وأصدقائه، فإنها تظل موضع اتهام، ليس بسبب تصرفاتها أو مواقفها أو ديانتها بل بسبب الظلم الذي تمارسه حكومتها على الفلسطينيين، وآخر صور هذا الظلم حرمان «علي» شقيق «أمير» من متابعة دراسته في كلية الطب مع أنه الأول على دفعته، ما يضطره للهروب إلى سوريا لكن حرس الحدود «الإسرائيلي» يقتله قبل اجتيازها، فيكون إحدى صور ذلك الألبوم كما يستدل من السياق، وباستشهاده يموت كل أمل بالتعايش.
يتم تخطيب/تسريد هذه الحكاية فنيا عبر تناوب ضمائر السرد: الغائب، والمخاطب، والانتقال المفاجئ بينهما: «فتح أمير عينيه على وسعهما دفعة واحدة، للحظات كان مندهشا من حدة انتقاله المفاجئ من النوم إلى اليقظة، ولكن لمَ الدهشة؟ فقد تعوّدت يا أمير على الاستيقاظ المفاجئ». وهي تقنية حداثية سبق أن وظفها غسان كنفاني بشكل أعمق وأوسع في رواياته، وتكاد تقتصر عند القاسم على الفصل الأول.
ولعل أبرز الهنات الفنية في هذه الرواية تتمثّل أولاً في ارتباك الحوار ومفارقته لمنطوق الشخصية ومستواها الاجتماعي، كما في حوار الأم وابنها الذي يدور بالفصحى: «هل تريد قهوتك؟ سأعدها حالاً. هل أنت مسافر اليوم أيضاً؟». مع أن الراوي يلجأ في غير موضع إلى العامية! وهو ما يؤكد على هذا الارتباك الفنّي. وثانياً في تطابق لغة الراوي مع لغة شخصياته غالباً دون مسافة فاصلة بينهما على الرغم من تباين هذه الشخصيات اجتماعياً وثقافياً!
ولعل هذه الهنات الفنيّة سمة عامة في كثير من النتاج الروائي العربي، وهي لا تقلّل من جماليات السرد ومتعة التشويق عبر تصوير عالمين مختلفين عقيدة ولغة تجمعهما الرغبة بالعيش المشترك الذي يحول دونه النظام العنصري الصهيوني.
كان لا بدّ من الاختزال، مع أن الراحل سميح القاسم قامة إنسانية وشعرية عالية عصيّة على الاختزال، والألقاب، سواء أكان في حياته الخصبة المتشعبة أم في علاقاته الواسعة مع مبدعين، وسياسيين، وزعماء دول، وثوار، أم في أسفاره إلى معظم أنحاء المعمورة وخروجه بتجارب نوعية ثرّة... فلنسمح له بالخروج من الصورة، ولنمنحه السهوب الشاسعة التي حرمها الغياب منها ليحلق بجناحي الشاعر في أمداء الكون اللامتناهية، ونستمتع باكتشافه من جديد دون رتوش.
(ناقد سوري)


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اغسطس 24, 2014 4:08 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الأدباء في الأسر..

بشار عباس

تأتي وفاة سميح القاسم ذات مغزى مفارق في معناها وتوقيتها للأسباب التالية؛ إذ عكس الشاعر في أدبه وسلوكه وحدةً وانسجاماً لديه بين التصوّر الوطني من جهة، وبين الفكر الذي حمله والشعر الذي أنتجه من جهة أُخرى، فكان صادقاَ، وكذلك بقي إلى يوم وفاته في 19 الجاري أوّل من أمس. أهميّة هذا الرحيل الآن أنّه من الممكن أن يُعيد طرح اسم الشاعر كأديب وطني في خضمّ من أحداث تحاول، وكثيراً ما تنجح في استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير: الطائفيّة بالوطنيّة، فينكمش الانتماء للجماعة الوطنية يوماً بعد يوم لمصلحة تمدد انتماءات بديلة لجماعات من نوع آخر، كجماعة الطائفة أو العرق أو العشيرة.
أمّا السبب الثاني، فهو: موقع الشاعر في قائمة أدباء القضيّة الفلسطينية، وفرادة هذه الظاهرة بمعانيها الأدبيّة والمجتمعية والسياسيّة؛ فالقضيّة لها وجود آخر موازٍ للواقع في عالم الأدب، يجعل ذلك النتاج الأدبي كشفاً جديداً في مجال تاريخ الأدبين العربي والعالمي، بوصفه مدرسة أدبيّة ترتكز مضامينها على تجربة النكبة وما تبعها عام 1948 الخروج الفلسطيني كما تصفه القواميس السياسية الغربية وموسوعة ويكيبيديا - الاغتيال الذي تعرّض له بعض هؤلاء الأدباء كان مقياساً حقيقياً لمكانة هذا الأدب وقوّة تأثيره وخطورته، فمنح هذا الاعتراف الدموي بأدب المقاومة ما لا يمكن للجوائز والمهرجانات على اختلافها أن تمنحه، واليوم مع رحيل الشاعر وعجز ذلك الأدب عن تزويد قضيّته بأسماء لها هذه القيمة، ليس في الشعر فقط بل في الرواية والأدب عموماً كما حدث من فراغ بعد رحيل غسان كنفاني؛ إذْ خسرت الرواية في الأدب الفلسطيني رائدها ونجمها فلم تتمكّن بعده من استعاضة اسم بمستواه، الأمر نفسه وقع في ما بعد كما يقع اليوم مع شعراء تركوا فراغاً ليس يندمل من بعدهم.
إنّ تفرّد هذا الأدب باعتنائه بظاهرة وطنيّة سياسية أدخل الشعرية العربيّة للمرّة الأولى في المضامين السياسيّة الوطنية على مستوى جماعي بما يُشكّل مذهباً أدبيّاً، وما خلا بعض الإضافات التحديثية في الأدب المهجري والناجمة عن تجربة الاغتراب، ثم تجديد السيّاب على مستوى الأسطورة وجمالية القبح ذات التأثيرات الغربية، بل حتّى مع تجديد أبي النواس الذي كان له أصول واضحة في الأدب الجاهلي، فإنّ التجديد الذي قام به أدب القضيّة الفلسطينيّة يحظى بأهمية مفارقة، وهو أدب من خلال وفرة نتاجه وعديد أسمائه ساهم بإيجاد قضيّتين فلسطينيتين تختلفان عن بعضهما البعض: فلسطين ما قبل أوسلو أي فلسطين النكبة والنضال والعودة وحصار بيروت، وفلسطين ما بعدها أي السلطة الوطنية والمعابر الآمنة.
إنّ خطورة هذا التحوّل في الواقع السياسي، والذي هو العنصر الفصل في تحديد هويّة هذا الأدب وملامحه، دفع الأخير إلى الانقطاع تماماً عن أصله ومراوحته بين أنموذجين؛ إمّا المواظبة على الاستقاء من الوضع الفلسطيني الذي بات الآن وضعاً «أدبيّاً» قديماً موجوداً فحسب على الورق، وإمّا إخضاع قصيدة أدب المقاومة الفلسطينيّة لعمليّة تستأصل مفرداتها وأدواتها وموضوعاتها التي إنّما تُشكّل هويتها، فتضع مكانها أدباً جديداً. هذه الإشكاليّة جعلت أحد روّاد هذا النموذج كمحمود درويش يهجر أدوات الأمس القريب ومضامينه، فيُسارع إلى الأجواء الإنسانية، الرومانسية التي تتعاطى الفلسفة أحياناً، ولكن مع الحفاظ على قرّاء الأمس بين ظهراني قرّاء اليوم الجدد، فظهر شعر جديد لمحمود درويش آخر، لا يجمعه بالشاعر القديم سوى الامتداد البيولوجي والاسم.
الشاعر سميح القاسم لم يُحسن القيام بتحوّل كهذا، ولم يتقبّل الوضع الجديد مضموناً لأدبه، ما يعني أنّه يتّفق في ثباته الشعري مع موقفه الوطني، وإن كان موقفاً كالسابق يجعله من الخاسرين أدبيّاً إذْ يعني وسماً لأدبه بـ«المرحليّة»، غير أنّ ذلك لم يزحزحه عن مسلكه الأدبي الذي رأى فيه أن يخسر أدبيّاً ويربح وطنياً.
الأنموذجان يُشيران إلى أنّ الأدب الذي ارتبط باسم المقاومة الفلسطينية، لم يعد على ما يُرام الآن، فنموذج درويش صاحب التحوّلات الكبرى، ونموذج سميح القاسم المُناقض له، يعنيان أن ذلك الأدب إمّا تحوّل فلم يعد كما كان، وإمّا توقّف في زمن سابق لا يُواكب المستجدّات، هذا قد يقود إلى إحياء مسألة لمّا تزل ماثلة وهي: كم كان من الخطورة أن تسود تلك المقولة الشهيرة في خمسينيات وستينيات القرن الفائت في أن الأدب انعكاس للواقع فحسب، لا يتدخّل فيه ولا يؤثّر عليه، وهي مقولة يقود الإيمان فيها إلى الاعتقاد أن الأدب لا كلمة له على الوضع سوى نقله وشرحه، فهل كان أدب المقاومة الفلسطينيّة كذلك؟
يُمكن أن نصف ذلك الأدب كمواجهة ثقافية حقيقية مُناهضة للبروباغاندا العالمية المضادة للحق الفلسطيني، الأدب العربي سيخوض حرباً لم يألفها من قبل، التصوّر التقليدي كان أن الشاعر والأديب عموماً ينهض واحدهما لشاعر أو أديب آخر، وليس لآلة جديدة عجيبة اسمها الإعلام. رحّالة الأدب يتعرضون للترانسفير الجماعي الآن ويضيع ملكهم معاً، وليس فرادى كسلفهم امرئ القيس الذي ضاع ملكه بمفرده، وأسراهم ليسوا أسيراً واحداً يُناجي حمامة حطّت على نافذة السجن، لقد ضاع ملكهم جميعهم معاً، وتعرّضوا للأسر معاً، في تجربة جماعية مفارقة نجحت في أن تمنح قضيّتهم الشرعيّة الأدبيّة الثقافيّة في مواجهة الشرعية التي تبتكرها الدعاية، فالاعتراف الذي تمنحه قصيدة جميلة أو رواية جيدة بقضيّة، لا يُضاهيه الحق المستند الى فنون الدعاية نظراً للفروق الجمالية والفنية والقيمية بين نوعي الاعتراف، وهذا يقود إلى نقطة البدء في مخالفة الرأي المتعلّق بوصف الأدب كانعكاس للواقع، لقد كان أدب المقاومة الفلسطينية فاعلاً في الواقع، لا يكتفي بالصدور عنه، بل كثيراً ما يقوده، فتكوّن كلماته مادّة لاصقة تجمع الجمهور الذي يقصده ذلك الأدب في شتّى أنحاء الشتات، فيقوم بوظيفة الكتب المقدّسة التي تربط معتنقيها بعضهم ببعض.
كل رحيل جديد لعلم من أعلام ذلك الأدب دون تعويض عنه من قبل المجتمع الأدبي الفلسطيني، يعني مزيداً من الخسارة للقضيّة التي أنشأتهم ونشأوا عليها، وعريا تامّا في مواجهة تبدو أنّها محسومة لمصلحة الطرف المضاد الآخر من الصراع ، الذي وإن كان الأقوى في الدعاية، غير أنّه لم يستطع ابتكار أدب أصيل كما فعل الفلسطيني، ببساطة لأنه سيكون أدب احتلال، والاحتلال لا أدب له، كما أن العمل الفنّي من شروط تعريفه أن يكون ذا مضمون معرفي إنساني، والاحتلال ليس من ذلك في شيء فلا يعود أمامه غير الدعاية، ولذلك يعني جمود الأدب الفلسطيني اليوم انتحاراً لقضيته، لأنّه مع انقطاع المصدر الأدبي للحق الفلسطيني،، لن يعود من الممكن ضمان ألا ينقطع وجود هذا الحق نفسه، فالقضيّة الفلسطينية لم تنشأ بفعل أحزاب، أو تيّارات سياسية فكرية، أو حتّى من أيديولوجيا ما؛ لقد نشأت على أوراق الأدباء الفلسطينيين، ومن حبر أقلامهم.
السبب الثالث الذي يمنح رحيل القاسم معنى مميزاً لا يتعلّق به كحالة أدبية فردية، بل بسلوك درجنا عليه في السنوات الأخيرة فبات عرفاً أو يكاد، ألا وهو الاحتفاء بالأدباء والشعراء سواء كانوا عرباً عموماً، أو فلسطينيين على وجه الخصوص، عندما يُغيّب الموت أحدهم، بينما يجب الاحتفاء بالشعراء وغيرهم من أبناء الكلمة، في حياتهم، كما في مماتهم.
(كاتب سوري)



السهل الممتنع

محمود شقير


سأبدأ من لحظة فارقة. قبل يومين هاتفت سميح القاسم ولم يرد. كان هاتفه على غير العادة مغلقًا. هاتفت ابن عمه الدكتور نبيه القاسم، وسألته عن سميح. قال لي إنه الآن في المستشفى وحالته مستقرّة، لكنه لا يستطيع الردّ على الهاتف. مساء أمس، هاتفني نبيه وقال لي إن سميح القاسم في النزع الأخير. ورحنا نتحدّث عن ترتيبات الجنازة، وكان ذلك أمرًا بالغ القسوة. وقبل منتصف الليل بساعة أو أكثر قليلاً هاتفني نبيه وقال: لك طول العمر. وهكذا، غادرنا سميح في الشهر نفسه الذي غادرنا فيه رفيق عمره وصديقه محمود درويش، وهما معًا، مع كوكبة أخرى من شعراء فلسطين 48 وأدبائها كانوا وسيظلون علامة كبرى في مسار الحركة الثقافية المعاصرة للشعب الفلسطيني. فقد أثروا وما زالوا يثرون أدبنا برؤى فكرية وبمضامين وطنية واجتماعية وإنسانية، وبعناصر فنية مبتكرة أسهمت وتسهم في توسيع انتشار هذا الأدب، وفي خلق علاقات تفاعل أكيدة بينه وبين الأدب العربي الحديث، وآداب الشعوب الأخرى في هذا العالم. وحين نخصّص الكلام على سميح القاسم، فقد كان بحق واحدًا من أهم صانعي الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بما أضفاه شعره ونثره على هذه الهوية من قيم نضالية ومفاهيم إنسانية تتأبى على ضيق الأفق والتقوقع والانعزال، وتتأبى كذلك على الاستخذاء والتراجع أمام سطوة العدو وممارساته ومحاولاته فرض الأسرلة على الجزء الباقي من شعبنا فوق أرض وطنه. كان سميح القاسم مجدّدًا في الكتابة وميالاً إلى التجريب والاجتهاد كي لا تبقى قصيدته حبيسة القوالب المألوفة، وكان ميالاً إلى الوضوح في مضامينه، مستلهمًا من أجل إغنائها أفضل ما في تراثنا وفي التراث الإنساني من قيم ومفاهيم، وكان يتقصّد البساطة والبعد عن التعقيد والغموض في أسلوبه، مستعينًا من أجل ذلك بلغة السهل الممتنع، وبالإيقاع المستمد من إيقاعات الشعر العربي على امتداد العصور، وكذلك بقدرته الأكيدة على تطعيم نصوصه الشعرية بالسخرية وبالتهكّم وتقزيم شأن الأعداء والحكّام المستبدين، وبميله الأصيل إلى إشاعة روح الأمل والتفاؤل في قصيدته، رغم ما يكتنفها من هموم ومن مآس ومن مجازر ومذابح تعرض لها وما زال يتعرض لها الشعب الفلسطيني على امتداد عشرات الأعوام والسنين. للشاعر الكبير سميح القاسم المجد والخلود.
(كاتب فلسطيني- القدس)


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين اغسطس 25, 2014 5:58 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


سميح القاسم قمّة وقامة... لا تموت

صالح زهر الدين


كم هو مؤلم ومفجع، في هذا الزمن، خبر وفاة شاعر عربي فلسطيني اسمه سميح القاسم؟ وكم من ملايين القلوب في الوطن العربي وخارجه تبكي دماً على غيابه، بينما آلاف القلوب الاسرائيلية يغمرها فرح لا يوصف، بوفاة هذا الانسان الذي ارهب المحتل والاحتلال بقصائده الثورية، وبثورة الشاعرية فيه، لأكثر من نصف قرن... ذلك لأن "سلاح الكلمة" عنده كان أكبر من كل الاسلحة وأفتك... كما كان حبره ذخيرة مقاومته الشعرية قبل أن تولد المقاومة الفلسطينية بالسلاح...
سميح القاسم، بقدر ما كان إنساناً عادياً، فقد كان أيضاً شاعراً عملاقاً في الوطنية والقومية والانسانية. كان مناضلاً حتى داخل السجن، وخلف قضبان الزنازين، تماماً مثلما كان يتنفس النضال في اقاماته الجبرية – وما أكثرها -، دون خوف ودون تأفف ولا تردد، لأن حب الوطن والشعب والارض والقضية، عندما يدخل الشرايين، وسري مع الدم، فلا يعود للخوف والتردد مكان في الكيان... فيذوب الجزء في الكل، والكل في الجزء... وهكذا سكنت فلسطين حنايا سميح القاسم، مثلما سكن فيها، وأصبح مع الأرض توأمين... فيها ومنها ولها، فجّر عبقريته وشاعريته الابداعية، تلك التي اعتبرها الاحتلال الصهيوني أفعل وأخطر وأمضى، من أي سلاح عربي يقبع متثائباً في المستودعات، يعلوه صدأ الأنظمة والعقليات المريضة التي نخرها سوس الفساد وفساد السوس...
سميح القاسم قامة شعرية هوت وهي في قمة مجدها وتألّقها... إنه زيتونة من زيتونات فلسطين ذات الزيت المقدس، وذات الأغصان المعبّرة عن السلم والسلام في أرض السلام، متحدية جبروت الاحتلال وغطرسة عنصريته وإجرامه وسياسته الاقتلاعية الاستئصالية الإبادية، التي لا ترحم البشر ولا الحجر ولا الشجر... ومن أين لها الرحمة والشفقة والرأفة، وهي التي قامت على الجثث والمجازر؟ ولا تتنشق إلاّ رائحة الدم والقتل والمذابح، في أرض تفوح من أزهارها وأشجارها وبساتينها روائح المحبة وعبق السلم، وهي مهد سيّد السلام والمحبة أولاً وآخراً؟
سميح القاسم ابن قرية "الرامة" الفلسطينية القريبة من عكا... وفي الوقت نفسه هو ابن كل قرية في فلسطين وفي كل أنحاء الوطن العربي... باعتباره فلسطيني المولد، عربي الانتماء، إنساني الأفق. وبالقدر الذي يعتزّ فيه بفلسطينيته، فإنه يعتز بعروبته وبإنسانيته بالمقدار نفسه. وهذا ما أكده لي أكثر من مرة اثناء لقاءاتنا في عاصمة بلغاريا (صوفيا)، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما عندما سألته عن مسألة رفضه لـ"الخدمة الإلزامية" في الجيش الاسرائيلي، فأجاب: "إنني رفضت الخدمة في جيش الاحتلال، لأني إنسان أولاً، وعربي ثانياً، وفلسطيني ثالثاً، ودرزي رابعاً...". ويومها أعطاني قصيدة له بعنوان "قصيدة دينية" كانت مكتوبة بقلم رصاص، ولا تزال عندي حتى اليوم كذكرى غالية... سميح القاسم أصيل في وفائه، وفيّ في أصالته. كيف لا؟ وهو أحد مؤسسي "لجنة المبادرة الدرزية" في فلسطين المحتلة، الى جانب الشيخ فرهود فرهود، والشيخ قاسم فرّو وغيرهما... وهو الذي عرّفنا الى ما تحمله هذه اللجنة من عزة وكرامة – عبر نشرة "المبادرة" التي زودنا أعداداً مهمة منها – حيث حملت مسؤولية الدعوة الى "رفض الخدمة الاجبارية" في جيش العدو، ومقاومة مصادرة الأراضي، وفضح عمليات الزيف والتزييف التي كانت تقوم بها سلطات الاحتلال لتشويه تاريخ الموحدين الدروز وتراثهم في فلسطين ولإظهارهم كأنهم خارج النسيج العربي والفلسطيني والقومي... ولأنها كذلك، فقد عرف مؤسساها واعضاؤها كثيراً من عمليات السجن والقهر والملاحقة...
اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، فرضت السلطات الصهيونية على سميح القاسم ورفاقه المناضلين في "لجنة المبادرة الدرزية" الاقامة الجبرية، وضرورة تثبيت حضورهم أمام المحاكم العسكرية صباحاً ومساء، في الوقت الذي سمحت فيه لبعض المتعاونين مع الاحتلال أن يسرحوا ويمرحوا في القرى اللبنانية ويروّجوا لسياسته ومشاريعه التقسيمية والتفتيتية، وبث الدعايات الهادفة لتحسين صورة اسرائيل في المنطقة، وإظهارها بأنها "المنقذ والمخلّص"... وسرعان ما انكشفت هذه اللعبة على حقيقتها، وبقيت "اسرائيل"، كما كانت دائماً، العدو التاريخي والمستقبلي لشعبنا وأمتنا...
هذا هو سميح القاسم الذي دخل التاريخ من باب "شعره" الخالد. واذا كان "بيت شعري" واحد يخلد صاحبه أبد الدهر، فكيف بقصائد وملاحم شعرية رائعة خطّها قلم سميح على مدى نصف قرن وأكثر؟ واذا كانت أرواح الشعراء موجودة في الكلمات، فكيف يصح بعدها أن تموت روح شاعر كسميح القاسم، ذابت قصائده وأشعاره في روحه، مثلما ذابت روحه في أشعاره وقصائده؟ أليس هو القائل في ظل الاحتلال: منتصب القامة أمشي... مرفوع الهامة أمشي... في كفّي قصفة زيتون... وعلى كتفي نعشي...؟
نعم هذا هو سميح القاسم... هكذا كان وهكذا سيبقى... كان قامة وهامة وقمّة في حياته، وسيبقى قمة وقامة في موته وبعد موته... كما سيبقى زيتونة فلسطينية، يموت الدهر أمامها ولا تموت... ذلك لأن الموت لا يليق بها وبه... فأمثاله وأمثالها يدفنون الموت ويعودون...



محمود وسميح ... و «الريش المنتوف»


عبده وازن

لم يكن يروق للشاعر محمود درويش أن يتحدث عن «البرتقالة» الفلسطينية التي راج الكلام عنها كثيراً وعن شطريها المتمثلين، الأول به والثاني بالشاعر سميح القاسم. وكانت هذه «البرتقالة» تعني أن الشاعرين ثنائي واحد، قائم على حضورهما معاً. وغداة رحيل القاسم استُعيد الكلام بوفرة عن هذه «البرتقالة» التي فقدت شطرها الثاني. وكان القاسم نفسه تحدث عن سقوط أحد شطري «البرتقالة» عند رحيل محمود درويش، ملمحاً إلى انه الشطرالذي بقي «يتيماً».

كان صاحب «جدارية» يتحاشى الكلام في حواراته الصحافية، قدر ما أمكنه، عن العلاقة «الملتبسة» بينه وبين سميح وما اعتراها من تناقض واضطراب وانقطاع، وكان أيضاً يتردد في إبداء رأي في شعرية القاسم، مكتفياً ببضع كلمات إطراء. كان محمود يود أن يُدرج القاسم في خانة الذكريات والماضي المشترك الذي عاشاه معاً في فلسطين المحتلة، وهو ماض نضالي، جميل وأليم، حزين وحماسي، فهو كان يدرك أن القاسم ما برح يعيش شعرياً في فضاء هذا الماضي، بعدما حاصر نفسه، قبل أن يحاصره الآخرون، في هالته، وفي تخوم الكناية أو المجاز بصفته «شاعر فلسطين المحتلة» و «شاعر القضية» و «شاعرالمقاومة» و «شاعر الفداء والفدائيين» و «شاعر الغضب» و «شاعر الانتفاضة» و «الشاعر الصامد» و «قيثارة فلسطين»... كان محمود يشعر أن القاسم أمسى وراءه، مثلما أمسى ماضيه هو وراءه أيضاً، بعدما أسبغ عليه مواصفات الحاضر وعاود إحياءه ليصبح ضوء المستقبل، الممكن والمستحيل في آن. وكان محمود خرج من حصار القضية إلى سمائها الشاسعة، جاعلاً منها تراجيديا الفرد والجماعة، ومرتقياً بها إلى مرتبة الإبداع الشعري الذي يوازي إبداع المآسي الكبرى في التاريخ.

عندما اتفق محمود وسميح على تبادل الرسائل خلال العامين 1986 و1987، اعترف محمود في رسالته الأولى بأنّ الرسائل هذه ستُكتب «غبّ الطلب» كما يقال، مستبقاً أي نقد قد يوجه إليها وإلى الكتاب الذي جمعها لاحقاً بعد نشرها على صفحات مجلة «اليوم السابع»، واسمه «كتاب الرسائل» (دار العودة). وكتب في الرسالة الأولى يقول: «نصمّم الكتاب ونضع له الرسائل»، ثم تحدث عن «اللعبة المكشوفة» قائلاً لشريكه فيها: «انتبه جيداً، لن نستطيع قول ما لا يقال»، مطالباً نفسه وزميله بـ «إجراء تعديل ما على طبيعة أدب الرسائل»، وأجابه سميح قائلاً: «إذن، هكذا نكف قليلاً عن عبث الغربة ونخترع لأنفسنا لقاء ما». كتب محمود رسائله من باريس التي كانت واحداً من «لاأمكنته»، وسميح من فلسطين المحتلة. وبدت هذه المراسلة «المدبّرة» والتي تنوعت بين الشخصي والقضية الفلسطينية، بين الهموم الكبيرة والصغيرة... وبدا كلاهما كأنهما يتراسلان ليقرأهما الآخرون أكثر مما ليقرأ واحدهما الآخر.

غير أن من يتأمل في طبيعة هذه المراسلة يلمس أن الشاعرين ولا سيما محمود، سعيا من خلالها الى طيّ صفحة العلاقة الملتبسة التي طالما شغلت حيزاً من همومهما. حتى سميح نفسه عبّر عن هذه الغاية مداورة عندما تحدث في إحدى الرسائل عن «الصورة النمطية التي أعدتها لنا المخيلة العامة». حاول الشاعران كسر هذه «الصورة»، بعدما شعر كل منهما أنهما أصبحا مختلفين واحدهما عن الآخر، وشبه غريبين واحدهما عن الآخر، على رغم جمع القضية بينهما. كان سميح يشعر أن عليه أن يستأثر بصفة «شاعر الأرض الفلسطينية» والكنايات التي فاضت عنها، بينما كان محمود يشعر أن الوقت حان ليصبح الشاعر الذي يطمح أن يكونه بعدما أدرك أنه ابتعد بقضيته وتجاوز بها حدود السياسة والوطنية الضيقة والنضال إلى أفق شعري إنساني ووجودي وكوني، ولكن من غير أن يتخلى لحظة عن جذوره الضاربة في الذات الفردية والجماعية.

عندما قرر محمود الرحيل عن فلسطين الى المنفى أو «اللامكان» كما يقول، عام 1971، بحثاً عن فضاء فلسطين الحرة، رافضاً البقاء في أسر الاحتلال واقتناء وثيقة إسرائيلية عوض هويته الفلسطينية، حمل عليه شعراء الداخل، وفي مقدمهم سميح القاسم، الذي هجاه بقسوة وخوّنه وشكك بوطنيته. واضطر محمود إلى أن يرد عليه بقسوة أيضاً، مذكراً إياه أنه جندي في جيش الاحتلال، ومهنئاً إياه بخدمة العسكر الإسرائيلي. ومعروف أن القاسم أدى خدمته الإلزامية في الجيش الإسرائيلي رغماً عنه تبعاً لانتمائه إلى الطائفة الدرزية التي تشملها هذه الخدمة، على خلاف المسلمين والمسيحيين.

أما أطرف ما كتب محمود عن شعر سميح، وهو نادراً ما تحدث عن شعره، فحملته رسالة وجهها محمود الى رفيق دربه وصديقه «اللدود» يهنئه بميلاده الستين عام 1999. وإن لم يمدحه محمود في هذه الرسالة، فهو لم يبخل عليه ببعض الإطراء. لكنه شاء أن يذكّره بأنّ اسميهما اللذين اختلطا «عندما كنا صغيرين»، إنما اختلطا في «عفوية الأخطاء الشائعة». ومما قال له: «أراك يا سميح أقرب الى صورة الشاعر الفارس، لغة وهبوباً وشبق حياة»، ويضيف:» لقد صدّقت، يا سميح، أن في وسع الشعر ولو كان وحيداً، أن يحارب على جميع الجبهات، لذا بقيت أكثرنا فتوة، فتى في الستين». لكنه تحدث في الرسالة أيضا عن «عجز الجرح عن كسر السكين» وعن «عجز الإيقاع عن إسقاط طائرة»، وكأنه يقول إن الفروسية في مثل هذه الحال قد تكون دونكيشوتية، بل كأنه يعلن أن لا بد للشعر الفلسطيني من أن يخرج من طور الفتوة والنضال الخطابي والحماسة المجانية. ولعله أكد الانفصال الذي حل بينهما في ختام الرسالة عندما قال: «على ماذا نتنافس الآن وأنت تناديني إلى الستين عما قليل؟ وماذا تصنع الديكة في مثل هذا العمر غير أن تتذكر ريشها المنتوف؟».



إلى المتماوت.. سميح القاسم

عطاء الله مهاجراني

يكون لبعض الشعراء أو الروائيين أو الفنانين تأثير كبير على حياتنا. عندما ننظر في أعمق جزء من أرواحنا، يمكننا أن نجد أناملهم تمس شغاف قلوبنا، ونشعر بأن هذا هو جوهر الحياة. بمعنى أنهم يصبحون بطاقات هويتنا!

بالنسبة لي يظل سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد وإميل حبيبي أحياء على مدار العصور. ما زلت لا أصدق أنهم رحلوا، لأنهم منحوني معنى جديدا للحياة والموت، وهم أحياء جدا في نظري. إنهم روح فلسطين الخالدة.

عندما اقرأ قصائدهم أو مقالاتهم أو رواياتهم، أشعر بأنهم يجلسون إلى جواري وينظرون إليّ.

منذ ثلاثة وعشرين عاما قام سميح القاسم بزيارة إلى إيران، وقرأ بعض قصائده في إحدى قاعات المحاضرات، والتي كانت تمتلئ بالجمهور.

كان البعض يجلسون على الأرض وجلس شخص على النافذة، بينما وجد البعض مساحة للوقوف خلف سميح!

كان هذا هو المعنى الحقيقي للحياة. للشاعر الفلسطيني معين بسيسو قصيدة شهيرة باسم «المعركة» يقول فيها:

«يا أيها الموتى أفيقوا: إن عهد الموت زال

أنا لم أمت!..

أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراح

ولتحملوا البركان تقذفه لنا حمر الجبال

هذا هو اليوم الذي قد حددته لنا الحياة

للثورة الكبرى على الغيلان أعداء الحياة

فإذا سقطنا يا رفيقي في جحيم المعركة

فانظر تجد علما يرفرف فوق نار المعركة

ما زال يحمله رفاقك يا رفيق المعركة».

عندما رحل معين بسيسو في لندن عام 1984، كتب سميح قصيدة له. كانت قصيدة طويلة، أشبه بديوان.

في هذه القصيدة، استخدم سميح مصطلحا غريبا أطلقه على بسيسو: «المتماوت»!..

«أنت تدري كم نحبك


إلى المتماوت.. معين بسيسو».


جمع سميح بين مفهومين، الحب والموت. عندما نحب شخصا ما، لا يموت أبدا في قلوبنا، لأن الحب خالد، لأنه أبدي. إنه صميم وروح الوجود، وهو من صفات الله:

«يا صاحبي الصعلوك

فامنحني القليل

من الهدوء المستحيل..

من كنت حتى ابتلى بعذاب غزة

مرة أخرى..

ومن مرة أخرى ابتليت

بكل أحزان الجليل؟».

هذه القضية تنبض بالحياة، لأن فلسطين وغزة والجليل تنبض بالحياة، لأننا نشعر بأنفاس سميح وروح بسيسو، وروح المقاومة في قصائدهما.

اسمحوا لي أن أحكي عن موقف آخر.. كان سميح القاسم يقف بالقرب من جسد محمود درويش في بارفا في جنازة درويش. وكان يتحدث مع درويش، وكأن درويش لا يزال حيا؛ كان سميح يتحدث مع صديق العمر. حملت نبرات صوته وحركات يديه ودموعه إشارات على أن سميح كان يتحدث مع محمود درويش الحي. وكرر عدة مرات قوله:

«يا أخي! يا من لم تلده أمي!

أنت تسمعني جيدا

وأنا أسمعك جيدا

إنهم ينتقمون منك بأسلحة التدمير الشامل

وأنت تواجههم بقصيدة الحياة الشاملة».

هذا تفسير فريد يظهر التناقض بين أسلحة الدمار الشامل والقصائد! هذا دليل فريد يوضح الفارق بين قوة السلاح وقوة الفن والكلمة.

من جانب، ترغب إسرائيل في تحويل غزة وفلسطين إلى أرض محروقة، من خلال قصف كل شيء وقتل الجميع.

على الجانب الآخر، أراد محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد أن يعيدوا إليها الحياة. يستخدم أحد الطرفين النيران والطلقات والقنابل، بينما يستخدم الطرف الآخر الكلمات.

إنهم يساعدوننا ويرشدوننا لنرى عبر عيونهم ونشعر عبر صميم قلوبهم.

يقول توفيق زياد:

«أناديكم

أشد على أياديكم..

أبوس الأرض تحت نعالكم

وأقول: أفديكم

وأهديكم ضيا عيني..

ودفء القلب أعطيكم..

فمأساتي التي أحيا

نصيبي من مآسيكم.. أناديكم».

توجد حاليا نظرية في الأدب، نظرية الغياب أو موت الكاتب. كانت قصيدة سميح القاسم شيئا آخر. إنه حي في قلوبنا بأشعاره، كما كان محمود درويش حيا في قلب سميح. ولعل في نظرية الأدب، التي تقول بموت الكاتب، لا يكون العمل من دم ومشاعر وليس به حياة، ليس مثل قصائد درويش أو سميح، لأن أيا منهما لم يحصل على جائزة نوبل في الأدب. ومن المثير للاهتمام أن بعض الشعراء فازوا بجائزة نوبل وبعضنا حتى لا يتذكر أسماءهم، وعندما نحاول قراءة أشعارهم نصل إلى 20 صفحة بالكاد! تشعر وكأن تلك القصائد مصنوعة من البلاستيك والقطن والثلج.

وبخلاف الشعراء الذين ذكرتهم آنفا، تشعر بالفعل بأن الكاتب أو الشاعر توفي بالتأكيد!

عندما كان سميح القاسم راقدا على فراشه في المستشفى، خرجت كلماته الأخيرة وكأنها قصيدة، حيث كتب:

«أنا لا أحبك يا موت

لكنني لا أخافك! وأدرك أن سريرك جسمي

وروحي لحافك

وأدرك أني تضيق علي ضفافك..

أنا لا أحبك يا موت

لكنني لا أخافك».

لا شك في أن سميح القاسم حي! وأنه يعيش حياة أبدية عبر كلماته وآلامه، وما خلقه من مساحة فلسطينية على ساحة الأدب، وقلعة من ألماس ودموع. نجح بيكاسو في رسم لوحة لغرنيكا، ليحيي ذكرى جميع الأشخاص الذين قتلوا على يد أعدائهم. إنها لوحة رائعة. وقد نجح سميح في رسم لوحة غرنيكا أخرى عبر كلماته.

تحاول إسرائيل تدمير فلسطين، ويمكنها أن تقصف جميع المباني والمساجد والمستشفيات والمدارس والجامعات، لكنها لا تستطيع تدمير الأرض! أرض فلسطين، فوطن الفلسطينيين خالد ولا يستطيع شخص أن يدمره. بالإضافة إلى ذلك، أنشأ سميح القاسم، ومعه صديق عمره درويش، وطنا خالدا بكلماتهما.

الكلمة هي أقوى ظاهرة في تاريخ البشر! في البداية كانت كلمة، وفي النهاية ستكون كلمة.

لهذا السبب قال سميح القاسم لصديقه معين بسيسو: «أنت حي، أنت متماوت»! وقال لدرويش «يا أخي! يا من لم تلده أمي! أنت تسمعني جيدا وأنا أسمعك جيدا».

كيف ننسى الشاعر الذي قال:

«قلبي قمر أحمر..

قلبي بستان».

عزيزي سميح، ضوء القمر الأحمر، يضيء نور قلبك دربنا؛ ويقدم لنا العبير الذي يفوح من ورود بستان قلبك جوهر الحياة الحقيقية.

نحن نحبك! وأنت لم تمت في نظرنا، لن تموت أبدا، أنت متماوت!

أنت لم تمت.. أنت تدعونا من خلف الجراح.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين اغسطس 25, 2014 6:01 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



نار فلسطين وزيتونها

يوسف القعيد


عرفت سميح القاسم فى السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي. عندما جاء لمصر لأول مرة ,استقبلت من خلاله رائحة فلسطين الأرض المستحيلة التى لا يمكن أن يلامس الإنسان ترابها. وتظل بالنسبة له المكان الوحيد الذى يرحل إليه بالأحلام والأمنيات والخيال الإنساني.

فى يومه الأول صحبته فى رحلة من فندقه الذى كان ينزل فيه المطل على نيل المصريين. ثم أخذتنا الجولة فى معالم القاهرة ـ الثقافية وليست السياحية ـ الروحية قبل المادية. ويومها لم يكن له من طلبٍ سوى أن نتمكن من زيارة قبر معين بسيسو. وكانت معرفة مكان القبر مشكلة كبري.

بدأنا من وسط القاهرة. وقف سميح القاسم بابتسامته الطفولية العذبة. وفى يده المسبحة التى لم تفارقه فى كل مرة رأيته فيها. نظر إلى العمارات الشاهقة العالية التى تناطح السماء. وقال لى أنا لا أتصور أن كل دورٍ من أدوار هذه العمارات يسكنه عرب. ينطقون لغة الضاد.

سألته: ألا توجد فى فلسطين عمارات؟ قال لي: كثيرة. ولكن اللسان إما عبرى أو عربى وعبرى مختلط. كنت أحاول أن أتناسى أنه من عرب 1948، حيث الحياة مختلطة مع العدو الذى خطف منهم الأرض والوطن وكان يحاول ـ ولا يزال ـ سرقة التاريخ القديم والبعيد ومصادرة الزمن الآتي.

لجأنا لفلسطينيين قدامي. استوطنوا مصر بعد النكبة الأولى لكى نعرف مكان ضريح معين بسيسو. كان السؤال غريباً. ولم تكن لديهم إجابات. بعضهم يخمن أنه هنا أو هناك. قررنا أن نلجأ إلى المسئولين الفلسطينيين فى مصر. وقالوا لى يومها إن سعيد كمال هو ذاكرة الفلسطينيين فى وادى النيل. تعبت فى العثور على هاتفه. لم يكن المحمول أو النقَّال قد غزا حياتنا بالطريقة الرهيبة الموجودة الآن.

كان سعيد كمال يعرف المكان. اقترح علينا بشكل عملى أن نتوجه إلى مدينة نصر. وفى الطريق سيدلنا على القطعة والمربع ومكان الضريح. فى الطريق كان سميح يتكلم عن الوطن الذى يعيش فيه والشتات الذى أجبر رفاق دربه وزملاء طريقه على النفى إليه. وصلنا إلى الضريح ولا أنسى أن سميح القاسم خلع نعليه وتيمم لعدم وجود مياه تصلح للوضوء. ثم صلى ركعتين أمام النصب الذى يحمل اسم معين بسيسو. وجلس فترة من الوقت صامتاً واحترمت صمته لأننى أدركت .

تعددت اللقاءات. مرة تصادف وجوده مع محمود درويش فى مصر. وكانا يتراسلان فى رسائل من داخل الوطن ترد عليها رسائل من المنفي. نشرتها مجلة اليوم السابع التى كان يرأس تحريرها بلال الحسن فى باريس. وعندما التقيا ناقشا فكرة نشر الرسائل فى كتاب. كان سميح متحمساً لأن هذا يعد جزءاً من تأسيس الذاكرة الفلسطينية. لكن محمود درويش كان متردداً. لأن الرسائل كتابة عابرة قد لا يبقى منها شىء أمام زحف التاريخ وأمام قسوة أحكام النقاد.

سألنى سميح وكأنه يحاول توريط محمود: ألا يستحسن أن تكون هناك مقدمة يكتبها لنا كاتب كبير؟ رحبت بالفكرة واهتديا معاً إلى أن الأستاذ محمد حسنين هيكل أفضل من يكتب مثل هذه المقدمة. فهو رفيق القضية ومحاميها الأول منذ الكلمة الأولى التى كتبها وحتى الأخيرة. عندما صدرت الرسائل فى كتاب من المغرب. نبهنى الصديق خالد عبد الهادي، الفلسطينى الذى يعيش فى عمَّان وقبل ذلك فى الكويت. أن الكتاب الذى صدر ليست به مقدمة للأستاذ هيكل. وأنا لم أتابع تفاصيل مقدمة هيكل هل طلباها منه؟ وهل استجاب؟ ونشرت فى طبعة أخري؟ أم أن الفكرة لم تخرج إلى الوجود؟.

رأيته مرة ثانية فى القاهرة. وكان معه إميل حبيبي، الروائى الساخر الكبير، ويومها طلب إميل حبيبى أن نسهر مع مسرحية لعادل إمام. قال لي: أريد أن أجلس أمام عمل فنى يجسد لى روح المصريين. وأنا لا أرى أكثر من عادل إمام يمكن أن يحدث هذه الحالة. اتصلت بعادل إمام. وحجز لنا ثلاثة مقاعد فى الصف الأول. وقرر أن يكون اللقاء بعد انتهاء العرض. وأنا كائن نهارى لا أحب السهر. وهكذا ذهبنا إليه فى الكواليس فى الثالثة صباحاً لكى يقابل سميح وإميل ويتذكر معهما محمود درويش الذى سأل عنه متصوراً أنه لا بد أن يكون معنا.

فى 1986 سافرت إلى الاتحاد السوفيتى روسيا الآن لحضور مؤتمر عن السلام يعقد فى مدينة ليننجراد بطرس برج الآن كنت مع الطاهر وطَّار الروائى العربى الذى جاء من الجزائر. وسعدى يوسف الشاعر العربى الكبير الذى وصل إلى موسكو قادماً من لندن. وكان قد بدأ رحلة الحِل والترحال والاغتراب بعد تركه العراق. وسميح القاسم الذى جاء من فلسطين المحتلة.

أيام محفورة فى الوجدان ما بين موسكو وليننجراد، سهرات طويلة، وثرثرة بلا نهاية، وكلام يدور حول أوجاع وهموم وطننا العربى الذى تصور الإنسان أنه خرج منه وتخلص من جاذبيته التى تشد الإنسان إليه حتى فى لحظات النوم. لكن هذا من رابع المستحيلات. لأن الوطن يستيقظ بداخل الإنسان عندما يتركه أكثر من الوقت الذى يمكن أن يعيشه فيه.

سميح شاعر. وسعدى شاعر. وإن كان سعدى يكتب النثر ويترجم ما يعجبه من الأعمال الروائية. خاصة روايات العالم الثالث. لكن فى هذه الرحلة كان سميح يدندن الشعر. ونحن نقوم بأى عمل من أعمال رحلتنا. فى الطريق إلى المؤتمر. فى العودة إلى الفندق. ونحن نجلس مع الطلبة المغتربين العرب الذين يدرسون فى بلاد السوفيت. وأيضاً عندما زرنا متحف ديستويفيسكى فى المدينة، ورأينا خريطة لشوارع وبيوت المدينة التى جرت فيها أحداث رواياته.

كنت أعرف أن سميح مثل غيره من المبدعين الفلسطينيين الكبار انضوى تحت لواء الحزب الشيوعي. ومع هذا أشهد أن أكثر ما كان يعتز به فى حقيبة سفره عدد كبير من السبح. يأخذ كل صباح سبحة تناسب مزاجه وملابسه. ولا تترك يده أبداً. بل بالعكس كان تفكيره يستقيم وجملة تصبح جميلة عندما يكتشف أن المسبحة فى يده.

وكان لصوته إيقاع ما زال يرن فى الأذن



سميح القاسم المقاومة تفقد صوتها الأخير


شعبان‮ ‬يوسف

هو أحد شطري البرتقالة. هكذا أطلق عليه النقاد ، علي اعتبار أن محمود درويش شطرها الثاني ..يتكاملان. سميح القاسم الشاعر الفلسطيني يرحل ...لتفقد " المقاومة" صوتا من أصواتها في النضال من أجل التحرر. سميح القاسم المولود عام 1939 .يعتبر أشهر الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط إسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي 48 ويعتبر سميح أحد شعراء الثالوث الفلسطيني للمقاومة مع توفيق زياد ومحمود درويش ، ويري كثير من النقاد أن أشعار قاسم ودرويش وزياد كانت حلقة الوصل بين الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال وبين الشعوب العربية الأخري التي أقبلت علي قراءة ومتابعة أشعارهم. وقد جسدت أشعار الثلاثة مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال وتمسكه بأرضه وهويته العربية. وقد ارتبط سميح برفضه الخروج واصراره علي البقاء في الضفة ..وكانت قصائده تمثيلا للشعر والمقاومة كقصيدته "تقدموا" التي خاطب فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي وقصيدته "منتصب القامة أمشي" التي لحنها وتغني بها مارسيل خليفة. برحيل قاسم الثلاثاء الماضي بعد رحلة من المرض، يرحل صوت هام من أصوات المقاومة.
ياأسطي سيد
إبن، وشيّد
شيّد لي السد العالي
شيّد لك
أطفئ ظمأ الغيظ العالي
وامنحنا، وامنح أهلك
كوبا من ماء
وخضارا وزهورا وضياء
يا أسطي سيد
أزف الموعد
والقرية في الصحراء العطشي
تحلم
والبذرة في الثلم الصابر الصابر تحلم
فادفن أشلاء القمقم
في أشلاء القمقم
في أشلاء الصخر المتحطم
وابن وشيّد
يا أسطي سيّد
باسم ضحايا الأهرام وباسم الأطفال
إبن السدّ العالي
ياصانع حلم الأجيال!
كانت هذه الكلمات هي جواز المرور الثاني الذي دخل قلوب المصريين منذ لحظة التعرف علي شعراء الأرض المحتلة، لأن جواز المرور الأول كانت القضية الفلسطينية نفسها، هذه القضية التي شغلتنا ومازالت تشغلنا كثيرا، وكان صوت شعراء المحتلة الذي انفجر علي غير استحياء، وبقوة شديدة، ووجد من الكتّاب والنقّاد والمبدعين صدي كبيرا، البعض من هؤلاء تحفظ واشمأنط، وقال إن ظاهرة شعراء الأرض المحتلة مجرد ظاهرة صوتية، مرتبطة ارتباطا كبيرا بالازمة السياسية، وسوف يزول تأثير هذا الشعر فور زوال المأزق السياسي لبلادهم، وكان هذا الكلام يأتي من ناحية مجلة "شعر" اللبنانية، الذين انتقدوا الظاهرة بشدة، واعتبروها صوتا دخيلا علي الشعر العربي، بينما ردّ علي هذا الكلام الناقد اللبناني الراحل محمد دكروب في مجلة "الطريق"، ولكن "كتابا" مهما صدر للكاتب والمناضل غسان كنفاني عام 1968 تحت عنوان "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال1948.."1968"، وكان غسان ينشر بعض فصوله في عدة دوريات، أشهرها مجلة "الآداب" اللبنانية، وكانت قد بدأت بعض قصائد لفدوي طوقان ومحمود درويش تفلت من بين أشكال الحصار الرهيبة التي تفرضها اسرائيل علي هؤلاء الشعراء، وكانت تمرّر قصائد لشعراء آخرين تافهين، يناسبون رغبة الاحتلال الصهيوني الذي كان يروّج لهؤلاء الشعراء، وكان في الوقت ذاته يلاحق الشعراء الحقيقيين، ويحتجزهم في السجون لشهور عديدة، وكان الشاعر حنا أبوحنا، وهو المعلّم الذي ساعد علي إبراز هذه الظاهرة، يقاتل من أجل حفر مجري جديد في شرايين الحركة الشعرية والوطنية الفلسطينية، وكان هؤلاء الشعراء جميعا ينتمون إلي الحزب الشيوعي الفلسطيني -حسب التوجه-والاسرائيلي-حسب الاقامة - وكانت مجلة "الجديد"التي تصدر عن الحزب تنشر أشعار هؤلاء، واستطاعت هذه الاشعار أن تخرج، فيتلقفها غسان كنفاني في بيروت، ويكتب عنها رجاء النقاش في مجلة "المصور" في القاهرة عام 1966، مما لفت الأنظار واهتمام الدوائر العربية والثقافية والأدبية، وبدأت أشعارهم تنتشر وتجد لها قارئاً مفعما بالحلم العربي والفلسطيني والانساني، حيث أن أشعأرهم لم تقتصر علي المساحة الفلسطينية فقط، بل تجاوزت الأسوار المفروضة عليهم كفلسطينيين وأسري احتلال مقيت، وكما كتب سميح القاسم قصيدة عن السدالعالي، وقصيدة أخري عن نجيب محفوظ في وقت مبكر، نجد أن محمود درويش يغني لأفريقيا منذ ديوانه الأول.ولم يكتف هؤلاء الشعراء بكتابة الشعر فقط، بل تجاوزوا ذلك بتحديد مهمة وشكل ووظيفة هذا الشعر الجديد، الذي ولد وانفجر بين حديد الاحتلال، مثل الزهرة التي تنبت في قسوة الصخور، حيث يقول محمود درويش:
"قصائدنا
بلا لون
بلا طعم
بلا صوت
إذا لم تحمل المصباح من بيت إلي بيت"
ويقول سميح:
"قصائدنا، موقعة علي الفولاذ
والأخشاب بالصخر
وأمتنا تحث الزحف
مازالت تحث الزحف للفجر"
وكانت هذه الكتابة تعلن عن شكل آخر للكتابة، ووظيفة أخري للشعر، ودور أكثر اشتباكا وفعالية مع الواقع، ولأن الشعراء بالفعل كانوا ضمن حركة سياسية عارمة، وكان الشعر سلاحا ناصعا وواضحا أمام الناس، لذلك وجد طريقه بقوة بين الجماهير العربية، واشتباك الشعراء الذي تجاوز المساحة المحتلة بأقدام الصهاينة، إلي المساحة العربية الأشمل والمهددة بمزيد من الاحتلال بدبابات هذا العدو، وعندما حلّت كارثة 1967صرخ الشعراء بحسرة شديدة، فقال محمود درويش:
"خسرت حلما جميلا
خسرت لسع الزنابق
وكان ليلي طويلا
...وما خسرت السبيلا"
وكتب سميح القاسم:
"يامن ورائي
لا تخونوا موعدي
هذي شراييني
خذوها وانسجوا منها
بيارق نسلنا المتمرد"
وتعضد هذا الالتحام بين ظاهرة شعراء وأدباء الأرض المحتلة، بالتسريب المستمر لنصوصهم في المجلات المصرية واللبنانية، هؤلاء الادباء، وكانت مجلتا الطريق والآداب اللبنانيتين شديدتي الاهتمام، وفي القاهرة نشر رجاء النقاش ديوان "آخر الليل" لمحمود درويش، وديوان"ادفنوا موتاكم وانهضوا" لتوفيق زياد، كملاحق بداخل عددين متتايين في مجلة الهلال المصرية، وأنشأ كتابا ضخما عن محمود درويش، وفيه تحدث باستفاضة عن ظاهرة هؤلاء الشعراء والأدباء، وكان الناس في الوطن العربي متعطشين لمعرفة المزيد عن أخبار هؤلاء الادباء الذين يناضلون في داخل الأسوار كبديل عنا جميعا، أو كطليعة تقف في الصف الأول لمواجهة الأعداء، وكان التعريف الأول لشاعرنا الراحل محمود درويش كتبه غسان كنفاني في هامش نشره تحت القصائد التي نشرها له في كتابه، يقول التعريف:"ولد -سميح- عام 1929 في مدينة الزرقاء في الضفة الشرقية من الأردن، حيث كان والده في الجيش هناك، وعادت عائلته إلي الرامة (الجليل)وهو طفل، وتلقي هناك دراسته الابتدائية، وأكمل دراسته الثانوية بعد النكبة في الناصرة، عمل في التعليم، ثم فصل بعد صدور ديوانه الثاني "أغاني الدروب" الذي حذفت الرقابة قصائد عديدة منه، سجن مرتين (1961، 1967) وفرضت عليه الإقامة الجبرية في حيفا بعد خروجه من السجن، بالإضافة إلي أوامر إضافية تقضي بعد مغادرة المنزل بعد الساعة السادسة مساء، كما يتحتم عليه أن يثبت وجوده مرتين عند البوليس أثناء النهار، مسلم درزي، ذو اتجاه يساري، وكثير الإنتاج، آخر دواوينه، بالإضافة ل"مواكب الشمس"1958و"أغاني الدروب"1964و "إرم"1965و"دمي علي كفي"1967، اسمه "دخان البراكين"وقد صدر عام 1968"، كان هذا التعريف شبه محفز ومحرض لمعرفة الشاعر، وقراءة كل ماتتيحه محاولات كسر العزلة، فالأشعار التي نشرها غسان في كتابه، وهي مختارات من دواوين سميح التي صدرت حتي صدور كتاب غسان، وضمن هذه القصائد رسالة إلي نجيب محفوظ، ضمن قصيدة طويلة عنوانها "رسائل إلي ميادين المعركة"، وكانت هذه الرسالة تقديرا بالغ العذوبة لعميد الرواية العربية، فيقول له في ثنايا القصيدة الرسالة:
"فاغرف من أعماق البئر
العذراء
واسق العامل والفرّان وأطفال الحارة
فالناس ظماء
اكتب عن شحذ الهمة
واكتب عن أحلام الأمة"
وكان سميح بهذه القصائد الرسائل، يحاول إيصال صوته بكافة الطرق، هذا الصوت المفعم بمقاومة الأعداء الصهاينة، والممزوج بوعي اشتراكي ماركسي، وكانت قصائده التي تصل إلينا عبر الوسائط العربية المتعدة كالصحف والمجلات والإذاعات المتعددة، تشي بالطابع الفني والكفاحي الذي كان يسم الأشعار والحركة عموما، وكان الشعراء يحاولون تحديد هويتهم العربية الممتدة، والطبقية، والتي تتجاوز كما أسلفنا أسوار فلسطين المسلوبة والمصلوبة، فنجده يكتب قصيدة عن "طانيوس شاهين"، وهو أول عربي في التاريخ الحديث ينظم ثورة فلاحية علي الإقطاع في لبنان، وتفصح هذه القصيدة عن توجهات سميح الثورية، والعربية في الوقت ذاته، وقد نشرت القصيدة في مجلة الآداب اللبنانية في يوليو عام 1970، ويبدأها سميح
ب:
"تجهل الكرمة أن الشاربين
دمها،
لم يصنعوا تاريخها.
يجهل الصفصاف أن الغارسين
أفسحوا الظل لقطّاع الطريق
تجهل الأرزة أن الحاطبين
آثروا اللقمة في برد الشتاء
ولذا تنعم بالدفء أكف الآخرين!
يا أسير القصر، ياعنقود
من يخلي سبيلك
لذويك الجائعين؟
ياظلال الحور والصفصاف من تنتظرين".
ورغم هذا التوسع، والتجاوز الذي يتجلي من خلال شعر سميح ورفاقه، إلا أن النقّاد العرب حاولوا حصرهم في القضية الفلسطينية، واضفواعليهم قدسية خارج الشعر تماما، وراح الناس يتعاطفون معهم تبعا للتعاطف مع القضية، وهذا التعاطف كان في بعض زواياه خبيثا، لطمس المستوي الفني الرفيع الذي تجلي في هذه الأشعار، وهناك جوانب اخري من هذا التعاطف منطلقة من انتماء وانتصار للقضية الفلسطينية خصوصا والعربية عموما، وترسخ هذا التعاطف بعد انطلاق حركة"فتح" في العام 1965، بقيادة ياسر عرفات، وبدأخلط السياسي العملي والبراجماتي واللحظي، بالفني والأدبي والثقافي العام والشامل والانساني، وفي ظل هذا التعاطف الشديد كانت سهام المتربصين تعمل بقوة، لتصوير الظاهرة أنها مجرد تعليقات علي أحداث سياسية، ووليدة ظرف تاريخي محدود، ولن تفعل هذه الظهرة أدني تطوير في الشعر العربي، مما دعا الشاعر محمود درويش لكتابة افتتاحية مجلة "الجديد" تحت عنوان "ارحمونا من هذا الحب القاسي"، وتناقلت الصحف والمجلات هذا البيان الذي أفصح فيه درويش، ومعبرا عن رفاقه، عن حقيقة الحركة التي تتشكل منهم جميعا، هو وسميح القاسم وتوفيق زياد وحنا أبو حنا وراشد حسين وآخرين، وأجرت مجلة الآداب حوارا مطولا مع درويش كتعليقات علي الصدي الذي أحدثه البيان، ونشر في سبتمبر 1970 قال فيه:
"ثمة رأي يقول إن هذا الشعر لا يمكن اعتباره شعر مقاومة، إنه شعر معارضة، وأنا لا أعتبر هذا التعبير إهانة، وإنما أعتبره اجتهادا، ولكنه يعاني من هواية التلاعب بالألفاظأو الأفكار، إن صاحب هذه المقولة
-وهو كاتب جاد - يختار من مصطلح "أدب المقاومة" المعني الواسع للكلمة بمعالجته مايبدو له أنه أدب مقاومةفي شتي البلدان وفي شتي الأزمنة"، ويستطرد درويش معلنا عدم خلو بعض ظاهرة هذا التعاطف وذلك الحب من البراءة، فهناك أصوات خبيثة كامنة في ثنايا هذا الحب، وكذلك عبر سميح في أكثر من موقع، ومن مجلة، ولكن صوت درويش كان الأكثر وصولا إلي جماهير الوطن العربي، ولا يعود هذا لأنه كان الأشعرأو الأهم أو لأنه رئيس تحرير المجلة الأدبية للحزب، ولكن ربما لقدرة درويش علي التواصل مع الآخر المتعدد، العربي والغربي، القومي والشيوعي والبعثي، ولم ينغلق علي قضيته فقط، بل راح ليكتب النثر والشعر، ولذلك قرر الخروج من الأرض المحتلة في مطلع السبعينيات، منوجها إلي القاهرة، مما أحدث فجوة عميقة بينه وبين رفيق نضاله وعمره سميح القاسم، وتبادل الاثنان التراشق، وعمل آخرون ومتربصون علي تأجيج الصراع بين الشاعرين، واصطاد البعض إحدي قصائد سميح القاسم، واستخدامها في إشعال الطريق بينهما، والقصيدة عنوانها :"إليك هناك في بيروت"، وزعم الزاعمون أن سميحا يهاجم درويش لأنه غادر المكان الحقيقي للنضال، وذهب حيث التنعم والراحة والخلاص الفردي، ويقول سميح في القصيدة:
"رسالتك التي اجتازت إليّ الليل والأسلاك
رسالتك التي حطت علي بابي جناح ملاك
أتعلم؟
حين فضتها يداي تنفضت أشواك
علي وجهي وفي قلبي
أخي الغالي
إليك هناك..حيث تموت
كزنبقة بلاجذر
كنهر ضيّع المنبع
كأغنية بلا مطلع
كعاصفة بلا عمر
إليك هناك حيث تموت كالشمس الخريفية
بأكفان حريرية..."
وقد نسي الذين استخدموا هذه القصيدة، أنها كانت منشورة في ديوانه "دمي علي كفي"، الذي صدر عام 1967، حيث لم تكن الخلافات قد حدثت بعد، ولكن نجح الساعون إلي الوقيعة في تأجيج الخلافات مما دعا درويش لكتابة مقال يهين فيه رفيقه، ويعايره لأنه دخل الجيش الاسرائيلي، وظل هناك حيث أجبرته السلطات الاسرائيلية علي خدمة جنودها، وكان هذا نتيجة رفض سميح الانخراط في صفوف الجيش الاسرائيلي، ورفض أن يقاتل في جيش أعدائه، وبناء علي ذلك حبسته السلطات طوال المدة المفروضة عليه في التجنيد، واختار أن يكون محبوسا في جيش الصهاينة، بدلا عن أن يقاتل معهم ضد أهله وشعبه وناسه، وعندما احتدمت الخلافات، تدخل الناقد رجاء النقاش وكتب مقالة علي هيئة رسالة في مجلة الطليعة القاهرية في ديسمبر 1974، واستفاض النقاش في شرح تفاصيل القضية الواحدة التي تربط الشاعرين، وتربطهم كذلك ببقية الشعراء والكتّاب العرب، وسعي مجددا بعد ذلك في التواصل مع درويش لإسكات صوت الغضب، وبالفعل توقفت التراشقات بين الشاعرين الكبيرين، اللذين عادا كما كانا، وعندما أنشأ محمود درويش مجلة الكرمل في باريس كان حريصا علي نشر نصوص لرفيقه سميح القاسم، كما تبادلا أجمل الرسائل علي صفحات مجلة اليوم السابع التي كانت تصدر في باريس، وكان يرأس تحريرها الصحفي بلال الحسن، ورحل محمود درويش منذ سنوات ليرثيه سميح رثاء مريرا، وهاهو سميح يلحق برفيقه وابن وطنه وشقيقه الشعري الكبير، رحل الاثنان بينما جرت مياه عكرة في قنوات القضية الوطنية، وقد ظلا واقفين طيلة حياتهما للدفاع عنها، مات درويش في الخمسة والستين من عمره، ورحل سميح في الخامسة والسبعين، بعد أن أمطرا العالم بقصائد وحكايات ومواقف، ولسميح تعدد كتابي، فقد كتب الشعر والمسرح والمقال الصحفي والنقدي، أمطرا العالم بأحلامهما وآمالهما، لكن حال العالم كله بشرّه الوحشي أن تتحقق أي أمنية قد حلما بها، العالم يتراجع تماما أمام أحلام الشاعرين الكبيرين، وربما يتسع المستقبل لتحقيق بعض أحلامهما الانسانية المفتوحة


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين اغسطس 25, 2014 6:02 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



من أشعار سميح القاسم


أشدُّ من الماء حزناً
تغربت في دهشة الموت عن هذه اليابسه
أشدُّ من الماء حزناً
وأعتي من الريح توقاً إلي لحظة ناعسه
وحيداً. ومزدحما بالملايين،
خلف شبابيكها الدامسه..

<<<
تغرٌبت منك. لتمكث في الأرض.
أنت ستمكث
(لم ينفع الناس.. لم تنفع الأرض)
لكن ستمكث أنت،
ولا شيء في الأرض، لاشيء فيها سواك،
وما ظل من شظف الوقت،
بعد انحسار مواسمها البائسه..

<<<
ولدت ومهدك أرض الديانات،
مهد الديانات أرضك،
مهدك. لحدك.
لكن ستمكث في الأرض. تلفحك الريح طلعا
علي شجر الله. روحك يسكن طيرا
يهاجر صيفا ليرجع قبل الشتاء بموتي جديدي..
وتعطيك قنبلة الغاز إيقاع رقصتك القادمه
لتنهض في اللحظة الحاسمه
أشد من الماء حزنا
وأقوي من الخاتمه..

<<<
لك المنشدون القدامي. لك البيد. لاسمك
سر الفتوحات. لاسمك جمر الهواجس تحت
الرماد.. وأنت افتتحت العصور الحديثة بالحلم.
كابدت علم النجوم وفن الحدائق
وأتقنت فقه الحرائق
وداعبت موتك: حري جهاز التنفس،
للدورة الدموية ماتشتهي.
وأيقنت أنك بدء.. ولا ينتهي
ولاينتهي.. ويضيق عليك الخناق ولاينتهي
وتتٌسع الثغرات الجديدة في السقف
جدران بيتك تحفظ عن ظهر قلب
وجوه القذائف
وأنت بباب المشيئة واقف
وصوتك نازف. وصمتك نازف
تلم الرصاص من الصور العائليه
وتتبع مسري الصواريخ في لحم أشيائك المنزليه
وتحصي ثقوب شظايا القنابل
في جسد الطفلة النائمه
وتلثم شمع أصابعهما الناعمه
علي طرف النعش،
كيف تصوغ جنون المراثي؟
وكيف تلم مواعيد قتلاك في طرق الوطن الغائمه؟
وتحضن جثة طفلتك النائمه؟
<<<
أشد من الماء حزنا
وأوضح من شمس تموز. لكنٌ نضج السنابل
يختار ميعاده بعد عقم الفصول.
إذن فالتمس في وكالة غوثك شيئا من الخبز.
وانس الإدام قليلا.. تحر التقاويم: يوما فيوما.
وشهرا فشهرا. وعاما فعاما. تحر المناخ المفاجيء،
قبل انفجار ندائك. أنت المنادي وأنت المنادي
وأنت اشتعلت. انطفأت.. ابتدأت.
انكفأت.. وأنت اكتشفت البلاد.. وأنت
فقدت البلادا!
أشد من الماء حزنا.
<<<
يؤجٌلك الموت . تمسح جسمك بالزيت كاهنة
كرٌستٍها العصور لأجلك أنت. لأجلك تولد
في البحر والبر عاصفة لا تسمي
وتزحف في جسد الأرض حمي
لينهض فيك كسيحاً. ويبصر أعمي
وحولك ما خلق الله من كائنات غرائب
ومن يصنعون العجائب
لهم قصب السبق دون سباقي. لهم ما تتيح المقاعد
للمقعدين. لهم جنة رحبة في الزحام الفقير وفي ورد
مستنقعات الأزقٌة. تحت صفيح الأنيميا وبين
خيام التخلف والجهل. في رقة القمع. هم نخبة
الرق. أسياد زوجاتهم في المحافل. زوجات أسيادهم
في القرار الصغير الصغير
لهم ما يتيح الجلوس المدرب. ساقا علي الساق.
كفا علي الخد. تحت حزام المدير
وتحت حذاء معالي الوزير
لهم قوتهم دون كد. وميراثهم دون جد وجد.
لهم أن يكونوا العقارب في القيظ،
أو أن يكونوا الأرانب في الزمهرير.
لهم زغب القاصرات وريش النعام الوثير
وأوقاتهم من حديد. وأعباؤهم من حرير
وأنت علي ملتقي الليل بالفجر. والبحر بالبر
والجهر بالسر. تقتح باب السؤال الكبير
وتغلق باب الجواب الأخير
أشد من الماء حزنا
أشد من الماء والرمل حزنا.
أشد من ال..............
تقدموا
تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل ارض تحتكم جهنم
تقدموا
يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم
وتسقط الام علي ابنائها القتلي
ولا تستسلم
تقدموا
تقدموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا
وشردوا
ويتموا
وهدموا
لن تكسروا اعماقنا
لن تهزموا اشواقنا
نحن القضاء المبرم
تقدموا
تقدموا
طريقكم ورائكم
وغدكم ورائكم
وبحركم ورائكم
وبركم ورائكم
ولم يزل امامنا
طريقنا
وغدنا
وبرنا
وبحرنا
وخيرنا
وشرنا
فما اللذي يدفعكم
من جثة لجثة
وكيف يستدرجكم
من لوثة للوثة
سفر الجنون المبهم
تقدمو
وراء كل حجر
كف
وخلف كل عشبة
حتف
وبعد كل جثة
فخ جميل محكم
وان نجت ساق
يظل ساعدومعصم
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل ارض تحتكم جهنم
تقدوا
تقدموا
حرامكم محلل
حلالكم محرم
تقدموا بشهوة القتل التي تقتلكم
وصوبوا بدقة لا ترحموا
وسددوا للرحم
ان نطفة من دمنا تضطرم
تقدموا كيف اشتهيتم
واقتلوا
قاتلكم مبرأ
قتيلنا متهم
ولم يزل رب الجنود قائما وساهرا
تقدموا
تقدموا
لا تفتحوا مدرسة
لاتغلقوا سجنا
ولاتعتذروا
لا تحذروا
لاتفهموا
اولكم
آخركم
مؤمنكم
كافركم
ودائكم مستحكم
فاسترسلوا واستبسلوا
واندفعوا وارتفعوا
واصطدموا وارتطموا
لاخر الشوق اللذي ظل لكم
واخر الحبل اللذي ظل لكم
فكل شوق وله نهاية
وكل حبل وله نهاية
وشمسنا بداية البداية
لا تسمعوا
لا تفهموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل ارض تحتكم جهنم
تقدموا
تقدموا
لا خوذة الجندي
لا هراوة الشرطي
لا غازكم المسيل للدموع
غزة تبكينا
لانها فينا
ضراوةالغائبفي حنينه الدامي للرجوع
تقدموا
من شارع لشارع
من منزل لمنزل
من جثة لجثة
تقدموا
يصيح كل حجرمغتصب
تصرخ كل ساحة من غضب
يضج كل عصب
الموت لا الركوع
موت ولا ركوع
تقدموا
تقدموا
ها هو قد تقدم المخيم
تقدم الجريح
والذبيح
والثاكل
والميتم
تقدمت حجارة المنازل
تقدمت بكارة السنابل
تقدم الرضع
والعجز
والارامل
تقدمت ابواب جنين ونابلس
اتت نوافذ القدس
صلاة الشمس
والبخور والتوابل
تقدمت تقاتل
تقدمت تقاتل
لا تسمعوا
لا تفهموا
تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل ارض تحتكم جهنم
عروس النيل
أسمعُهُ.. أسمعُهُ !
عبرَ فيافي القحط، في مجاهلِ الأدغال
يهدرُ، يَدْوي، يستشيط
فاستيقظوا يا أيها النيام..
ولْنبتنِ السدود قبل دهمة الزلزال
تنبهوا.. بهذه الجدران
تنزل فينا من جديد نكبة الطوفان !

<<<
لمن تُزَيّنونَها.. حبيبتي العذراء !
لمن تبرّجونها ؟
أحلي صبايا قريتي.. حبيبتي العذراء !
حسناؤنا.. لمن تُزَفّ ؟
يا ويلكم، حبيبتي لمن تُزَفّ
لِلطّمْيِ، للطحلب، للأسماك، للصّدف ؟
نقتلها، نُحْرَمُها، و بعد عام
تنزل فينا من جديدٍ نكبةُ الطوفان
و يومها لن يشفع القربان
يا ويلكم، أحلي صبايا قريتي قربان
و نحن نستطيع أن نبتنيَ السدود
من قبل أن يداهمنا الطوفان !
<<<
بَدارِ.. باسم الله و الانسان
فانني أسمعُهُ.. أسمعُهُ :
و لي أنا.. حبيبتي العذراء


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:01 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الموت واشباحه

الياس خوري

«يا أيها الموتى بلا موتِ
تعبتُ من الحياةِ بلا حياة
وتعبتُ من صمتي
ومن صوتي
تعبتُ من الروايةِ والرواة».
بهذه الكلمات خرج صاحب «مراثي سميح القاسم» من اللعبة، وترك لنا إرث الكلمات التي جعلته احد أصوات ثلاثة صنعت شعر المقاومة، وبنت عمارة الشعر الفلسطيني المعاصر.
مات سميح القاسم في قريته وبين أهله وناسه، لم يعش أهوال الغياب الذي فرضته النكبة على أغلبية الفلسطينيين، ولم يختر أن يغادر مثلما فعل محمود درويش.
عاش اوجاع الاضطهاد التي صنعها الحكم العسكري الاسرائيلي، وواجه هول تقسيم الفلسطينيين على اساس طائفي بموقف نبيل وشجاع.
لم يكن سميح القاسم زعيماً سياسياً كتوفيق زياد، ولم يصنع لغة الأجيال الجديدة كما فعل محمود درويش، لكنه مثلهما كان شاعراً، ومثلهما نسج حكاية الألم الفلسطيني بالكلمات.
مع موته غير المفاجئ، يرتفع سؤال موتنا في هذا الزمن العربي المليء بالالتباسات. أكاد أن أقول أننا صرنا نغار من أصدقائنا الموتى، فالنعاس الأبدي يجنبهم المرور في هذا «المطهر» الدموي الذي تمر به العرب. (أستخدم كلمة «مطهر» لأن أملاً ما يراودني، بأن تكون هذه اللحظة العربية لحظة عابرة، يمكن من بعدها أن ننفض عنا غبار الألم والتعاسة واليأس).
قلت نغار ولم أكن صادقاً مئة بالمئة. لنقل أن هناك سبباً وجيهاً للغيرة، وهو أن الموتى نعموا بمراسم تشييع وذهبوا الى نومهم الأخير محمولين على دموع الناس. اذ لا شيء يضمن اليوم او غداً ان لا نموت كما يموت ألوف العراقيين والسوريين، ولا نجد لأنفسنا قبراً، ولا تجد رؤوسنا وسادة دمع تستند اليها بعدما جفت الدموع.
لكن للموت أصوله، حين تكون الاصول، وهذا يخيفني. عندما يموت الانسان يفقد قدرته على أن يحدد شكل لحظاته الأخيرة. فهو يغادر قبل ان يُسدل ستار التراب على آخر فصول الحكاية، ولا يملك القول الفصل في كيفية تشكيل نهاية النهاية.
في يوم مأتم سميح القاسم لبيتُ دعوة لوقفة تضامنية في ساحة الشهداء في بيروت في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، في دمشق.
ما العلاقة بين الأمرين؟ أسأل روحي.
وقفنا صامتين بالعلامة الصفراء، وفجأة ارتفع غناء حزين وعزف على الغيتار. فتاة غنت للشام وشاب غنى لمخيم اليرموك، ثم نهض راهب يسوعي وغنى «يما مويل الهوى»، وأحسست أنه يغني للشام وغزة وسهل نينوى في الآن نفسه.
كنا حفنة صغيرة من الناس ينشر الحزن ظلال المساء على اروحهم.
لم أستطع أن أصدّق أن مجزرة الغوطة حصلت من سنة فقط. فاجأني الزمن، فالأهوال التي مررنا ونمرّ بها، جعلتنا نشعر ان سنوات قد مرت. المآسي أشعرتنا أن الزمن متناقض وعصي على الفهم، ينضغط الزمن ويسيل في الآن نفسه. زمن المأساة كزمن الموت يسخر من احساسنا بالزمن، ويجعلنا نحيا خارج قوانين دورته.
قلت لأحد الأصدقاء عن سميح القاسم، أحسست أنني هنا، بعلامة الكيماوي الصفراء، أشيّع شاعر فلسطين كما يليق بالشعراء أن يُشيّعوا.
لكن التشييع كان في الجليل. كم تمنيت أن أرى الجليل وأمشي على ماء بحره، وآكل السمك الذي يصطاده من بقي هناك من سلالة الصيادين.
وحين قرأت كيف كان التشييع، أصبت بالحزن.
من قرر اسماء خطباء حفل التشييع؟ من دعا موفق طريف الى منصة الخطابة؟ وهل يُعقل أن يخطب في وداع شاعر المقاومة من عمل مع الاحتلال؟
ومن قال للأسقف عطالله حنا أنه يحق له شتم ثورات الربيع العربي أمام نعش الشاعر؟ هل قرأ الاسقف المحترم كتابات القاسم؟ أم أنه اعتبرها مناسبة أخرى كي يُشهر فصاحته؟
والى آخره…
لن أسترسل، فالزميل علي مواسي كتب عن التشييع وعن الأسى الذي رافق الشاعر في لحظاته الأخيرة بيننا.
سميح القاسم لا يدري ماذا جرى، انه اليوم في منام الموت الذي يحوّله الى جزء من أبجدية اللغة العربية، وهو بذلك لا يأبه، ولا يعلّق، ولا يقول.
كما ترون فالموت الذي بدا مهرباً من قصاص هذا «المطهر» الدموي الذي يحاصرنا قد يتحوّل هو الآخر الى نوع من القصاص الذي ينزله الأحياء بالموتى.
قد تجد عائلة القاسم الف سبب وسبب لإقامة المأتم بالطريقة التي أقيم بها، ولكني اشعر بالأسى.
نحسد الموتى ونخاف عليهم من الأحياء!
ما هذه المفارقة التي تأتي على ايقاع هذا التفكك الفكري والسياسي الذي يضرب مجتمعنا، فتصير القبيلة ملاذاً من فراغ الروح.
لكن شاعر «أحبك كما يشتهي الموت»، ينسلخ اليوم عن حفل التشييع، ولا يرى سوى العلم الفلسطيني الذي ارتفع في مأتمه.
هذا العلم الذي التف به سميح القاسم ومحمود درويش في امسية شعرية أقيمت في لندن عام 1988، يضم اليه الشعراء الذين صنعوا من ركام الكلمات لغة فلسطينية مقاومة، هي ما سيبقى بعد أن ينجلي هذا الليل.
لغة المقاومة التي صنعها شعراء فلسطين وكُتّابها تضيء اليوم ليل غزة المشتعل بالحرائق، وتصنع أفق مقاومة شعب قرر ان لا ينحني الا للأرض التي اصطبغت بالحرية.
سميح القاسم، محمود درويش، توفيق زياد، أميل حبيبي، انكم تضيئون ليلنا بكلماتكم.
لكم الحب والتحية.

الياس خوري


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:02 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


سميح القاسم اكتمال الغياب واشتعال الذاكرة

سعاد قطناني

حين رحل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم احتل «ديوان الوطن المحتل» مساحة الرؤية، وعاد نضرا في ذاكرتي بغلافه الأسود وذلك اللون الأحمر الدموي المنثور في وسطه، عادت الكلمات لتعيد إيقاع خطواتي الأولى نحو الوطن إلى قلبي، تذكرت هذا الديوان وإحساس كبير بفقدانه يغمرني، تذكرته لأني عرفت فيه الشاعر سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد، وظل اسمه من خلال هذا الكتاب مرتبطا باسميهما، وظلوا جميعا في ذاكرتي شعراء شبابا يقارعون الاحتلال بعناد اللغة وقوة المعنى، ورغم اختلاف التجربة الشعرية لكل منهم عن الآخر إلا أن خيطاً خفياً ظل يربطهم إلى بعضهم بعضا بقلبي، وظلوا في وجداني «شعراء الوطن المحتل»، رغم هجرة درويش واحترافه جدلية الوطن والغربة.
لا أعرف متى تم اقتناء الديوان في منزلنا، لكن وجوده كان راسخاً في المكتبة، وكان يشد عينيّ كيفما جالتا في المكان، وأذكر كيف كانت أصابعنا الصغيرة أنا وإخوتي تبحث في صفحاته عن قصيدة او بيت شعر يشعل فلسطين فينا، كنا نبحث عن الأشعار كي نحفرها على مقاعدنا المدرسية، كي نطرزها على الجدران، أو نكتبها على دفاترنا وكتبنا كفاتحة لحب الوطن، كان هذا الكتاب مرجعنا في أغلب مواضيع الإنشاء والتعبير، وكان هذا الديوان يبعث فلسطين في قلوبنا نبضاً حياً وبركاناً يشتعل شوقاً لوطن لم نعرفه، مازلت أذكر أطرافه المهترئة، وكيف كانت كلمات هؤلاء الشعراء الذين أصبحوا صنواً لفلسطين عنواناً لأحلامنا وآمالنا وغضبنا وحريتنا وتمردنا، أذكر كيف كان الشعر يأخذنا إلى ذواتنا وأنفسنا وكينونتنا في عالم كانت أولى أبجدياته فلسطين واللجوء، كنا نتلمس وجعنا في كلمات نُسجت تارة من نار وأخرى من حرير على خلفية من رخام.
تذكرت هذا الكتاب وشعرت أني أفتقده ليس اليوم فقط، بل من لحظة ارتحالي على صهوة قلق المكان، فليس الأصدقاء فقط من رحلوا أو رحلت عنهم، ولكن الكتب التي شكلت وعيي ورسمت كينونتي وأحلامي ضاعت في رحلات غربتي واغترابي.. لحظة سماعي خبر رحيل الشاعر سميح القاسم كنت أود أن أمسك هذا الكتاب بين يديّ وأعاود تمرير أصابعي على الكلمات لأستعيد وهجها في روحي.. كنت أريد أن أستعيد لحظات تشكل الوطن والحنين والهجرة في قلبي.. كنت أريد استعادة أماكن توقفي وأماكن مروري على الكلمات التي ربما كنت أفهمها أو لا أفهمها، كنت أريد أن أبحث عن عبث قلم الرصاص على الصفحات، ولكن للأسف، غياب الكتاب الذي تعشق بأحلامي وذكرياتي كان فقداً آخر ووجعاً فوق وجع.
حين قام الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب بجمع أشعار هؤلاء الشعراء الشباب عام 1968، لم يكونوا قد وصلوا إلى ذروة شعرية الكلام وبلاغته، لكنهم كانوا صوت الصامدين البعيدين هناك في وطن الذاكرة، كانوا صرخة الغائبين المغيبين في أرضهم، فمن خلال صفحات هذا الكتاب كنت أرسم ملامح فلسطينية العينين والوشم في مخيلتي منقوشة بكلمات محمود درويش، وشبّابة توفيق زياد المعبأة بأنفاسه الخضــــراء، وكنت أمضي وأنا أغني أغاني الدروب التي نثرها سميح القاسم في حماستنا من رؤاه وروعة دمائه… وحــــين رحل سميح القاسم اكتملت دائرة الفقـــد ورحل ما تبقى من محمود درويش وتوفــيق زياد.
حين رحل سميح القاسم شعرت وكأنني أفقد آخر الأوراق التي تشبثت بذاكرتي من ذاك الكتاب وفقدت الأمل بأن تمر أصابعي على ذاكرة الصفحات إلا شذرات من وجع، رحيل القاسم ذكرني بأني فقدت الكثير مذ فقدت دفء جدران بيتنا الأول، فقدت حميمية المكان حين لم يبق منه غير وهج الذاكرة، اعتدت أن أستغني عن كل عاداتي، تعلمت أن أسكن المدن وأبقي خيطاً شفيفاً يفصلني عن التعلق بها أو الالتحام بدروبها وحاراتها، صرت ظلاً عابراً في الأمكنة وشعرت بفداحة ثقب الروح الذي تملكني حين أشعل سميح القاسم ذاكرة المكان والكلمات التي خطت أولى أبجديات الوطن في وجداني، حين اكمل مسيرة رحيل الكبار ممن صاغوا حضور الوطن لحظة غياب الجغرافيا، فلماذا أيقظت كل هذا الحزن فيّ برحيلك، لماذا أيقظت بغيابك كل الرحيل الذي يسكنني، أيقظت وجع الذاكرة، فأنا عرفت فلسطين بقراءتي المتلعثمة لقصائدك هناك في بيت هجرتنا في دمشق، في ألفة جدرانها وحنين حاراتها، فكم صارت فلسطين بعيدة حين ابتعدت عني دمشق، وكم صار وجع الأمكنة وفقدها حريقاً يشعل الوجع…
رحلت كما رحلوا جميعاً إلى الغياب وظل وعد اللقاء في سحر الجليل يستيقظ كلما عنّ على البال الحنين، وجالت في النفس قصيدة، رحلت كما رحلوا وتركت أمانيك معلقة كتميمة برقابنا، رحلت وأشرعت نوافذ الذاكرة على وجع الغياب والحنين، رحلت بعد اكتمال طقوس الدوران حول روح الكلام، رحلت فاكتمل الوجع وامتلأت الذاكرة بالنقصان.

٭ كاتبة فلسطينية

سعاد قطناني


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين سبتمبر 08, 2014 4:44 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الفلسطيني الخام.. الفلسطيني الأبدي


عبدالمنعم رمضان

لما كانت هزيمة 1967 الثقيلة قد حطمت أحلام العرب في القضاء علي دولة إسرائيل، وجعلت جمال عبدالناصر يشبه في أحسن الأحوال خيال الظل للملك الضليل، وجعلت الذين أحاطوه بالخضوع والطاعة يبحثون عن أسباب لاستعادة الروح الضائعة، ولما كانت الروح تكاد تتبدد وتنفد ريحها، فإنه أصبح من اللازم اختراع أو اكتشاف ظاهرة جديدة تصلح للطيران بالناس إلي أرض الأحلام والمقاومة، في ذلك الوقت كان محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران وحنا أبوحنا يكتبون قصائد نضالية ساذجة يمكن للسلطات والشعوب البسيطة أن تفهمها، وتصلح أن تكون قوارب نجاة لهذه الروح، عند ذاك نفخ الجميع في هذه القصائد حتي تحولت إلي بالونات تصعد إلي السماء وتجدد الأمل، أيامها كتب الناقد المصري رجاء النقاش كتابه "محمود درويش شاعر الأرض المحتلة"، وأطلق علي ابنه المولود اسم سميح، ونشر ديوانا كاملا في أحد أعداد مجلة الهلال التي كان يرأس تحريرها، الديوان هو "آخر الليل" لمحمود درويش، ولعله نشر أيضا ديوان "أشد علي أياديكم" لتوفيق زياد، أيامها أيضا خشي شاعر الغزل الحسي نزار قباني هذه البالونات التي تطير إلي أعلي دون أن تحمل توقيعه، الحقيقة أنه خشي منها وتفاءل بها، وحاول أن يحيطها بجسده الشعري الضخم، فقام برسم توقيعه علي قاعدة انطلاق هذه البالونات وجعله علي هيئة قصيدة طويلة نشرها سنة 1968 وأعطاها التسمية التي أصبحت عنوانا للظاهرة، القصيدة اسمها "شعراء الأرض المحتلة" وفيها حاول نزار أن يتهدج صوته بأسماء هؤلاء الشعراء، محمود الدرويش سلاماً، توفيق زياد سلاماً، يافدوي طوقان سلاماً، لم يصادفنا في القصيدة اسم سميح القاسم، ربما لأسباب تخصّ الوزن الشعري الذي سيستعصي، ولم تصادفنا أسماء راشد حسين وسالم جبران وحنا أبوحنا الذين استعصوا علي الجميع، وبعد أن أصبح محمود درويش الشاعر الأصغر سنا والأعلي قامة بين كل زملائه، الذين مات بعضهم مبكراً، راشد حسين 1977، وانصرف بعضهم إلي العمل السياسي المباشر، توفيق زياد الذي أصبح عمدة للناصرة، ومات بعضهم بعد أن استوفي عمره، فدوي طوقان التي نسبها نزارقباني إليهم بالقوة وليس بالفعل، بعد أن أصبح محمود درويش الشاعر الأعلي قامة، تنكر لقصائده الأولي، ورفض في بعض أمسياته أن يستجيب لرغبة الجمهور في قراءة إحداها، "سجل أنا عربي"، ومحمود بالتحديد الذي تأخر عنهم جميعاً في النشر، هو الذي ينكر أوائله، فديوانه الأول "أوراق الزيتون" نشر سنة 1964، وكان يبلغ الثالثة والعشرين، لكن سميح القاسم الذي نشر ديوانه الأول "مواكب الشمس" وعمره تسع عشرة سنة، ظل علي ولائه لكل ما كتب، راشد حسين وتوفيق زياد أكبر من الاثنين سميح ومحمود اللذين كانا معاً عضوين في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وثالثهما توفيق زياد عضو الكنيست عن الحزب عدة دورات، هكذا كانوا لكن الروح الطائفية الإسرائيلية بغرض تقسيم العرب استثنت الدروز وساوتهم باليهود في ضرورة أداء واجبات الخدمة بجيش الدفاع الإسرائيلي، هكذا سقط سميح كالعصفور الأبيض في مصيدة التجنيد، في الحزب الشيوعي عشق محمود درويش رفيقته اليهودية ريتا، وكتب عنها بعض قصائد، بين ريتا وعيوني بندقية، بينما عشق سميح القاسم كل شيء وكل الأماكن وكل النساء، وكتب عن كل شيء وكل الأماكن وكل النساء، ولأنه الأكبر من درويش بعامين، ظل طوال النصف الثاني من حياته، نصف الصداقة والمنافسة بينه وبين درويش، يحكي عن أنه سبق محمود إلي الشعر، وأنه كان في أيامهما الأولي ينصحه ويصوب بعض أخطائه، كان محمود في تلك الأيام أبطأ من سميح وكأنه كان يربي معارفه وثقافته التي ستتفوق فيما بعد، وكان سميح أسرع من محمود وكأنه كان يربي غريزته وشهواته التي لن تفارقه، بعد سنتين من انفجار ظاهرة شعراء الأرض المحتلة، بدأت أنوار المراكز الثقافية الكبري، القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، تلمع وتخايل عيون هؤلاء الشباب المبهورين الذين لم يبلغوا الثلاثين بعد، وكان محمود درويش هذه المرة هو أسرعهم استجابة لهذه الأنوار، حمل حقيبته وجواز سفره وذهب أولا إلي القاهرة، أيامها كانت القاهرة تدأب في سبيل انتاج زعيم فلسطيني جديد بدلا من أحمد الشقيري، عمل محمود فوراً في أهرام محمد حسنين هيكل، أي أهرام عبدالناصر، بأجر كبير آنذاك، مائة جنيه مصري، فيما يقال، حتي إن مجايله المصري أمل دنقل، رغب أن يعمل هو الآخر في أهرام هيكل وبالأجر ذاته، وطلب وساطة لويس عوض، إلا أن لويس أبلغه أن هذا الأجر ليس لمحمود ولكنه للقضية الفلسطينية، أجرك يا أمل سيكون عشرين جنيها، واعتذر أمل، كانت السلطات السياسية في دول المواجهة الثلاث المهزومة في 1967، في حاجة ماسة إلي ظاهرة شعراء الأرض المحتلة، لتكون الظهير الثقافي لها، وكان الظهير السياسي يتشكل علي هيئة زعيم فلسطيني جديد اسمه ياسر عرفات، الاثنان شعراء الأرض المحتلة وياسر عرفات خرجا من الرحم ذاته، ومن أرحام أخري، بعد القاهرة انتقل درويش إلي بيروت، فواجهته حداثة بيروت الشعرية
بأمواجها المتصارعة، ولطمت وجهه، حتي جاراها بكتابة بعض قصائد نثر، سرعان ما عافها، لكن الأهم هو أنه شرب قدراً من ماء الحداثة المالح، فيما بقي سميح داخل حدود وطنه وداخل حدود قصيدته، فمه لم يلامس الماء المالح، وشعره صاف وصامد لايغادر المكان الذي بدأ منه، فهو شاعر نضال، يكسب بعض الخبرة المجانية سواء مع الناس أو مع اللغة، ويظل ينظر من الشرفة التي أطل منها أول مرة، صحيح أن بقاء سميح في فلسطين الداخل، جعل رصيده السياسي أعلي كثيرا من رصيد رفيقه درويش، عند طائفة من الناس، كما جعل رصيده الشعري أدني كثيراً من رصيد درويش، عند طائفة أخري من الناس، غير أنه في بيروت التقي محمود دوريش وياسرعرفات، فصارا كأنهما المتنبي وسيف الدولة، لكن سميح القاسم الذي يحب المتنبي ويتشبث به لم يبحث عن سيف الدولة، أظنه خاف من شبح المتنبي ومن مصيره، ومرة ثانية يزداد نفوذ درويش وتقل أرصدته السياسية بقربه من عرفات، ويحدث العكس لسميح، نفوذ أقل ورصيد أكبر، فسميح ظل يبحث عن فلسطين التي هي خارجه، فلسطين الهيكل الذي يضمه ويضم شعبه، ظل يبحث عن أرضها وزيتونها، كانت أدواته في البحث لكثرة استخدامها قد أصبحت ساذجة، كي لا أقول بالية، ولعله أدرك هذا، فحاول الخروج من الشعر الذي اعتاده إلي حميّ اقتراح أشكال توهمه هو فقط بالتجدد، أو الخروج إلي أشكال أدبية أخري، وكتب روايتين لم تستوقفا أحدا، كأنهما قصيدتان مرميتان ومنسيتان بالقرب من أحد المخيمات، وكتب سربيات كان يظن أنها قفزة أعلي من سطح الشعر، ودافع عن طريقته الشعرية ببسالة تعتمد علي مهاراته الفطرية أكثر مما تعتمد علي ثقافة عميقة، وأقحم نفسه في الفضاء العام للنجوم من أهل الفن، أذكر أنني رأيته مرة واحدة عن قرب، كنت أجلس مع أدونيس وآخرين في بهو فندق شبرد بالقاهرة، وفجأة رأينا سميح القاسم وزوجته بصحبة الممثل عزت العلايلي وزوجته، ولما رأيا أدونيس أقبلا وسلما عليه،وأذكر أنني سمعت حكايات كثيرة مماثلة، عموما كان أدونيس ينشر لسميح في مجلته "مواقف" وكان يمتدحه باقتصاد وسماحة مفرطة، كأنه ينظر إليه بعين مغمضة، فيما كان يسكت عن قرين سميح وغريمه، يسكت بانتباه وقسوة وحنان حازم، كأنه ينظر إليه بعين مفتوحة، وعين أدونيس المفتوحة أكثر صفاء من عينه الأخري، لحد أنها تستطيع أن تري الطبقات الخفية والعصية علي الرؤية، إنها عين الحلم، سماحة أدونيس مع شعر سميح هي سماحة واجبة مع شعر سيزول، لابد أن كله سيزول، وانتباهه وقسوته مع شعر قرينه هي قسوة واجبة مع شعر سيدوم، لابد أن بعضه سيدوم، كان فضاء درويش يتسع فتزداد خبراته في الاحتياط والحذر، وفضاء سميح يضيق فتزداد انفعالاته المضادة وورطاته، ففي الوقت الذي صمت فيه درويش، صمت التقية، عن قصيدة النثر وشعرائها، جهر سميح بموقفه العنيف والرافض لهذه القصيدة، وكانت حججه وبراهينه أقصر قامة من انفعاله وغضبه، وكأن بقاء سميح في الداخل، داخل وطنه وداخل قصيدته وداخل أفكاره، دون محاولات للخروج، جعله يضخ من جسده أفواجا من العرق الطاهر كافية لحماية وطنه وقصيدته وأفكاره، كل محاولات الخروج في شعره، وهي كثيرة جدا، كانت محض تغيير ملابس، لم يحاول سميح أن يحول فلسطينه الي وطن ومنفي، وأن يحول نفسه إلي مقيم وعابر، وكأنه استسلم لصورته كمحارب يلبس طوال الوقت بزته العسكرية، ويجلس طوال الوقت عند أعلي نقطة مراقبة، أعلي نقطة موجودة علي الحدود، إذا ضحك فبخشونة المحاربين، وإذا بكي فسوف يكون بكاؤه بغير دموع، وبدلا من أن يحملق وينظر إلي ما وراء الحدود، ظل يحملق وينظر إلي ما قبلها، ذات مرة كتب سميح القاسم مقالة في أخبار الأدب المصرية عن الشعر المصري، كتبها بروح ذلك المحارب، ووضع أكاليل الغار علي رأس الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، ونبش قبر صلاح عبدالصبور، وألقي بعظامه الباقية بعيداً وفي كل اتجاه، ولما وجدها، عظام صلاح، قد اجتمعت أمامه ثانية، ألقاها في بالوعة وتفل عليها، ليس سميح وحده من ينظر باستعلاء إلي صلاح، هكذا أيضا كان محمود درويش،وهكذا كان آخرون، ولأنني كنت أري حجازي صديقاً لكل الأنظمة التي عاش في ظلها، وأري صلاح صديقاً لحيرته وضياعه وأسئلته الوجودية، فقد خاطرت وكتبت مقالة، نشرتها أخبار الأدب بحفاوة تدل علي أن المحرر كانت حساباته السياسية آنذاك تجيز الطعن في سميح لأنه سبق له أن منع، المحرر، قصيدة لي في مديح سميح، مطلعها أوهمه أنها تذمه، أنت فقير أيها السيد سميح، أنت سطحي وساذج، عنوان المقالة "هياج الدوبلير"، آلمني أنها تسببت في امتناع سميح القاسم عن الحضور إلي معرض القاهرة الدولي للكتاب بعد أن أرسل موافقته، في المقالة المشار إليها رصدت إحدي الآفات الثقافية التي تخصنا والتي تقوم علي البحث عن الثنائيات وترويجها، جرير والفرزدق، أبوتمام والبحتري، شوقي وحافظ، طه حسين والعقاد، فؤاد حداد وصلاح جاهين، صلاح عبدالصبور وأحمد حجازي، جمال الغيطاني ويوسف القعيد، عبدالمنعم رمضان وأحمد طه، وأخيراً محمود درويش وسميح القاسم، وزعمت أن لكل ثنائية طرفين، في أحيان يكون أحدهما هو الأصل، والآخر هو الدوبلير، بعد نشر المقالة شعرت بالحزن والأسف علي كتابتها، لأن سميح القاسم ليس كذلك، ولكنها الحمأة، ولم يخف أسفي إلا عندما كتب سميح القاسم هجائية نثرية فيما أذكر لشخص هزلي كأنه ممثل كوميدي وأسماه علي اسم الممثل عبدالمنعم ابراهيم، أكد لي الكثيرون أنه يقصدني، وفطنت إلي أن نجوميته التي لاتسمح له بالنزول إلي أرض البشر إلا لتطويبهم أوعقابهم، لم تسمح له بالتصريح باسمي، بعد قراءتي للمقالة أحسست راحة تعادل شعوري السابق بالحزن والأسف، وتذكرت دون مبرر ظاهر كيف أننا في أواخر السبعينيات أو أوائل الثمانينيات كنا في مقر حزب التجمع الاشتراكي بالقاهرة، وكانت بعض الأخبار تشير إلي أن سميح القاسم سوف يزور القاهرة لأول مرة، وكما هي العادة انفجر خلاف شديد بعض أطرافه كان السيدة فريدة النقاش التي تساءلت كيف يمكن أن نستقبل شخصا يحمل جواز سفر اسرائيليا، وطرفه الآخر بعض الشعراء الشباب، كان أحمد طه أحدهم، وكنا نسفّه رأي السيدة ونعلن، أننا إذا لزم الأمر سنستقبله في بيوتنا، وعلي ذكر بيوتنا، أشهد أنني استغنيت عن كثير من الدواوين الشعرية التي لم تعد قادرة علي إثارة دهشتي، إلا أنني مازلت أحتفظ في بيتي بأعمال سميح القاسم الكاملة، وكأنها فاصل ضوئي لايمكن أن ينقطع من شريط أحلامي، الغريب أنني فوجئت بأنني أضعها ليس إلي جوار أعمال محمود درويش ولكن إلي جوار أعمال الروائي الإسرائيلي عاموس عوز من جهة، وأعمال راشد حسين من جهة أخري، ثم روايتي "غبار" ليائيل ديان "والعشيق الفلسطيني" لسليم نسيب تركيه، وسيرة جولدا, مع مظروف به قصاصات صور من الصحف والمجلات لكيم نوفاك وإليزابيث تايلور وانغبورغ باخمان وتسيبي ليفني وسيمون دوبوفوار وأناييس نن وستريدا جعجع وهيلاري كلينتون وأنا أخماتوفا ومرجريت يورسنار وايريس مردوخ ومونيكا لونيسكي وسميرة عزام وحنا أرندت وفدوي طوقان وشاكيرا وصورة واحدة قديمة لسميح القاسم، والغريب أيضاً أنني وأنا أنظر فيها، أعمال سميح الكاملة، اكتشفت أننا نستطيع أن نشير إلي بعض قصائد درويش وبأسمائها، لكننا نعجز عن ذلك مع شعر سميح، فهو ليس صاحب قصيدة، إنه صاحب الشعر كله الذي يشبه بعضه بعضا، وقصائده في عمومها لاتعرف الصمت، والغريب ثالثا أن شعر سميح دون سبب ظاهر يثير جسدي وشهواته ،يثير أعمق شهواته، خوفي واحتياجي إلي المرأة وخلاعتها، وخوفي واحتياجي إلي أسرار أخري، بعضها يتسرب من الحيوات الخاصة لشعراء الأرض المحتلة الذين أصبحنا نعلم بيقين أنهم نفدت ريحهم ونفدت معهم المؤونة والعتاد والزاد ونفدت الضرورة، كما أصبحنا نعلم بيقين أيضا أن موت سميح هو بمثابة إسدال الستار علي المشهد الأخير، موت سميح هو موت الظاهرة، الموت السريري للظاهرة، خاصة أن محمود درويش كان قد تخلي عن صفته كشاعر الأرض المحتلة قبل أعوام طويلة من وفاته فيما تعلق بها سميح، الذي أصبحت جنازته هي جنازتها الأخيرة، حتي أن أكثرنا حماسة لم يعد يستطيع أن يغني، منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلي كتفي نعشي، أكثرنا حماسة أصبح يشبه الوقت الضائع، أصبح يشبه عصا الملك سليمان، أصبح يشبه ما لا نعرف


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين سبتمبر 08, 2014 5:08 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



سميح القاسم شاعر المقاومة في الزمن الجميل


كريم مروَّة


إنه سميح القاسم، الاسم العلم، آخر شعراء المقاومة في فلسطين من الرعيل الأول. أولئك الذين حملوا في شعرهم آلام ومآسي الشعب الفلسطيني وحملوا أحلامه في الحرية التي لا شفاء منها ولا بديل عنها.

غادر سميح القاسم الحياة بعد ثلاثة أعوام من المرض والمعاناة ومن الكفاح من أجل الحياة، وخسر العالم العربي وخسرت فلسطين في غيابه كبيرا من أعلام الشعر العربي الحديث.

وخسرت أنا صديقا من زمن كانت قد بدأت تتكون فيه علاقة من نوع فريد بين شعبين عربيين شقيقين هما الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني في كفاح توحدت فيه، في الصواب وفي الخطأ، مطامحهما في الحرية والتقدم، واحتلت الثقافة في ميادينها المختلفة في هذا الكفاح الوطني التحرري المشترك دورا غير مسبوق.

لقد اختار سميح القاسم منذ شبابه الباكر برفقة صديق عمره محمود درويش أن يكون شاعر قضية وشاعر إنسان وشاعر هوية وشاعر هوي وحب وجمال لكن اختياره البقاء داخل اسوار الوطن المغتصب لم يكن قسريا، بل كان طوعيا بكل المعاني كان قرارا صعبا، لكنه كان قرارا صائبا، كان بمقدوره أن يغادر سجنه الطوعي في الاتجاه الذي سلكه في ظروف صعبة الملايين من أبناء شعبه إلي أماكن الشتات المتعددة مناطقها في العالم غير أنه فضل البقاء في المنفي داخل الوطن إلي جانب من بقي من شعبه فيه وطنه المغتصب حين قال بأعلي الصوت:

لا وطن أنت ولا بيت، ولا حبيبة ـ أما فهمت بعد؟ ـ صلية نار، صرخة، زنزانة ـ لا وطن أنت ـ ولا بيت ـ ولا حبيبة ـ يا حارس الجبانة ـ حزن ـ وهور ـ وسكوب ـ وسهرة صاخبة وفرحة ـ وجثة ونور ـ كل الذي ورثت من أمس لبعد الغد أما فهمت بعد؟ ـ لا وطن أنت، ولا بيت، ولا حبيبة ـ مجزرة دهرية تمتد ـ ورحلة في الوجد ـ فابك علي الحبيبة ـ ابك علي الحبيبة

لكن رثاءه الوجودي هذا للوطن المغتصب ترافق مع تمرد وثورة أعطاهما صفة ودور ووظيفة المقاومة حتي النصر، النصر الذي ما زال في ساحة الانتظار الأبدي يحبو وسط الآلام والأوهام نحو غد مشرق آت لا محالة.

مرفوع الهامة امشي ـ في كفي قصفة زيتون ـ وعلي كتفي نعشي ـ وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي

كنت منذ مطالع ستينيات القرن الماضي أتابع بشغف وبتقدير كبير من خلال الصحافة العربية، لا سيما منها الفلسطينية التي كانت تصلني في مقر عملي في فيينا في القيادة اليومية لمجلس السلم العالمي، ما كان قد ابتدعه سميح القاسم مع رفاقه الشعراء أبو سلمي وتوفيق زياد ومعين بسيسو وكمال ناصر ومحمود درويش من شعر حديث أطلق عليه ووثقه بإتقان الروائي الشهيد غسان كنفاني في كتابه الشهير «أدب المقاومة» وكان ذلك الشعر بامتياز شعرا فلسطينيا مقاوما، وكان الشعراء الذين كان سميح القاسم واحدا منهم هم أبطال ذلك الشعر المقاوم. وكان لذلك الشعر دور بالغ التأثير في كفاح الشعب الفلسطيني من أجل الحرية، لا سيما في المرحلة التي انطلقت فيها الثورة الفلسطينية الجديدة في مطلع عام 1965، وسرعان ما انضم إلي هذه الكوكبة من الشعراء في الاتجاه ذاته عدد من الشعراء الفلسطينيين وعدد من الشعراء اللبنانيين كان أبرزهم شعراء الجنوب.

في مطالع السبعينيات تعرفت إلي سميح بعد أن كنا قد أصبحنا صديقين بالمراسلة ورفيقين في الهم الوطني الثوري وفي اعتبار المقاومة، كل منا علي طريقته وبنوع سلاحه الثقافي، طريقنا إلي الحرية، اكتشفت فيه آنداك عن قرب ذلك النموذج الرائع للمثقف الذي كان يجمع في حياته بين سحر الكلمة التي يمتاز باستخدامها الشعراء في كل العصور وبين شخصية المناضل اليساري المؤمن بأن مستقبل بلاده في الحرية والتقدم والعدالة هو جزء لا يتجزأ من مستقبل البشرية برمتها.

قرأت كل دواوين سميح القاسم أو هكذا يخيل إلي، وقرأت كتاباته النثرية التي كان ينشرها في جريدة «الاتحاد» وفي مجلة «الجديد» وفي مجلات عربية أخري، وقرأت ما كنا قد نشرناه له في مجلة «الطريق» من قصائد ومن مقالات وأحاديث، ورغم أنني لست ممن ينتمون إلي طائفة النقاد، فإنني كقارئ شغوف منذ مطالع شبابي أشهد بأن سميح القاسم كان واحدا من رموز حركة الشعر الحديث بأسلوبه هو بالطبع، أسوة بسواه من الشعراء، وبطريقته هو في اختيار مواضيع قصائده ومناسباتها ووجهته فيها، وكان يحتل ذلك الموقع في معرفتي به بصفته شاعرا صاحب رسالة ومناضلا ثوريا ينتمي إلي حركة اليسار.

وإذا كان من غير الصواب في هذه اللحظة بالذات، لحظة وداعه، التوسع في الكلام عن سميح القاسم في الاتجاهات التي سلكها، فإنني لا أستطيع إلا أن أشير، مجرد إشارة، إلي تلك التعرجات التي رافقته في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته، وهو ما عبرت عنه بعض كتاباته وبعض مواقفه وبعض قصائده، لكن سميح لم يكن الوحيد فيما جري له من تعرجات في حياته، إذ سبقه إلي ذلك أحد أساتذته الكبار الأديب والمناضل اليساري العريق الروائي إميل حبيبي وكعادتي في علاقاتي مع أهل الثقافة من رفاقي في الموقع الفكري والسياسي ومع الآخرين من اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة، فقد بقيت أمينا وحريصا علي العلاقة ذاتها منذ نصف قرن مع سميح ومع الآخرين.

وجهة نظري في هذا الموضوع تتلخص بأن مثل هذه الحالات هي طبيعية إذا ما أخذنا في الاعتبار ما يمكن أن يواجه المثقف علي وجه التحديد من أحداث وتحولات تترك تأثيراتها عليه في اتجاهات مختلفة، فمنهم من يبقي ثابتا في موقعه وموقفه ومنهم من يدخل في تعرجات.

وعلينا أن نحترم أوضاع وخيارات أولئك المثقفين، وقد واجهتني مثل هذه الحالات مع إميل حبيبي قبل سميح القاسم في فلسطين، وواجهتني مع آخرين من مثقفين كبار عرب وأجانب، وبقيت أمينا وثابتا في علاقتي مع الجميع، ودخلت معهم جميعهم من موقع الصداقة في سجالات وخلافات واختلافات.

قبل عامين سألت أحد الأصدقاء الفلسطينيين عن سميح القاسم، فأخبرني أنه يعاني من مرض خبيث، فأحزنني ذلك، واغتنمت فرصة وجودي في القاهرة وفي عمان للاتصال به.

وتحدثنا في أمور حرصت ألا يكون المرض واحدا منها. وكان آخر حديث بيننا في العام الماضي عندما كنت في عمان، سألته متجاهلا وضعه الصحي عن قصد عما إذا كان بإمكانه ملاقاتي في عمان فأجابني بحسرة ومرارة وبحب وشوق للقاء بيننا، «هل تتصور يا كريم أنني أنا القاعد في منزلي بانتظار آخر أيامي سأتمكن من ملاقاتك في عمان طيبت خاطره وحزنت وبدأت أكافح ضد ذلك الزمن الذي سيعلن مجئ اللحظة التي ستفجعنا برحيله، وها هي قد جاءت.

سيظل سميح القاسم بعد رحيله، إلي جانب من رحلوا قبله من الرواد الكبار في حركة الحداثة في الشعر وفي الرواية في كل ميادين الثقافة، سيظل مع هؤلاء في تراثه وتراثهم نموذجا رائعا للدمج العقلاني بين دور المثقف صاحب الرسالة ودور المناضل الثوري من أجل التغيير.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½