دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - وفاة الاديب والكاتب أنيس منصور عن عمر يناهز 87 عاما
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » سيدي البعيد 27     .::.     » سيدي البعيد 26     .::.     » ارجوحة فاطمة     .::.     » من ذاكرة الشام     .::.     » أمسية صيف     .::.     » الزهايمر     .::.     » ذات شتاء     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » أرض الحكايا: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » تقاسيم الفلسطيني:من أشهر المجموعات القصصية للأديبة د.سناء ال     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » طلاسم عشق     .::.     » رؤى     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » ناسك الصومعة: هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.     » رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس     .::.     » رواية أعشقني---هي من أشهر الأعمال الإبداعيّة للأديبة د.سناء     .::.     » كتاب "السّير في الطّريق السّريع"للهنديّ رام بوكسان     .::.     » Sanaa Shalan Resume     .::.     » سناء شعلان في سطور     .::.     » ظلال     .::.     » سيدي البعيد 25     .::.     » فانتازيا سمير الجندي     .::.     » سيدي البعيد 24     .::.     » حين يهرم شهريار     .::.     » موسيقى آذار     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع للكلمة صدى

مؤلف رسالة
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 22, 2011 7:21 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



وفاة الاديب والكاتب أنيس منصور عن عمر يناهز 87 عاما


أنيس منصور


توفى الكاتب الكبير الاستاذ أنيس منصور عن عمر يناهر 87 عاما بمستشفى الصفا بعد فترة معاناة مع المرض

وكان الكاتب الكبير قد دخل مستشفى الصفا يوم الجمعةالماضي وتم حجزه بغرفة الرعاية المركزة بالمستشفى وهو يعانى من التهاب رئوى وكانت حالته قد تدهورت منذ أول أمس وقام الاطباء بالمستشفى بتقديم اقصى رعاية صحية له وتم وضعه على جهاز التنفس الصناعى إلى أن وافته المنية صباح اليوم.
وسوف تقام الجنازة غدا السبت بمسجد عمر مكرم بعد صلاة الظهر .
وسيتم دفن جثمان الفقيد الاديب أنيس منصور بمدافن الاسرة بمصر الجديدة بعد تشييع جنازته من مسجد عمر مكرم عقب صلاة الجمعة وسيتم ..تحديد مكان العزاء فى وقت لاحق.
ولد الفقيد الكاتب والاديب أنيس منصور في 18 أغسطس 1924، كانت بدايته في عالم الصحافة في مؤسسة أخبار اليوم إحدى أكبر المؤسسات الصحفية المصرية حينما انتقل إليها مع كامل الشناوى، ثم مالبث أن تركها وتوجه إلى مؤسسة الأهرام في مايو عام 1950 حتى عام 1952 .
ثم سافر أنيس منصور وكامل الشناوى إلى أوروبا ، وفي ذلك الوقت قامت ثورة 23 يوليو 1952، وقام أنيس منصور بإرسال أول مواضيعه إلى أخبار اليوم وهو نفسه كان يقول: "كانت بدايتى في العمل الصحفى في أخبار اليوم، وهذا بالضبط ما لاأحب ولاأريد، فأنا أريد أن أكتب أدبا وفلسفة، فأنا لاأحب العمل الصحفى البحت، فأنا أديب كنت وسأظل أعمل في الصحافه".
ظل يعمل الفقيد في أخبار اليوم حتى تركها في عام 1976 ليكون رئيسا لمجلس إدارة دار المعارف، وثم أصدر مجلة الكواكب.
عاصر الكاتب المخضرم أنيس منصور فترة جمال عبد الناصر وكان صديقا مقربا للرئيس الراحل محمد أنور السادات .
رئيس تحرير العديد من المجلات منها: الجيل، هى، آخر ساعة، أكتوبر، العروة الوثقى، مايو، كاريكاتير، الكاتب.
عمل الفقيد مدرسا للفلسفة الحديثة بكلية الآداب، جامعة عين شمس من عام 1954 حتى عام 1963، وعاد للتدريس مرة أخرى عام 1975.
يكتب في جريدة الأهرام المقال اليومي الأكثر قراءة: مواقف، ويكتب آيضا في جريدة الشرق الأوسط مقال يومي معنون.
الفقيد أنيس منصور كان يجيد عدة لغات :العربية والإنجليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية والفرنسية و الروسيه وربما هناك غيرها.
واطلع أنيس منصور على كتب عديدة في هذه اللغات وترجم بعضا من الكتب والمسرحيات نذكر منها:ومولوس العظيم - زواج السيد مسيسبى -هى وعشيقها- أمير الأرض البور- مشعلوا النيران - من أجل سواد عينيها - فوق الكهف -تعب كلها الحياة.
و سافر أنيس منصور الى العديد من دول العالم ، فكتب الكثير في أدب الرحلات، وربما كان الأول في أدب الرحلات، وألف كتبا عديدة نذكر منها:حول العالم في 200 يوم - بلاد الله لخلق الله غريب في بلاد غريبة - اليمن ذلك المجهول -أنت في اليابان وبلاد أخرى.
أطيب تحياتى من موسكو -أعجب الرحلات في التاريخ - وكتابه حول العالم في 200 يوم هو الأكثر انتشارا باللغة العربية.
و في فترة من الفترات كانت كتابات أنيس منصور في ماوراء الطبيعة هي الكتابات المنتشرة بين القراء والمثقفين، ومن أشهر كتبه في هذا المجال الذين هبطوا من السماء، الذين عادوا إلى السماء، لعنة الفراعنة.
حصل الفقيد الاديب انيس منصور على الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة.
جائزة الفارس الذهبى من التليفزيون المصرى أربع سنوات متتالية.
جائزة كاتب الأدب العلمى الأول من أكاديمية البحث العلمى.
فاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الأولى من مؤسسة السوق العربية في لندن.
حصل على لقب كاتب المقال اليومى الأول في أربعين عاما ماضية.
جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، عام 1963.
حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1981.
جائزة الإبداع الفكرى لدول العالم الثالث، عام 1981.
كما حصل على جائزة مبارك في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2001.
وله الآن تمثال في مدينة المنصورة يعكس مدى فخر بلده بهذا الكاتب والأديب الفذ


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 22, 2011 7:25 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


المثقفون والفنانون يرثون الكاتب الكبير أنيس منصور
أشـــرف مفيـــد ـ علي سالم إبراهيم ـ عــلاء محجـــوب


برحيل الكاتب الكبير أنيس منصور فقدت الساحة الثقافية في مصر وأحدا من أعمدتها الرئيسية فالراحل كان شخصية موسوعية ارتبطت بالثقافة والأدب والصحافة والفكر والفن‏.‏ كبار المثقفين والفنانين أجمعوا في كلمات الرثاء علي أن الراحل الكبير سيظل باقيا بإنتاجه الوافر في شتي المجالات‏.‏

د.عماد أبو غازي وزير الثقافة:
أنيس منصور يمثل قيمة كبيرة في الثقافة المصرية وفي الصحافة المصرية أيضا كما أنه يعكس تجربة مهمة حين ترك العمل الأكاديمي واختار العمل الصحفي والكتابة فظل مؤثرا في أجيال متعاقبة من الشباب بكتاباته التي تتسم بالتنوع وسعة الأفق.. أما عموده اليومي في جريدة الأهرام امواقفب فإنه يحوز علي نسبة قراءة عالية جدا تترجم أهميته ككاتب متميز.. إن أنيس منصور يعد شخصية مثيرة للجدل في الكثير من مواقفه الملعلنة والواضحة ولكنه علي الرغم من ذلك كان وسيظل قيمة مهمة في الحياة بوجه عام.

الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب:
ستظل الصحافة المصرية تذكر أنيس منصور باعتباره صاحب أسلوب سلس وصل به إلي قلب القراء طوال ما يزيد عن5 عقود من الزمان كما ستذكره بسعة إطلاعه وقدرته الفائقة علي هضم أعقد الأفكار وتقديمها للقارئ العادي بأسلوب سلس.. لقد كان أنيس منصور موضع خلافات كثيرة في مراحل مختلفة من حياته الصحفية لكنه كان دائما الأقدر علي الوصول إلي القارئ وعلي تخطي كل الخلافات بجذالة عبارته وبأسلوبه المشوق.
أما بالنسبة لإنتاجه الأدبي فقد أعطي أنيس منصور للمكتبة العربية كتابين مرجعين لم تطاولهما أيه كتب أخري في مجالهما الأول هو كتابه في أدب الرحلات200 يوم حول العالم فقد شكل رؤية جيل كامل من الشباب عن العالم ومختلف بلدانه من خلال هذا الكتاب الذي صدر في عشرات البعات في وقت لم يكن السفر مناخا للشباب.. أما الكتاب الثاني فهو كتابه عن صالون العقاد الذي لم يسبقه إليه أحد ولا يتبعه أحد فهو المرجع الأشمل لجلسات العقاد من أحد المواطنين علي حضورها.

محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين المصريين:
أنيس منصور كاتب فريد ومتفرد فقد كتب في شتي مجالات المعرفة بنفس القوة والقدرة علي الوصول الي القارئ فقد ظل متربعا قمة الاكثر مبيعا في الكتب المصرية والعربية وخير شاهد لي ذلك كتابه الشهير في أدب الرحلات200 يوم حول العالم.. واعتقد اننا سنفتقده بشكل كبير سواء في كتاباته الصحفية أو الادبية أو الفلسفية.. فقد كان يبهر كل من يستمع اليه لأنه كان حكاء من طراز خاص.

د.أحمد مجاهد رئيس هيئة الكتاب:
من أبرز سمات أنيس منصور أنه كاتب صاحب أسلوب متميز للغاية فلا تستطيع أن تبدأ قراءة مقاله أو كتابته دون أن تكمله حتي لو اختلفت معه في الرأي فضلا عن ذلك فهو كاتب موسوعي صاحبة نظرة فلسفية فيما يكتب وأنه يمثل عمود رئيسي في كتابه أدب الرحلات القليلة والنادرة في الأدب العربي المعاصر وهذا إلي جانب خبرته الصحفية الكبيرة التي أهلته إلي المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية وقيامه بأدوار خفية فيها ليته كان قد كتبها في مذكراته ولكنه كان شديد الكتمان لأسرار اصدقائه الرؤساء والوزراء.

د.محمد صابر عرب رئيس دار الكتب والوثائق القومية:
لعب أنيس منصور دورا كبيرا خلال أكثر من نصف قرن ما بين الأدب والثقافة والسياسة والصحافة وأعتقد أنه أثري المكتبة العربية بكتابات رائعة اتسمت بقدر كبير من المتعة الذهنية فضلا عن أن الرجل كان لديه طريقة خاصة جدا في الكتابة لدرجة صعوبة التفرقة بين ما يكتبه وما يقوله في أحاديثه العامة.
وانيس منصور كان شاهدا علي تاريخ مصر الذي تشكل في أعقاب ثورة23 يوليو ليس فقط فيما يتعلق بصناعة القرار السياسي وإنما شاهد علي الحراك الاجتماعي والسياسي, قد يتفق معه البعض او يختلف معه البعض الآخر ولكنه كان مثقفا كبيرا واديبا كبيرا وانسانا كبيرا أيضا.

ممدوح الليثي رئيس اتحاد النقابات الفنية:
أول مرة نلتقي فيها كنت طالبا بكلية الشرطة عام55 واستمرت علاقتنا وجمعنا الحج4 مرات وآخر مرة رأيته منذ4 أيام حيث زرته بالمستشفي واستقبلني بابتسامته المعهودة وقال لي أين الفول الذي اعتاد أن يأكله معي في رمضان واستعرضنا ذكرياتنا الجميلة وخلال زيارتي له أحسست بأنني لم أره مرة أخري فودعته بقبلة في رأسه.

أشرف عبدالغفور نقيب الممثلين:
رثاء أنيس منصور يحتاج لمجلدات حيث كان يجمع بين صفات من الصعب جدا أن توجد في شخص واحد فكان يجمع بين الأدب والصحافة وعلي مدي رحلاته وكتبه وعموده اليومي مواقف استفدنا كثيرا واكتسبنا معلومات ونصائح لكثير من مناحي الحياة والعديد من الدول وكأننا زرنا هذه الدول وخاصة علاقة الرجل والمرأة ومنطق الزواج من خلال أسلوبه الممتع الساخر.

عزت العلايلي:
لم يكن مجرد كاتب أو فيلسوف ولكنه رمز من رموز الأدب ومفكر عظيم.. ولن يجود الزمان بمثل أنيس منصور ورأيه السياسي فلسفي ورأيه الفلسفي سياسي.. هكذا كان أنيس منصور الذي عرفناه مفكرا وأديبا وفنانا قدم للسينما وللتليفزيون بعض الأعمال القيمة بخلاف كتبه الرائعة التي تحمل بين طياتها الفكر والفلسفة والفن والسياسة.. أرجو من دور النشر ووزارة الثقافة أن يهتما بتراث أنيس منصور الفكري والفلسفي حتي تستطيع الأجيال الجديدة أن تقف علي رمز من رموز الفكر والأدب في مصر.

صلاح السعدني:
أنيس منصور بحجمه الثقافي والصحفي والإنسان كان جزء من جمعية الكلام التي أنجبت كامل الشناوي ومحمود السعدني وزكريا الحجاوي وعبدالرحمن الخميسي وعباس الأسواني.. فأنيس منصور كان واحدا من عباقرة الكلام في كل المجالات والفروع وبرحيله فقدنا كاتبا كبيرا وفيلسوفا من العيار الثقيل استطاع أن يجمعنا من خلال كتاباته الساخرة يوميا علي عموده مواقف بالأهرام وأن يمتعنا بأفكاره العميقة.

ماجدة الصباحي:
خسارة فادحة لحقت بالأمة العربية برحيل الكاتب المبدع أنيس منصور حيث أعتبره رمزا كبيرا من رموز الأدب والفكر العربي فليرحمه الله لكن عزاءنا أن أعماله وأفكاره ستبقي بيننا ولم ترحل معه.

مديحة يسري:
فقدت صديقا عزيزا ربطتني به علاقة صداقة عائلية بدأت به ثم امتدت إلي زوجته وأبنائها وبرحيله فقدنا قمة كبيرة من قمم الأدب والفكمر والثقافة وجعلنا نرتبط بالأهرام وخاصة الصفحة الأخيرة من خلال عموده مواقف الذي كان يقدم لنا يوميا العديد من الأفكار في مختلف مجالات الحياة.

شريف منير:
إننا فقدنا رمزا كبيرا من رموز مصر الكبار.. وأنا كنت دائما متحيزا له ولأسلوبه خاصة أنه كان بلدياتي من مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية والتي أراها أنجبت الكثير من العباقرة والفنانين الكبار أمثال فاتن حمامة وأم كلثوم وحزين جدا علي رموزنا في مختلف المجالات التي تتساقط واحدا تلو الآخر والتي من الصعوبة أن تتكرر مرة أخري.. ولي الشرف أن قمت بتجسيد أحد أعمال الكاتب الراحل الكبير أنيس منصور غاضبون وغاضبات مما يعد وساما علي صدري أعتز به بالإضافة إلي إنه بلغني شخصيا تحياته واعتزازه.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 22, 2011 7:29 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


أنيس منصور...أحب الفلسفة وتزوج الصحافة

بقلم :فـــاروق جـــويدة




لم يكن أنيس منصور كاتبا عاديا‏,‏ ولم يكن إنسانا عاديا ولا صديقا عاديا‏..‏ بقدر ما أحب الناس كتاباته بقدر ما أثارت من الجدل والنقاش‏..‏ وبقدر ما عاش حياته كإنسان عادي بقدر ما حرك الكثير من المياه في بحيرات راكدة‏..

أما أنيس منصور الإنسان فقد جمع في شخصيته كل متناقضات الفنان بما فيها من الدهشة والتساؤل والقلق.كان أنيس منصور من قلة قليلة جدا من الكتاب الذين جمعوا رصيدا غير مسبوق من القراء.. امتدت رحلته في أكثر من مكان وأكثر من جريدة ومجلة وبقي فيها جميعا يحتل الصدارة دون منافس في بساطة أسلوبه وتنوع كتاباته ومواقفه التي اختلف الناس عليها أو اتفقوا ولكنها كانت دائما تحمل الجديد المثير والمبهر.
برغم علاقته الوطيدة بالأستاذ العقاد إلا أنه اختلف تماما عنه في الأسلوب وطريقة التفكير والاقتراب الشديد من الناس اختار العقاد استاذه ان يعيش في برج عاجي يتحدث من خلاله إلا أن أنيس منصور اختار أن يجلس في الشارع بين البسطاء والفقراء والمهمشين.. كان اسلوب العقاد غاية في العمق والرصانة وجاء أسلوب أنيس منصور ليكون نسمة باردة في صحراء قاسية.. وبدأ أنيس منصور حياته في رحاب الفلسفة وانتهت به الرحلة في شوارع الفن..
وبقدر ما أحب العقاد بقدر انبهاره بـطه حسين برغم الخلاف الشديد بين العقاد وطه حسين.. كان أنيس معجبا بطه حسين الدور والمكانة ومبهورا بالعقاد العقل والفيسلوف.. واختار أنيس بينهما زمنا طويلا وان بقي علي تقديره للاثنين وان كان إلي العقاد أكثر انتماء وولاء وسكنا.
تنوعت كتابات أنيس منصور وان بقي فارس العمود الصحفي الذي احتل المقدمة دائما في كل موقع كتب فيه.. في عمود أنيس مواقف ظهرت كل قدرات الكاتب المتميز في اسلوبه وعرضه وقضاياه.. كان من الممكن أن تجد في عمود أنيس منصور نسمة جميلة عابرة وربما تجد قضية أقرب للكارثة.
ومع الصحافة في عصرها الذهبي عاش أنيس منصور أزهي مراحل تألقه كصحفي من طراز رفيع.. في مجلة الجيل وآخر ساعة وآخر أبنائه مجلة أكتوبر.. وكان أنيس منصور قادرا علي أن يكتب مجلة كاملة ابتداء بالقصص والنوادر وانتهاء بالأزياء..
وبعيدا عن ساحة صاحبة الجلالة عاش أنيس منصور عاشقا للسفر.. والغريب أنه لم يشعر يوما أنه ضاق من السفر.. كان علي سفر دائم وكانت حياته رحلة امتدت بين قارات العالم شرقا وغربا.. وكان كتابه حول العالم في200 يوم أشهر كتب الرحلات في الأدب العربي المعاصر وقد طبع هذا الكتاب عشرات الطبعات.
وكانت قصص أنيس منصور ذات أسلوب وطابع خاص وكانت لديه طريقة خاصة في رسم شخصياته فلم يكن يعبأ كثيرا برسم الأحداث ولكن كان أكثر إهتماما برسم الأحداث, ولكن كان أكثر اهتماما برسم نزعات البشر الذين لم يكن يثق فيهم كثيرا..
وكان أنيس مترجما بارعا واستطاع أن يقدم أعمالا مسرحية كثيرة لدورنمات وسارتر وان كان الأخير قد ترك بصمة عميقة في مشوار أنيس في فترة من حياته مع الفلسفة الوجودية.
كان من الممكن أن يكون أنيس منصور صاحب نظرية فلسفية عندما تتلمذ علي يد د.عبدالرحمن بدوي ثم سارتر وقبلهما عباس العقاد ولكن أنيس اختار أن يعيش بين الناس وان بقيت الفلسفة مزارا عزيزا لديه..
لم يكن أنيس منصور يحب الصحافة ولا أعتقد أنه تمني يوما أن يحشر مع فرسان صاحبة الجلالة فقد أحب الفلسفة وتمني يوم أن يكون فيلسوفا واختار أن يكون فيلسوف الصحافة لقد أحب الفلسفة وتزوج الصحافة.
عاش أنيس منصور مع جيل الرواد في العمل الصحفي محمد التابعي وعلي أمين ومصطفي أمين ومحمد حسنين هيكل وجلال الدين الحمامصي وشارك معهم في صياغة أزهي عصور الصحافة المصرية..
وفي بلاط السياسة عاش أنيس منصور فترة طويلة من الخوف والقلق والانتصار.. لم تكن تجربته مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كما أحب.. وان اقترب كثيرا من الرئيس السادات وأصبح من أقرب الكتاب إليه, خاصة في أهم أحداث حياته وهو انتصار أكتوبر واتفاقية السلام مع إسرائيل واعتقد أن أنيس كتب كل هذه الأحداث في مذكراته.
وفي تقديري أن رحلة أنيس منصور مع السلطة في ظل الرئيس السادات كانت من أزهي وأجمل فترات حياته الشخصية فقد استمتع فيها برحلته مع السادات الذي أحبه كثيرا..
لم يكن أنيس منصور إنسانا عاديا في حياته فقد تأثر كثيرا برحلته مع الحياة ومع الناس وأن بقي طوال الوقت مشغولا ومهموما بشيء واحد هو أنيس منصور نفسه.. لم ينجب أبناء برغم حبه المجنون وعشقه للأطفال وكانت ثقته بالناس قليلة وقليلا ما كان يصدقهم..
كان أنيس إنسانا حزينا برغم كل الضحكات التي كان يطلقها من حوله وقد أخذ الكثير من حزن كامل الشناوي والكثير أيضا من قفشاته وسخريته..
عرفت أنيس سنوات طويلة وكان دائما ودودا مجاملا مع اصدقائه وكانت معارفه كثيرة جدا وما أقل صداقاته الحقيقية.. وكانت حكايات أنيس منصور تملأ أي مكان يجلس فيه.. وكان دائما بشوشا ضاحكا حتي في أشد مراحل حياته ألما.. لقد تألم كثيرا في رحلته مع المرض في السنوات الأخيرة وظل حتي آخر لحظة يمسك بالقلم ومات هو يكتب..
سوف افتقد أنيس منصور صديق العمر الجميل ووحدا من جيل عظيم أعطي لهذا الوطن بريقا وجلالا واعطي لصحافة مصر الدور والريادة..


أطول سطر في الصحافة العربية
ســهــير حـلمــي


الدمع يفيض وزفرات الحزن تتعاظم.. كل شيء متشح بالسواد..حمل الناعي نبأ الفاجعة... آه من لوعة الأسي والفراق.. صانع المسرات من له من اسمه نصيب. لا أصدق أن جسدك الآن مسجي في لون النقاء.
هكذا أنت دائما علي عهدك يا أستاذ صادق الحدس عميق الرؤية.. صاحب دمع دفين لاتخفي سرائره عن محبيه.. آثرت أن تنعي نفسك في مقالك يوم الخميس الماضي.
شاهدتك صباح الأحد وقد انسحب الضياء من وجهك وبدا كل شيء خاليا من المعني لكنني منيت النفس بأنك ستتعافي وستقاوم بإرادتك الصلبة طائر الموت الذي كان يحلق في المكان ويغلفه برائحة صمت كئيب.. نعيت نفسك وآثرت ان تستمر تكتب حتي آخر العمر ايمانا منك بان الاشجار تموت واقفة.. وكنت جميزة مصر التي استظل بظلها الكبار والصغار علي الدوام وفي آخر عمرها كان تجود بأطيب الثمار.. آمنت بان نور العلم وضاء يغني النفس ويجعل الانسان سيد نفسه.. فالعالم وصاحب المعرفة والخبرة( عراف) يسبر أعماق الحياة, وزرقاء يمامة يستشرف الغد. تلميذ العمالقة من ورث العلم كابرا عن كابر( العقاد وطه حسين والمازني لويس عوض ومحمود تيمور) كنت متعة للآذان وراحة للعقل وواحة للفكر وواحدا من أبرز أدباء ومفكري مصر في القرن العشرين.. علمتني ان ادحر الصعاب وحين تعرفت عليك كنت نبتة صغيرة لاتلفت العين لكنك لم تستصغرها, وبأبوة واستاذية مفرطة وجهت وارشدت ثم نظرت ما ستصير إليه.. عهدناك دوما فياضا سلسلا رقراقا في كتاباتك.. بيانك دائما ملك بنانك.. لايستعصي عليك أمر.. لم ترتد يوما الا ثياب الناس.. لذلك سميتك( فيلسوف البسطاء) إذا كان في القوم وليس اميرهم كان كأنه اميرهم واذا كان اميرهم كان كأنه رجل منهم.. كان لك قلب شاعر تتراءي فيه الكائنات جميعا.. واذا أعوزتك السعادة فتشت عنها بداخلك, علمتنا ان الشخص يفني والمبدأ باق. والاديب يموت ولكن أدبه لا ينمحي.
كاتب المقال والقصة القصيرة والمسرحية.. جاءت النهاية في اثرها المركز وحسمها مثل الرصاصة التي تطلق من علي بعد قليل فتصيب الهدف في مسرحيات الفصل الواحد.. صاحب النكات والقفشات والمقالب الطريفة والأساطير والقصص وحكايات الشعوب وموضوعات الساعة وأخبار العالم وقصص التراث العربي والاصفهاني والجاحظ وابن طفيل.. ستظل كتاباتك إلي أمد طويل كنزا من الأفكار الفلسفية المبسطة التي تفسر العديد من تعقيدات الحياة وجوانبها الانسانية.. تخففت من الفلسفة وكنت أكثر سخاء في كتاباتك وسيرتك الذاتية التي تحمل طبيعة( الاعترافات) بصورة لم تتكرر كثيرا في أدبنا العربي عمقت موهبتك وزرعتها في أرض خصبة, أرض الصحافة اليومية المتجددة.. لكنك كنت تبذر أحيانا في ميادين شتي علي أوسع نطاق.. سريع الخاطر ـ حاد الذكاء.. شديد البساطة, من كان يعتقد ان البلاغة هي تسامي الفكرة في الثوب البسيط كنت مثل مانعة الصواعق التي لاتسلمنا لليأس وتحمينا من الاحباط. لم نشهد لك سنوات عجاف.. ولكنك كنت أطول سطر في الصحافة العربية.
سألتك لماذا تعيد بعض المعاني, وتكرر بعضها في الكثير من كتاباتك أجبتني ان الحياة قائمة علي التكرار, فأوراق الاشجار متشابهة والفنان أو المفكر مثل البلبل لديه لحن واحد لكنه يعزفه بنغمات مختلفة. وكذلك المفكر وقلت انك تستحضر المعني من زوايا مختلفة.. والأديب في كل مرة يكتب يضيف إلي الفكرة ويطورها ولو بصورة طفيفة.. فالفنان لايقول كلمته ويمضي ولكنه دائما مايعود إليها ويروض أسلوبه ليحتفظ بحيوية العبارة والمعني وكنت دوما متوهجا.. نافذا.. تنتسب لمدرسة التعبيريين في الفن علي حد قولك, فانت تعبر بالنقاط المتجاورة والمنمنمات.. فجملك قصيرة.. ومعظمها يتحول لعبارات مأثورة لاتنسي.. علمتنا ان روح الأشياء تكمن في الصمت احيانا, وقد يكون ارفع انواع الحكمة.. فأصحاب الرسالات لابد ان يعتزلوا الناس بعض الوقت ليروا الدنيا من بعيد إنها( العزلة الملهمة) أستاذي الجليل عشت حياة طويلة وعمرا مديدا.. شاء الله أن تموت مصدورا انه كعب اخيل او نقطة ضعفك وسبحان الله فقد عشت تخشي الانفلونزا والزكام منذ نعومة أظافرك وتتحاشاهما ولكن المرء يدبر والقضاء ماض في شأنه يسلبنا آخر اعمدة الصحافة العربية وأغزرها انتاجا وفكرا.. استاذي لو كنت اعلم آخر عهدكم.. يوم الرحيل لفعلت ما لم افعل ولسألت ما لم أسأل.. صاحب الأرق والقلق.. كنا ننام ملء جفوننا.. وكنا نياما حينما كنت ساهدا.. فاسهدتنا حزنا وامسيت غافيا.. الموسوعي.. الذي اختصني بارشيف صوره الخاص منذ صدور كتاب( فيلسوف البسطاء) الذي شرفت بتحريره واصدره الكاتب الكبير لبيب السباعي حينما كان رئيسا لتحرير مجلة الشباب ونعتك بانك( الاستاذ الموسوعة) احببت الأهرام دوما وعلمتنا أنها الصرح العملاق في الصحافة العربية فكان عمودك مواقف أطول عمود يومي في الصحافة اليومية والعربية لمدة53 عاما بلا إنقطاع سألتك لماذا قلت:
لقد دفنت نفسي في قبور انيقة اشتريتها من مكتبات العالم فهل لديك تصور لعبارة ساخرة تتخيلها علي قبرك؟
أجبت: اذا قررت وضع لافتة مكتوبة علي قبري فلن اكتب إلا هذه العبارة( عاش كذا سنة...( الله اعلم). ولم ينم إلا ليلة واحدة ولن أزيد علي ذلك فلا قيمة لاي شيء يكتب بعد وفاتي.. عظماء الدنيا ماتوا ولايتذكرهم الناس إلا قليلا فالأديب الفرانسي رابليه حينما كان يحتضر قال( انزلوا الستائر لقد انتهت المهزلة).. فلتكتبي انت ما تشاءين.. او يكتب من يريد فالموت راحة من كل شرور الدنيا... فهو نهاية سطر..تغمدك الله برحمته ومغفرته.. ستظل دائما في قلوبنا وعقولنا.. لن ننساك أبدا.
أصداء السيرة الذاتية
السيرة الذاتية لأنيس منصور هي سلسلة من التأويلات متداخلة الحلقات في جميع مراحل حياته, فقد كان دائم الاستدعاء لدعوة الإمام الغزالي( اللهم هبني ايمان العوام) أي ان يريحه الله من نفسه وعلامات استفهامها التي لاتنتهي.. والصوفيون يقولون( الأحوال مواهب.. والمقامات مكاسب) فمقام الصالحين يصل إليه الانسان بعمله الصالح وصومه وصلاته وتسبيحه وذكره... أما الأحوال المواهب.. فيقصد بها حالة الوجد التي لايصل إليها المريد إلا بعد ايمان عميق فتكون هبة من الله.. أنيس منصور في سيرته دائم البحث والرصد عن لحظات الوجد والايمان والالهام بمذهب أو قدوة أو شخصية أو قصة أو فكرة أو أغنية أو أي حيثية يؤمن بها ويتوحد معها في سيرة حياته وأدبه وفنه, فلا سعادة تكتمل دون البحث عن جذورها, والبحث عن السعادة يفضي إلي سرابها في بعض الأحيان.
كتب أنيس منصور سيرته الذاتية أو أروع أعماله الادبية بصورة تضاهي الاعمال الادبية العالمية في عدة كتب, أهمها: البقية في حياتي, وعاشوا في حياتي, وفي صالون العقاد.. كانت لنا أيام.. وإلا قليلا.. شلالات عديدة ساهمت في تكوين الوعي واللاوعي وتشكيل وجدانه تمثلت في النزعة الدينية المتأصلة ومشاعر الخوف والأرق والاغتراب والعزلة وحب الوالدين المفرط وحب الشعر والادب وحفظ القرآن والاحاديث والنوادر والحكايات والمغامرات الغنائية والغجرية.. وحكمة بسطاء الريفيين الفطرية.. وبعض المغامرات العاطفية وتلك السماحة الدينية واختلاط الاجناس والثقافات واستقطار لب الحياة وجمالها من تلال القبح والقسوة من خضم هذا الزخم الاجتماعي والنفسي والادبي والديني.. خرج أنيس منصور( مواليد1924) وأشهر أبناء الدقهلية ليظل الاول دائما علي مستوي القطر المصري في الابتدائية والتوجيهية عام..1943 وليسانس الآداب قسم الفلسفة مع مرتبة الشرف الاولي عام1947, انها قصة كفاح ونبوغ وندرة.. لذا كانت ساخنة شيقة وشائكة.. بدأت في أبي حمص مرورا بالقاهرة وحول العالم وانتهت في القاهرة ايضا.
الموسوعية في كتاباته
أنيس منصور بمعدل السنين حالة فريدة من الاستمرارية والشعبية والتألق في الصحافة العربية بلا منازع.. واذا كانت البلاغة كما يصفها العرب هي مراعاة مقتضي الحال فقد كان أنيس منصور يفضل ان ينطلق مقاله في ايحاء وايجاز وفقا لهذه المعطيات من بؤرة الذكريات المثقلة بثقافة عميقة متنوعة ينتقي منها أصفي معانيها وأسلسها هضما.. أو من خواطره اللامعة,.يغلفها بغلالة ذاتية أنيقة فنتيجة لاتساع أفقه واطلاعه ونزعته الفلسفية وموسوعيته المتفردة التي شهد بها د. طه حسين فوصفه بأنه أشهر قارئ في العالم العربي, فكان لايتوقف كثيرا في اختيار موضوع المقال ولكن العبرة بالأسلوب والتناول, فكتابة المقال من وجهة نظره صناعة يجب ان يظهر منها الاتقان ويختفي فيها سر الصنعة.
كان اسمه هو المرادف العملي للانترنت منذ خمسين عاما وهو جدير بحقوق الملكية الفكرية, فهو رائد الموسوعية في الصحافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين وهو من أنبغ تلاميذ مدرسة العقاد الموسوعية وهو من نشطاء مدرسة الشك يحيي الأفكار من خلالها وتدويرها وتأملها, وهو يؤمن بأن اي فكرة لاتساوي شيئا ما لم تقدم البرهان علي صحتها.. إلا قليلا.. هو مبدؤه العام الذي يكيل به أفكاره. وهو يري ان اعظم تحية يمكن ان يسعد بها كاتب هو ان يشعر كل قارئ بأنه يقصده بما يكتبه وبذلك تكون الكتابة رسالة عامة وخاصة في نفس الوقت.
اتسمت كتاباته بالاستعارة بصورة جلية والتشبيهات الجميلة التي اكسبتها صفة انسانية لاتنتهي ومجموع مقالاته يشكل مأدبة عامرة تتسابق اليها الأيدي, وصفه الاديب الكبير إحسان عبدالقدوس بأنه خليط من سارتر والعقاد وتوفيق الحكيم وطه حسين اما هو فكان يقول: من أراد ان ينظر إلي فلينظر إلي بعيني إلي عيني يحاسبني بقولي علي قولي ويستخدم موازيني في وزني.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 22, 2011 7:38 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


عاش يحلم بكتابة الأفضل

بقلم: عبدالعظيم حماد


أنيس منصور‏..‏ الكاتب الذي وصل الي أعلي مراتب النجومية‏,‏ وتربع فيها لمدة تزيد علي ستين عاما‏,‏ من يصدق أنه في معظم الأحيان لم يكن راضيا عما يكتب‏,‏ ليس لأن هذا الذي يكتبه ردئ المستوي‏,‏ لأن العكس هو الصحيح‏,‏ بل إنه كان يعتز بكل كلمة يكتبها‏,‏

ولكن لأنه دائما كان يريد أن يكتب الأفضل, وبحكم اقترابي منه في بداية حياتي الصحفية في مجلة أكتوبر التي تأسست في الأصل لتعكس قيم وروح جيل النصر العظيم, فقد كنت أسمعه يقول إنه لم يكتب بعد بيده اليمني, وأنه لايزال يكتب باليد اليسري, وهو بالطبع لم يكن أعسر, ولكنه كان يقصد من هذه الاستعارة ـ وهو ملك التشبيهات والاستعارات ـ أنه لم يكتب بعد أفضل ماعنده.
كل هذا برغم أنني كنت شاهدا في مناسبات كثيرة علي تقدير كبير من جماهير القراء, ومن عديد من كبار المثقفين لانجازات أنيس الفكرية والأدبية الكبري, فأذكر مثلا أنني حين كنت أعاون الأستاذ الكبير عبدالوهاب مطاوع في مجلة الشباب في بداية توليه مسئولياتهاـ أن استفتاءات المجلة حول أفضل القراء لدي الشباب, والتي كانت تنظم سنويا, كانت نتيجتها الدائمة هي أن أنيس هو الأول دائما لدي شباب جيل الثمانينيات والتسعينيات, وبعدها لم أعد أتابع هذه الاستفتاءات, ولكن بقي أن عموده في الأهرام كان من أكثر مواد الصحيفةاستقبالا لتعليقات القراء.
أذكر أيضا أنه عندما بدأت حلقاته في مجلة أكتوبر, بعنوان في صالون العقاد كانت لنا أيام تتوالي, تلقي برقية من أستاذنا الكبير الراحل أحمد بهاء الدين ـ وكان يعمل وقتها رئيسا لتحرير مجلة العربي الكويتية, قالت هذه البرقية: إن حلقات صالون العقاد ليست فقط عملا غير مسبوق في تاريخ الثقافة العربية, وليست فقط تجربة فريدة في سرد وتحليل التطور الثقافي والفكري لمثقف عربي من خلال التفاعل بين الأجيال, وليست فقط تذكيرا لقراء الحاضر بحيوية تيارات الفكر ومدارس الأدب في مصر, ولكن مايكتب هو عمل لم يسبق له نظير في سوسيولوجيا الأدب العربي.. أي تحليل الأدب والثقافة في سياق التطور العام للمجتمع المصري والثقافة المصرية والعربية عموما.
الكثيرون بالطبع غير الأستاذ بهاء كتبوا وقالوا الكثير عن كتاب في صالون العقاد كانت لنا أيام, وكثيرون أيضا كتبوا وقالوا عن أهم وأشهر كتب الأستاذ الكبير الراحل, مثل يسقط الحائط الرابع في النقد المسرحي, وبالطبع فقد اتفق الجميع علي منحه لقب أديب الرحلات في الأدب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين, ومع ذلك فقد ظل أحب الألقاب اليه ماكان هو يطلقه علي نفسه كاتب المليون قارئ.
لكنه كان أيضا يعتز بأنه لم يتوقف يوما عن كتابة عموده, سواء في الأهرام, أو في الأخبار قبل أن ينقل عمود مواقف الي الصفحة الأخيرة بالأهرام مهما تكن شواغله, ومهما تعرض لنوبات المرض.
رحم الله أنيس منصور, وأبقي رفاق جيله الذهبي, وعوضنا عنهم بالمواهب الفذة التي تملأ مدن وقري مصر من الأجيال التالية لهذا الجيل, وأجيال الشباب التي تصنع الآن من مصر الجديدة جزءا من العالم المتقدم علميا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا.


ومع أنيس وبعده أيام وحكايات
بقلم: صلاح منتصر


لم أكد أفتح باب غرفته في العناية المركزة حتي فوجئت بما لم أتوقعه‏..‏ فقد كان هناك شخص آخر غير أنيس منصور الذي أعرفه‏,‏ وبرغم أنه كان جالسا ووجهه الذي تضاءل إلي نصفه لايظهر منه سوي العينين فقد مد لي يده يريد أن يتكلم ولم يستطع‏,‏

ومددت له يدي أريد أن اصافحه ولم أستطع.. وافترقنا هو إلي موعده المحدد وأنا إلي موعدي المؤجل الذي لايعلمه سوي الذي خلقنا جميعا.
مات أنيس منصور.. مات الأسطورة في الكتابة الرشيقة وبحر المعرفة الواسعة في الأدب والثقافة والسياسة والفن والدين والرحلات والوجودية والفلك والعلوم وملك, الحكايات التي لاتمل منها ولايفرغ كيسه منها.
عرفت أنيس منصور في بداية مشواري الصحفي في أخبار اليوم عام3591, وأحببت فيه من أول لحظة تواضعه واقباله علينا نحن التلامذة الذين دخلوا مدرسة المهنة, خاصة الذين يقع عليه اختياره ويستريح إليهم, وقد كان من حظي انني كنت أحدهم.. وبعد ذلك شاء قدري أن أخلفه في رئاسة المجلة العظيمة( أكتوبر) التي بناها طوبة طوبة وجعل منها في شهور قليلة مطبوعة ينتظرها آلاف القراء, وكان امتحانا بالغ الصعوبة للتلميذ الذي كان يجري وراء أستاذ من أساتذته أن يحافظ علي النجاح الذي حققه الاستاذ, واقتربت من أنيس وزاملته أكثر في الأهرام, وفي كل لقاء معه كنت أجد فيه اضافة أسعدني أن اغترف منها المزيد.. وهذا سر غريب في شخصية أنيس الذي لم أجد شخصا يعكس اسمه مثله فهو في لقاءاته وجلساته أنيسا جميلا بليغا عالما تجد عنده دوما الجديد سواء في حكاياته عن نفسه أو الآخرين.
ورغم هذه البساطة في قربه من الآخرين فقد كان في حياته تركيبة خاصة لايأكل اللحوم ويعشق الشاي بالعسل, وقد فضح شركة مصر للطيران لانها توفر الشاي علي رحلاتها ولاتوفر العسل.. وأهم من ذلك أنه كان لايعرف النوم إلا قليلا, وإنه كما يقول لنا: كثيرا يتغطي في عز الحر بالبطاطين ومرة لم يجد لحافا أو بطانية فرفع مرتبة السرير ونام تحتها!
ويحكي لنا فيقول أنه مرة في الفلبين صحا فوجد الشمس قد ملأت الغرفة فأدهشه ذلك, فهو كما يؤكد لم ير شروق الشمس من عشرات السنين لانه يصحو قبل الفجر لكي يقرأ ويكتب في غرفة مغلقة الباب والشباك. ولذلك كان أنيس يبدو طوال النهار كأنه فاضي للكلام وللقاءات والاتصال بزوجته في الوقت الذي يرفع فيه سماعة التليفون ويغلقها لانه لم يعجبه صوت المتحدث. وكأنه لايعمل بالقراءة أو كتابة رفوف كتبه العديدة التي تزيد علي مائتي كتاب لاتعرف ماذا تختار منها وهل مع العقاد أو مع السادات أو بلاد الله خلق الله أو الكبار يضحكون والذين عادوا من السماء وأرواح وأشباح ومذكرات شاب غاضب ووداعا أيها الملل ووجع في قلب إسرائيل.. وهكذا.
ولم أعجب لزوج في حياتي مثل أنيس منصور الذي كان له معلقة كل يوم جمعة في التحريض علي الزوجات وعلي عدم الزواج في الوقت الذي كان أنيس من المتيمين بزوجته أعانها الله بعد رحيله وإلي درجة أنه كان يتصل بها في اليوم الواحد نحو عشرين مرة.. وعندما مرضت هي قبل أكثر من عشر سنوات أصابه الاكتئاب وأحس بأنه أصبح عاجزا إلا عن الكتابة التي كانت أكسجين حياته.. ولكنه استطاع ان يعود نفسه بعد ذلك علي حب الزوجة التي لايريد منها سوي حبه والجلوس أمامها ربما صامتا أو متحدثا, وكما كتب هو مرة: ماذا قالت أمس وأول من أمس, وما قالته قبل ذلك بشهور.. انه نفس الكلام.. انا أقول وهي ترد. واعرف مقدما ما سوف تقوله.. لا هي زهقت ولا أنا مللت ولكننا لا نتقدم ـ مع ذلك تجد ان مساحة تحريضه الآخرين ضد الزواج أصبحت أكثر وكأنه كان يخشي علي حياته الزوجية الخاصة من الحسد!
ولم يكن أنيس يكتب مقالاته التي نشرتها له الاهرام وجريدة الشرق الاوسط أخيرا وظلت تظهر وهو راقد في العناية المركزية لايستطيع الكتابة أو الاملاء, وإنما كانت هذه المقالات رصيدا كتبه وهو قادر علي الكتابة فقد كان من عادته أن يكتب كلما جاءته فكرة بصرف النظر عن موعد النشر, وقد وصف ذلك بقوله: ليس من الضروري إذا جلست إلي الكتابة أن أجد بسهولة ما أكتبه, وعندما تتعذر الكتابة فإنني أفضل ان أقرأ في أي موضوع.. وفجأة أجدني أكتب موضوعا آخر غير الذي كان في نيتي ان أكتبه, وأعتقد أن التفكير كيمياء.. اضافة عناصر إلي أحماض إلي سوائل وهزها معا ليكون مهنا سائل جديد أو مادة جديدة. ولكي تنجح هذه العملية الكيمائية لابد أن تتحقق شروط التفاعل وفقا لمعادلة دقيقة وهي معادلة لا أعرفها بالضبط ولكن بالتجربة اليومية أحسها وأحاول أن اكون دقيقا.
فاليقظة في ساعة معينة..وتناول الشاي أو صنعه ووضعه أمامي دون أن أنتبه اليه, ونوع الورق والحبر والاضاءة ودرجة حرارة الغرفة. انني أقوم بعمليات تكييف للهواء والماء والضوء والمزاج والتسخين, وأنتظر وانتظر طويلا.. وقد أكون هادئا.. وقد أكون غاضبا ولكنني دائما احني رأسي للذي يجيء ويتوارد.. ولايزال المثل الأعلي لكل مفكر ما قاله فيلسوف الوجودية الالمانية مارتن هيدجر: انني أجلس خاشعا حافي الرأس أمام سيدتي وأنتظر ما تجود به علي.. وقد تفضلت معبودتي وقالت والذي قالته ليس كثيرا ولكني أكن لها عظيم الاحترام.. والامتنان ـ أما معبودته ومعبودتي فهي الحقيقة.
انتهي ما نقلته مما كتبه أنيس, وهذا الذي كتبه وهو كثير هو الذي بقي لنا.. ففي حياته كان أنيسا جميلا بلسانه وحكاياته وكانت لنا معه بشخصه أيام وحكايات, وبعد رحيله أصبح أنيسا بكتبه ومؤلفاته ومع الآلاف الذين سيقراونها ستكون لهم أرشق الايام والحكايات.


فيلسوف الفكر والثقافة
بقلم: د. زاهي حواس


أنيس منصور‏..‏ ماذا أكتب عن أنيس منصور رحلة عمر وصداقة طويلة قوية مع فيلسوف وأستاذ ومفكر وأديب وكاتب وصحفي‏.‏

سأحاول رغم ألم الفراق أن أكتب عنه بضعة سطور, لن توفيه حقه جزاء ما قدمه للفكر والثقافة في مصر, صديقي الكاتب الكبير أنيس منصور.. رحلة حب وصداقة امتدت سنوات طويلة.. لقاءات مستمرة ورحلات الي العديد من دول العالم.. وخلال هذه الفترة أصبح أنيس منصور من أحب الناس الي قلبي.. لايمر يوم دون أن نتحدث أو نلتقي في صالون أنيس منصور الذي كان يحدثنا فيه عن رأيه في الأدب والسياسة والسادات عندما اشتد عليه المرض.. كنت أتحدث معه تليفونيا ويأتيني صوته بعيدا مملوء بالألم, وأصبحت مشغولا عليه واخاف أن أشاهده علي هذه الحالة.. وعندما دخل المستشفي.. زرته مرات عديدة, وكان يعرفني ويتحدث معي من خلال نظرات عينيه.
وفي المرة الأخيرة منذ يومين أحسست بأن هذا آخر لقاء سوف يمضي مع هذه الاسطورة التي لن تتكرر... وأنا خارج من المستشفي كان بذهني إحدي الرحلات التي جمعتنا, وكنا نزور مدينة فيرونا بإيطاليا ودخلنا الي منزل روميو, حيث كانت تأتي جوليت لكي تلقاه, وهنا قال لي صديقي أنيس منصور: انزل تحت, وانظر الي السكونة سوف تجدني أنا جوليت أعود بالماضي الي أجمل قصة حب في الوجود.
اتصل بي صديقي الكاتب الكبير صلاح منتصر ليبلغني بالخبر الأليم, حيث سمعه من عبدالعظيم حماد رئيس تحرير الأهرام, ولم استطع أن أعلق, لأننا قبل سماع هذا الخبر كنت أشرح لصلاح منتصر حالة أنيس منصور, وان آخر نظرة لي معه كانت لحظة الوداع.. وبعد فترة اتصلت بصديقي أحمد رجب وأبلغته الخبر.. وقال: خسرت العديد من الأصدقاء, ولكن أنيس لم يكن صديقا فقط بل أخا ورفيق العمر والطريق.
لقد نجح أنيس منصور في تقديم الفراعنة وتاريخهم لكل عشاق الحضارة المصرية في العالم كله.. جعل عشقه لتراث مصر يكتب عن لعنة الفراعنة.. وعن أثارنا في الخارج, وعن الاكتشافات الأثرية, واستطاع أن يجعل اكتشافي لمقابر العمال بناة الأهرام حديث الناس في كل مكان.
وكنا نحتفل كل عام بيوم التراث العالمي18 ابريل, وفي هذا اليوم نختار أحد مواقع التراث العالمي لنلقي عليه الضوء, وفي نفس الوقت نختار شخصية عالمية مرموقة لكي نحتفل بها.. وقد كانت هذه الشخصية الكاتب والمفكر الكبير أنيس منصور.. وكانت سعادة المثقفين كبيرة ونحن نقدم له وسام الـ ماعت الذهبي للكاتب الكبير, نظرا لما قدمه للأثار وللأثريين طوال حياته ومشواره الصحفي.. والماعت هي رمز الحق والعدل والنظام عند المصري القديم.. وقد تشرفت بأن أقدم له هذا الوسام.. فهو وسام لصديقي أنيس منصور الذي عرفته عن قرب لأول مرة, وأنا طالب بجامعة سلفانيا, حينما زرت مصر ودعاني صديقي الراحل كمال الملاخ لكي أتناول الغداء علي مائدة أنيس منصور بمنزله بالمنصورية شرق الأهرامات مباشرة.. وهناك قابلت العديد من العظماء ومنهم توفيق الحكيم, وبعد الغداء جلسنا في الصالون لكي نشاهد كاميرا الفيديو لأول مرة تصور وتنقل الي التليفزيون مباشرة, وكان الحكيم يجلس علي كرسي أمام التليفزيون مرتديا قبعته الشهيرة والعصا في يده, والي جواري جلس أنيس منصور يضحك ويقول له: أنظر.. سوف تشاهد نفسك في التليفزيون الآن! ولم يصدق الحكيم كلام أنيس منصور, ولكي يتأكد من ذلك قام بتحسس شاربه وهز عصاه في يده, ورأي ذلك أمامه علي شاشة التليفزيون, وهنا ارتسمت علامات التعجب بدون كلام علي وجه الحكيم.. لقد استطاع أنيس منصور بقلمه أن يجمع المصريين علي عشق الحضارة الفرعونية من خلال كتاباته وموضوعاته التي نشرت بالأهرام, ومجلة اكتوبر, وجعل الآثار بجميع موضوعاتها محور كتاباته الصحفية, واهتم بالاكتشافات الأثرية, ونجده يرحل بنا الي الماضي البعيد والقريب لنشم معه نسماته الطيبة ونتلمس أجزاء من أسرار وغموض حضارة الفراعنة وآثارهم.. وكان هذا الاهتمام واضحا في اتصالاته المستمرة بي لكي يسأل عن بعض أسرار الفراعنة.. وكان يؤمن بلعنة الفراعنة, ويقول إن كمال الملاخ لدغته لعنة الفراعنة مرات عديدة, وأصابته أخيرا بمرض جلدي لم يستطع علاجه, وكان يخاف أن تصيبني اللعنة, وكتب عن ذلك مرات عديدة, ولي معه ذكريات طويلة في هذا الموضوع, وآخر ما كتب عني أن ما تعرضت له بعد تعييني في الوزارة هو لعنة.. وهذه اللعنة هي لعنة الفراعنة.
وقد تذكرت اليوم أحد أحاديثي التليفزيونية, وكان الحديث يدور عن أنيس منصور, وذكرت أنني لم استطع حضور حفل عيد ميلاده, وأنني أتمني له أن يعيش أكثر من مائة عام في صحة وسلام, وهي أمنية سجلها الفراعنة علي آثارهم, ولكنني طالبت بأن يكف أنيس منصور عن المطالبة ببقاء الأثار المصرية في متاحف أوروبا وأمريكا, وأنذرته ممازحا بعواقب لعنة الفراعنة, رغم انه الكاتب الوحيد الذي ألف كتابا كاملا عن لعنة الفراعنة.
كان وفيا لأصدقائه بلا استثناء.. يتحدث معنا بلغة التلغراف, ويقص علينا حكايات وقصصا نادرة في الثقافة والسياسة.
أما أجمل حب في حياته فهو حب زوجته السيدة رجاء.. كان يقضي وقته معي في أثناء السفر لكي يشتري لها كل شيء, ويقول أنا أحاول أسعدها وأقف بجوارها لكي تسترد صحتها.
لقد حاولت في السطور السابقة أن أكتب لمحات عن هذا المفكر الاسطورة, لكن ربما تكون هذه اللحظة لا استطيع فيها أن أوفيه حقه بقدر ما أعطي للثقافة والسياسة والصحافة والفكر.. وربما تأتي فرصة أخري لاكتب عنه.


آخر العمالقة
بقلم: سيد علي


في نهاية الثمانينيات اعطيته مقالا بعنوان بروستريكا السادات وقت ان كانت بروستريكا جورباتشيف تحفر العلاقات الدولية وتفتح أبواب عالم جديد وتدفن الاتحاد الذي كان سوفيتيا‏,‏

فجأة نادي ابراهيم سكرتير التحرير وامره باحضار مقاله الافتتاحي وكان بنفس عنواني ونفس الفكرة سحبته ولكنه صمم علي نشره بالصفحة الاخيرة بجريدة مايو, وغير هو عنوان مقاله, بعدها بأيام أصبحت مساعده الاول, كان الرجل صاحب مدرسة, وصاحب العنوان الرشيق الذي لا تزيد كلماته علي ثلاث, تعطيه موضوعا وبعد خمسة ثوان يضع له عنوانا مبهرا, كان يسخر ممن يتجرأون علي الكتابة وببجاحة ويقول, لكي يكتب المرء كلمة لابد أن يقرأ الفا وكان صاحب عبارة هذا كاتب كتابه اكثر من قرائه لتصبح صكا تطارد كل الذين يتجرأون علي المهنة والكتابة في زمن المدعين والذين صاروا يمارسون مهنةالصحافة بقرار من السلطة.
كثيرون يعرفون الاستاذ والكاتب والفيلسوف, ولكن احدا لايعرف انيس منصور الجرنالجي, ولا انيس منصور الحكاء الذي أسر عقل وقلب السادات, وقال ان الجميع في حضرة السادات كانوا يستمعون فقط,الا مع أنيس منصور كان السادات مستمعا للحكي الرائع الجميل الاخاذ الذي يطوف بمسمعه الارض طولا وعرضا الزمن أياما وسنين وقرون وكأنه يتحدث عن اليوم أو اللحظة التي يتكلم فيها.
كان صوفيا متبتلا وصل لهابعد عدمية سارتر وشكوك كانط وجدلية هيجل, كان مزيجا من قراءات وفلسفات ويحارب المذكرات فكأنه عاش الف عام, هو ابن جيله القلق والمتوتر في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي والتغيرات السياسية الحادة من الملكية للاشتراكية للرأسمالية, هو ابن تجربة العصر الواحد والزعيم الواحد, وقد أمد الله في عمره حتي يري نهايات عصر وتاريخ التوحيد السياسي وكان الرجل يعرف ان الوحدانية لله فقط وقيما عداه متعدد لكي يتعظ أولي الالباب, رحمه الله بقدر ما أعطي لأجيال كثيرة من الصحفيين والسياسيين والقراء, وان كنت اشك في العثور علي من يملأ مواقفه في الصفحات الاخيرة لأنه أخر الكتاب العمالقة.



أنيس‏..‏ الفيلسوف الشاعر
بقلم: أسامة الالفى


كنت كلما قرأت أو رأيت أستاذنا الراحل أنيس منصور أري مجموعة شخصيات التقت في شخصه‏,‏ إذ كان فيه من د‏.‏طه حسين طلاوة كلماته‏,‏ ومن العقاد وعبدالرحمن بدوي عمق فلسفتهما‏,‏

ومن شعراء الرومانسية الكبار إبراهيم ناجي والهمشري وعلي محمود طه( وكلهم بلدياته من المنصورة) لغتهم الشاعرة ورمانسيتهم الحالمة.
في داخله اجتمعت مجموعة شخصيات متناقضة, وهو ما نوع كتاباته وغلفها برؤي متباينة, ففيها العمق, وفيها السلاسة, وفيها الشاعرية, إذ كتب في السياسة والدين والتراجم والقصة والرحلات وفيما وراء الطبيعة.
كان باختصار موسوعة معارف متنقلة, تحط كالنحلة علي الأزهار في كل بستان, تمتص رحيقها, لتفرزه عسلا شهيا يرضي أذواق مختلف أنواع القراء, فالعقل عنده مثل البراشوت, لابد أن ينفتح وإلا سقط الانسان, لهذا كان انفتاحه علي شتي الثقافات والمعارف والتيارات الفكرية والسياسية معبرا عن جوهر شخصيته التي جمعت عدة متناقضات, لكنه ظل حرا لا يستغرقه تيار ولا ينتمي لغير قلمه وابداعه, يكتب ما يؤمن به, ويرفض أن يملي عليه أحد نوعية كتاباته.
وبرغم أنه كان تلميذا مخلصا لمدرسة د.عبدالرحمن بدوي الفلسفية, فإن ذلك لم يحل ذلك دون رفضه لأن يسير علي ذات أسلوب د.بدوي المائل للتقحير والتعقيد, فجاءت كتاباته سلسلة, وأسلوبه سهلا, ويرجع فضل ذلك ـ كما روي لي يوما عن الشيخ حسن البنا, إذ كتب أنيس حين كان في العام الثالث من دراسته في كلية الآداب قصيدة, وألقاها أمام الشيخ البنا, فقال له الأخير: أنت يا ولدي تكلم بسطاء الناس, فكلمهم بما يفهمونه, فعاد أنيس ـ والكلام له ـ إلي بيته وشرع يعيد كتابة القصيدة مرات ومرات حتي أسهلها, وكانت النتيجة أن صار فيلسوفا يكتب الفلسفة بلغة الشاعر, فالشعر عنده هو الصدي الذي يرقص علي الظلال.
وأنيس منصور من الكتاب الذين ثار حولهم الجدل, وتعرضوا لكثير من الهجوم وسوء الفهم لكتاباته ومواقفه, فحين كتب عبدالناصر المفتري عليه والمفتري علينا شن الناصريون هجمة شرسة علي شخصه دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء قراءة الكتاب ليعرف أن الرجل قدم رؤية متوازنة بناء علي حقائق وتحليل فلسفي منطقي لشخص الزعيم عبدالناصر.
وهوجم أيضا من السلفيين الذين اتهموه مرارا بالردة والكفر واعتناق المذهب الوجودي, وكان رده عليهم أن فاجأهم بترجمته كتاب الخالدون مائة أعظمهم محمد.. وحين اتهم بالتطبيع كتب وجع في إسرائيل.
ومثله مثل نجيب محفوظ, للكتابه طقوس عنده, هو لا يكتب سوي في الرابعة صباحا,, يجلس بالبيجامة حافيا, ولم يعرف عنه قط أنه كتب شيئا في غير النهار, أما في الليل فكان يجالس الأرق, الداء الذي أصابه, لكنه عاد عليه بالفائدة, حيث أتاح له أن يقرأ ويقرأ ويقرأ, فكان أرقه نعمة عليه.
وبرغم كثرة ما حصد أنيس منصور من جوائز علي كتاباته وكتبه, فإنه ظل حتي آخر أنفاسه يعتبر رضا القراء وإعجابهم بما يكتب الجائزة الكبري التي حصل عليها, ولم يغلق بابه أمام أديب ناشيء يطلب نصيحة, أو قاريء يطلب خدمة, وإنما ظل علي تواصل مع الناس حتي مع من هاجموه وانتقدوه, لإيمانه بالتسامح, إذ كان يري أن من لا يتسامح يحطم الجسور التي يمشي عليها.
رحم الله أنيس منصور, فقد أعطي وأخلص العطاء, وقد لا يعلم كثيرون أنه حفظ القرآن الكريم في صباه, وكان حريصا علي أداء مناسك الحج والعمرة أكثر من مرة, فهو كان وجوديا في الفلسفة. لكن حب الله كان في أعماقه, وكثرا ما عبر عن ذلك بقوله: إذا كنت مع الله فأنت مع الأغلبية المطلقة.



أكثر الحكائين جاذبية
بقلم: بقلم : أحمد نصرالدين


مات الذي كان واحدا ممن نشتري الصحيفة التي يكتب بها من أجله‏!!‏ هكذا كان التعبير التلقائي الذي رد به علي أحد قراءه لمعرفتي بإدمانه متابعته في أي مقرؤه يكتب فيها مصرية أو عربية‏!!‏

كان الراحل الكبير من أشد الحكائيين جاذبية مبهجة ومثمرة مغلفتان بالتشويق مبهجة حكاياته لأنها تسرد بفكاهيه لا تزيد فيها ولا تعد علي صاحبها ومثمرة لأنها دائما ما تنتهي بحكمة فلسفية بحكم أنه فيلسوف محض أو أديب فليسوف دراسة وممارسة والتشويق يجيء من خلجاته وسكناته وحركاته وهو يؤدي حكايته أو نادرته أو طرفته أو مليحته!!
أما عن تشبيهاته التي غالبا ما تعطي الرأي القاطع في صاحبها تحدث ولا حرج لأنها قد تكون مصادره شاملة كل جوانب صاحب الشخصية التي يشبهها بألة أو ظاهرة كونية أو حتي بالابرة التي لا ظل لها رغم كونها حادة شاكة كان يشبه شخصية صحيفة كبيرة بأنه كالابره لا ظل لها لكونها رفيعة جدا جدا!!
وعندما نقلت له أننا كنا نهاجمه طلابا في الجامعة في سبعينيات القرن الماضي لكونه يجعلنا لا نقرأ أي كتاب أو مرجع كتب مقال في موضوعة أو قضية إذن فهو محرضنا عن الانصراف عن القراءة والمطالعة لكونه لا يترك شاردة أو واردة, فيما يكتب رغم محدودية سطوره ووحدة ودقة عباراته له تعبيرات غير الواقعة التي ينشرها غالبا في عموده بأهرامنا كل يوم جمعة إلا أنه في بعضها ربما يستمدها من قراءاته الايمانية الخالصة المجددة من هوي الفلسفة ونزعة الوجودية التي اعتنقها في مرحلة متقدمة في بداياته الأولي كفلسفة العصر أو لإعجابه بإدبائها الصالة خاصة سارتر وكامي وراعيتهم الدبيبة اللدي لهم سيمون دي بوليفار الفرنسية الأصل والهوي والنزعة الوجودية الأصيلة في صورتها العملية!!
قال لي لحد بكائي: يا أحمد الأم هي الوعاء والأب أبا بالصدفة!! فدعوت لأمي بطول العمر عرفانا لها وحبا في ربيع قلوبنا.. القرآن العظيم الذي أقرأه تلاوة ليغفر ا لله له ويسكنه جنته!!




مواقف
بقلم: أنيس منصور



أنت لا تعرف حال الناس علي الأرض إلا إذا عرفت ماذا يقولون عندما يرفعون وجوههم إلي السماء‏..‏ فإن كانوا يعبدون الشمس فهم أيضا يعبدون البقر‏..‏ وإذا عبدوا البقر عبدوا صاحب البقر‏,‏ ومن يعطيهم ثمنها‏..‏

عبدوا الملك أو الكهنة فهم ـ إذن ـ وثنيون.. وإذا نظروا إلي السماء قالوا: إنها ما لا نهاية له من الحجارة والغازات تدور حول نفسها من ألوف ملايين السنين وبعيدة عنا ألوف ملايين السنين الضوئية. فأرضنا هذه ليست إلا نقطة علي حرف في كتاب من مليون جزء, أي أننا تافهون جدا ولكنه الغرور الذي ينفخ فينا ويجعلنا نطق من العنطزة.. ولكن علي الرغم من أن الأرض هكذا صغيرة.. ونحن أصغر من فيها من الكائنات لأننا أضعف من الميكروبات فنحن وحدنا الذين نعرف حدود عقلنا ومعني وجودنا.. وماضينا ومستقبلنا أيضا.. فنحن بالجسم أضعف من الفأر.. وبالعقل أنصاف آلهة..
إذا نظرت إلي السماء وقلت في نفسك ولنفسك لا أعرف حدود هذا الذي أري.. ولكن أعرف حدودي.. وأعرف معني وجودي أنا.. أما وجود الكون فلا أعرفه.. إذن يجب أن أبقي داخل حدودي ولا أخرج منها إلا بحساب.. فأنا يجب أن أعيش وأن أمضي في دفع عجلة التاريخ إلي الأمام, ولو ميللمترا واحدا.. فهذا دوري وهذه قدرتي وقدري أيضا.
ونحن لا نختلف كثيرا عن الصرصور والحمار والعصفور, وكلها تموت, فقط نحن نعرف من نحن.. ولكن معرفتنا هذه لا تفيدنا كثيرا لأنها قليلة وكليلة..
وإنما نحن نحاول أن تكون أيدينا أطول وعيوننا أبعد وآذاننا أعمق.. وهذه هي التكنولوجيا الحديثة: أي علوم تطوير الأدوات التي يستخدمها الإنسان لكي يبقي.. أي علوم الأطراف الصناعية.. فالصواريخ بدلا من الساقين.. والعدسات بدلا من العينين.. والليزر بدلا من الأذنين, والإلكترونيات بدلا من المخ!
أما إذا نظرت إلي السماء وقلبك مفتوح وذراعك وقلت: ساعدني علي ضعفي وعلي غروري.. اجعل نهايتي أفضل من بدايتي.. وعمري القصير أبديا في جنتك يارب.. إذا فعلت هذا فأنت أسعد الناس لأنه لا شيء يهديء القلب وينعش العقل ويريح الضمير مثل هذا الإيمان!


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 22, 2011 7:50 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




رحيل أنيس منصور.. فتى الفلسفة المجنَّح

أثرى المكتبة العربية بزاد لا ينفد في شتى دروب المعرفة والعلم والفن
في إحدى رحلاته



القاهرة: جمال القصاص
ودع أنيس منصور، فتى الفلسفة النزق، أحد دراويش عباس محمود العقاد، الحياة وطوى صباح أمس الكاتب الكبير صفحته الأخيرة في كتاب الوجود بمستشفى الصفا بضاحية المهندسين بالقاهرة، عن عمر يناهز 87 عاما، بعد صراع مع أمراض الشيخوخة، نجم عنه التهاب رئوي شديد وخلل في وظائف الكلى، وآلام في الظهر، أدخل على أثرها المستشفى يوم الجمعة الماضي.

وقال سكرتيره الخاص نبيل عتمان لـ«الشرق الأوسط» إن الكاتب الراحل بدا صباح أول من أمس (الخميس) بشوش الوجه كعادته، بما يشير إلى أن صحته في تحسن، وكان يتحدث مع زائريه، وقد حاولت أن أقصيه عن الكلام، حرصا على صحته؛ لكنه رفض، وهمس في أذني: «دعني أعش لحظاتي الأخيرة بمرح».

وأضاف عتمان: «وحين ذكرته بمقالاته لعموده اليومي بصحيفة (الشرق الأوسط)، ابتسم وهو يقول بصوت خفيض: هؤلاء من قرائي الأعزاء، اذهب إلى البيت هناك مقالات تركتها، خذها».

وقال عتمان إن جنازة الكاتب الراحل ستشيع ظهر اليوم (السبت) بعد الصلاة عليه من مسجد عمر مكرم بوسط القاهرة، وإنه سيدفن في مقابر الأسرة بحي مدينة نصر (شرق القاهرة) مع والدته بناء على وصيته، وسوف تتلقى أسرته العزاء فيه مساء اليوم بجامع عمر مكرم.

ولد أنيس منصور بقرية مدينة شربين بمحافظة الدقهلية (شمال شرقي القاهرة على بعد 120كم) ونشأ نشأة قروية، وسط أسرة تحب الأدب والفن وتأثر بالريف المصري جدا، وأعجب بحياة الغجر الذين كانوا أحيانا يزورون قريته. ومنذ صغره كان أنيس منصور متفوقا في كل ما تعلم، وتعلم من أبيه، الذي كان يعمل مفتش زراعة لدى عائلة يكن باشا، ألا يقرأ إلا ما يمتعه ويحبه، ومع مرور الأيام ترسخت هذا العادة في نفسه، خاصة أن أباه كان شاعرا صوفيا. وكان بين الحين والآخر يستضيف كبار الشعراء والفنانين في البيت آنذاك.

في كُتّاب القرية، عرف أنيس منصور أولى خطواته في دروب العلم والثقافة، فحفظ في سن صغيرة القرآن الكريم وكان له في ذلك الكُتّاب حكايات عديدة، ظلت تتسلل بإيقاعات ورؤى مختلفة في كتاباته، وروى بعضها باستفاضة في كتابه «عاشوا في حياتي».. لكن الدرس المؤثر الذي تركه الكُتّاب في نفسه، هو الجدية والانضباط والاحترام، وأن «من علمني حرفا صرت له عبدا»؛ كما يقول المثل الشعبي الشهير.

ورغم حب أنيس الشديد لأبيه وتأثره برحيله المباغت يوم تخرجه في الجامعة، فإنه تعلق بأمه على نحو خاص كان له التأثير الأكبر والأعمق في حياته، فقد كانت تكسر بحنانها الباذخ إحساسه بالعزلة، وأنه يعيش طفولة تعيسة، خالية من متعة اللعب وشقاوة الأطفال سواء في الحارة، أو في المدرسة، بسبب تفوقه عن أقرانه من الطلبة والتلاميذ، والذي توجه بحصوله على المركز الأول على طلبة الجمهورية في شهادة إتمام الدراسة الثانوية.

يروي أنيس عن هذه الطفولة في أحد أحاديثه الحوارية قائلا: «كان أبي كثير التنقل بحكم عمله من مكان إلى آخر، ولم أستطع فيما كتبت عن طفولتي أن أذكر كلمة «بيتنا»، أو «شارعنا»، فلم يكن لي بيت أو شارع أو أصدقاء، وكان ينطبق علي المثل اليوناني القائل «الحجر المتحرك لا ينبت عليه عشب».

وعن صورته في مرآة والديه يقول: «أبي وأمي كانا يتعاملان معي وكأنني طفلهما الوحيد، والسبب أنني كنت أكثر إخوتي حنانا على أبوي، وأقلهم إثارة للمشاكل، وأكثرهم تفوقا والتصاقا بهما، لأنهما كانا مريضين، وكان مرضهما يثير في نفسي الإشفاق عليهما بشدة، رغم أنني لم أكن الكبير بين إخوتي، وكان ترتيبي التاسع بين أحد عشر ابنا وابنة. ومنذ صغري كانت أمي جزءا من تكويني، ولا تزال، رغم رحيلها عن الدنيا، وكانت نصائحها وعباراتها لي قواعد لا مناقشة فيها حتى بيني وبين نفسي. فما تقوله لي واجب النفاذ حتى لو لم تكن بجواري، وحتى بعدما صرت شابا يجوب الدنيا، كل ذلك إرضاءً لها. وكل ما نصحتني به لم أغيره حتى الآن، رغم معرفتي فيما بعد أن هناك أمورا قالتها لي ثبت خطؤها، منها على سبيل المثال، طلبها مني ألا أتحدث للبنات فلم أفعل، وألا أصاحب من يدخن السجائر وهو ما حدث».

بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة بهذا التفوق، فضل الالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة وبرغبته الشخصية دخل قسم الفلسفة الذي تفوق فيه، وحصل على ليسانس آداب عام 1947، وعمل مدرسا في القسم ذاته بجامعة عين شمس لفترة.. ثم أغرته أجواء الصحافة وبريقها، فترك العمل بالكلية ودراسات الفلسفة، وتفرغ للكتابة والعمل الصحافي والإبداع الأدبي في شتى صوره.

بدأ أنيس منصور طريقه في عالم الصحافة في مؤسسة «أخبار اليوم»، إحدى أكبر المؤسسات الصحافية المصرية، وتصادف عمله بها مع بداية عمل الشاعر الشهير كامل الشناوي، ثم ما لبث أن تركها وتوجه إلى مؤسسة «الأهرام» في مايو (أيار) عام 1950 حتى عام 1952، ثم سافر أنيس منصور وكامل الشناوي إلى أوروبا، وفي ذلك الوقت قامت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، وقام أنيس منصور بإرسال أول مواضيعه إلى «أخبار اليوم».. ورغم ترسخ أقدامه في الصحافة، فإنه كان يرى نفسه دائما صحافيا في ثوب أديب، فحسبما يقول أنيس نفسه: «كانت بدايتي في العمل الصحافي في (أخبار اليوم)، وهذا بالضبط ما لا أحب ولا أريد، فأنا أريد أن أكتب أدبا وفلسفة، فأنا لا أحب العمل الصحافي البحت، فأنا أديب كنت وسأظل أعمل في الصحافة».

ظل أنيس يعمل في «أخبار اليوم» حتى تركها عام 1976 ليكون رئيسا لمجلس إدارة «دار المعارف»، ثم أصدر مجلة «الكواكب»، وفي 31 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1976 أسس مجلة «أكتوبر» وتولى رئاسة تحريرها، وهي مجلة عربية أسبوعية، تعنى بشؤون السياسة والاقتصاد والثقافة.

وعلى مدار حياته اتسم أنيس منصور بحاسة موسوعية، حيث تنوعت مشاربه ومعارفه الثقافية، وضربت بعمق وموضوعية في شتى دروب الفلسفة والعلم والفن، ساعده على ذلك شغفه بالاطلاع والقراءة والولع بمعرفة كل ما هو جديد، حتى في عالم الموضة وعلوم الفلك والفضاء. كما ساعده في هذا بشكل جوهري إجادته للكثير من اللغات الأجنبية، كالفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية، وقد زود المكتبة العربية بترجمته للعديد من الكتب الأدبية والفلسفية المهمة عن هذه اللغات.

لكن من بين محطات أنيس منصور المتعددة، تظل محطة السياسة، من أكثرها إثارة للجدل والحيوية، فقد عرف في الوسط الثقافي المصري بأنه كاتب وجودي، يعشق الفلسفة الوجودية، فهي تحقق له نوعا من التواؤم مع الحياة، ومع ذاته الفردية الميالة للعزلة والانطواء، كما أنها تحقق له نوعا من الأفق المعرفي والفني لا تجور فيه الذات على الموضوع، وأنه لذلك وبدافع من هذه النزعة الفلسفية احتفظ لنفسه بمسافة وسط، بين اليمين واليسار، سواء في السياسة أو الأدب والفن. فهو كاتب له أسلوبه المتميز الخاص، ينفذ ببساطة ويسر وبأقصر الطرق إلى حقيقة الأشياء وما وراءها، مسلحا بلغة سلسة، شيقة وموحية، مما جعل الكثير من الكتاب يشبهونه بأسلوب الكاتب الروائي الشهير أرنست همنغواي، التلغرافي المختزل.

في محطة السياسة عاصر أنيس منصور فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ورغم أن عبد الناصر فصله من عمله كصحافي لمدة عام ونصف العام بسبب مقال؛ فإنه أحبه وانتقده في كتابه «عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا».. يقول أنيس: «عندما عدت للعمل لم أستطع نقده مرة أخرى كما لم أستطع مهاجمته، لم يكن أحد يستطيع أن يفعل ذلك، وحينما قررت طبع كتابي عنه قررت أن أكون موضوعيا في ذكر أخطائه الكثيرة.. وهذا يكفيني».

وعلى العكس من علاقة أنيس الملتبسة بعبد الناصر، فكان مقربا وصديقا شخصيا للرئيس الراحل أنور السادات، وأيده في كل سياساته، ويعرف عنه أنه الصحافي الوحيد في مصر الذي كان لديه خط ساخن للاتصال بإسرائيل.. حتى أنه صرح أكثر من مرة بأنه لا يخجل من موقفه المؤيد للتطبيع، وأن يكون له أصدقاء إسرائيليون، وأنه علينا أن نعيد النظر في علاقتنا مع اليهود، والتعرف عليهم بواسطة الحوار الحي المباشر.. ويرى أنيس في أحد الحوارات الصحافية معه أن من انتقدوا السادات لم يذكروا حسنة واحدة فعلها، «فنصر أكتوبر في نظرهم هزيمة، والانفتاح الاقتصادي هزيمة، والسلام مع إسرائيل لاسترداد الأرض هزيمة، وفي المؤسسات الرسمية نهاجم السادات، ونغضب من إيران لأنها أذاعت فيلم (إعدام فرعون)، ونحن من اغتلناه، والكارثة أن الفيلم مصري، وإنتاجه عربي. في الوقت الذي يذكر فيه التاريخ للسادات أنه نصر مصر والعرب، ولولا قصور في الرؤية لشاركت الدول العربية في عملية السلام التي قادها السادات وأعاد بها الأرض المصرية».

صداقة أنيس والسادات انعكست، على رأيه في الرئيس المصري السابق حسني مبارك، فعلى الرغم من علاقته الوطيدة به؛ فإنه لا يفرط في الإطناب له حيث يصفه بأن معتدل، لا يحب الظلم، وأنه لا ينفصل عن سابقيه من رؤساء مصر، على الرغم من تصريحه في بدايات حكمه بأنه يريد أن يكون ذاته فقط.

وامتدت محطات أنيس منصور إلى الفن والأدب، فكان صديقا حميما للموسيقار محمد عبد الوهاب، وكان الأخير يدعوه بشكل خاص لحضور بروفات أغنياته، ويستشيره في ألحانه، بل في الكثير من أمور الحياة. واحتفظ أنيس منصور أيضا بصداقة متينة مع أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ. وفاق ولعه بالأديب عباس محمود العقاد كل الأدباء والكتاب المصريين في عصره؛ فقد كان يعتبر العقاد أستاذه الأول في الحياة، وفي المكانة نفسها التي يحتفظ بها أنيس لسقراط أستاذه الأول في الفلسفة، هذا على رغم حبه واعتزازه بأدباء وأساتذة كبار، من أمثال طه حسين، وعبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود.

ومن أطرف التداعيات التي لاحقت أنيس منصور في حياته، كلامه عن طقوس ومعادلات شديدة الحساسية والطرافة أحاط بها نفسه تحت دعاوى الحفاظ على صحته ومزاجه الخاص، فمثلا هو إنسان نباتي، لا يأكل اللحوم بكل أنواعها، ولا الأسماك، ولا يشرب الشاي، رغم أنه ضبط متلبسا في مناسبات عديدة، وهو يلتهم شرائح اللحوم بشهية.

ورغم أنه اكتوى بنار الحب وهو في مقتبل حياته، وقع في شرك الحياة الزوجية في سن متقدمة؛ إلا أنه وتحت مظلة هذه الطقوس، آثر أن يكون له موقف مثير من المرأة، فدائما ما كان يصفها بكلمات وعبارات شائكة وملتبسة، جمعها في كتاب بعنوان «قالوا»، أوضح فيه أنه يعتز بالمرأة، كشريك جوهري في الوجود، وأنه يرفض تصنيفها كعدو؛ لكنه فقط يحب الحديث عنها بعبارات كاريكاتيرية ساخرة، تثير العاطفة والخيال، وتجسد ما آل إليه حالها بعد أن أخذت المزيد من حقوقها في المجتمع.

ورغم أن أنيس منصور لم يرزق بأطفال، فإن حديثه عنهم يتصف بأبوة بالغة الرقة والعذوبة، ودائما ما كان يصف نفسه بأنه رجل قنوع بما يحصل عليه، وأنه أبدا لم يكن له طموح مهني أو اجتماعي، ورغم ذلك منحته الأقدار منصب رئيس تحرير عشر مرات، «ورئيس مجلس إدارة» مرة واحدة.

من طقوس أنيس منصور أيضا حرصه على عادات خاصة في الكتابة، فهو ينهض من نومه ليكتب في الرابعة صباحا ولا يكتب نهارا، ومن عاداته في أثناء ذلك أن يكون حافي القدمين مرتديا «البيجاما» وهو يكتب. وكان كثير الشكوى من الأرق وقلة النوم، مؤكدا أنه لا ينام إلا ساعات قليلة، وأنه لا يخشى عدوا في الحياة سوى البرد، والذي يصيبه بوسوسة لا تقل عن وسوسة صديقه الفنان محمد عبد الوهاب.

وعلى مدى مشوار حياته الخصبة حصل أنيس منصور على عدد من الجوائز، منها: جائزة الفارس الذهبي من التلفزيون المصري أربع سنوات متتالية، وجائزة كاتب الأدب العلمي الأول من أكاديمية البحث العلمي، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 1981، وجائزة الإبداع الفكري لدول العالم الثالث عام 1981، وجائزة مبارك (النيل حاليا) في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2001.. كما فاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الأولى من مؤسسة السوق العربية في لندن. وحصل على لقب كاتب المقال اليومي الأول في أربعين عاما ماضية.. وأقامت له محافظة المنصورة مسقط رأسه تمثالا في أحد ميادينها.

أثرى أنيس منصور المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات في شتى دروب الأدب والفن والعلم، منها «200 يوم حول العالم» أشهر الكتب العربية رواجا في أدب الرحلات، «وداعا أيها الملل»، «الذين هبطوا من السماء»، «دعوة للابتسام»، «أوراق على شجر»، «ساعات بلا عقارب»، «الوجودية»، «يسقط الحائط الرابع»، «كرسي على الشمال»، «الخالدون مائة أعظمهم محمد»، «العقاد كانت لنا أيام».. ومن أعماله الروائية والقصصية، «من الذي لا يحب فاطمة» وقد تحول إلى مسلسل تلفزيوني ناجح، أيضا «حقنة بنج»، «هي وعشاقها»، «اتنين اتنين»، «القلب أبدا يدق» وله 12 مسرحية مؤلفة بالعربية.. كما ترك في مجال الترجمة العديد من الكتب والأعمال الأدبية التي نقلها إلى العربيّة، بلغة سلسة أثرت النص المترجم، وحافظت على حيويته الفكرية والدلالية. وترجم أكثر من 9 مسرحيات بلغات مختلفة ونحو 5 روايات لكبار الأدباء في العالم، ونحو 12 كتابا لعدد من أشهر الفلاسفة في أوروبا.

لقد عاش أنيس منصور الحياة بإرادة المبدع صاحب الرؤية الفلسفية الراسخة، وتشبث بثوابتها وتقلباتها بروح الكاتب الصحافي المغامر، وبعين طفل ظل يراقبها كشجرة متعددة الألوان والأشكال تنمو وتكبر في داخله كل يوم.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اكتوبر 23, 2011 8:16 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


مصر تودع أنيس منصور في جنازة شعبية
كتبت ـ هالة السيد ـ ووكالات الأنباء‏:‏

شارك عدد كبير من رجال الإعلام والثقافة والفن ظهر امس في تشييع جنازة الكاتب الصحفي الكبير أنيس منصور من مسجد عمر مكرم‏,‏ حيث تمت الصلاة علي جثمانه عقب صلاة الظهر الذي شهد حشدا هائلا من المصلين من كافة الأعمار‏.‏

وعقب الصلاة, حمل الجثمان جمع غفير يتقدمهم الكاتب الصحفي محمد عبدالقدوس عضو مجلس نقابة الصحفيين ورئيس لجنة الحريات, وعدد كبير من شباب الصحفيين.
حضر تشييع الجنازة أسامة هيكل وزير الإعلام, وعماد أبوغازي وزير الثقافة, والدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية السابق, وفاروق حسني وزير الثقافة السابق, والدكتور عبدالعزيز حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق, وزاهي حواس وزير الآثار الأسبق, والدكتور مصطفي الفقي, والكاتب مكرم محمد أحمد, ومن الفنانين... محمود عبدالعزيز, وأشرف عبدالغفور نقيب الفنانين, وعدد كبير من زملاء الكاتب الراحل منهم ابراهيم نافع وصلاح منتصر, فضلا عن جمع غفير من الصحفيين وأعضاء مجلس النقابة.


وقد نعي العديد من الشخصيات الكاتب الكبير حيث أشاد الدكتور فتحي البرادعي, وزير الإسكان المجتمعات العمرانية, بالقيمة الأدبية والتاريخية للكاتب الراحل. وقال إن مؤلفاته ستظل حية فيما بيننا لاجيال قادمة وبدا وزير الثقافة عماد أبوغازي في حالة حزن شديدة ورفض الإدلاء بأي تصريح, مؤكدا أن الموقف يتسم بهيبة لا تسمح بالتحدث وإنما تفرض الاحترام.
ومن جانبه قال الدكتور عبدالقوي خليفة, محافظ القاهرة, إن مصر فقدت أديبا وفيلسوفا له مؤلفات تعلم منها الأجيال في الأدب والسياسة ولعب دورا عظيما في الحياة الثقافية.


وأعرب الدكتور عبدالعزيز حجازي, رئيس مجلس الوزراء الأسبق ورئيس لجنة الحوار الوطني, عن حزنه الشديد لفقد أخ وصديق عزيز لن يتكرر, وقال الدكتور مفيد شهاب إننا فقدنا أديبا كبيرا ترك للمكتبة الأدبية أكثر من مائتي مؤلف سيكون لها مكانتها في المكتبة العربية.
كما أكد الأنبا بسنتي أسقف كنيسة حلوان والمعصرة أن أنيس منصور رمز الكلمة المثقفة, والكلمة لا تموت ستظل أعماله باقية بيننا لأنه ترك علما وثقافة وفلسفة لها قيمة كبيرة في ثقافتنا وسنظل تتعلم منه فهو رمز للأديب المخلدة أعماله في قلوبنا.
وأشاد أسامة هيكل, وزير الإعلام, بالراحل ووصفه بأنه عملاق صحفي وأديب وفيلسوف لا يمكن تعويضه أثري الحياة الصحفية طيلة50 عاما, بكتاباته المميزة في مصر والوطن العربي, وقال إن الراحل يعد أستاذا للعديد من الصحفيين معربا عن أمله في أن يسير تلاميذه علي طريقه. كما نعي العديد من المثقفين والكتاب والنقاد الكاتب الكبير أنيس منصور.
وأعرب كتاب ومثقفون عن شعورهم بالحزن البالغ لرحيل أنيس منصور القامة الأدبية والفكرية الشامخة مصريا وعربيا وعالميا, لما له من رصيد ومخزون ثقافي متنوع وأسلوبه الخاص في كتاباته الأدبية والصحفية الذي لاقي إقبالا كبيرا لدي محبيه, فكان كاتبا متنوعا وبسيطا وسهلا وصحفيا متميزا أجاد كتابة المقال والعمود في الصحف والمجلات المصرية والعربيه وله جمهور كبير وعريض في كل مكان من العالم ومن كافة الأعمار والمستويات الثقافية.
وقال الناقد ووزير الثقافة الأسبق الدكتور جابر عصفور إن أنيس منصور واحد من قمم الثقافة العربية, كان مفكرا وأديبا كبيرا, بإمكانياته وإبداعاته,التي تضمن له البقاء أبدا في خارطة الثقافة العربية, مضيفا أن المعرفة الشخصية بينهما أتاحت له إدراك إلي أي مدي كان الراحل يتسم بالدماثة والانضباط حتي في أكله كان يحافظ جدا علي مواعيده وشكله, وكان أيضا منضبط السلوك.


وذكر الكاتب والروائي إبراهيم عبدالمجيد أن أنيس منصور كان واحدا من الكتاب الكبار, يستطيع بأسلوبه البسيط توصيل المعلومة للقارئ ببساطة, وبإمكانياته الكبيرة كان يقدم المعلومة للثقافة العربية في منتهي السهولة, كما أنه قدم لنا ثقافات مختلفة ومختارات من الأدب العالمي, إذ كان موسوعي الثقافة لأنه عايش أجيالا متعاقبة منذ طه حسين, كما أنه خفيف الروح وكانت علاقاته الاجتماعية جيدة, لافتا إلي أنه( عبدالمجيد) تأثر به جدا في بداياته, وأنه حزين جدا جدا.
و قال الكاتب مكاوي سعيد أنيس منصور كان يتسم بأسلوبه الساحر, وهو من الكتاب الذين جعلوني أحب الكتابة, لأنه كان يكتب كتابة تدل علي علم كبير وأسلوب شيق وبسيط, رغم أنني لا أتفق مع مواقفه السياسية خاصة من اسرائيل, لكن مقالاته لا يمكن ان نتجنبها, ورحيله خسارة للحياة الثقافية العربية.
ومن جهة أخري, عبر أمين عام المجلس الأعلي للثقافة الدكتور شاكر عبدالحميد عن حزنه لوفاة الكاتب والمفكر المصري أنيس منصور, وقال إن الراحل كان واحدا من أكبر الكتاب المصريين الذين استطاعوا ببراعة تقريب الثقافة العميقة إلي الناس ببساطة من خلال مقالاته التي تميزت بأسلوب سلس ورشيق ذي قدرة تعبيرية عالية استطاع من خلاله أن يقدم للقارئ المعلومة بجاذبية وبطرافة.
وأضاف أن أجيالا كاملة تعلمت علي كتابات أنيس منصور خاصة في فترة الستينيات والسبعينيات التي قام فيها الراحل بدور هام إذ ساهم في نقل الثقافة الغربية وخاصة الفلسفات الوجودية وكتاب مسرح العبث وعلي رأسهم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر والأديب الفرنسي ألبير كامو والأيرلندي صامويل بيكيت إلي الثقافة العربية.
ورأي عبدالحميد أن تنوع كتابات أنيس بين المقال والقصة القصيرة والمسرح والإطلاع علي الثقافة الغربية كانا سببا لحب الناس لكتابته وشهرته, مشيرا إلي أن أنيس منصور قد تكون له مواقف سياسية لا نتفق معها ولكن في النهاية هو كاتب مهم لا أحد يستطيع أن ينكر دوره في الثقافة المصرية.



زي الفـــــــل
بقلم: ســـــــناء صليحــــــة

كان كتابه زي الفل البطاقة الحقيقية لتعارفي به, وإعادة قراءة أعماله برؤية مختلفة..مثل كل أبناء جيلي,لم يكن أنيس منصور غريبا عن عالمي, فكان واحدا من أوائل الكتاب الذين تفتحت مداركي علي مقالاته عن سلة الأرواح الشهيرة والقادمون من الفضاء, والأرواح والأشباح وأعجب الرحلات في التاريخ, والمرأة وغيرها من المقالات التي كانت تستثير خيال القارئ وتفتح أبوابا للجدل حول مصداقيتها, ومع ذلك لا يملك من يصدقها أو من يكذبها إلا أن يستمر في القراءة حتي آخر سطورها. وفي مرحلة لاحقة عرفته كراو لسيرة والعقاد وذكريات من عاصروه من كبار كتابنا والوجوه الدائمة في صالونه الشهير, وكرحالة له مذاق مختلف في رحلته حول العالم في200 يوم التي حول فيها القارئ لرفيق سفر يتفاعل بحق مع كل تجارب الراوي و انفعالاته والمواقف المحرجة التي تكاد تفسد سفرته. ثم عبر مسرحياته والتي كانت أكثرها جماهيرية حلمك يا شيخ علام وترجماته لعدد من روائع الأدب العالمي في مجالي الرواية والمسرح. في كل تلك المراحل لم أر في أنيس منصور إلا صورة الكاتب الصحفي الحريف الذكي الذي يمتلك ناصية أكثر من لغة و يوظف مخزونه الثقافي وخلفيته الأكاديمية و اقترابه من نجوم عصر ذهبي في كتابات شيقة الأسلوب, قصيرة العبارات, يعرض فيها لموضوعات جذابة تلعب علي أوتار المجهول والجديد الذي يستأثر باهتمام القراء حتي وإن عارضوا فكره أو منطقه.
و كانت نقطة التحول عندما طلب مني أستاذي فاروق جويدة أن أكتب عرضا لكتابه زي الفل علي هذه الصفحة..دنيا الثقافةس. متحمسة تماما للفكرة, لا لشيء إلا لأن كم الكتب التي كان يصدرها الأستاذ أنيس كانت تفوق قدرة أي متابع لها و لأني تصورت أن الكتاب ربما يكون تكرارا لما سبق و عرض له كتاب وأساتذة أقدر أقلامهم, و بالتالي ما الذي يمكن أن يضيفه قلمي المتواضع ولكن ومع أول صفحات الكتاب الذي سجل فيه أنيس منصور رحلته البرزخية التي تعلق فيها بخيوط واهية تربط ما بين الموت والحياة و الذكريات التي تداعت متناثرة و متقطعة و نثار اللحظات في رحلة عمر شاقة, رأيت الوجه الحقيقي لكاتب و إنسان و مشروع فيلسوف, حملته السياسة بعيدا عن مرفأ ظل يتطلع إليه.. رأيت أنيس منصور الطفل الوحيد الذي لا يزال يبحث عن صوت أمه وطرف جلبابها ليتعلق به بحثا عن الأمان في عالم ظل يشعر فيه بالاغتراب رغم كل الشهرة التي حققها والمناصب التي شغلها.. الطفل الشقي المشاكس الذي لم يفارقه عبث الطفولة فظل يناكف قارئه ويحاوره ويلقي في طريقة بجمل وعناوين وأفكار تحمل أكثر من مغزي ودلالة ليدفعه دفعا للتفكير.. الكاتب الذي يصوغ عبارات تبدو واضحة وإن ظل المعني في بطن الشاعر والذي سوق لقارئه أكذوبة عدائه للمرأة وسخريته من الحب, رغم ارتباطه الشديد بوالدته الذي لا يمكن أن يؤدي به للكفر بالعلاقات الإنسانية.. الإنسان الذي ظلت ذكريات مرض والدته و حرمانه المبكر منها وفاتها, التي تركته مشدوها تائها, تطارده طوال حياته و تطل من بين سطور كتابه زي الفل مرة بوضوح و مرات علي استحياء..مشروع الفيلسوف الذي يؤرقه سر الوجود مثلما أرق أستاذه توفيق الحكيم عندما اقترب من حافة البرزخ.. أنيس منصور الذي ظل يبحث عن صورته في المرآة و كان بصدد كتابة عمل حول هذه الفكرة, كما صرح لي في آخر لقاء جمعنا في مكتبه بالطابق الخامس في جريدة الأهرام, عندما تطرق بنا الحوار للحديث عن الفنتازيا و مسرح العبث و اللامعقول.
أستاذنا الذي ودعنا في واحدة من آخر مقالاته في الأهرام عندما تحدث عن الطنين الذي يلاحقه و الوحدة التي يستشعرها و رغبته في الخروج للطريق بحثا عن ونس مفقود.. تري هل تستشعر الآن الونس الذي عجز قراؤك أن يقدموه لك ؟ تري هل تأنس بصحبة كنت تعود إليها عندما كنت تفتح صندوق ذكرياتك؟ هل تري اليوم صورتك في المرآة؟ هل تري صورك في عيوننا؟ ندعو الله أن تكون في مكان أفضل, وأن تكون زي الفل بحق مثلما اخترت عنوان كتابك.. بطاقة تعارفنا..


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاحد اكتوبر 23, 2011 8:22 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



أنيس منصور و كفي

بقلم: مكرم محمد أحمد


رحل عنا أنيس منصور‏,‏ الكاتب الساخر والفيلسوف‏,‏ واسع المعرفة والثقافة والتجربة‏,‏ صاحب أكثر الأقلام رشاقة وعمقا وحيوية واطلاعا‏,‏ الأكثر قربا والتصاقا بين كتاب عصره بأجيال الشباب‏.

واستطاع بوضوح فكره وعذوبة قلمه أن ينقل أكثر الأفكار عمقا وتعقيدا إلي قارئه ببساطة شديدة تنم عن إعجاز مدهش, يصعب أن نجد من يعوضنا عن فقدانه علي الأقل لمائة عام قادمة, لأن أنيس منصور نسخة فذة غير قابلة للتكرار, يندر أن يجود الزمان بمثلها, كان أنيس منصور هو الذي صنع من العقاد حكاية شعبية تروي, وأظن أنه أكبر من روج لأفكاره بين الشباب, برغم صعوبة العقاد وغروره وتفرده في برجه العاجي, وعندما نقل أنيس إلي قرائه في مجلة أكتوبر فكر الرئيس السادات, كان من الصعوبة بمكان أن تعرف أين تنتهي رواية السادات وأين تبدأ رواية أنيس منصور!, وكان أول من نقل إلي المصريين أفكار المدرسة الوجودية الفرنسية, وأول من أشاع بينهم حكاية السلة التي تكتب بالقلم وتقرأ الطالع! وإليه يعود فضل تعريف المصريين بمعظم الثقافات والحضارات الانسانية من خلال رحلاته حول العالم التي كانت بمثابة سجل لحياة الشعوب وثقافاتها, ويلخص مسرحه الكوميدي المصبوغ بمصرية خالصة كثيرا من رؤاه الساخرة لمغزي الحياة.
لم أره علي امتداد50 عاما عرفته خلالها عن قرب إلا ضاحكا محبا للحياة, ساخرا من مفارقاتها, يوجز في عبارة سريعة لماحة سخريته الحادة من نفسه ومن عصره وجيله لأنهم يجرون جميعا وراء السراب لا يحصدون في النهاية سوي قبض الريح, وكثيرا ما كانت تسيطر علي كتاباته نزعة عدمية حادة التشاؤم تنفي من الحياة قيمتها رغم أنه كان أكثر الجميع حبا للحياة.
كان أنيس يعتز كثيرا بكونه من مواليد المنصورة, شديد الفخر بأمه, لا يأكل اللحم, مفتونا بعسل النحل يعرف ألوانه وأنواعه ويبحث عنه في كل العواصم, وعندما عرف أن أعظم الأصناف يأتي من إمارة عسير جنوب السعودية, كانت عسير وجهته الأولي في السعودية, وفي رحلاتنا العديدة المشتركة إلي الخارج, كان أكثرنا نشاطا, يصحو مبكرا ليتجول علي قدميه أكثر من ساعة قبل أن يعود لنتحلقه جميعا حول مائدة الإفطار في الفندق الذي نقيم فيه, يحكي ويحكي دون انقطاع حكايات متنوعة شائقة من الشرق والغرب, تكشف روعة أنيس منصور الحكاء القادر علي مسرحة أي حادث عابر ليخلق منه كوميديا ساخرة تختلف روايتها في كل مرة, يختلط فيها الخيال بالحقيقة لكنها سليطة النقد عميقة المغزي.


رحيل الفارس

بقلم : فيينا - مصطفي عبدالله


منذ شهر واحد وصلتني هدية هي‏(‏ كتاب الكبار يضحكون أيضا‏)‏ أحد مؤلفات الكاتب الكبير والأستاذ المتميز ورمز الثقافة والأدب والصديق العزيز الراحل أنيس منصور‏,‏ وسبب الهدية الأخيرة أن هذا الكتاب يحتوي بعض الكلمات الطيبة التي سطرها بقلمه من خلال صداقة بدأت بيننا في فيينا منذ ربع قرن‏.

رأيته منذ بدايتها أحد عباقرة الأدب والفلسفة والثقافة والكلمة والحوار ولذلك يعتبره العديد من الصحفيين أستاذا ورمزا.
مع ألم الفراق لن استطيع أن أفيه حقه مهما كتبت من سطور عن هذا الفارس الذهبي الذي يعتبر أحد أعمدة الساحة الثقافية في مصر والوطن العربي من خلال كتاباته المتنوعة التي وصلت دائما بسهولة إلي القارئ لتؤكد سعة اطلاعه وأفكاره الثرية, رحيله خسارة فادحة ولكنه سيظل دائما علي الساحة بأعماله وكتبه وأفكاره التي اتسمت دائما بالبعد السياسي والثقافي, فهو كان موسوعة في الأدب كان من ثمارها حصوله علي العديد من الجوائز إلا أنه كان يعتبر أن جائزته الكبري هي إعجاب وتقدير القراء بما يكتب حتي لو اختلف البعض حول كتاباته. تغمد الله أنيس منصور برحمته الواسعة.



عقل لا نظير له

بقلم: د. محمد الجوادى


افتقدنا في أنيس منصور التألق الذي ظل يتأجج طيلة سبعة عقود‏,‏ والذاكرة اللامعة التي لم يصبها الصدأ أبدا‏,‏ والعقل الناقد الذي ظل يعيد صياغة العلاقات علي نحو لم يسبقه إليه مفكر ولا ناقد‏.

وافتقدنا الفؤاد الذكي الذي لم تختلف في تقديره عقول خمسة أجيال متباينة, وسنفتقد فيه القلب الذي أعطي الحب وحجب الود عمن لا يقدر عليه, وسنفتقد فيه أيضا التاريخ الناصع الذي كتبه صاحبه بمداد أرجواني علي صفحات لا زوردية. سنفتقد فيه الفن المنفعل بالوجدان والنقد المتسم بالإنصاف والفكر المتصل بالوجود والأدب المنصف بالخلود. وسنبحث دون جدوي عمن يحتل مكانه ومكانته, وهو الإنسان المتجلد والذهن المتوقد والقلم المنفرد والتجويد المتعدد.


أنيس منصور‏..‏ شمس الإبداع التي غربت

بقلم: مصطفى الضمرانى


تألمت كثيرا وأنا أقرأ عمود أنيس منصور الأخير يوم الثلاثاء الماضي‏(‏ قبل رحيله بثلاثة أيام‏)18‏ أكتوبر وشعرت أنه يتوقع الرحيل‏,‏ وأبكاني كثيرا وهو يقول‏:‏ ماذا خرجت به من هذه الدنيا‏,‏ وما الذي يخرج به الإنسان؟‏..

والذي يحدث هو أن الإنسان كما دخل الدنيا سوف يخرج منها.. دخلها سليما وخرج منها مريضا, فلماذا هذا التعب والعذاب؟.. فأنت قاتلت وحاربت وصارعت وناقشت ومرضت وسهرت وكسبت وخسرت, ثم ضاق صدرك والتوت أمعاؤك واحترقت معدتك وكل الذي قدمناه في ناحية سنحاسب عليه في ناحية أخري.
بكيت علي أنيس منصورالكاتب والمبدع الموسوعي الذي تعلمنا منه الكثير كان محبا للشعر والشعراء, فمنذ سنوات كان يجمعنا نحن الشعراء في منزله علي طعام الإفطار في رمضان ويتحول اللقاء إلي ندوة مفتوحة عن الشعر والأغنية, وكنت أعلم أن الموسيقار محمد عبدالوهاب لا يبدع لحنا جديدا ويخرج للنور قبل أن يطلب أنيس منصور للاستماع إليه ويأخذ رأيه فيه, حدث هذا في أول لحن له انت عمري لأم كلثوم وأحمد شفيق كامل, حتي آخر لحن له أغنية من غير ليه لمرسي جميل عزيز, وطلب أنيس من عبدالوهاب إهداءه نسخة من هذه الأغنية بصوته علي آلة العود, ويقول فيها جايين الدنيا ما نعرف ليه, وهو نفس ما كتبه أنيس منصور في عموده المذكور, وكان أنيس يعشق شعر مرسي جميل عزيز, وفي لقاء معه قرأ مقالا لي قلت فيه إن مرسي صاحب الألف أغنية, فطلب مني إضافة كلمة جملة واحدة علي هذا الكلام بأنه صاحب الألف أغنية ناجحة, وأطلق عليه لقب مهندس الأغنية المصرية. لقد أصدر أنيس منصور قبل رحيله ما يقرب من مائتي كتاب في مختلف ألوان المعرفة ويعتبره الأدباء والمثقفون جامعة مفتوحة يتعلمون منها ألوان السياسة والأدب والفن في وقت واحد, وكان من أجمل ما كتب أدب الرحلات التي أبرز فيها انطباعاته في أسفاره إلي بلاد العالم علي مدي مشواره الطويل, وكانت تتميز كتاباته بأنها تخاطب جميع الأجيال, وكتبه كانت تنفد طبعاتها الأولي مع بداية إصدارها لدرجة أن كثيرا منها طبع للمرة الخامسة وتصل إلي الطبعة العاشرة, وأن معرض القاهرة الدولي للكتاب كان يحرص علي أن يضع كتب أنيس منصور التي تصدر في طبعات فاخرة وتنفد في الأيام الأولي لعرضها في مكتبات المعرض, ويقبل علي قراءتها الكبار والشباب وأساتذة الجامعات, وكثيرا ما يأتي أدباء ومفكرون ومبدعون من البلاد العربية لزيارة المعرض, خصيصا من أجل اقتناء الأعمال الكاملة لأنيس منصور والتي يتشوقون لاقتنائها لجزالة اللفظ وغزارة المعني وحلو العبارة وسلاسة الأسلوب. تألمت علي رحيل أنيس منصور عاشق القلم والورق الذي لم يتوقف عموده اليومي في الأهرام حتي عندما كان يشتد عليه المرض وحتي في يوم رحيله, كان أنيس منصور ـ وكنت قريبا منه ـ كما أعلم ينام مبكرا في الثامنة مساء ويستيقظ في الرابعة صباحا قبل الفجر ويكتب عموده ومؤلفاته وينتهي منها في السادسة صباحا تقريبا, ثم يستريح بعض الوقت ليذهب إلي الأهرام في موعده في العاشرة صباحا, ولا أنسي جلساته مع أصدقائه من جيل الرواد الذين أحبوه وأحبهم, توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس وكمال الملاخ وغيرهم, ويتحول لقاؤه معهم إلي ندوة مفتوحة تثار خلالها مختلف قضايا الفكر والأدب والفن ونهرع نحن للالتحاق بهذا اللقاء لدرجة أن أنيس يسأل عنا إذا لم نحضر, كاتب هذه السطور والزميل الشاعر فاروق جويدة, ثم يصحبنا بعد ذلك إلي مكتبه في الطابق الخامس ليستمع منا إلي آخر ما أبدعناه, وكان محبا للشاعر فاروق شوشة الذي كثيرا ما كان يصحبه مع كمال الملاخ ليذهبا معا في لقاءات دورية للموسيقار عبدالوهاب في منزله للاستماع إلي آخر إبداعاته.
ولا ننسي الجانب الإنساني في أنيس منصور الذي يتفوق فيه كثيرا, خاصة لدي الذين يعرفهم عن قرب يسأل عنهم ويعرف أحوالهم ويطمئن عليهم, خاصة الأدباء والشعراء وكتاب القصة الشبان الذين يتوافدون علي مكتبه يوميا يستمعون إلي نصائحه التي لا يبخل بها علي أي أحد منهم, بل كان يفتح الأبواب أمامهم كمبدعين ويأخذ بأيديهم إلي عالم الشهرة, وكثيرا ما يتصل ببعض دور النشر لمساعدتهم في طبع أعمالهم الأدبية, ولم يتأخر أنيس منصور طوال حياته عن مساعدة أي أحد يلجأ إليه لحل مشكلته سواء في عمله الصحفي أو كتاباته الأدبية أو في أي مجال آخر ويسرع إلي حلها مع المسئولين في كل المجالات. إن رحيل أنيس منصور بالنسبة لي غياب أعز الناس وأعز الأصدقاء وأعز الأساتذة, وشمس الإبداع التي غربت, لقد توافرت فيه خصال قد لا تتوافر عند الكثيرين, فهو الكاتب والمبدع المستنير وعاشق القلم والإنسان قبل كل هذا وذاك, رحمه الله بقدر ما أسعد الملايين بأعماله الرائعة التي تخلد ذكراه, وأتمني أن يصدر قريبا قرار بإطلاق اسمه علي إحدي المكتبات الكبري في الجامعة وأحد شوارع الجيزة التي يطل منزله علي نيلها الخالد.


بيني وبين أنيس منصور‏!

بقلم: رجب البنا


الفراغ في ساحة الفكر والأدب والصحافة بعد أنيس منصور لن يملأه أحد‏,‏ لأنه ـ ببساطة ـ نموذج من الكتاب القلائل في العالم الذين جمعوا بين شخصية الفيلسوف وشخصية الفنان علي الرغم مما بينهما من تناقض‏.‏

فالفيلسوف يفكر بعقله ويستخدم المنطق بصرامة ويرتب القضايا ترتيبا خاصا ليصل إلي الفكرة أو النظرية, والفنان يتعامل مع الموضوعات بوجدانه, وفي ثقافتنا العربية يمكن ان نجد مفكرين بعضهم يمكن أن نعتبره فيلسوفا, ويمكن أن نجد فنانين منهم الشعراء أصحاب المواهب والمشاعر, الأول يخاطب عقلك, والثاني يلمس قلبك برقة وعذوبة, ولن تجد شخصا واحدا يجمع بين الطبيعتين.. أنيس منصور ـ فقط ـ هو ذلك الشخص النادر الوجود.. عاش حياته للقراءة والكتابة مثل الراهب, وعاش أيضا محبا للحياة بكل ما فيها, ودفعته الرغبة في المعرفة إلي أن يطوف حول العالم في مغامرة لم يسبقه اليها أحد.
يدهشك أن تجد هذا الرجل الذي يجالس الأصدقاء فيمتعهم بالنكات والقفشات والأحاديث المرحة حتي تظن أنه فارغ البال, ثم تجده يكتب عشرات الآلاف من المقالات, وعشرات القصص والمسرحيات, وعشرات الكتب, وكلها في موضوعات متعددة مع أن كل كاتب له مجال واحد أو مجالان يتحرك فيهما, ولكن انيس منصور كان يتحرك في كل المجالات ويكتب في كل المجالات تقريبا ـ بعمق وعن معرفة كاملة ـ وكما يقال إن هناك فنانا شاملا, يمكن أن يقال إن أنيس منصور كاتب شامل وكامل أيضا.
يدهشك ايضا قدرته العجيبة علي أن يتناول فكرة في منتهي الدقة, والعمق بأسلوب سهل جدا حتي يظن البعض أنه يكتب بسهولة, مع أن ذلك ليس صحيحا, وقد قال لي ذات مرة إنه بذل جهدا كبيرا جدا وعلي مدي سنوات لكي يصل إلي هذه الدرجة من التبسيط لكي تصل فكرته بكل عمقها للقارئ المثقف ثقافة عالية, كما تصل إلي القارئ العادي, ورأيه أن الكتابة في الصحافة يجب أن تصل إلي أكبر مساحة من القراء ولا تقتصر علي فئة محدودة, أما الكتابات الصعبة ذات التراكيب الفنية والمصطلحات العلمية والفلسفية فمكانها الكتاب وليس الصحيفة.
ويدهشني أنا شخصيا ذلك الخيط غير المرئي الذي كان يربطني بأنيس منصور وبعدد قليل جدا من الناس ـ في الخمسينيات كنت قد انهيت المرحلة الثانوية, وقررت أن أدخل كلية الحقوق لأكون محاميا مثل أخي الأكبر, وفي ليلة سفري لتقديم أوراقي إلي جامعة الإسكندرية أعطاني عبدالمعطي المسيري الأديب وصاحب المدرسة التي كانت ترعي براعم الأدب في دمنهور كتابا لأنيس منصور قرأته في القطار وشاركني إعجابي زميل دراستي بكر رشوان, فقررنا معا أن نلتحق بكلية الآداب قسم فلسفة لنكون مثل أنيس منصور ـ الذي تخرج في كلية الآداب قسم فلسفة ـ والذي جمع في سبيكة نادرة بين الأدب والفلسفة, وهكذا بدأت ألاحظ الخيط الذي يربطني به, وظللت أتابع كتاباته في أخبار اليوم, وآخر ساعة, والجيل الجديد, ثم في مجلة أكتوبر وأخيرا عاد إلي قاعدته في الأهرام.. وشاء القدر ان أجلس في كرسي أنيس منصور رئيسا لمؤسسة دار المعارف ورئيسا لتحرير مجلة أكتوبر, وبقيت في هذا الموقع ما يقرب من اثني عشر عاما كنت فيها تقريبا ملازما لأنيس منصور, فهو الذي أسس مجلة أكتوبر ونشر فيها صفحات وصفحات من الأحاديث مع الرئيس الراحل أنور السادات بل واستطاع أن يجعل السادات من كتاب المجلة, وتعرفت أكثر علي شخصيته من خلال أحاديث الزملاء في المؤسسة, ومن خلال أحاديثنا حين نلتقي وفي التليفون, وظلت فكرة اعداد كتاب عنه تطاردني, فقضيت سنوات أجمع مقالاته وكتبه وأحاديثه, والخص, واستخلص, وأتردد في الكتابة لأني أجد نفسي أمام محيط وليس بحرا أو نهرا أو قناة ممن نجدهم هذه الأيام, وكلما تصورت أني جمعت كل أطراف الموضوع اكتشف انه مازالت هناك جوانب واعمال تحتاج إلي تعمق أكثر في دراستها.. ذلك لأنه نسيج وحده.. عملة نادرة.. هو عملاق نعم ولكنه عملاق يخدعك بتواضعه وبساطته حتي تظن انك يمكن ان تلمس كتفه.!





مواقف

بقلم: أنيس منصور


نحن أبناء المنصورة عندنا جاليات أجنبية كثيرة ولها مدارسها وكنائسها‏..‏ ولذلك كان المألوف أن نتكلم ونحن صغار لغات عديدة‏..‏ وكان الأجانب يعلموننا ويعطوننا مكافآت مالية أيضا‏.

ولذلك تكلمت الفرنسية والايطالية والالمانية صغيرا وكثيرون غيري.. ولم يمض يوم في حياتي لم أردد فيه هذه الأسماء: جرجس وحنا وكوهين وليفي وجاك وماريان وفيوليت وأرليت.. وهي أسماء لزملاء في المدرسة أو جيران.. وكلنا نلعب في الشارع أو نلتقي في المكتبة العامة.. أو نتجمع في دكان كوهين الذي يبيع الورنيش والدبابيس والكبريت.. ونشارك زميلنا في البيع أثناء غياب والده.. وكذلك الزميل جرجس فأبوه ترزي ويترك لنا المحل ونتولي خدمة الزبائن في كي الملابس أو تنظيف المحل.. لم يحدث أن تساءل أحدنا.. ولكن لماذا؟ ولا عندما عرف أبي أو أمي فاستنكر ذلك.. وإنما كانت والدتي تراه أخوة ومحبة وسلوكا أخلاقيا سليما.. وكانت أمي أيضا تزور زوجات اليهود والمسيحيين وكن يزرنها أيضا.. وكنت أرافق أمي إلي المستشفيات تحمل الورد والفواكه إلي طفل مريض أو إلي أمه أو إلي أبيه.. والطفل زميلي في المدرسة وفي إحدي المرات طلبت أمي أن أرتدي ملابس نظيفة قاتمة وأن أقوم بمسح حذائي ونصحتني أن أجلس في صمت مهما رأيت وألا أتكلم وكان لابد أن أذهب إلي الكنيسة فقد توفي والد أحد الأصدقاء.. ذهبت وجلست في الصف الأخير ووجهي في الأرض. وسمعت ولم أكن أعرف ولم أفهم!
وحتي تلك اللحظة لم أعرف معني أن يكون الإنسان مسيحيا أو يهوديا وما الفرق.. ولا معني أن تقبلني أم مسيحية أو أم يهودية ولا أن أجدها في بيتنا أو أن أذهب مع أمي إلي بيت جرجس وبيت كوهين!


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
daralkashkol[/b], ')">daralkashkol
daralkashkol


اشترك في: 02 يونيو 2006
رقم العضـو : 2
مشاركات: 117



غير متصل

نشرةارسل: الاثنين اكتوبر 24, 2011 9:22 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


أنيس منصور‏..‏ هذا السفير الثقافي لمصر

بقلم: سامح كريم


أنيس منصور‏..‏ هذا الكاتب الفذ الذي فقدناه‏,‏ سمعت به قبل أن أقرأ عنه‏,‏ وقرأت عنه قبل أن أتحدث معه‏.‏ لكن مع ذلك كان من المتعذر علي وقتئذ رسم صورة له دقيقة الملامح‏,

محددة القسمات.. فالرجل حين تستوعب آراءه وأفكاره, تتمثل لك علي الفور صورة تمام الوضوح, محددة تمام التحديد بأنه فكرة أكثر منه جسدا, وعقل أكثر منه مادة, وقوة تحس أكثر منه خلقا يلمس.
ومن الصعب ـ والأمر كذلك ـ أن يجد المرء كاتبا في العالم العربي أغزر إنتاجا, وأعمق فكرا, وأبسط أسلوبا, وأوسع انتشارا مثل أنيس منصور الذي يعتبر في مقدمة مفكري وكتاب هذا العالم, وأكثرهم اطلاعا علي الجديد, واستمرارا علي الانتاج, ومتابعة لكل جوانب المعرفة قديمها وحديثها, عربية كانت أو أجنبية حتي يمكن القول بإنه ليس هناك سؤال ليس له إجابة عنده, وكأنه دائرة معارف متحركة تمد من يريد بالمعلومات.
هذه النزعة الموسوعية لدي أنيس منصور تبدو من تصانيف إنتاجه الفكري وهو إنتاج قد يصعب علي غيره من الكتاب المعاصرين خاصة إذا كان صاحبه ملتزما بتقديم مادة يومية في صورة أعمدة صحفية في أكثر من صحيفة يومية, أو مواد أسبوعية وشهرية في صورة مقالات ودراسات في مجلات ودوريات بمصر والعالم العربي, وأحاديث مقروءة وأخري مسموعة وثالثة مرئية.
ولعل هذا الانتاج الغزير يرجع في أساسه إلي انصراف أنيس منصور منذ تخرجه عام 1947 إلي الثقافة بمفهومها الواسع, فلم يقصر كل اهتمامه علي الجانب العلمي الذي تخصص فيه وهو الفلسفة, وإنما تجاوزه إلي جوانب أخري منها الصحافة والأدب والسياسة.. تلك التي أعطته الكثير.. فأعطته الصحافة كل ما يتمناه مشتغل بها, حيث أسندت اليه اكبر مناصبها إلي جانب كونه كاتبا متميزا, وأعطاه الأدب كل ما يحلم به كل أديب عن التقدير المعنوي الذي تمثله الجوائز والأوسمة مع حصوله علي لقب كاتب المقال الأول في استطلاعات كثيرة, وأعطته الكتابات السياسية تقديرا آخر حيث اعتبر بمثابة السفير الثقافي لمصر في الأوساط والمنتديات العالمية لما يتمتع به من ثقافة واسعة وإتقان لأكثر من لغة أجنبية, كما أعطته الفلسفة كل ما يريده دارسها فقد عمل مدرسا بالجامعة, والأهم من ذلك أعطته كل الأعماق والآفاق بالطبع الي جانب المنهج الذي يستطيع به النفاذ والتحليل والتأويل والاستيعاب أو باختصار أعطته أسلوبا متفردا به يعرفه قراؤه حتي لو لم يوقعه باسمه.
هذا الاسلوب خاص به وحده, وهو أسلوب السهل الممتنع, فالقارئ له يدرك أن هذا الاسلوب يتسم بسهولة المأخذ, وتلقائية المظهر فيخيل لك أنك لست ببالغ منه أي غرض, ولكنك حيث تتابع القراءة مشدودا بسحر الحديث, تتكشف لك دخائل من جوهر الحياة, وحقائق من قلب المجتمع بسطت في كلمات وجمل بلا تعقيد أو غموض, يضاف إلي ذلك كون صاحب هذا الاسلوب يكتب لعامة الناس في الصحافة, لهذا تجده يطوع اللهجة العامية للتعبير الفصيح, ففيما يجري به قلمه تنساب الكلمة الفصيحة المختارة, مع الكلمة العامية التي تجري بها الألسنة في نسق جميل تحسبه هينا ميسورا, لكنه عند الممارسة تقصر دونه همم كبار الكتاب.
ولعل ذلك كله يرجع إلي أن الفكرة عند أنيس منصور مهما تكن عميقة لا تتعين أن تكون ملفوفة في رداء من الغموض, أو حشدا من الكلمات الصعبة يحجبها عن أذهان القراء, وأن دقة التفكير عنده لاتتعارض مع رهافة الحس وعمق الشعور. لذلك تجده بسيطا في تناوله للموضوعات. حتي إنه حين يكتب في الفلسفة لاتختلف بساطته حين يكتب في الرياضة, أو حين يكتب عن أخطر القضايا السياسية لايختلف في هذه البساطة حين يكتب عن الأزياء, إلي درجة أن البعض الذي لم يدرك أسرار أسلوبه يصف هذا الاسلوب بأنه شبيه بالصدمات الكهربائية.
ذلك أن البساطة عند أنيس منصور مطلب أساسي في الكتابة, ولا تحسبن هذه البساطة أمرا سهلا أو ميسورا, إنما هي جد من الأمور الصعبة الشاقة, المركبة, مثلها كمثل بساطة الضوء الأبيض الشفاف, الذي يبدو للناظرين بسيطا شفافا, لكنه مع ذلك هو مركب من سبعة الوان هي الوان الطيف المعروفة, فهكذا نجد كتابات أنيس منصور ظاهرها البساطة والسهولة, وباطنها العمق والشمول.



أنيس منصور عاشق الصحافة

بقلم : آمــال بكــير


من خلال المسرح‏..‏ تعرفت علي الكاتب الكبير أنيس منصور من خلال ترجماته لهذا الفن الذي يعد بكل المقاييس أبو الفنون جميعا‏.

كان الراحل الكبير يجيد أكثر من لغة ليترجم للمسرح عددا من المسرحيات الألمانية التي قدمت علي خشبة المسرح وكنت أشاهد الكاتب الكبير متفرجا لعمله الذي ترجمه, وأجده يصافح المخرج ويبتسم وايضا ربما كان يشكره إذ لم أكن بالقرب منهما. أتعجب من هذا الشكر.
إذ إن إبداع أنيس منصور حتي من خلال الترجمة كان بديعا لا يصل إليه المخرج أو من أعد وقدم العمل المسرحي لأتأكد هنا أن هذا العملاق في عالم الصحافة ليس له غيرها.. الصحافة فقط هي التي تقدم إبداعه الفكري والفلسفي وايضا الساخر بمنتهي الأمانة.
أما المسرح فكان يحتاج منه الي مبدع في مثل قامته ليقدم العمل بالصورة التي ترضينا. ايضا كتب الراحل للتليفزيون لكن كانت ذات المشكلة أنه يحتاج الي مخرج مبدع مثل قامته ليجيء العمل حاملا بالفعل اسم أنيس منصور. لكن للأمانة أذكر له في التليفزيون أنه أعد وقدم أكبر عمل ثقافي في العالم العربي في التليفزيون المصري الذي نفتخر بهذا العمل حتي اليوم والذي لم تستطع أي دولة أو قناة عربية أن تقدم مثله وهو البرنامج الذي جمع فيه كل مثقفي مصر الكبار في ندوة مع أديب العالم العربي الكبير طه حسين والتي قدمتها وقتها المذيعة ليلي رستم.
المهم أنني تحققت من أن أنيس منصور ليس له إلا مجالا واحدا لا يوجد غيره علي الاطلاق وهو مجال الصحافة التي لا يشاركه فيها مخرج أو معد أو خلافه.علي المستوي الشخصي زاملته في أكثر من رحلة الي النمسا لأجده كما كنت أسمع في غاية النشاط.. يصحو مبكرا للغاية حتي إنني حين أخطأت في الساعة ونزلت الي قاعة الطعام وجدته واستغرب من هذا الوقت المبكر بالنسبة لي ولزميلتي في الرحلة نعم الباز لنكتشف أننا كنا نظن أنها الساعة السادسة عصرا وليست السادسة صباحا!!
مكتبه في جريدة الأهرام أمام مكتبي في الدور الخامس وكالعادة أصل في الواحدة لأجده قد أنهي عمله وأصر علي أن يهبط علي السلالم وليس من خلال المصعد.
ثم زاملته لفترة طويلة في لجنة جوائز الاعمال المتميزة في الأهرام فكان أول من يحضر اللجنة بكل نشاط وعلي وجهه ابتسامة من خلالها ينقل هذه الابتسامة إلينا جميعا من خلال هذه السخرية ومن خلال حس في غاية الذكاء منطلقا بتلقائية من هذا الكاتب الكبير.. رحــم الله أنيس منصور ولنا في كتبه أكبر مواساة.




حديث الصباح

بقلم: منى رجب


يأبي قلمي ان يطاوعني في الكتابة عن رحيلك‏,‏ أستاذي أنيس منصور‏...‏ أنا لا أرثيك أستاذا لي ولأجيال عديدة‏,‏ وقامة كبيرة في تاريخ مصر الحديث‏,

وفيلسوفا قدم أفكاره مبسطة ليقرأها الملايين في مصر والوطن العربي علي مدي عمرك كله, فيستزيدوا معرفة وعلما وثقافة, أنا لا أرثيك مفكرا اختاره الشباب باعتباره الكاتب الأول والأكثر قراءة في العالم العربي علي مدي سنوات طويلة, وأعلنت منظمة اليونسكو العالمية أن كتابك 200 يوم حول العالم هو الأكثر مبيعا في اللغة العربية حيث تمت طباعته 50 مرة, أنا لا أرثيك كاتبا موسوعيا ترك 200 كتابا في مختلف فروع الأدب والمعرفة والثقافة فحسب وإنما أنا أرثيك لأنك كنت أستاذا لي وأبا روحيا اخترت القلم والورقة والكتابة طريقا لحياتك ورسالة لآخر لحظات عمرك ومفكرا عظيما احترمت قراءك فكنت تجلس رغم ألمك ومرضك في الشهور الأخيرة لتدون مذكراتك التي تشهد بها علي العصر وتحكي فيها أسرارا كثيرة وتفاصيل من تاريخ مصر من خلالك لتقدمها لملايين القراء, وأرثيك إنسانا تفيض عطفا وحبا لبيتك وأسرتك وأبناءك ورفيقة كفاحك رجاء منصور التي شهدت علي قصة حبكما حتي لفظت أنفاسك الأخيرة وأنت تحتضن يدها, كنت نبيلا في ألمك وفي قلمك وشجاعا في مقاومة المرض بالكتابة لذلك أكتب اليوم وقلمي يزرف دمعا عليك وعزائي أنك تركت ثروة من المعرفة تجعلك باقيا بيننا بروحك الحرة وبكتاباتك المتنوعة التي سيظل الناس يقرؤونها فيحبونك كما أحببناك فالنجوم لا تنطفئ, ومشوار التنوير الذي سلكته سيظل يشع نورا وضياء علي كل قراء العربية, واللهم ألهمنا الصبر والسلوان علي رحيل جسدك أما روحك فباقية معنا وإلي الأبد.



من القاهرة

أنيس منصور‏!!‏

بقلم: د.عبد المنعم سعيد



عرفت الأستاذ أنيس منصور متأخرا في حياتي العملية في نهاية التسعينيات‏,‏ ولكن في حياتي الثقافية فقد عرفته منذ عرفت الكتب‏,‏ وكان كتابه مائتي يوم حول العالم هو أول الكتب التي اشتريتها‏

. قبلها كانت القراءة تقوم علي التبادل والمقايضة, والاستعارة من المكتبات العامة. ومع ذلك فقد جمعت مع أخي الدكتور قدري سعيد ما لدينا من قروش واشترينا هذا الكتاب الهام, ومن بعدها أصبح العالم واسعا وفسيحا وممتلئا بالمعرفة المدهشة وهو ما ظل معنا بعد أن شاب الشعر.
مضي علي ذلك ثلاثة عقود حتي جاءت الصدفة في الطريق إلي ندوة في دبي, وكان اللقاء في المطار وعندما تصافحنا سألني لماذا أبدو مكفهرا طوال الوقت وهو يعلق علي برنامج تليفزيوني كنت أقدمه في ذلك الزمن. قالها مع ابتسامة رائقة اختلط فيها النقد بالإعجاب, ولكنني أخذت ما قاله بجدية بالغة, وساعتها تعلمت فضيلة الابتسام أو بعضا منها, وجلسنا سويا وعلي مدي ثلاث ساعات لم يتوقف عن الكلام بينما لم أتوقف عن الاستمتاع.
كانت المتعة متعددة الجوانب, فهو حكاء من الطراز الأول, ولكنه من جانب آخر فيلسوف درس الفلسفة, ورغم أنه لم يكتب فيها كثيرا إلا أنه تعلم الشك في كل شيء وانطبق عليه القول بزوال اليقين. ولكن من جاء مثلي من عالم السياسة المعرفي والعملي فإنه كان دائما يبحث عن اليقين, ولذلك كانت أعظم كتبه هي التي دار فيها حول العالم وجلس فيها في صالون العقاد. وبعد ستة عقود أو أكثر من الكتابة فإنه يقع في المكانة الأولي بين كتاب الأعمدة من حيث عدد القراء والمعلقين مهما كان هناك شك حول عمق ما يكتبه.
ولكن هناك وجها آخر لأنيس منصور هو في خدمة القارئ, ومن آن لآخر فإنه يترك النخبة التي لا يثق فيها كثيرا ويخاطب الإنسان العادي فيداعب المرأة ويشاغبها كل أسبوع, ويتهكم علي المصريين وهو يحبهم حبا بالغا رغم أنه لم يجد سببا لديهم في حب عبد الناصر الذي أتي بالاحتلال إلي سيناء, والعنف مع السادات رغم أنه هو الذي حررها. ولكن الحيرة والتعجب والدهشة هو ما يعرفه أنيس منصور في دنيا وعالم لا يتركنا يوما واحدا دون اكتشاف ما نعرفه من جهل!.
عن بعد علمت بمرض الأستاذ الكبير ثم بوفاته, وحرمني السفر من وداعه, ولا أملك ولا نملك جميعا سوي الدعاء بالرحمة لرجل قدم أقصي ما استطاع لوطنه وقرائه.



وداعا آخر ظرفاء العصر

بقلم: هشام الشامي



تشرفت بالاقتراب من الأستاذ الكبير أنيس منصور عندما عملت تحت رئاسته في جريدة مايو اوائل التسعينيات من القرن الماضي وتوطدت علاقتي به بعد ان انتقلت للعمل في مجلة نصف الدنيا وطلبت منه اجراء حوار معه للمجلة وكنت انتظره يوميا في غرفة مدير مكتبه الاستاذ نبيل عتمان حتي يخرج من مكتبه مغادرا الاهرام

فكنت انزل معه السلالم حيث كان لايستخدم المصعد في النزول ويقول لي خليك رياضي وكنت اسير معه حتي سيارته علي امل ان يوافق علي اجراء الحوار وكان كل يوم يقول بكرة واحضر وانتظر ويتكرر نفس المشهد الي ان وافق اخيرا وقال لي نصف ساعة فقط قلت له بسعادة بالغة: الف شكر الف شكر وذهبت اليه في اليوم التالي فوجدته في انتظاري وسألته عن أشياء كثيرة ومحطات مثيرة في حياته وكنت قد حفظت سيرته الذاتية من ارشيف الاهرام العظيم ودون ان يدري ومن حسن حظي استغرق الحديث قرابة الثلاث ساعات كان يحكي بأسلوب رائع ورشيق لايخلو من روح الدعابة والفكاهة وخفة ظل مغلفة بفلسفة شديدة البلاغة.. تطرق الي أنيس منصور الانسان والصحفي والفيلسوف والعاشق ولم يبخل علي وانا مجرد صحفي صغير بالنصائح الغالية والوقت الثمين. تحدث باستفاضة عن علاقته بالسادات وزيارته للقدس ورحلته حول العالم في 200 يوم والمقالب التي كان يدبرها لزملائه في الجامعة وتعلمه من صالون العقاد وعلاقته باحسان عبدالقدوس وكامل الشناوي وهيكل وحليم وثومة وعبدالوهاب وكيف ينظم وقته بين القراءة والكتابة ورئاسة تحرير اكثر من مجلة وجريدة والمشاركة في لجان اختيار المذيعين الجدد, وحضور المناسبات المختلفة وكانت اهم نصائحه للصحفيين.
عليكم بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة ثم الكتابة.
اذكر انني اتصلت به تليفونيا للاطمئنان عليه وكان يعالج بأحد مستشفيات ألمانيا من آلام بالظهر قلت الف سلامة عليك يا استاذ فرد بصوته الملائكي: اهلا ياهشام.. تزوجت ولا لسه؟ وكان دائما يداعبني في هذا الموضوع فضحكت.. فقال بسرعة: مادمت بتضحك يبقي لسه ماتجوزتش.. قلت له وكيف عرفت.. قال ضاحكا: المتزوجون لا يضحكون.
رحم الله الاستاذ الخالد واسكنه فسيح جناته بقدر ما أسهم في تنوير وتثقيف قرائه باسلوبه السهل الممتنع الذي من المستحيل تكراره.



مواقف

بقلم: أنيس منصور


نحن في حاجة إلي الف زمار‏..‏ إلي اوركسترا من الزمارين‏..‏ولكن من نوع آخر‏..‏ لماذا؟ أحكي لك الحكاية‏:

يقال إنه في سنة 1184 جاء إلي مدينة هاملن الألمانية رجل يقول له إنه قادر علي اخراج الفئران من البيوت في زمن الطاعون الأسود.. أعلنت المدينة انه يستحق المكافأة الكبيرة إذا هو نجح في ذلك.. وراح الزمار ينفخ والفئران تمشي وراءه حتي نزل بها في النهر فماتت. ورفضت المدينة ان تعطيه المكافأة! فغاب الزمار شهورا.. وانتهز فرصة الصلاة في الكنيسة وراح ينفخ في مزماره فسار وراءه 130 طفلا دخل بهم أحد كهوف الجبل باستثناء طفلين أحدهما اعمي والثاني أعرج!
وفي تفسير هذه القصة قيل إنها رغبة لا شعورية عند الشعوب في البحث عن خلاص من أمراضها وأحزانها وظهور الزمار في حياة الفئران موجودة في كل الشعوب أيضا.. فعندنا في مصر يوجد رجل نسميه الرفاعي يزمر فتخرج الافاعي من الشقوق واحدة وراء أخري كأنها مخمورة!
والهموم التي في دنيانا في حاجة إلي معجزة تنقذنا من الدمار العادي والمعنوي.. نحن في حاجة إلي ألف زمار ينفخ وتخرج وراءه الأمراض وأولها: الفقر والجشع والشك والحقد والمفسدون في الأرض وفي الناس ويذهب بهم الزمار إلي أي بحر أو جهنم.. لو كانت كل المصائب تتحول إلي فئران أو إلي افاع في انتظار زمار هاملن ان هذا الطرب والرقص الموجود في كل وسائل الإعلام ليسا استخفافا بكوارث البشر ولا امتهانا لجرائمهم وانما هي صورة أخري من مرض خوريا والكلمة يونانية معناها الرقص.. وهو رقص مرضي!
وعندنا في مصر حكاية أخري تقول إن زمارا أعمي سمع أناسا يتكلمون فوقف يزمر.. يتسول.. فقالوا له: هنا مسجد ابعد فسكت وهو يقول: لله يازمري!
فهل الزمارون كلهم عميان وضحكنا عليهم وقلنا لهم: إن هذه مساجد فمشوا دون ان يستخرجوا كل شرور البشر!


توقيعdaralkashkol :

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اكتوبر 25, 2011 9:20 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


‏..‏ لن أقول وداعا‏...‏ أستاذي

بقلم:ميرفت الحصري


أبكيتني حقا وأوجعت قلبي وعمني الحزن‏..‏ استاذي‏...‏ وارتجف القلم بين أصابعي وحارت الحروف والألفاظ وهزت الكلمات كل كياني‏..‏ وارتجفت العبرات في مقلتي‏.

كيف ارثيك ـ أنت ـ استاذي فقد رثيت نفسك في حياتك عامدا منذ أربعة أيام وفاضت نفوسنا حزنا وألما قبل فراقك بأيام, لكن أبدا لن تفارقنا فأنت قابع في أعماقنا ووجداننا وقلوبنا..
ستظل وضاء برصيدك الموسوعي وعطائك الاسطوري والالمامي.. فرصيدك الغزيز لدينا بطول الحياة وعرضها وبطول رحلاتك واسفارك وبطول مقالاتك وضحكاتك وقفشاتك, لهذا كانت حياتك زاخرة بالمواقف والشخصيات والأحداث, وكنت عملاقا في كل شيء فماذا أكتب وهل اكتب عن الكاتب أم الأديب الفذ أم المفكر الذي جال في الأزمان والأكوان أم الفيلسوف البارع أم السياسي المحنك أم مؤرخ الحرب والسلام, بل سأكتب عن الإنسان ذي الضحكة الخجولة والابتسامة الهادئة والمشاعر النبيلة المتسامية والمتسامحة والصمت الذي يلفه احيانا الاحزان, كل هذا كنت أنت استاذي عصارة فكر وعطاء متقد ومداد متصل ومتواصل حتي آخر لحظة في حياتك.
عرفت استاذي عن قرب منذ ثلاثين عاما أو يزيد وأنا أخطو أولي خطواتي في بلاط صاحبة الجلالة في مجلة أكتوبر قبل أن انتقل إلي مؤسسة الأهرام العريقة وكانت الساحة وقتها تموج بمفاوضات السلام مع إسرائيل ولأني كنت وقتها أترجم واتكلم العبرية بطلاقة فعلمني الصحافة كيف تكون والكلمات والعبارات كيف تصاغ سلسلة رشيقة حتي لا يمل القارئ, بل ويتفاعل معها سواء اختلف أو اتفق حتي يظل الاحترام قائما بين الطرفين.
علمني وعلم أجيالا كيف نعبر عن آرائنا ورؤيانا وأفكارنا بحرية وصراحة وبلا خوف وكان يترك لنا حرية التعبير دون تدخل منه لكن الخطأ ممنوع.. هكذا كان استاذي ومعلمي فقد كان حقا عملاقا في كل شيء.. ولم يكن لي أستاذ غيرك, أنت أستاذي, ولم تنقطع صلتي به مطلقا طوال وجوده في الأهرام.
وكان أنيس منصور هو أول من رفع شعار (اعرف عدوك) وكتب مئات المقالات عن اليهود في أخبار اليوم والجيل وآخر ساعة وكانت دراسات متعمقة عن اليهودية والكيان الصهيوني ومنها الحائط والدموع ـ وجع في قلب إسرائيل ـ والصابرا: الجيل الجديد في إسرائيل.
ومن يقرأ يعرف انه كان أديبا سياسيا يحاول أن يكسو السياسة أدبا وفلسفة وتاريخا. وهو الذي قال إن السياسة ما هي إلا لعبة كبيرة لها قواعدها ولاعبوها ومتفرجوها وأهدافها أما مدربوها وحكامها فهم دوليون!! وقال يجب ان تتقنها كما اتقنوها.... لهذا أقول لكل من انتقد هذا المفكر العظيم والسياسي البارع بقولهم انه كرس طاقته في التطبيع مع اليهود وتواصل معهم وعقد صداقات حميمة مع كبار الكتاب الإسرائيليين أقول لهم إنها كانت من خلال قواعد اللعبة السياسية التي حاول أن يتقنها لتصب في مصلحة القضية العربية.
فقد قال عن إسرائيل نحن العرب أصحاب حق.. وهم أصحاب باطل وكان يؤكد دائما ان إسرائيل يخيفها السلام لأن دولتهم قامت بالحرب, وأخذت الأرض بالحرب ووسعتها ايضا بالحرب وجمعت المعونات من أجل الحرب.. وقال الكاتب الكبير مادامت إسرائيل قد اختارت القهر سلاحا فالإرهاب هو رد الفعل الوحيد من الشعب الفلسطيني ولايلام علي ذلك.
وكان يبث الأمل في العرب عندما قال إن 65 عاما علي بقاء إسرائيل لا يعد زمنا في عمر الدول فقد انهزم سور برلين بعد عشرات السنين وخرج العرب من اسبانيا بعد 500 سنة وانهار الاتحاد السوفيتي بعد 70 عاما, إذن هناك أمل لابد أن يراود العرب جميعا.. وقال لهذا لابد أن نعرف قواعد اللعب مع إسرائيل حتي ننهي المباريات بأهداف ولصالحنا.
هكذا كنت سياسيا بارعا.




وداعا لفيلسوف الصحافة

بقلم د.مدحت الشافعى



كنت كاتبا فريدا ومتفردا كتبت في شتي المجالات‏..‏ وتميزت في قدرتك علي الوصول إلي القارئ‏,‏ وكنت صاحب أسلوب متميز للغاية‏,..‏ فلم أقرأ لك مقالا‏,‏ أو كتابا وأتركه دون أن أكمله‏.‏

أثريت المكتبة العربية بكتابات رائعة اتسمت بقدر كبير من المتعة الذهنية, ولعبت دورا كبيرا خلال أكثر من نصف قرن مابين الأدب والثقافة والسياسة والصحافة, ولم تكن مجرد كاتب أو فيلسوف ولكنك رمز من رموز الأدب ومفكر عظيم جمعت بين صفات عديدة من الصعب جدا ان توجد في شخص واحد.
اكتسبت أنا كثيرا من عمودك اليومي مواقف.. الثري بالعديد من المعلومات والنصائح في كثير من مناحي الحياة.
كانت زوجتي رحمها الله تحرص علي قراءة عمودك مواقف, وتبتسم كثيرا حين تتناول خاصة علاقة الرجل والمرأة ومنطق الزواج من خلال أسلوبك الممتع الساخر.
حرصت علي أن تكون شاهدا علي تاريخ مصر منذ ثورة يوليو1952 شاهدا علي الحراك الاجتماعي والسياسي, وكم تناولت ذلك كثيرا في مقالاتك, وصلت إلي أعلي مراتب النجومية بين الكتاب وتربعت فيها علي مدي ما يربو من الستين عاما لذا أهيب بالأهرام أو مجلة أكتوبر التي كنت أول من أسسها أن يستمر عمود يومي أو مقال أسبوعي نسترجع مع القراء حصيلة ما كتبته علي مدي هذه الفترة الطويلة.



فيلسوف الصحافة

بقلم: محمد مصطفى


رحل أنيس منصور فيلسوف الصحافة "رحمه الله" والذي قضي حياته كاتبا مثيرا للقضايا والمعارك الفكرية والثقافية وعرف بأنه "المثقف الموسوعي"

فقد بحر في جميع المعارف الإنسانية ما بين الفلسفة التي عاشقها والأدب والسياسة والتاريخ والميتافيزيقا والحب والفن والرحلات، فطوال 87 عاما منذ 18 أغسطس 1924 وحتي وفاته 21 أكتوبر 2011 كان خزانة أسرار بأدق التفاصيل والحكايات مع الذين صنعوا تاريخ مصر الحديث فمجرد جلوسك معه تسمع صداقاته الشخصية مع أشهر الساسة والملوك والكتاب والصحفيين والفنانين، آه لقد رحل وعموده اليومي "مواقف" الأكثر قراءة في جريدتنا "الأهرام" والذي لم يتوقف منذ 35 عاما، وحرم دورها الخامس الذي كان يسكنه فيلسوف الصحافة.
وصفه الأديب الدكتور طه حسين "بأشهر قارئ في العالم العربي" والأديب الكبير أحسان عبد القدوس "بأنه خليط من سار تر والعقاد وتوفيق الحكيم وطه حسين" وأطلق عليه الشاعر ورفيقه فاروق جويدة "بفيلسوف البسطاء" ومنحه الكثيرين لقب "أديب الرحلات في الأدب العربي" ونعاه الكاتب صلاح منتصر "شخصية أنيس تعكس اسمه فهو في لقاءاته وجلساته أنيسا جميلا بليغا عالما تجد دوما عنده الجديد سواء في حكاياته عن نفسه أو الآخرين" ولما لا وهو الذي أسر عقل وقلب السادات.. أما هو فكان يقول "من أراد أن ينظر إلي فلينظر إلي بعيني إلي عيني يحاسبني بقولي علي قولي ويستخدم موازيني في وزني، وكان أحب الألقاب إليه ما كان يطلقه علي نفسه "كاتب المليون قارئ".
رحل أنيس وللعجب أنه نعي نفسه في مقاله الأخير قبل رحيله بثلاثة أيام في 18 أكتوبر في عموده الذي لن نراه في صفحة الأهرام الأخيرة كأنه يتوقع الرحيل وهو يقول: ماذا خرجت به من الدنيا وما الذي يخرج به الإنسان؟ والذي يحدث هو أن الإنسان كما دخل الدنيا سوف يخرج منها.. نعم رحل الفارس الذهبي أحد عباقرة الأدب والفلسفة والثقافة والكلمة والحوار والإنسان فمن عرفه عن قرب يعرف أنه لم يغلق مكتبه في أول الدور الخامس مطلقا ولم يبخل بنصيحة أو بمساعدة أي أحد يلجأ إليه لحل مشكلته.. فودعا أعز الناس وأعز الأساتذة فأنت اليوم في رحاب الله حيث نعيم الحبيب ملك الملوك الواحد الأحد وغدا لقاءنا عندما يريد الله وحتي هذا الغد فأعمالك وكتبك وأفكارك وابتسامتك الفريدة هي الملجأ في زمن الاغتراب في المكان والزمان، رحمك الله برحمته الواسعة والهم أحبابك الصبر والسلوان وإن لله وإن إليه راجعون.



مواقف

بقلم: أنيس منصور


لم أجد صوت الغراب قبيحا‏..‏ أنه صوت غليظ ولكن ليس مزعجا‏..‏ صحيح إنه يخطف الاشياء من الناس ومن الصور الأخري‏..‏ مرة واحدة أزعجني عندما مات أحدها فجاءت للعزاء غربان كثيرة ولها صوت جنائزي شنيع‏.

ولكن بعد هذه الوفاة سمعتها كثيرا ولم أطق.. فنعيق الغراب مثل هديل الحمام لغة!
وعرفت فيما بعد لماذا أطلق سيدنا نوح غرابا ليعرف إن كانت الارض قريبة.. والارض القريبة كانت منطقة جبل أرارات علي الحدود بين تركيا وأرمينيا.
والجبل هناك اسمه (جودي) والقرآن الكريم يقول: واستوت علي الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين.
أما سبب اختيار الغراب فنوح قد نقل معه في السفينة سبعة أزواج من كل الطيور الحلال ومن الطيور النجسة ذكرا وأنثي أي من الغربان.. وقد حرم الرب علي كل الحيوانات أي علاقة جنسية علي ظهر السفينة.. أما الغراب فقد عصي ربه فأرسله نوح وإذا ذهب ولم يعد فلن تنقرض الغربان.. فأنثاه بها بيضة ملقحة.
وقال ان الحاخامين كانوا يستخدمون الغراب في معرفة الطالع.. فمن حركة الغراب أو الغربان ذهابا وإيابا يعرفون المستقبل.. وغراب نوح قد ذهب وعاد وذهب وعاد.. وليس في منقاره أو مخالبه ما يدل علي انه هبط أرضا وأتي بأي أثر لها.. ولذلك أطلق نوح حمامة.. ولا خوف عليها إن ذهبت ولم تعد فهناك ذكور وأناث من الحمام فلن تنقرض.
وفي الامثلة الشعبية: غراب البين.. أي ان الغراب رمز للمصائب.. وهناك تعبير في اللهجة المصرية معناه ان الصوت جميل والوجه قبيح.. الصوت كروان والوجه غراب نوح.
وكانت أعظم تحية وجهت الي الفنان الإغريقي زويكس أن جاءت الغربان تخطف العنب من إحدي لوحاته.. لقد رأي الفنان أنه استطاع ان يصور العنب حتي اختلط الأمر علي الغربان.
وظل الفنان زويكس سعيدا يشرب ويترنح حتي مات.. وقامت الغربان بالنعيق ذهابا وايابا في أشهر جنازة تاريخية!


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء اكتوبر 26, 2011 8:30 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


في ذمة الله‏..‏ فارس الكلمة

بقلم: د.احمد عمر هاشم



رحل عن دنيانا علم من أعلام الفكر‏,‏ وأحد فرسان الكلمة هو الأستاذ أنيس منصور‏,‏ رحمه الله تعالي رحمة واسعة‏,‏ لقد أثري حياتنا الفكرية والثقافية بابداعاته الرائعة وكتاباته الممتعة‏.‏

ولئن كان رحيله عن دنيانا قد ترك فراغا واسعا علي صعيد الثقافة والفكر والأدب, إلا أن فكره وكتبه يجسدان حياته الثقافية, وتجعله ماثلا في حياتنا, لأنه قدم جهودا تذكر فتشكر في خدمة قضايا الأدب والثقافة.
وقد تميز كاتبنا الغالي, وفقيدنا العزيز بخصائص تجعله متربعا ـ دائما ـ في ذاكرة التاريخ.
من أولي هذه الخصائص أنه كان كاتبا موسوعيا كتب في الأدب والدين والسياسة والاجتماع إلي غير ذلك من مجالات الكتابة, وقد كنت أحرص علي قراءة عموده اليومي في جريدة الأهرام: مواقف فكنت أراه يتنقل في كتاباته كالنحلة التي تجمع رحيقها من سائر الزهور, ثم تقدمه عسلا مصفي.
وكنت أري في تنوع كتاباته ما يفيد كل القراء, بل كنت أراه يكتب في نصائح طبية يستفيد منها الصحيح والمريض, فهو كاتب موسوعي بمعني الكلمة أفاد القراء.
وكما تجلت سمة الموسوعية في كتابة مقالاته فقد ظهرت أيضا في كتبه القيمة التي زادت علي مائتي كتاب, سارت في العالم مسير الضوء في الآفاق.
وتميز كاتبنا العظيم بمحبة الوطن وأصالة الولاء والانتماء, ولاشك أن حب الوطن من الايمان, لقد كان الراحل العظيم واحدا من جيل عمالقة الكتاب والرواد الذين أضاءوا الحياة الثقافية بفكرهم وثقافتهم.
ولقد جالسته وعاشرته عن كثب, حيث كنا في المجلس الأعلي للثقافة, وكانت مجالسته ومحادثته تدل علي دماثة خلقه, وعلي تواضعه الجم وخلقه ونبله, ويزين جلسته بالفكاهة التي كان يتحلي بها والتي تمسح كل عناء أو إجهاد.
كما عايشته في بعض الأسفار والرحلات, والسفر كما هو معلوم يستدل به علي مكارم الأخلاق, فكان في كثير من المؤتمرات التي التقينا معا فيها, كان شخصية نبيلة تتسم بكريم الخلال وعظيم الخصال. لقد فقدت مصر والعالم رائدا من رواد الثقافة والأدب, وعلما من أعلام الفكر,
لقد كان كاتبنا الكبير الأستاذ أنيس منصور رحمه الله مجاهدا في سبيل الحق, كان مجاهدا بالقلم والكلمة, ومعلوم أن الجهاد أنواع, فمنه جهاد بالنفس, ومنه جهاد بالمال, ومنه جهاد بالكلمة, وكان كاتبنا الكبير مجاهدا بالكلمة.
وكان علي ثقافة عالية, ويجيد لغات كثيرة حتي إنه ترجم إلي العربية كتبا كثيرة من أجملها وأفضلها كتاب الخالدون مائة أولهم محمد صلي الله عليه وسلم.
وهذا الكتاب الذي اشتمل علي بيان عظمة رسول الله صلي الله عليه وسلم, وعلي صدقه ومكانته, دال علي أسمي الشواهد لمكانة رسول الله صلي الله عليه وسلم وعلي عظمة رسالته, ودعوته العالمية التي جاءت رحمة للعالمين, كما قال رب العزة سبحانه وتعالي: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.
ولقد كان راحلنا العزيز الأستاذ أنيس منصور رحمه الله صاحب أسلوب سهل, فيه اليسر وفيه البلاغة والايجاز, وهو ما يسمي بالسهل الممتنع.
ويرجع ذلك إلي مفتاح شخصيته فيما يتعلق بأسلوبه وهو حفظه للقرآن الكريم منذ صغره, ولقد سئل عن أسلوبه فأجاب بهذا مفيدا بأنه حفظ القرآن منذ صغره فأكسبه القرآن هداية ورشدا, وخلقا وأدبا, وجعل رقة أسلوبه وبلاغة كلامه من أوضح ما يكون فيه, ولاغرابة في هذا فإن القرآن الكريم تبيان لكل شيء ومعجز بألفاظه ومعانيه وأساليبه وتراكيبه, فهو حبل الله المتين والذكر المبين يهدي إلي أقوم السبل وأرشدها, كما قال الله تعالي: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم, فإذا كنا نقول عن الأستاذ أنيس منصور إنه فيلسوف الصحافة, وفارس الكلمة فليس بدعا في هذا, فهو الذي حفظ كتاب ربه وهو الذي قرأ الكثير حتي قال عنه شوامخ الفكر والأدب إنه أعظم قارئ, وبهذا أصبح من كبار الكتاب الذين يشار إليهم بالبنان, إنه بقية جيل الرواد العظماء, فاللهم ارحمه رحمة واسعة, واسكنه فسيح جناتك ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس وأسكنه دارا خيرا من داره, واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.



أنيس منصور‏..‏ موسوعة ذاك الزمان

بقلم: عبد الناصر عارف


كان براقا ومدهشا ومتوهجا وجذابا حتي آخر أيامه‏,‏ مثيرا حين يكتب‏,

وأخاذا حين يحكي, تواقا دائما لمعرفة المزيد والجديد, أمله وطموحه الذي كما كان يقول ـ لن يتحقق أبدا هو أن يعرف كل شيء عن أي شيء, أمنيته المستحيلة أن يقرأ كل الكتب التي تصدرها دور النشر في العالم.
كان دأبه وديدنه دائما أن يغوص في أعماق النفس البشرية ليعرف كنهها ويميط اللثام عن أسرارها, دفعه ذلك لأن يقابل الدلاي لاما في جبال التبت, وبنات مازن( فرقة للغوازي) في الأقصر, والفقير الهندي في أحد حواري بومباي, ومارلين مونرو في باريس ومناحم بيجين في تل أبيب, والقذافي في سرت, والشيخ الشعراوي في الحسين, وحسن البنا في أحد مقار الإخوان, لديه قدرة سحرية جعلته قادرا علي أن ينسج هتلر والخطيب وماو وسارتر وهيجل وفيفي عبده ومحمد عبده والشيخ عبد الباسط عبد الصمد وعم ابراهيم سكرتير تحرير مجلة اكتوبر وموسي صبري والسادات وبيكاسو وروبرت كوخ مكتشف الجمرة الخبيثة الألماني في حكاية واحدة, يتحدث عن الفلسفة وكأنه أحد فلاسفة الإغريق, وفي السياسة وكأنه رئيس العالم, وفي التاريخ هو استاذ التاريخ القديم والوسيط والحديث, يحدثك عن الدنيا من اول خلق آدم بل وربما قبله, وعن الآخرة كأنما رأي الجنة والنار رأي العين, وعن البروستاتا وقناة استاكيوس( في الأذن الوسطي) كأنه أحد علماء الفسيولوجيا, وعن العصر الميوسيني والصخور النارية كأنه عالم جيولوجيا, وعن آخر خطوط الأزياء في روما وباريس وعن الجديد في صناعة السجاد والزجاج, أما في الأدب والفن والصحافة فهو دائرة معارف وبيلوجرافيا متحركة متجددة, كل ذلك جعله قادرا علي التنبؤ ورؤية المستقبل بموضوعية, منذ15 عاما, قال لي إن تمرد وثورة الشباب في مصر ستزداد, وإن التيار الديني لابد أن يسمح له بدخول الملعب السياسي وفقا لقواعد مدنية, وان نظام العلويين في سوريا لابد ان يسقط وان القذافي وصدام حسين ظاهرة غير موضوعية وغير شرعية ولا يصلحان لأن يكونا رئيسي دولة, ورشح فاروق جويدة ليكون أحد أشد كتاب السياسة المعارضين وسليمان جودة سيكون كاتبا مرموقا لو أتيحت له الفرصة, ومحمد هنيدي سيحتل قمة نجوم الكوميديا.
رحل أنيس منصور موسوعة ذاك الزمان وترك لنا جبالا من الذكريات في صالونه, وكثيرا من المنتجات الابداعية والفكرية, ولكن الشيء الذي لا يعرفه الكثيرون عن أنيس منصور ـ الا ـ الذين اقتربوا منه ـ الجانب الانساني, كان رحمه الله رقيقا طيبا, لا يحمل حقدا ولا حسدا لأحد, يحب بسطاء الناس, حريصا علي ألا يكون سببا في قطع عيش أحد, لم أر أو أقابل مثيلا له حبا وتشجيعا للشباب, وذوي المواهب, كان يري في ظاهرة الجماعة الإسلامية عند ظهورها في السبعينات ثورة شبابية فكرية معالجتها يجب أن تكون فكرية وليس أمنية, دائما يغلب النظرة الانسانية علي كل مظاهر الحياة, فدعوة الإخوان المسلمين حركة إصلاحية عنده, والادمان مرض وليس جريمة, ومساعدة الضعفاء والمحتاجين فريضة مجتمعية, والابداع الادبي الحقيقي تعبير عن معاناة انسانية.
رحم الله أنيس منصور رحمة واسعة, وأسكنه فسيح جناته, وإنا لله وإنا إليه راجعون.





وافتقدنا الأنيس

بقلم:عبدالمجيد الشوادفي


أنيس منصور لم يكن مجرد أستاذ في الفلسفة والأدب والثقافة والسياسة والصحافة‏,‏

وإنما كان اسما علي مسمي, فالكلمتان اللتان يتكون منهما الاسم والشهرة تعبران عن واقع يعيشه مع نفسه وبين كل الذين يعرفونه.. وقد تحولت الحكمة المأثورة خير جليس في الأنام كتاب إلي خير جليس في الزمان أنيس, وأصبح أنيس منصور لكل تلامذته ومحبيه وأصدقائه وزملائه وقرائه ومن يعرفونه جليسا وأنيسا ليس بشخصه فقط وإنما بأحاديثه وقصصه ورواياته ومقالاته ومواقفه التي تلألأت بها صفحات الكتب وفاضت بها الصحف وتداولتها الحوارات الإذاعية والتليفزيونية وكان في محاكاته مؤنسا وأنيسا لكل المتابعين لما يقوله معارضا كان أو مؤازرا يعيشون معه حول العالم أياما وليالي في الحب والفن والسهر المسمر وفي كواليس السياسة ودهاليز الثقافة وخفايا الفلسفة والأدب.
وفي الوقت نفسه لم يكن أنيسا فقط, وإنما كان أيضا منصورا, فقد حقق لنفسه وبنفسه رفعة ومجدا في كل مجالات أعماله الأدبية والثقافية والصحفية, منحته الأوسمة والجوائز في مصر ودول أخري في العالم, وانتصر في كل ما خاضه من تحديات ومصاعب ومعارك واجهها خلال رحلته الطويلة مع أنظمة وتوجهات سياسية متعددة ومختلفة تتابعت وتغيرت شخصياتها وسلوكياتها منذ بداية ثورة23 يوليو وزعامة عبدالناصر, ومرورا بثورة15 مايو وقيادة أنور السادات, وحتي ثورة25 يناير ونهاية حكم مبارك, وخلال هذه المراحل كان أنيس منصور مصريا وطنيا مخلصا لفكره ومعتقده ومهنته دون تحيز أو محاباة لغير ما يخدم الأمة ويحمي مصالحها.. ولا يبقي لنا سوي الدعاء لله بطيب الثري للراحل العظيم وأن يعوضنا عن فقدنا الأنيس.




كلمة حق

بقلم: عصام عبدالمنعم


في شوق ولهفة لم تخف حدتهما يوما‏,‏ وعلي مدي مايقرب من نصف قرن‏,‏ كنت أسعي إلي كلماته المنشورة في الصحف المصرية والعربية‏

والي كتبه ورواياته وترجماته وأسفاره, وأخيرا جدا أسعدني الحظ أن أسمع منه وأتحاور معه أحيانا, غالبا عبر الهاتف, خاصة عندما يريد الاستفسار عن شأن من شئون الرياضة شق عليه استيعابه.
احترت بعد رحيله, كيف أوفيه حقه من التقدير, وأين تذهب كلماتي وسط العمالقة الذين كتبوا عنه في حياته أو بعد رحيله, ولا كيف أوفيه حقه علي من العرفان والامتنان, فقد تتلمذت علي كتاباته ونهلت من فيض معارفه, لكنني لم أكن أحلم بأنه سوف يجيء يوم يحرص فيه أنيس منصور علي قراءة ما أكتبه ثم يكون أشد كرما عندما يعلن ذلك في عموده بالأهرام قبل نحو ثلاث سنوات عندما قال: كل يوم أقرأ بهذا الترتيب صلاح منتصر وعصام عبدالمنعم وأحمد بهجت.
أما صلاح منتصر فيجب أن تقرأه مفتوح العينين صاحيا, لأنه سيعرض عليك قضية قد استعد لها تماما, مستخدما الأرقام وبيانات وأدلة.. ولايلتفت الي القاضي, فقد قال كل ماعنده بوضوح تام ولذلك جمع أوراقه وجلس وانتظر الحكم. وهو عادة يكسب اثنين في وقت واحد: القاضي والقاريء.
أما عصام عبدالمنعم فأنا أقرؤه وأتعجب.. وأنا لا أدعي أنني أفهم في الكرة ومعلوماتي قليلة وموقفي ليس عقليا ولا منطقيا.. فأنا أريد نادي المنصورة أن يكسب سواء كان مستعدا أو غير مستعد ـ إنه بلدنا ـ وأتعجب كيف يكتب عصام عبدالمنعم فلغته قوية هادئة ثم إنه يطوع اللغة ويستخدم مفردات كروية. ومع ذلك تبقي لغته فصيحة!
أما أحمد بهجت فيجب أن تكون هادئا بين اليقظة والنوم.. فالجو صوفي بديع وفيه إشارات وتلميحات وضياء ناعم ودفء وصفاء.. وقد أسعدنا ـ ولا يزال ـ بما يكتبه عن الصوفية. وأتمني أن يأخذنا من أنفسنا فقد تعبنا وأتعبنا أنفسنا وفي حاجة الي من ينقذنا من الشوشرة الحياتية.
رحم الله الاستاذ أنيس بقدر ما أضاء عقولنا بنور المعارف, وبقدر ما أمتعنا بأسلوبه الفريد في الكتابة ورؤيته الخاصة للحياة وللأحياء, فلم يقصر صاحب هذا الفكر العميق والقلم الرشيق تجاه أجيال متعاقبة ارتوت من هذا النبع الفكري والفلسفي الذي ظل متدفقا بقوة, لم تزده السنون إلا شبابا وحيوية وعمقا وصفاء.



مواقف

بقلم: أنيس منصور



عندما نقول البطانة أي القماش الذي يلتصق بالجاكتة وهي بطانة تتشكل مع الجاكتة‏..‏ وكذلك بطانة الملوك والرؤساء أو هي أيضا الحاشية‏..

فإن كانت غالية مثيرة كان صاحب الجاكتة أيضا.. فهو الذي اختار ما يعجبه أو يروقه أو من يشير عليه.. ولذلك نقول: قل لي من تصادق أقل لك من أنت.. أو قل من هم بطانتك أقل لك من أنت!
وقد لاحظ الناس أيام الخليفة عمر بن عبدالعزيز أنه كان متشددا ممسكا في الانفاق في كل الاتجاهات وكل الأغراض.. والسبب أنها أموال المسلمين.. يجب انفاقها في الوجوه التي تنفع المسلمين.. وقد لاحظوا أيضا أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز كان يضم يده إلي عنقه ولا يبسطها كل البسط فأصبح ملوما.. كما يقول القرآن الكريم..
وتجرأ أحدهم فسأل الخليفة عن الأموال التي ينفقها علي العلماء والشعراء فكان يقول: والله إنني علي استعداد أن أفعل ذلك أبدا.. فأشتري المحادثة مع العلماء والأدباء, ففي المحادثة معهم تلقيح للعقول وترويح للقلب وتسريح للهم وتنقيح للأدب!
أي أن هذه الجلسات الأدبية مع العلماء والشعراء والمؤرخين والقضاة والفقهاء تنير عقل الخليفة وتريح قلبه.. فيكون مستنيرا عند الحكم وإدارة شئون الرعية.. فهذه المحادثات لايمكن أن نقدرها بمال.. وهو ينصح كل الناس أن تقبل علي الحوارات والمحادثات وجلسات العلم والبحث.. وألا يغلق الحاكم بابه وشباكه في وجه من هم أكثر علما وفضلا, وإلا كان ذلك عقابا للشعب لا يستحقه!
ويقال إن أحد الأدباء قد زار الشاعر العظيم ابن الرومي وكان مريضا وأثارحكاية الخليفة عمر بن عبدالعزيز فهز ابن الرومي رأسه مؤيدا الخليفة ثم قال:
ولقد سئمت مآربي
فكان أطيبها خبيث
إلا الحديث فإنه
مثل اسمه أبدا حديث!


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الخميس اكتوبر 27, 2011 8:52 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


ورحل أديب الشباب أنيس القراء والجلساء

بقلم: صبري زمزم


كنا ونحن طلبة بالجامعة نتردد علي معرض القاهرة الدولي للكتاب بحثا عن كتب الأديب أنيس منصور‏,‏ وما إن نجد جناحا يعرض كتبه حتي نهرول إليه لنجد طوفانا من أمواج متلاطمة من الشباب حوله‏,‏

ورغم الزحام الشديد كنا نزداد إصرارا علي الوصول إلي الكتب مهما كانت المشقة, لنحصل علي ما تيسر من كنوزه رغم أن كتبه كانت باهظة الثمن نسبيا, إلا أننا كنا نرفع شعار من خطب الحسناء لم يغلها المهرا. فكانت مائدة أنيس منصور عامرة دائما بكل ما نحب ونشتهي من الكتب التي تثير الذهن وتؤجج الفكر وتروي ظمآنا لكل ما هو غريب ومدهش, فكانت كتبه علي رأس أكثر الكتب مبيعا وأكثر فئة تقبل عليه هي فئة الشباب الجامعي وكان الإقبال خرافيا علي كتب مثل حول العالم في200 يوم, ولعنة الفراعنة والذين هبطو ا من السماء, والذين صعدوا إلي السماء, وأرواح وأشباح كان هذا منذ ما يزيد علي ربع قرن.
واهتم أنيس منصور كما لم يهتم غيره من الأدباء بالأحداث المثيرة المدهشة التي لا تتكرر كثيرا والتي تقف عصية علي التفسير مثل كتبه التي تناولت آثارا تدل علي كائنات جاءت الي الأرض ثم عادت الي السماء أو الي المجهول, وكائنات اخري كانت علي الارض وصعدت الي السماء تثبتها النقوش علي جدران معابد في بقاع متفرقة في الكرة الأرضية وتناوله للعنة الفراعنة وأسرار الأرواح والأشباح, لتظل كتبه ملهمة للأجيال المتعاقبة قديما وحديثا حتي إن كل من قرأ له كتابا مرارا وتكرارا لا يشعر أنه قرأه من قبل.. بل تتضاعف لديه نشوة القراءة ويزداد شغفا وتتكاثر لديه علامات الاستفهام المثيرة للجدل والفكر والتي لم تجد إجابة حتي الآن, وربما لن تجد أبدا, وهذا سر من أسرار جاذبية كتبه وسحرها.
ويجذبك اسلوبه المشوق فيجعلك ملتصقا بخيوط الكتابة تكتم أنفاسك خوفا من الشوشرة علي الصوت الرقيق المتدفق عبر السطور, فما أن تبدأ في قراءة كتاب له حتي تظل متعلقا به حتي تنهيه عن آخره.
رحم الله كاتبنا وملهمنا أنيس منصور الذي فارقنا بجسده ولم تفارقنا روحه التي تتجلي في كتبه التي لن تزداد عبر الزمن إلا تألقا وتوهجا فربما كان رحيله عنا بجسده موعدا لمولد جديد لا يولده إلا العظماء عبر التاريخ الذين لا يعدون من الموتي. بل هم الأحياء وسائر الناس هم الموتي.




بلدياتي‏..‏ أنيس منصور

بقلم: فؤاد سعد



لم أشهد من قبل حضورا مكثفا في عزاء بمسجد عمر مكرم مثلما شهدت في ليلة عزاء أنيس منصور‏..‏ كل أطياف المجتمع ـ رجالا ونساء ـ من الصحفيين والإعلاميين والأدباء والفنانين وأساتذة الجامعات والسياسيين ورجال الأحزاب والوزراء‏(‏ السابقين والحاليين‏)‏ وحتي بعض المرشحين للرئاسة‏..‏

والمؤكد أن هؤلاء جميعا لم يذهبوا لعزاء أو مجاملة أقارب الفقيد ـ كما هي العادة ـ ولكنهم جاءوا من أجل الفقيد نفسه.
وفقيدنا الحبيب ابن المنصورة كان طوال مشوار حياته شديد الحب والغرام بالمدينة التي عاش فيها طفولته وصباه, برغم أنه زار وتجول في معظم مدن العالم, وكان دائما شديد الفخر بالنخباء والموهوبين من ابناء المنصورة, وكان يسميهم بلدياتي وهو يتحدث عنهم باعتزاز في عموده الأشهر بـ الأهرام.
ويبلغ الحب والغرام بالمنصورة مداه, لدرجة أن تكون محورا لعموده بـ الأهرام حتي بعد رحيله!.. وفي هذا العمود الأخير يتذكر رفاق الصبا في المدرسة: جرجس وحنا وكوهين وليفي وجاك وماريان وفيوليت, من ابناء جيرانه المسيحيين واليهود, ومن ابناء الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش في المنصورة في ذلك الزمن الجميل( الثلاثينيات والأربعينيات).
ولأن ابناء المنصورة أوفياء بطبعهم, فقد ردوا الجميل لابنهم المحب الولهان, وأقاموا له تمثالا بمدينتهم منذ أكثر من خمس سنوات, ولعل أنيس منصور من القلائل جدا الذين شهدوا بأعينهم تمثالا لهم وهم مازالوا علي قيد الحياة.. ولكن كوكب الشرق أم كلثوم( بنت المنصورة) لم تشهد في حياتها تمثالها الذي أقامه لها ابناء المنصورة في أحد ميادين المدينة.. وياسبحان الله.. فالمؤكد أن أم كلثوم لن تتكرر قريبا.. والمؤكد أيضا أن أنيس منصور لن يتكرر قريبا.




الرياضة‏..‏ وأنيس منصور

بقلم: على بركه


ما الذي يمكن أن أكتبه عن الاستاذ بعد رحيله؟‏!‏ ما الذي يمكن أن أضيفه علي كل ما كتبه هو في حياته‏,‏ وما كتبه عنه كبار الكتاب بعد رحيله؟‏!‏ فلم يكن الاستاذ أنيس منصور كاتبا عاديا‏,‏ ولكنه عاش حياته كلها إنسانا عاديا في غاية التواضع برغم إدراكه جيدا لقيمته الحقيقية وقدراته العقلية التي ليس لها حدود‏.‏ ومن المؤكد

أنني وجيلي من حملة الأقلام بالأهرام قد عشنا عصرا سوف تحسدنا عليه الأجيال القادمة.. يكفي أن تعرف أننا التقينا واقتربنا وتعلمنا من العباقرة أنيس منصور ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ونجيب المستكاوي وعبدالوهاب مطاوع وإسماعيل البقري.. وإن كان يظل للأستاذ أنيس المكانة الأكبر في قلبي, فقد ظللت منبهرا به حتي آخر لحظة.. وهو الذي علمني أن أستمتع بمشاهدة المشاهدين في المدرجات ربما أكثر من استمتاعي بمشاهدة المباريات بالملعب!.. كما أنه يرجع له الفضل العظيم في رؤيتي لكثير من الأمور التي تبدو بسيطة جدا في نظر الكثيرين منها مثلا أنني حاولت تعلم السباحة مرات كثيرة ولم أفلح ــ مثله ــ في تعلمها, فكان أن قال لي الهدف من السباحة هو الاسترخاء, فلا يهمك وحاول أن تسترخي في الماء حتي وإن لم تستطع العوم.
كذلك كان الأستاذ أنيس مشغولا ومهموما بشخص واحد فقط هو أنيس منصور نفسه.. فكان أن تعلمت أيضا أن أكون مثله ولكن بالمعني الايجابي للكلمة كما يفعل هو!
وعن حكايات الأستاذ أنيس, فهي لا تنتهي في بساطتها وخفة ظلها وعمقها أيضا.. وكان يملك القدرة علي أن يتكلم مثلما يكتب حتي إنه ذكر لي المقلب الذي أعده له الفنان الراحل عبدالحيلم حافظ عندما اصطحبه معه لملعب لأول مرة في حياته لمشاهدة مباراة بين الأهلي والزمالك, وبعد انتهائها فوجيء أنه كان يشاهد مباراة لريال مدريد.
وبرغم كل الضحكات التي كان يطلقها من حوله خاصة حينما يحكي عن نوادره في الرياضة فإنني دائما كنت أشعر أنه حزين, وأن كل هذه الجرعات المتفجرة من القفشات والنوادر ليست أكثر من سحابة يحاول أن يغطي بها حزنه..
وكانت للأستاذ أنيس مقالات في الرياضة ذات أسلوب وطابع خاص وطريقة غير مسبوقة في التناول, حتي يخيل لك أن الذي يكتب هذه المقالات كابتن كبير في الرياضة وليس أديبا وفيلسوفا وسياسيا بحجم وقيمة وعظمة وعبقرية أنيس منصور.
وفي تقديري أن الأهرام والصحافة المصرية بوجه عام سوف تنتظر كثيرا بل وكثيرا جدا حتي يظهر فيها بعض من أنيس منصور جديد يعطي للمهنة البريق والجلال التي أعطاها لها أنيس منصور.. القديم.



مواقف

بقلم: أنيس منصور


ربما كان السبب أنني أريد واحدة مثل أمي‏..‏ وإن كانت الأم لا مثيل لها‏..‏ فلما سألني صديق‏:‏ هل كنت تحب أن يكون لك ولد أم بنت؟ فقلت‏:‏ أريد بنتا‏.

ولم أفكر جيدا في معني هذه الرغبة.. فقد ظننت أن البنت سوف تستأنف دور الأم.. وأخطأت في الحساب.. فقد فوجئت بابنتين لأديب معروف.. والأديب مات.. وجاءتا تطلبان حقوق النشر لكتبه.. وتعذبتا طويلا بين المكاتب والموظفين.. هذا يقول غدا وذاك يقول بعد غد.. والعيون تقتحم الابنتين الجميلتين!.
وأشفقت عليهما وحزنت جدا ولم أستبعد أن يكون هذا مصير ابنتي بعد وفاتي.. فالبنت وحدها لابد أن تدفع الثمن ذهابا وإيابا, وأحمد الله كثيرا أنني لا عندي ولد ولا بنت!طه حسين كان عنده ولد وبنت.. وتوفيق الحكيم أيضا.. والعقاد وعبدالرحمن بدوي لا ولد ولا بنت.. والأديب أندريه جيد كانت عنده بنت.. وألبير كامي عنده بنت ومالرو عنده بنتان..
ولا أعرف إن كان لسقراط بنات أو بنون أو أفلاطون أو أرسطو.. والفلاسفة الألمان العظماء: كنت ونيتشه وشوبنهور لا عندهم بنات ولا بنون!.
ثم تذكرت هذه القصيدة لشاعر كانت عنده بنت واحدة ولكن همومها كثيرة قال:
أحب بنيتي وودت أني
دفنت بنيتي في جوف لحد
فإما أن أزوجها غنيا
وتبقي عنده والهم عندي
وإما أن أزوجها فقيرا
فتبقي عنده في مثل عبد
وإما أن أزوجها سفيها
فيلعن والدي ويسب جدي
دعوت الله يأخذها قريبا
ولو كانت أعز الناس عندي!
والشاعر يتحدث عن بنت واحدة.. فما بالك لو كانت أكثر وغيرها من البنين؟!


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 29, 2011 8:21 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


أســتاذ أنيـس‏..‏

والله مـــالك زي

بقلم: سناء البيسى



رحل عنا كثير التساؤل الذي لم يحظ إلا بإجابات قليلة‏..‏الكاتب الراحل أنيس منصور الذي تساءل في أيامه الأخيرة لماذا الصحة؟‏..‏ ولماذا المرض؟‏..‏ ولماذا الغني والفقر؟‏..‏ ولماذا الشيخوخة أي الموت التدريجي؟‏..‏

ووجد الإجابة بأن كل ذلك بيده سبحانه وتعالي وأن الأعمار بيده وحده.. استشعر أنيس منصور بخطي الموت الحثيث القادم في الطريق فاصطبغت كلماته بقراءة النهايات ليأتي علي ذكر الحديث النبوي الشريف القائل: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.. أي عرفوا قبل الموت ما لم يكن يعرفونه.. رأوا الدنيا والحقيقة وعرفوا أن لكل شيء نهاية, وما هي النهاية سوي جسد ينتهي وروح تخرج ولا يبقي إلا وجه الله.. في نهاية رحلة بحثه الطويل التي لازمته للنهاية يكتشف عبارات عجيبة يقولها المشرف علي الموت وعلي وجهه راحة من صفي حسابه ووضع النقطة الأخيرة في سطور حياته, وأغلق دفاتره واتجه إلي حيث لا يعرف, أو كان يعرف ولكنه حاول دائما أن ينسي, وجاء دوره لكي يتذكر ولآخر مرة.. فما الذي قاله عدد من العظماء قبل النهاية؟! قال الشاعر جوته: زيدوني نورا.. زيدوني.. وبرنارد شو قال لخادمته: اخرجي الآن حتي أموت علي راحتي.. وقال فولتير الفيلسوف الساخر: أريد أن أموت في سلام لم أعرفه في حياتي.. وقال أينشتين لطبيبه: لقد عرفت الكثير وحاولت أن أعرف أكثر, ولكن ما عرفته إذا ما قورن بما أجهله لأصبح بمثابة طابع بريد ألصقه في قمة إحدي المسلات الفرعونية.. وقال الشاعر حافظ إبراهيم:
وللموت مالي قد أراه مباعدا
وجل مرادي أن أوسد حالا
وقال الشاعر أحمد شوقي علي فراش النهاية:
أقول لهم في ساعة الدفن خففوا
علي ولا تلقوا الصخور علي قبري
ألم يكف هم في الحياة حملته
فأحمل بعد الموت صخرا علي صخر
وصمت الزعيم مصطفي كامل في لحظات غاب فيها عن الوجود, ثم تنبه قليلا في الدقيقة الأخيرة ليردد أكثر من مرة مسكينة يا مصر!!.
من عاش ليسأل ذهب في شرخ الشباب يحمل حيرته الكبري للعقاد يسأله بعد تخرجه من الجامعة.. وماذا أفعل يا أستاذ؟.. يومها قال له العقاد بلهجته الساخرة: شوف يا مولانا.. امشي.. امشي.. ولا تتوقف عن المشي.. فإذا أرهقك المشي اجلس.. وإذا جلست انظر وراءك ماذا فعلت وماذا أفدت.. فإذا لم تجد أنك قد حققت شيئا فعاود المشي.. وإذا تعبت اجلس وحاسب نفسك ولا تكف عن السؤال.. هل اخترت الطريق الصحيح؟.. هل الطريق الذي اخترته هو الذي من الممكن أن يجعل منك شيئا؟.. هل الطريق كان مستويا أو مليئا بالعراقيل؟.. هل وجدت نفسك تقفز فوق المطبات؟.. هل كنت تنظر إلي قدميك أثناء المشي؟.. هل رسمت شجرة؟.. هل تابعت عصفورا؟.. هل نظرت إلي السماء وتساءلت ما هذا الذي فوقنا؟.. هل لك دور؟.. هل أنت ضروري؟.. وإذا لم تفعل ذلك مرة واحدة في حياتك فلا داعي لأن تكرر المشي.. ويتجه أنيس بحيرته من بعد العقاد إلي طه حسين فينصحه بابتسامة ناعمة لا تجرح أحدا: يا سيدي.. استمع إلي قلبك وليس إلي عقلك الآن. أطل الإنصات إلي قلبك والذي يقوله لك يجب أن تصدقه فورا.. يجب ألا ترغم نفسك علي شيء.. يجب ألا تعاديها.. يجب ألا تنقسم إلي اثنين أحدهما يشمت في الآخر.. لا تقلق.. لا تخف فالله لا يخلق موهبة لكي تضيع.. لا تسرف في التساؤل حتي لا تدمن السؤال ولا تعرف الإجابة.. ولم يستمع أنيس لنصيحة طه حسين بل مضي يسأل ويسأل فأجابه الشاعر كامل الشناوي: اسمع أي كلام يقوله لك العقاد أو طه حسين واعمل عكسه تماما.. إذا قال لك العقاد اتجه غربا فاذهب شرقا, وإذا قال لك طه حسين اتجه شمالا فاذهب جنوبا.. إنهما ينفخان في قربة مقطوعة.. يقولان ولا أحد يسمع ولا أحد يقرأ!
وظل الأستاذ أنيس يسأل ويحرض تلامذته علي السؤال بقوله: إن الذي لا يسأل لا يعرف, والذي لا يعرف لا يتقدم, والذي لا يتقدم يتأخر.. ولم يجد ابن منصور حرجا عندما سألوه عن تكرار عناوين كتبه مثل: وحدي ومع الآخرين ومع الآخرين.. وعاشوا في حياتي والبقية في حياتي.. والذين هبطوا من السماء والذين عادوا من السماء.. وهي وغيرها وهي وعشاقها... وطريق العذاب وألوان من العذاب وعذاب كل يوم.. الخ.. أجاب عن ذلك التكرار بأنه الدليل الواضح علي أن المعاني لاتزال في مكانها من عقله وفي حاجة إلي أن يعود إليها.. وسألوه عن السبب في أسمائه المستعارة التي كتب من خلف كواليسها مثل: سلفانا ماريللي وأحلام شريف وشريف شريف ومني جعفر وهالة أحمد وصلاح الدين محمد..الخ.. فأجاب: كل منهم قد خفف عن كاهلي تكرار اسمي في صفحات كثيرة تفتقد أقلاما وصحافة.. ويسألونه عن سباقه مع الزمن في كتابة مذكراته التي ظلت حلقاتها تنشر في أخبار اليوم حتي الأسبوع الأخير من حياته بعنوان صندوقي الأسود فأجاب منذ أيام قليلة: لأنها تعني ببساطة شديدة أن كاتبها لديه ما يقال ويستحق الكتابة والتدوين, ولقد وجدت أقلاما تناولت التاريخ وراحت تنهشه وتلويه لحسابها الخاص, كأن شهود تاريخ مصر قد ماتوا جميعا, وكأن التاريخ قد احتكرته بعض الأقلام التي ليس لها أساس من الصدق أو من الحقيقة, وكم ضاعت حقائق بسبب سكوت الذين يعرفون.. كل العالم يكتب تاريخنا ما عدانا, ولا يبقي أمامنا إلا أن نتلقي التاريخ من الآخرين, أو نتناقله ممن لا يعلمون, فتتوه الأجيال ولا تعرف الحقيقة, وكل من يكتب يلون ما يكتبه حسب هواه, فيحول النصر هزيمة, والهزيمة نصرا, والبطل خائنا والخائن بطلا.. إنها حالة عبثية, فلا معني للهزيمة ولا معني للنصر, ولا فرق بين عبور القناة والوقوف عندها, ولا بين الاحتلال والجلاء.. والمعني: أن لا معني, لا منطق, لا عقل, إنها حالة العبث النفسي والتاريخي.. ومن أسئلة دائم السؤال سؤاله لنجيب محفوظ:
- هل أنت سعيد يا نجيب؟!
فأجابه صاحب نوبل: السعادة مسألة نسبية.. والذي يخلق الشقاء هو الحاجة.. فالمحتاج شقي, والإنسان في جميع العصور كانت لديه سعادة وشقاء أيضا.. حتي الإنسان البدائي الذي يصيد الحيوانات ويجمع الثمار كان شقيا أيضا, وشقاؤنا مصدره الوعي, مصدره المعرفة, وأنا أفضل شقاء الواعين علي سعادة الغافلين المغفلين..
ويعاود أنيس أسئلته: افرض يا نجيب أنه حدث وأنت نائم أن احتشدت في نفسك أفكار ومعان ولابد من كتابتها حالا وإلا ضاعت.. فماذا تفعل؟..
ويجيب النجيب: تقصد الإلهام يعني.. أولا أنا لاأقوم من نومي.. لأنني إذا قمت فسأذهب إلي عملي مرهقا ولن أؤدي عملا, أو سأضطر لأن أنام مرة أخري بعد تسجيل الإلهام هذا, وهذا يربك حياتي.. ولذلك سأنام ولا يهمني هذا الإلهام!.. ويعجب أنيس الذي لا ينام من نجيب الذي ينام في موعده بغض النظر عن الإلهام فيقول عنه: في السادسة إلا ربعا يصحو نجيب من نومه, وبعد لحظات يدق جرس المنبه, فلا تدري أيهما المضبوط علي الآخر: أهو المنبه أم نجيب محفوظ.. وهو مندهش جدا لدهشة الناس من حنبلته, إنه لا يعرف فوضي الفنانين, ولا يفهم معني الوحي الذي يهبط عليهم أو يهبط بهم, فهو عنده فكرة يريد أن يذكرها كتابة, إذن لابد أن يكتبها في الوقت المحدد, ولا يفهم حكاية المزاج في الكتابة.
قريت أنيس النهاردة؟!.. أستاذ وصاحب مدرسة.. قريت أنيس النهاردة؟!..الراجل ده حيجنني.. قريت أنيس النهاردة؟!..راجع يغمز ويلمز.. قريت أنيس النهاردة؟!.. أول مرة أعرف أنه حج سبع مرات واعتمر30 عمرة وصلي داخل الكعبة عشر مرات وصعد جبل النور لغار حراء.. قريت أنيس النهاردة؟!..عادته يوم الجمعة يكتب ما بدي له في أقواله عن صنف النسا, وعجبني قوي الجمعة دي قوله: لو كنت عند بدء الخليقة لسألت الله: ولماذا المرأة يا رب؟!.. قريت أنيس النهاردة؟!.. في الأهرام أو الشرق الأوسط أو مذكراته في أخبار اليوم أو في كتاب جديد يضخه يوميا للمطبعة حتي بلغ عدد مؤلفاته236 كتابا قدم لنا فيها فكر وثقافة العباقرة والعظماء والفلاسفة والأدباء والشعراء و.... ومن خلاله عرفنا للمرة الأولي ديرنمارت, وسارتر, وسيمون دي بوفوار, وساجان, ومورافيا, وآرثر ميللر, وتينسي ويليامز, ويوجين أونيل, ويونسكو, وآرابال.. الخ.. الخ.. قريت أنيس النهاردة؟!.. سؤال كل صباح في البيت والمكتب والوزارة والسفارة وعبر شبكات الإنترنت وع القهوة وفوق المصطبة وعلي دكة البواب, علي مدي أكثر من ثلاثين عاما.. ومن لم يكن قد قرأ أنيس النهاردة يشعر وكأن الحائط الرابع من تكوينه الصباحي قد سقط سهوا, وكأنه لم يغسل وجهه, ولم يتناول إفطاره, ولم يتأهب لمعاركه الحياتية اليومية, ولم يقل للسيدة حرمه يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم صبحنا وصبح الملك لله وروحي الله يرضي علي أهلك هاتي لي الجرنال من تحت الباب لما نشوف ابن منصور كاتب لنا إيه النهاردة؟!.. أنيس مات.. بعد أن ترك لنا عدة مقالات معدودات كتبها قبل أن يموت يتم نشرها الآن لتنتهي بعد أيام معدودات.. وتخيلوا أهرامنا من غير أنيس؟!!
أستاذي ابن الدقهلية.. عملت دوما علي مقربة منه, ولم يسعدني حظي برئاسته لي.. كان مكتبه في الدور الثاني بـأخبار اليوم في أول عهدي بالصحافة, وحائط خشبي أحمق قائم بيننا أسماه الساحر الساخر الفيلسوف حائط المبكي, فشهيدات الإعجاب الحسناوات الواقعات في مسارات جاذبيته كن إذا ما أصابه الملل ــ ودائما ما كان يصيبه ــ بعد فترة قصيرة من بعد تصعيده للواحدة منهن مقرظا موهبتها وآليات تفردها لعنان السماء, فيتهرب منها بدعوي الانشغال, فيدق علي حائطي لاستقبالها بدلا منه فتهرع المدلوقة لحجرتي في الجوار لتصادقني عنوة كي تبقي علي ضفاف ساحر الكلام علي الجانب الآخر من حائط المبكي علي أمل لا يبزغ أبدا نوره بعد أن انطفأ توقيته ونفدت شحنته, وأقوم أنا بمهمة المواساة وتجفيف الدموع وتشييع الجنازات!.. ويحدث التأميم ولي فيه مع الأستاذ قصة شاركت فيها دون علمي أو علمه, وكانت لها أبعادها وتداعياتها المؤسفة, وذلك عندما كنت أقوم وقتها في الستينيات برسم موتيفات صغيرة مصاحبة ليوميات كبار الكتاب أمثال العقاد والتابعي والشناوي وزكي نجيب محمود, وأنيس منصور, وذلك بتكليف مسبق من علي أمين الذي لمس لدي تلك الموهبة الفنية.. وبعد التأميم استدعاني فجأة علي إسماعيل الإمبابي مدير مكتب الوزير كمال رفعت المشرف علي أخبار اليوم.. صعدت إليه وكان قد احتل مكتب مصطفي أمين ليطلعني علي يوميات أنيس منصور حول سياسة عبدالناصر التي نشرت ذلك الصباح ويتوسطها رسم كاريكاتيري لحمار.. ألقيت نظرة عابرة علي المقال ولم أفهم المقصود من الحكاية كلها, فمال في مقعد مصطفي بك إلي الأمام ليسألني متذاكيا: قصدك إيه بقي من الرسم ده بالضبط؟!! فأجبته بمنتهي الصراحة والبراءة والسذاجة وحسن الطوية بأن الرسم ليس بريشتي ولم أذيله كما هو ظاهر بإمضائي.. فعاد الإمبابي بمقعد( مصطفي بك) ثانية إلي الخلف ينظر ناحيتي للتأكد من أقوالي ليسأل:< امال الرسم ده بتاع مين؟!
- ده رسم الأستاذ كمال الملاخ وكان بيرسم اليوميات قبلي وراح الأهرام مع الأستاذ هيكل.
< طيب وانت كنت فين لما نزلوا الملاخ بدلا منك؟!
- يا فندم أنا كنت في إجازة مع ماما وبابا ورجعنا إمبارح يادوب من السفر.
< واشمعني الرسم ده بالذات اللي نشر مع المقال السياسي ده بالذات؟!- معرفشي حضرتك لكن من عادة السكرتارية الفنية تسحب أي رسم قديم من الأرشيف لسد الخانة الفاضية.. مجرد سهو بدون قصد..
ولأن ظهر الإمبابي كان لم يزل في مقعد( مصطفي بك) مائلا به إلي الخلف فإنه عاد للأمام وقد ارتسمت علي ملامحه شبه ابتسامة لا معني لها: عارفة حقيقي ربنا بيحبك وكان ممكن تروحي وراء الشمس.. اتفضلي روحي مكتبك.. ولم تمض الدقائق حتي أرسل لي مكتب الإمبابي ــ كنوع من تهدئة الخاطر ــ عدة قصائد من أزجال الضابط أنور نافع لأقوم برسمها أسبوعيا في آخر ساعة.. ويكتب أنيس منصور بعدها في مذكراته أنه عوقب ظلما وتعسفا بسبب ذلك الرسم, وذلك بإيقافه عن العمل في الصحافة والإذاعة أكثر من عامين ظل فيهما هاربا من كل الناس وأكثر من الأصدقاء حتي لا يكون سببا في أي متاعب لهم.. ويكتب أمير جذب حبال الذكريات عن ظروفه النفسية السيئة التي مر بها خلال تلك الفترة أنه لما شكاها للأستاذ محمد حسنين هيكل قال له حكمة ظلت تسكن رأسه طويلا: في مثل هذه الظروف لا يصح أن تمتحن أصدقاءك, فسوف يرسبون جميعا, وعندما تزول هذه الغمة وتبحث عن الأصدقاء فلن تجد منهم أحدا.
ويجمعنا الأهرام بعدها ويرسل لي الأستاذ أنيس إصداراته تباعا بإهدائه الحميم بلدياتي فنحن معا من أبناء المنصورة, ويجلس الناقد الفيلسوف يكتب عني لوحة قلمية طويلة رائعة افتتحت بها كتابي أموت وأفهم عنوانها شيء لا تراه العصافير, ويخصني أستاذي بأقواله المأثورة المتفردة التي يكتبها خصيصا لصفحات المرأة التي أشرف عليها فأضعها ممتنة علي رأس الصفحات لسنوات طويلة.. ويغير الواشي صدر المسئول الكبير الغيور من أي موضع علي الرؤوس لسواه فينهرني غاضبا بقوله: هو يعني مفيش غير أنيس اللي بيقول مأثور الكلام؟!.. وتخذلني سطوته, ولما لم يكن من أقوال ذلك الكبير في ماضيه أو حاضره ما يؤثر ذهبت أفتش في أدراج الأدب لأنفض التراب عن مأثورات عفا عليها الزمن لخواجات مثل مارك توين وأوسكار وايلد ويلسون تشرشل وإدجار آلين بو, ليكسو الشيب رأس صفحات كانت بأقوال منصور مصابيح لآلئ.. وأتولي رئاسة تحرير نصف الدنيا ولا يبخل عزيز الأيام عليها بحواراته وذكرياته ويكتب مهنئا في عيدها الخامس: عقبال500 سنة يا نصف الدنيا اللطيفة كلاما, العنيفة أفعالا, وأنت تتربعين علي رقاب العباد!! أنيس منصور..
ابن القرية الذي حفظ القرآن وهو في التاسعة علي يد سيدنا الكفيف في الكتاب مما جعله يحب القراءة والكلام الجميل والأداء الجميل أدخلني القرآن بسهولة في زمرة الناس الكبار, وأفسح لي مكانا بينهم.. واعتدت أن أغمض عيني أكثر مما أفتحهما وأنا أستمع إلي الكلام الحلو وأحفظه قبل أن أتعلم القراءة والكتابة, ويوم حفظت الآيات البينات والهمزية النبوية ولامية العرب للشاعر الطغرائي والبردة النبوية للبوصيري ونهج البردة لشوقي, لم أكن أكتب اسمي إلا بصعوبة.. ولذلك فأنا أستعيد الأشياء بتذكري لرنين حروفها ورنات نبراتها.. وفي حماية القرآن كنت أتردد علي المآتم وأنا طفل صغير استمع إلي المقرئين, وأحيانا اندمج وأرتل القرآن بصوت طفولي مرتفع.. الراحل الذي شف ورف وقارب التصوف في أيامه الأخيرة ليقول إن الإنسان بعد أن يموت يمكن أن يعيش في قلوب الذين يحبهم.. إنه بعد موته لا يدري بشيء.. ولكن الأحياء يعيدون إليه حياته مع مزيد من الامتنان! كتب أستاذ القلم واصفا خلجات الأحاسيس الرقراقة عن فيض النور الذي غسل قلبه داخل الكعبة بعدما صلي بداخلها.. غمرتني الراحة وأحسست بأن شراييني من النيون الهادئ.. بلا حرارة ولا صوت.. وأنني في حالة بين الحياة والموت.. فلا أنا حي أشعر بجسمي, ولا أنا ميت بلا جسم.. ولكن فوق جسمي تحت.. وخط رفيع يربطني بالاثنين.. وعندما خرجت من الكعبة أخذت أشعر بجسدي قطعة قطعة حتي أصبحت ثقيلا علي وجداني وعلي فكري.. وأعيدت لي حياتي العادية.. وفي داخل الكعبة كل شيء غسلوه في ماء الورد.. ماء زمزم مع ماء الورد.. الأرض غسلوها والجدران بللوها.. وفي ركن داخل الكعبة أستار.. وأن تطلب من الله أن يتوب عليك.. فهو ركن التوبة.. ودعوت الله.. وفي الظلام اصطدمت بالذي يركع, والذي يسجد, والذي يبكي, والذي يبلل ملابسه في ماء زمزم.. ولكن إحساسي في مسجد الرسول شيء آخر.. من نوع آخر.. فهنا كان يقيم الرسول.. وهنا كانت زوجاته.. وفي بيت عائشة وعلي صدرها مات.. وفي ملابسه غسلوه ودفنوه.. وعند كتفي الرسول دفن أبوبكر.. وعند قدمي الرسول دفن عمر.. من هنا كان يخرج من بيته, وهنا كان يصلي, وهنا كان يتحدث إلي الناس, وهنا خرج مريضا, وهنا مرض ولقي ربه, والقرآن يقول: إنك ميت وإنهم ميتون.. مات الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم الاثنين, وهو اليوم الذي ولد فيه, والذي هاجر فيه, وبلغ المدينة فيه, وفيه نزل الوحي, وفيه خرج من غار ثور, وفي هذا اليوم رفع الحجر الأسود.. وتبقي أحاسيس زيارات أنيس للمدينة المنورة حفية طلية زكية: لو أحد يقول لي ما هذا الذي يحدث في المدينة. حاولت أن أعرف بالضبط, ولكن لم أستطع. شيء غريب عجيب يحدث لأي إنسان إذا ذهب إلي المدينة.. أو حتي في الطريق إليها.. إن أهل المدينة أنفسهم يرون أن كل شيء عندهم يبعث علي الشفاء وراحة البال.. والصحة والعافية.. ترابهم وهواؤهم. وماؤهم وسماؤهم.. وإذا أكلت التمر.. واحدة أو عشرين.. فكل شيء قد جعله الله مصدرا للشفافية والنور.. فقد كافأهم الله علي أنهم احتضنوا الرسول صلي الله عليه وسلم.. حتي كمل الإسلام بينهم وعلي أرضهم.. فعاد الرسول إلي مكة المكرمة وهو يقول: لا هجرة بعد الفتح.. أي لا هجرة من مكة أو المدينة إلي أي بلد آخر.. فقد نصر الله الإسلام ولم يعد أحد يخاف أن يجاهر به.. إن أهل المدينة قد ناصروا الرسول وساندوه, فجعل الله كل ما يمسكه أهل المدينة خيرا لهم وبركة لضيوفهم.
ويتعبني قلبي فأحمله واهنا علي جناح طائرة لتجري لي عملية جراحية كبيرة في كليفلاند بالولايات المتحدة, وتمر السنون والتقي بعدها بأحد علماء الأزهر الأجلاء الذي يفضي لي بالسر كشهادة أمام الله والضمير: كنا في وفد رسمي نؤدي فريضة الحج بالأراضي المقدسة فهمس لي الكاتب أنيس منصور أحد أعضاء الوفد ونحن علي جبل عرفات بأن أدعو لواحدة عزيزة لديه تجري لها عملية جراحية خطيرة في هذه الساعة بالضبط, وذكر لي اسمك.. ومازلت أذكر قوله بالحرف الواحد: ادعو لها فقد يتقبل الله دعاءك أكثر مني.. ذلك موقفه الإنساني الحميم في الخفاء, وهو الذي لم يرفع سماعة التليفون جهرا ليسأل عني..
ولأنه كان هناك.. تصلني أصداء أخباره وندواته وأحدث كتبه وجوائز وأوسمة ومراتب عليا استحقها أنيس منصور عن جدارة.. وكنت أنا هنا علي الجانب الآخر أدور في الساقية المفرغة فما أن يتم طبع عدد جديد من المجلة إلا ونوضع فوق مذبح العدد الجديد, فكما قال مصطفي أمين لأنيس منصور يوم أنعم عليه برئاسة تحرير مجلة الجيل: إن رياسة التحرير عرق يبذل ودم يسكب, وأعصاب تحترق. إنه أكبر( خازوق) في الصحافة, ولا أريد أن أهنئك بالجلوس فوق الخازوق. إنه منصب لا يعرف العطلة الأسبوعية ولا الإجازة السنوية ولا ساعات محددة للعمل.. إن رئيس التحرير صحفي لمدة24 ساعة. يأكل وهو صحفي, وينام صحفي, ويحلم وهو صحفي أيضا. إنه مزيج من مخرج سينما وقائد أوركسترا وأستاذ في جامعة ومترودوتيل في فندق وبواب عمارة وترجمان للسياح وبهلوان في السيرك يسير دائما فوق سلك مشدود, أي غلطة صغيرة تهوي به, وأي زلة قدم تسقطه, وهو يخطئ إذا صدق التصفيق أو إذا ذعر من الصفير.. لهذا فقد تسربت السنون بيني وبين أستاذي أنيس لألقاه في مناسبات متفرقة وقد تمشت ريشة العمر فوق الكيان الوثاب, الذي طاف وشاف ودار حول العالم في200 يوم, وكتب وتفلسف وأجاد, لتشتعل الرأس شيبا, وتغزو كلمات الترحيب والتأهيل وحفاوة اللقيا المعهودة كسلا, وتضيق سعة الابتسام ودعابات الكلام, وتقلص من دوائر المعارف, وتغلق التليفون, وتشيد من السكرتير معبرا, وتبقي أستاذنا في البيت أكثر, وتنئيه عن صنف النساء أكثر فأكثر, وتطيل من اجازة الشاطئ حتي رخات مطر قدوم الشتاء.. و..كثيرا ما تمنيت أن يصبح أنيس منصور أبا, فحفاوته بالطفولة كما شاهدتها ولمستها في مواقف عدة تحمل لذعة الحرمان, وسؤاله الدائم عن ابني يتماشي حنانا علي سنوات نموه, وكأنه يراقب معجزة البرعم الصغير حتي يكبر.. ويكتبها بمداد قلمه تلك الوحشة المختبئة في الأعماق بمشاعر الأبوة الكامنة: كنت أتمني أن تكون لي ابنة ظنا أن البنت أحسن من الولد وأرق وألطف وأكثر حنانا.. تمنيت طويلا, ولم يشأ الله أن تكون لي ابنة ولا ابن.. ويوم زارتني ابنة أحد الأدباء ــ يرحمه الله ــ وجاءت تطلب حقها في كتب أبيها التي أمرت بطبعها عندما كنت رئيسا لمجلس إدارة دار المعارف.. وأسعدني أن ألبي هذا الطلب فورا.. وأسعدها ذلك, وأسعدني, وانشغلت.. وبعد شهور فوجئت بها في مكتبي, وجاء السكرتير يقول لي إنها تبكي, فهرعت إليها, وعرفت أن شيئا مما أمرت به لم ينفذ, وأنها ترددت علي دار المعارف عدة مرات بلا فائدة, وأصدرت قرارا أن تتقاضي فلوسها فورا, وجاءها شيك المبلغ بعد دقائق.. ثم سألتها: ماذا حدث؟.. حدث أن في كل خطوة كانت تخطوها من غرفة إلي غرفة, ومن مكتب إلي مكتب كانت تواجه أساليب من المعاكسات: إن لم تفعل كذا فلا كذا.. وأدهشني أن يكون الذين ضايقوها ممن لم أتصور أنهم بهذا السوء.. وتخيلت ماذا يحدث لابنتي حبيبتي إذا مت وجاءت إلي دور النشر تطالب بحقوقها.. كم واحد سيعاكسها.. كم واحد سوف يساومها, وهي لن تقبل بأي ثمن.. ابنتي ربيتها علي الكبرياء واحترام النفس ومعاني الشرف.
نهر المعارف الذي خاض غمار الألم.. الألم في حياتي قد سبق الكتابة, وكان ألمي من خارجي.. أبي وأمي.. ثم استقر في داخلي.. فحياتي أليمة من أولها لآخرها.. قدري أن المرض أسمعه وأراه وأراني عاجزا عن فعل شيء, واعتدت علي رؤية وسماع أحب الناس يقولون آه.. اعتدت علي الحزن.. مات كثيرون ولم تنقذهم دموعنا ودعواتنا, فالموت نهاية كل حي طيب وشرير, وعمر بن الخطاب عندما قيل له إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد مات, رفع سيفه ليقتل من قالها فقيل له إنك نسيت قوله تعالي: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل, أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم.. وانهار عمر باكيا.... وتساقط أفراد كوكبة فرسان القلم من حول أنيس منصور شهبا ترحل مخلفة أحزان الفقد.. كتب عن إحسان عبدالقدوس أول من قدمه لعالم الأدب في روزاليوسف بعد زيارته الأخيرة له في غرفة الإنعاش التي وقفت علي بابها إحدي الممرضات تمضغ اللبان.. أشار الدكتور خيري السمرة إلي أحد أركان الغرفة قائلا: هناك.. واتجه أنيس إلي حيث أشار الطبيب بيده متسائلا: إيه اللي هناك؟! قال له كأمر مفروغ منه: إحسان.. ودارت بي الأرض. فلم أر أحدا وإنما رأيت شيئا قد تكوم هناك. وأحمد الله أنني لم أر وجه إحسان.. ولا رأيت ملامح جسده.. أين الذكاء أين النور أين لباقة المحامي القدير وأين عالم النفس والفنان.. أين الرقة والجمال.. أين حديث المدينة.. حلم البنات معبود النساء.. الفتي الأول في السينما.. العقل الذي قامت عليه وبه صناعة السينما في مصر.. أين: هناك!!و..توفيق الحكيم الذكي الظريف الصاحب الفيلسوف الذي غدا في مرضه الأخير يطل من وراء غشاء أصفر, يذهب إليه أنيس ليزوره مرات في نهاية رحلته وأيامه العسيرة بمستشفي المقاولين العرب, ثم مستشفي الصفا ليجده قد ازداد اصفرارا, لكنه بقي توفيق الحكيم خفيف الدم الذي قال عندما سأله أنيس عن حالته الصحية: كلما سألت الدكتور قال لي إني( زي الفل).. فل إيه اللي جاي يقول لي عليه.. فل إيه وأنا غير قادر علي أن أذهب لدورة المياه.. إنهم يأتون بدورة المياه إلي السرير.. وضحكنا, ولكنه لم يكن قادرا علي الضحك!.. ويعود ليقول: إنني سوف أدخل الجنة.. فالله أعطاني عقلا صغيرا وعمرا قصيرا وكونا هائلا, فكيف أفهم كل هذا الكون بهذا العقل الصغير والعمر القصير.. لابد أن أغلط.. والغلط سببه عجزي عن الفهم.. وأعتقد أن هذا سببا كافيا لأن أدخل الجنة.
أنيس منصور.. مدفوعا بحب المعرفة تسلل طفلا تحت سرير الأم عندما حمي وطيس الطلق ليكتشف كيف يأتون بالمواليد..
ابن المنصورة: كان يكتب حافي القدمين
الفيلسوف: ضربته أمه كثيرا بالعصا ليكف عن الكذب.
مؤلف البشر: أثار الضجة الكبري يوم عاد من اندونيسيا بحكاية تحضير الأرواح بالسلة لتغدو الشغل الشاغل لكل بيت وفي كل سهرة, وصارت مطعنا لكل من أراد النيل منه..
صاحب النقط الطائرة من الحروف: قربه من السادات ساعد في تبصيره بأشياء كثيرة مثل تاريخ الصهيونية والفكر السياسي والديانة اليهودية, وكل من قابلهم السادات كان أنيس يقابلهم أولا ليعرف ما سوف يقولونه له, وكان السادات يكلفه بمهام سياسية لم يكن وزير الخارجية يعلم عنها شيئا سواء في مصر أو خارجها أو في إسرائيل.
قارئ المواقف: كان يري أن الموقف صعب ومعقد والضباب كثيف, وأقوي الناس نظرا لا يكاد يري أمامه, وسوف تزداد الأمور صعوبة وتعقيدا لأننا نقوم بإصلاح السفينة أثناء رحلتها في بحر متلاطم الأمواج..
الراحل الكريم.. أهدانيها مرة عبارته الزهرة التي عطر شذاها مسيرتي وشد من إزر قلمي عندما كتب عني يوما في مواقف: والله يا سناء ما لك زي.. واليوم أستعيرها منه لأردها إليه جبالا من الزهر, ونهرا من الدموع, ووداعا ليس بوداع, فهو من ترك لنا ذخيرة من المعارف لنقرأ ونفكر ونتأمل ونبدع ونضحك ونبكي ونعيش ونحيا لنقول له وعنه: والله يا أستاذ أنيس ما لك زي.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: السبت اكتوبر 29, 2011 8:26 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



أنيس منصور‏..‏ صانع الخيال الأول في مصر

بقلم‏:‏ د‏.‏ عاطف الشبراوي


انيس منصور هو أكثر من وصف الحياة الثقافية في مصر في مطلع الأربعينيات عبر كتابه الرائع في صالون العقاد‏,‏ حيث وصف المعارك واللقاءت والنقاشات التي دارت وقتها بين عباقرة الثقافية المصرية من أمثال طه حسين‏,‏ العقاد‏,‏ توفيق الحكيم‏,‏ وسلامه موسي

فقدت مصر واحدا من أكثر مفكريها وكتابها شهرة في العالم‏,‏ والذي تربع منذ سنوات طويلة علي عرش الكتابة السلسة‏,‏ فهو صاحب أكبر مكتبة من المؤلفات من كتب وروايات وتراجم ومقالات طافت العالم مثلما طاف صاحبها‏,‏ شكلت كتبه بالقطع الكثير في وجدان أجيال من المصريين وفتحت لهم نافذة كبيرة علي شوارع ومدن وبحور ومحيطات وفلاسفة وشعراء وقصص غرام وانتقام‏,‏ وكانت كتاباته بمثابة أدب الموسوعات والفكر والفلسفة والمتعة معا‏,‏ فأنيس منصور هو أول من حاول ان يبسط الفلسفة ويفلسف الحياة‏.‏ وأن يكتب عن الأشياء والأماكن التي لم يكتب عنها قبله أحد‏,‏ فقام بجولات وحوارات بين الكتب والقارات سجلها في مئات الكتب التي تحمل فكر وطريقة حياة ومشاعر الآخر‏,‏ لا يعرف الكثيرون ان أنيس منصور حفظ القرآن الكريم في سن صغيرة في كتاب القرية وانه كان الأول في الثانوية العامة علي مستوي الجمهورية‏,‏ وأنه عمل مدرسا للفلسفة ثم تفرغ للكتابة والصحافة فتنقل في عالمها بين مؤسسة أخبار اليوم‏,‏ ومؤسسة الأهرام ودار المعارف‏,‏ وأصدر مجلة الكواكب وأسس مجلة أكتوبر‏.‏
ربما مكنت إجادة أديبنا لعدة لغات من امتلاك هذا الثقافة الواسعة ومن الكتابة في موضوعات مختلفة‏,‏ فقد كتب عن كل شيء وفي كل شيء‏,‏ فهو أكثر كاتب تألق في نشر كتب عن مختلف الحضارات وعن كتاب الموتي وعن أسطورة لعنة الفراعنة التي رسخت في رؤوس عاشقي الحضارة المصرية‏,‏ وعن الارواح والأشباح والاطباق الطائرة وعن العظماء‏,‏ وكتب عن الضحك‏,‏ وكتب عن الموت‏,‏ وألف كتبا من أمتع ما كتب في أدب الرحلات أشهرها حول العالم في‏200‏ يوم‏,‏ وأعجب الرحلات في التاريخ‏,‏ بلاد الله لخلق الله‏,‏ غريب في بلاد غريبة‏,‏ وغيرها‏.‏
انيس منصور هو أكثر من وصف الحياة الثقافية في مصر في مطلع الأربعينيات عبر كتابه الرائع في صالون العقاد‏,‏ حيث وصف المعارك واللقاءت والنقاشات التي دارت وقتها بين عباقرة الثقافية المصرية من أمثال طه حسين‏,‏ العقاد‏,‏ توفيق الحكيم‏,‏ وسلامه موسي‏,‏ عرفنا منه تاريخ العقاد وآرءه في الثقافة والسياسة والفن‏,‏ وعرفنا معه تاريخ مواهب شابة في كال مناحي الحياة والفن والأدب‏.‏
حتي السياسة كتب فيها انيس منصور‏,‏ فتحدث عن عبدالناصر في كتابه عبدالناصر المفتري عليه والمفتري علينا‏,‏ وكتب عن الرئيس السادات كتاب من أوراق السادات كشف فيه عن نشأة السادات‏,‏ وإعجابه بالزعيم التركي أتاتورك‏,‏ وأسرار الاتصالات الأولي مع الاتحاد السوفيتي في بداية عهده‏.‏ وانتهت دبلوماسية أنيس عندما فتح قلبه في أبريل الماضي لأحد الصحف وتكلم عن رؤساء مصر الثلاثة‏,‏ فقال إن عبد الناصر كان زعيما حقيقيا لكن ظروفه كانت قاسية‏,‏ وأن هزيمة‏1967‏ كانت هزيمة جيش ولم تكن هزيمة قائد‏.‏ ومدح السادات‏,‏ الذي عرفه جيدا‏,‏ وقال إنه سياسي من الدرجة الأولي وعسكري أيضا‏,‏ لكنه لم يعط الفرصة ليكمل نجاحه بعد نصر أكتوبر‏1973‏ ولم تكتمل فرحته‏,‏ وأن السادات كان يعتزم اعتزال الحكم ويقضي بقية عمره كمواطن عادي‏.‏ وكان قاسيا علي مبارك‏,‏ فيقول إنه لم يكن زعيما وورث ثروة مصر بدون أي مجهود‏,‏ ولم يقل شيئا ولم يفعل شيئا فقط رفع العلم علي طابا‏,‏ وأن مافيش حاجة اسمها الضربة الجوية‏,‏ لكنه بعد الثورة قال إن مبارك بعد الثورة اتبهدل وانكسرت نفسه ومسحنا بكرامته وكبريائه الأرض‏.‏
أنيس منصور كان أيضا فيلسوفا له آراء وحكم يرددها الناس خاصة في المرأة‏,‏ منها قوله‏:‏ يقول علماء التطور إن الطبيعة احتاجت إلي ملايين السنين لتطوير القرد إلي رجل‏,‏ ومع ذلك باستطاعة المرأة أن تعيد الرجل إلي أصله في لحظة واحدة‏,‏ وأيضا الخداع والكذب والغرور ليس عملا واعيا عند المرأة‏,‏ إنها الغريزة‏.‏
لقد انطفأت شمعة كاتبنا الكبير هذا الأسبوع بعدما أتحف العالم لحوالي‏60‏ سنة بمقالات وكتب لا مثيل لها‏,‏ آخرها كتاب بعنوان في انتظار المعجزة‏,‏ ينتقد فيه انتظار وحيرة الشعوب خاصة في الشرق‏,‏ لمعجزة تحل مشاكلهم‏,‏ والبحث عن المخلص‏,‏ ويحاول تكريس فكرة أن الحل لابد أن ينبع من الداخل وأن يسبقه فكر وإيمان وجهد لتحقيقه‏.‏ الغريب أن هذا الكتاب الذي يمهد للثورة كان من المتوقع أن يطلق في معرض الكتاب يوم‏29‏ يناير الماضي‏,‏ والذي ألغته الثورة‏..‏ تحية لأنيس منصور وروحه ودعاء من القلب أن يتولاه العلي القدير بالرحمة‏.‏






الأستاذ‏..‏ إمبراطور الفلسفة‏..‏ والصحافة أيضا‏!

بقلم :أحمد إبراهيم أبو الحسن


تائه في بلاد الأضواء‏..‏ يبحث عن شيء ما‏,‏ وبإصرار عجيب يجول في الطرقات‏..‏ ينقب ويتفحص ولايمل من السؤال‏,‏ كما ينقب في مكتبته في آلاف الكتب بين الأرفف عن معلومة صغيرة من خمس كلمات‏..‏

رأيته لوهلة علي بعد عشرات الأمتار داخل المول الفسيح, ولم أتيقنه, هزل جسده ونحل رأسه وخارت قواه وضعفت قدماه.. ولكن هالته المميزة كما هي, ما الذي أتي به إلي هنا, والمفروض أنه في القاهرة يستكن في بيته يمارس واجباته اليومية التي لم تنقطع عقودا طويلة في القراءة والكتابة؟!
ارتسمت علي وجهي ابتسامة لم تفارقني أكثر من ساعة, استرجعت خلالها الذكريات, فعادت بي الذاكرة أكثر من ثلاثين عاما, حينما كنا صغارا نذهب إلي مجلة أكتوبر لنشاهد الاستاذ مكتبه يعج بالحضور, الحياة تدب في أرجاء المكان, نبرة صوته المميزة تستطيع أن تسمعها من وراء الجدران, يستقبل الخفير والوزير في آن واحد, ولا يتواني عن خدمة البسطاء.. خليط من شهامة أولاد البلد وأبناء الذوات, يعرف شيئا من أي شيء.. من كل شيء.. تشعر عندما يجلس مع أحد الزعماء كأنه ملك, ومع أحد البسطاء كأنه واحد منهم, آلامهم توخزه ومشاكلهم تؤرقه, فالأستاذية لقب لايليق إلا بشخصه, علم كل من اقترب منه الجود والكرم والعطاء دون أن يدري.. يبدأ أطراف الحديث ويتكلم ويسمع ويناقش, وفي النهاية لايخرج الحوار عن مساره المحدد عن قضبانه, وعما أراده هو أن يكون, كأنه أراد أن يقول: حدد معاني كلماتك قبل أن تتحدث معي, وان لم تستطع فأنا أحددها لك, فلم يكن أستاذا فقط ولكنه كان ديكتاتورا أو امبراطورا أضاف الفلسفة ببساطة وسهولة إلي كل المعارف من فلسفة التاريخ والجغرافيا مرورا بالميتافيزيقيا إلي فلسفة العلم, وحول الفلسفة من حسن معاشرة الأشياء إلي اعتيادية الأشياء, فسر الحياة عنده يكمن في اعتياد التكرار. انه الأستاذ أنيس منصور امبراطور الفلسفة والصحافة أيضا.





مواقف

بقلم: أنيس منصور

يا صاحب الجلالة أقدم لك رجلا سوف يهبك الخلود‏,‏ ولكن أرجو أن تعطيه رغيفا حتي يتمكن من أداء هذه المهمة؟

قالها الناقد الفرنسي داسبريو(1663 ـ1711) وهو يرفع أمامه أحد الشعراء ليعمل في بلاط الملك.
ويقال: إن الملك نظر اليه طويلا وعريضا وعميقا وسأل:
ما الذي يأكله الشعراء؟
فقيل له: ما يأكله كل المواطنين..
فسأل: فمن أين يأتون بهذا الكلام الغريب إذا كانوا يتناولون نفس الطعام؟
فقيل له: هذه هي الموهبة التي انفردوا بها!
فسأل: ولماذا لم يعطهم الله بعض المال حتي لا يمدوا أيديهم إلي الملوك؟
فقيل له: هذا هو مصدر تعاستهم.. والتعاسة هي أحد ينابيع الشعر فإن لم يجدوا التعاسة غند غيرهم, ابتدعوها لأنفسهم!
قال الملك: دعني أفكر في هذا الذي قلت.. الآن هذا الشاعر سوف يدخل قصري فيسخط علي الملك الذي ليس شاعرا.. وعنده كل شئ.. ويسخط علي الحاشية التي عند الملك, ولا رأي لها ولا عقل ويسخط علي عشيقات الملك اللاتي أعطاهن الله الجمال وأخذ منهن العقل.. إذ كيف يركعن عند قدمي الملك, ولا يركعن عند عظمة الشاعر.. ان كان هذا هو المقصود من وجود الشاعر بيننا فإنني أوافق علي أن أكون مصدر تعاسة ليقول شعرا ولكن أين يجد الشاعر سعادته.. كيف يجد سعادته في تعاسته؟!
فقيل له: لا تشغل بالك كثيرا يا صاحب الجلالة.. إن الشاعر كالسمك يعيش ويموت في الماء.. ونحن ـ الناس العاديين ـ يغرقنا الماء.. الشاعر نوع من الطيور.. يعيش علي الهواء.. ويموت به أيضا.. أنه بشر ولكن ليس كالبشر.. إنه كأنصاف الآلهة وان لم يكن كذلك!!
ويقال ان الشاعر مثل طائر الشوك ذلك الطائر الغريب الذي يظل يطير بعيدا بعيدا.. دون طعام أو شراب.. حتي يرهقه الطيران.. ويختار من كل الأشجار شجرة كثيرة الأشواك.. ومن كل الأشواك أطولها وأعلاها.. ويروح يلقي بنفسه علي هذه الشوكة الطويلة, ويظل يفعل ذلك حتي تنفذ الشوكة إلي قلبه, فيطلق آخر وأروع صيحاته.. لقد قال كلمته عند قمة شجرة.. ومات في قمة اللياقة الغنائية, لقد ادخر ما تبقي من قوة لكي يفجر بها الدم والشعر معا ولآخر مرة!







توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½