دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - الأدب النسائي في المشهد الثقافي العربي وسؤال الأدبية
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » سيدي البعيد 27     .::.     » سيدي البعيد 26     .::.     » ارجوحة فاطمة     .::.     » من ذاكرة الشام     .::.     » أمسية صيف     .::.     » الزهايمر     .::.     » ذات شتاء     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » أرض الحكايا: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » تقاسيم الفلسطيني:من أشهر المجموعات القصصية للأديبة د.سناء ال     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » طلاسم عشق     .::.     » رؤى     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » ناسك الصومعة: هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.     » رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس     .::.     » رواية أعشقني---هي من أشهر الأعمال الإبداعيّة للأديبة د.سناء     .::.     » كتاب "السّير في الطّريق السّريع"للهنديّ رام بوكسان     .::.     » Sanaa Shalan Resume     .::.     » سناء شعلان في سطور     .::.     » ظلال     .::.     » سيدي البعيد 25     .::.     » فانتازيا سمير الجندي     .::.     » سيدي البعيد 24     .::.     » حين يهرم شهريار     .::.     » موسيقى آذار     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع للكلمة صدى

مؤلف رسالة
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:16 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الأدب النسائي في المشهد الثقافي العربي وسؤال الأدبية




زهور كرام

الأدب تعبير إنساني. هذا منطلق موضوعي، تحتمه المعرفة الأدبية التي تستمد شرعيتها من منطقها الداخلي المحدد لأدبيتها. ولهذا، إما أن يكون الأدب أدبا، أو ألا يكون كذلك. و مهما حاولنا دعم الأدب بشروط خارجة عن منطقه التكويني-المعرفي، واعتمدنا سياقات خارج-نصية، فإن جوهر أدبيته لا يتحقق إلا من قانونه الداخلي. أما العناصر الأخرى ، سياسية واجتماعية ونفسية وذاتية فإنها عبارة عن عناصر تدعم الحالة التي يكون عليها المبدع زمن الكتابة. وهذا دليل على أن العناصر الخارجة عن منطقه، قد تسمح باستهلاكه، وخلق شروط تواصل القراء معه، ولكن لن تخلق أدبيته.
تجعلنا هذه القناعة المعرفية- الأدبية نلغي إمكانية الحديث عن التمييز بين أدب ذكوري وآخر نسائي، من حيث كون النوع أو الجنس لا يمكن أن يحسم في أدبية الأدب.
لكن، بما أن المشهد الثقافي يعرف منذ عقود كثيرة هذا النقاش- وما يزال خاصة في تجارب عربية ما تزال تنظر للمسألة خارج نظرية الأدب – بين ما يقال عنه أدب ذكوري وآخر نسائي، فإن الأمر يتطلب وقفة موضوعية نقدية عند حيثيات هذا التعبير» الكتابة النسائية»، والأسباب الثقافية وراء ظهور المصطلح، وبالتالي وضعه الاعتباري الدلالي. ذلك، لأننا لا يمكن أن نلغي من النقاش المعرفي ما يتجدد من تعبيرات ومصطلحات حول العملية الإبداعية، و لأن نشاط هذه التعبيرات يؤشر على طبيعة التحولات في عملية إدراك تحقق النص باعتباره حالة أدبية. وضع يُعتبر – في حد ذاته- مهما، لأنه يفتت رتابة ذاكرة القراءة.
الكتابة النسائية، الأدب النسائي، أدب المرأة، كلها تعبيرات باتت تشكل مرجعية للقراءة، والاقتراب من المنجز الأدبي الذي تنتجه المرأة-الكاتبة. لذا، لا ينبغي تجاهلها في الدرس النقدي الأدبي. إنما السؤال الواجب طرحه في هذا المجال ، هو كيف يتم التعامل معها؟ وهل الوعي بها يتم من خلال نظرية الأدب؟ وهل الأسبقية في إدراك هذه التعبيرات والمصطلحات الأدب أم المرأة؟ ثم هل هي تعبيرات ذات منطلقات نصية، أي أن السياق النصي هو الذي أفرزها؟ أم منطلقها التأسيسي يخص سياقات خارج-أدبية؟ وهل النظر إليها يتم وفق الدرس النقدي، أم من خلال محددات الخطاب النسائي؟. بالرجوع إلى واقع المقاربات والنقاشات التي انشغلت بموضوع» الأدب النسائي/الكتابة النسائية» ، وسعت إلى محاورة شرعية تمييزها عن مصطلح» الأدب الرجالي «، فقد اعتمدت- في أغلبها- على مرجعيات خارج أدبية. أو بالأحرى، كانت في أغلبها تتم بتوجه ذهني، أو ثقافي له علاقة بالموروث فيما يخص وضعية المرأة في التفكير العام، وفي الأعراف، وكذا في شكل التداول التاريخي الذي جعل المرأة إشكالية تاريخية، وأيضا في المساطر القانونية غير العادلة، وإجحاف التأريخ الأدبي لإنتاجها الرمزي عبر العصور،. كما كانت تتم – أحيانا- بدعم من الخطاب المطلبي النضالي لحق المرأة في إعلان صوتها في التعبير الرمزي.
لعب هذا الثقل الخارج نصي دورا كبيرا في تأكيد شرعية التمييز بين أدب نسائي وآخر رجالي. وهذا ما أنتج تصورا يجعل كل ما تكتبه النساء، يدخل في كتابة المرأة، مهما كانت وضعية أدبية نصوصها. مما انعكس على المعرفة النقدية، وخلق قراءات جاءت كردود فعل على وضع المرأة في المشهد الحضاري العام. وانتصرت لما تنتجه المرأة بغض النظر عن وضعه الأدبي.
الأكيد ، أن مختلف تلك الدعائم المنتمية إلى الحقول النسائية المطلبية، والحقوقية، والقانونية وأيضا السوسيولوجية والتاريخية تساهم في التحسيس بأهمية محاورة مثل هذه التعبيرات، وتشتغل عنصرا مرافقا لتنشيط الحوار حول أهمية التعامل مع تعبير المرأة الرمزي بأفق حضاري مسؤول، ولكنها لا تشتغل عنصرا حاسما في إثبات أدبية النص الأدبي.
عندما نتأمل مثل هذا التناول الذي يعتمد تصورات من خارج العملية الإبداعية، من أجل إعطاء الشرعية لطرح التمييز ، فإننا سنلاحظ أن مثل هذا التناول لا يخدم الأدب، كما لا يخدم المرأة عندما يتم التعامل مع إنتاجها خارج منطق نظرية الأدب ، وليس بموضوعية تؤهل خطابها إلى المنافسة في المشهد الثقافي المعرفي. لكن، يظل سؤال ظهور المصطلح قائما ، ومدى خدمته للدرس الأدبي من جهة، وللمرأة من جهة ثانية؟ يعد الانطلاق من النص الأدبي ، مع اعتماد أسئلة ذات أبعاد ثقافية خطوة منهجية من شأنها أن تحدد شرعية وجود هذا المصطلح. بعيدا عن الدخول في تاريخ ظهور المصطلح،قريبا من المناخ الثقافي –الحقوقي فإن تعبير الكتابة النسائية ظهر في سياق عام حول الاهتمام بالمرأة من خلال وضعياتها الحقوقية والقانونية وكذا الرمزية الثقافية، ولهذا، بالنظر إلى وضعية هذا المصطلح وكيف حضوره وانتشاره ومناقشته في المشهد العربي، نستطيع أن نتبين وضعية المرأة أولا باعتبارها موضوعا حقوقيا، وثانيا باعتبارها ذاتا منتجة للخطاب الرمزي الذي من خلاله تقترح تمثلاتها وتصوراتها حول العالم. كما نستطيع أن نميز بين سياقات عربية قد بدأت تتجاوز الحديث عن هذا المصطلح ، في حين ما تزال أخرى تناقش بداياته، وتدافع عن شرعيته، أو ترفض وجوده. وإذا كانت مرجعية كل نص تتحدد من داخل نظرية الأدب، فإن النظر إلى كتابة المرأة لا يخرج عن هذه المرجعية، غير أن تعيين كتابتها وفق التخصيص، لا يعني التمييز، أو التميز، أو شيئا من هذا القبيل، وإنما يتعلق الأمر – سياقيا- أولا بالانتباه إلى المرأة باعتبارها ذاتا منجزة للفعل الرمزي، وليس موضوعا له. وبالتالي، التساؤل حول تمثلاتها للذات والعالم من حولها، وهل تعيد إنتاج نفس الدلالات لنفس المفاهيم المتداولة، أم أنها انطلاقا من موقعها الجديد، فإنها تبني دلالات جديدة، كما تقترح مفاهيم غير مألوفة بناء على رؤيتها الخاصة. في هذا المستوى تصبح « الكتابة النسائية» ليس كل ما تكتبه المرأة، لأننا إن نظرنا إلى المسألة كذلك، سيكون لزاما علينا أن نؤمن بالآخر المختلف وهو الأدب الذي يكتبه الرجل، ومن ثمة سيصبح العالم الخارجي ( رجل/امرأة) هو الذي يحدد معنى الأدب، وفي هذا انزياح عن منطق نظرية الأدب. فالتركيز على الأدب التي تنتجه المرأة وفق هذا الاستعمال فيه نوع من التبئير على صوت المرأة الرمزي، وموقعها الفاعل وليس المفعول به،وجديد اقتراحها في عالم الدلالات والمفاهيم، وهو مستوى يعزز طبيعة حضور المرأة في الشأن العام. كما أن مصطلح « الأدب النسائي» سيتحول نتيجة لاشتغاله إلى واجهة لإعادة تفكيك رتابة الذاكرة الجماعية، إذ يصبح السؤال ليس حول: ماذا تكتب المرأة، إنما كيف المجيء إلى كتابة المرأة؟ سؤال عرى بعض المظاهر الذهنية العربية التي حين يتعلق الأمر بخطاب المرأة، يتحول خطابها إلى المرأة باعتبارها موضوعا للمشاهدة وليس ذاتا منتجة.
هو تناول نقدي ذو بعد إجرائي، تتحدد مرجعيته من داخل الممارسة النصية التي تنتجها المرأة وليس من خارجها.ولهذا فهو تعبير لا يدخل في التمييز بين أدب نسائي وآخر رجولي.
وهو تعبير أنتجته مجموعة من التكوينات النصية التي أنتجتها بعض نصوص بعض الكاتبات، وليس كل الكاتبات، وأيضا بعض النصوص وليس كل النصوص.
بهذا الشكل، يصبح الاقتراب من الموضوع ليس بهاجس الدفاع عن المرأة ، لأن الدفاع عن المرأة له سياقات حقوقية ونضالية مشروعة في مساحاتها المطلبية،وإنما اقترابا نقديا وأدبيا . الكتابة النسائية مصطلح نقدي، وأداة إجرائية، يتم الاشتغال بها وفق طبيعة بعض النصوص الروائية التي تكتبها بعض الكاتبات، وليس كلهن، والتي تتوفر على شروط بنائية مغايرة للمألوف في البناء العام، وهو بناء ينتج تداولات غير مألوفة للمفاهيم السائدة.
إنه استنتاج نصي أدبي يغني العملية النقدية باعتبارها تفكيرا في الأدب. ويرقى بتجربة إبداع المرأة إلى لحظة تطوير آليات التفكير، وكذا بلورة دلالات جديدة للمفاهيم المألوفة. مثل الجسد والرجل والذات والسيرة والزمن والمكان. وهي كلها مفاهيم تجد لها مفارقات في التداول في بعض روايات بعض الكاتبات العربيات. يساهم هذا البعد الإنتاجي الدلالي، انطلاقا من البناء النصي في كتابة بعض الكاتبات في خلق تعدد التداولات المفاهيمية، كما يجعل المرأة تدخل المجال التعبيري من خلال مفهوم الإنتاج وليس الاستهلاك، وتكون بذلك شريكا في إنتاج المعرفة بالعالم.

زهور كرام


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:18 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


تفاصيل سردية صغيرة



سعاد العنزي

دوما ونحن نشرع في تحليل أي نص سردي ننهمك في أسئلة رئيسية عن الثيمة الأساسية في موضوع الرواية، القضية التي يعالجها السرد، الشخصيات، آليات السرد، الحبكة، المكان والزمان، اللغة السردية، وتجلياتها المتعددة في النص، وكثير من الأسئلة غير المنتهية الخاصة بالسرد.
ومن النادر جدا أن نفكر بالتفاصيل السردية الصغيرة جدا، أو الوحدات السردية الصغرى من خلال الوصف أو الديالوج والمونولوج، التي لا تعدو أن تكون فقرة واحدة من السرد، تكشف شيئا عن البيئة الاجتماعية، أو العالم النفسي للأبطال. هذه التفاصيل بمثابة لمحات، ولقطات كاميرا ليومياتنا، لما يدور في داخل الذات، أو خارجها، تعكس نظرات المجتمع ورؤاه، وتعكس آلية تعامل الفرد في المجتمع، ومع ذاته، وكيف يقوم فرد ما بقمع ذاته حتى يتماشى والنسق السائد باعتبارها إشارات مرجعية.
من هنا، سأقف عند هذه التفاصيل السردية في بعض الروايات التي لفتت انتباهي بالآونة الأخيرة وأراها بحاجة كبيرة للتحليل على اعتبار إنها دوال هامة في قراءات مدلولات اجتماعية وإشارات مرجعية في قراءة بعض أفكار وسلوكيات المجتمع.
في رواية «فليكن صبحا» لسيد قشوع توقفت عن العديد من اللمحات الاجتماعية الناقدة للمجتمعات العربية، من مثل تخلف الوطن العربي، ووضع عرب إسرائيل داخل إسرائيل بوصفهم أقلية. إلا إن الملمح العرضي الوارد في سياق استذكار السارد تفاصيل خطبته وزواجه عبر الفلاش باك يشدني لكشفه تصورات المجتمع للمرأة. فهو يقول على لسان والديه ناقلا الفكر التقليدي الأبوي لنا إن الفتيات الجيدات والصالحات للزواج هن اللاتي يدرسن في المعاهد المحلية في المدن والقرى من دون الذهاب للجامعة، بحيث يكون «كل فرد يعلم ما هو السرير الذي نمن عليه».
(الرواية) لذا ستكون زوجته واحدة من النساء اللاتي حظين بهذه التربية في المنزل الاجتماعي الكبير (القرية) وهو ما تعتبره القرية صك ضمان لأهلها بأن نسائهم لم تلوثها رياح التغيير في الجامعة، ولم يبتن بسرير بعيد عن بيت العائلة. مما يكشف إن المدرسة في هذا المجتمع تحظى بوضعية اجتماعية محترمة ذات تقدير بوصفها من النساء اللاتي « لم يحظين بفرصة معرفة العالم خارج القرية».
كما يحيل إلى ضرورة محدودية معرفة المرأة بوصفها شخصية تعطى ما يصل إليها من معرفة محدودة، حتى لا تزعج الزوج وأسرتها والآخرين بأسئلة هامة حول وضعها كامرأة، وأشكال للتفكير في مجتمعها قد يعجز المجتمع عن الإجابة عليها، لأنها تمس بشكل كبير أنظمة التفكير الأبوية القمعية المتوارثة منذ قرون ليس من السهل تغييرها.
فالأمر كما تقول جوديث باتلر: « أنا أعلم كيف إنا بصعوبة نحاول رفض الأفكار المبنية اجتماعيا الخاصة بالجنس والنوع، ولكن حتى نحدد أنفسنا، بحدودنا الخاصة وحرياتنا، ونستخدم مصطلحاتنا نحن، سوف نبقى نقوم بهذه التصرفات». بهذا الشكل المرأة ستبقى مقيدة في المجتمع، مادام القدر المقدم لها من الوعي هو ما يمنحه لها الآخر بحبور شديد مستخدما إياها في مساعدته ومشاركته في الحياة وفق شروطه الخاصة.
النظرة الاجتماعية التي انبثقت منها هذه الرواية تقودني للسياق الاجتماعي الخارجي، خارج الفضاء الروائي للفضاء الاجتماعي انطلاقا من بيئة السرد الاجتماعية عرب فلسطين المقيميين بإسرائيل إلى بيئة الخليج العربي، والموضة الجديدة في التعامل مع المرأة المتعلمة في الخليج، حيث يفضل أن تكون مدرسة ، لأسباب مشابهة لأسباب السارد، تصب في أنها تكون في بيئة عمل مكونة من النساء فقط، وأن يكون دخلها مرتفعا لتساعد الزوج في المصاريف، وفي أحيان كثيرة لتقوم هي بالصرف بدلا من الزوج، إذ تتحول الأدوار الوظيفية بين الرجل والمرأة، بشكل سري بينهما وغير معلن للمجتمع.
هذا الالتقاط لنظرة المجتمعين يبين وحدة النظرة الاجتماعية للمرأة المتوارثة في المجتمعات العربية، سواء أكانت تعيش هذه المجتمعات بإسرائيل أم بأشد الأنظمة الأبوية حضورا في الخليج العربي.
لمحة أخرى من رواية كويتية أخرى، تعكس ملمح خفي في المجتمعات العربية، وهو دور الأطفال في نشر الإشاعات، وفي المحاربة والانتقام الاجتماعي ممن يخرج من الأنظمة السائدة، فالأطفال كما يصورهم كاتب رواية «الصهد» ناصر الظفيري في الفصل الخاص بقصة «المهري» في القرية في المشهد التالي:

« المهري يحب ديمة»

كان ذلك السطر الذي خلفه المطر إضافة لمستنقعات وجروح غائرة في وجه الأرض، يتناقل الصبية عبارتهم لتسمعها النسوة وتنقلها لرجالهن، لكن هذه الحقيقة لم تجد قبولا من أحد ومن الرجال تحديدا، فما يقال عن ديمة اليوم سيقال عن نسائهم اللائي يستقبلن الباعة المهرة عاريات الجيوب والوجوه، لذا أحس الصبية بخيبة، ولم يثأروا لأنفسهم من ديمة كما يجب». (الرواية، ص 100).
في هذا المشهد يسلط الكاتب الضوء على دور الصبية في المجتمعات الصغيرة بشقاوة صبيانية غير مسؤولة يثيرون الإشاعات والأقاويل، ومن مواقف بسيطة قد لا تكون دقيقة ينميها خيالهم الطفولي غير المحدود بالمنطق والعقل لتثير فتنة اجتماعية في المجتمع. وكم خلق الأطفال بأقاويلهم الكثير من المشاكل الاجتماعية. وإن كانوا في هذه الحالة لم يتم تصديقهم لسبب يعود للرغبة في المحافظة على خصوصية نسائهم وعدم التطرق لهن، مما يعني لو إن الأمر لا يتعلق بنسائهم فلكان هناك قبول جمعي للوشاية من الصبية من دون تحقق. وهو أمر مشابه لتفصيل آخر في رواية «سماء مقلوبة» إذ يقوم الصبي البطل والسارد بأن ينقل أخبار نجوى، عشيقته، لزوجها لأهطل، ويساعده في قتلها.
نظرة الظفيري في الروايتين تنحرف عن الصورة المألوفة في الواقع والتخييل للطفولة بأنها عالم من البراءة، إلا إن العملين يكسران هذا المألوف ويقدمان صورة للطفولة غير المسؤولة وغير المهذبة، مما قد يفضح الطفولة ويفكك جزءا من السرديات المتعلقة بتصرفاتها غير المعلنة لا في السرد ولا في الواقع والقادرة على تأجيج الفتن في المجتمع.
في رواية «ارتياب» للسعودي بدر السماري تفاصيل سردية متعددة تخترق ما يجول في النفس الإنسانية من خواطر وأفكار وهواجس يومية، تجعل من المهم الالتفات لها لأنها تنقل مايدور في داخل النفس الإنسانية من دون علنية ظاهرة، ولكنها تتشظى بيومياتنا بثرثرات جانبية على هامش موضوع ما. «ارتياب» تقدم ارتياب الأشخاص وهم يحاولون نقل ما يدور في دواخلهم لخوارجهم، في قول كلمة، أو التصريح برأي، أو الاقتراب من شخص، والبعد عن آخر، اكتشاف الغيرة والحسد غير المعلنيين بسقطات اللسان أو الأفعال غير المرسومة بدقة تفضحها، وتجعلنا ننظر له بنظرة ريبة وغير تحقق من حدوث الشيء ولكنه يبقى في مروياتنا وتأويلاتنا الذاتية، والتي لا نسرها إلا لقريب ومصدر ثقة.
يقول السارد: « كانت كذبة سيئة التي قلتها، لم تفكر كثيرا في السيناريو، قررت نوع الهدية و»سلقت» السناريو على عجل، دون ملح وبهار».
في الحوار السابق بين السارد والشخصية يلتقط بدر السماري فكرة مهمة في «سلق» السيناريوهات اليومية في دواخلنا ونحن نفكر ونرتب ونعد كذباتنا اليومية الصغيرة التي أحيانا تبدو ضعيفة أمام الآخر لعدم منطقيتها، فذيبان الذي يهدي كحلا لغزيل، والتي لم تتطور علاقتهما لمدة أشهر كثيرة بسبب الخجل، والوقوع في دوامة التوقعات غير السارة، لم يفلح في الإجابة على تساؤلها المشروع كيف يهديه صديقه كحل وهو يعلم إنه مطلق منذ أشهر!
فكرة «سلق» أي إعداد السناريوهات اليومية أمر يحدث بشكل يومي ونحن نعدل من قصصنا الذاتية، وما يدور بخواطرنا ونحن ننزع لحوار الأخر والتعامل مع بشكل لائق يبين التصنع في حيواتنا هي إحدى التقاطات «ارتياب» الذكية، وغيرها من التحليلات النفسية لعديد من السلوكيات الإنسانية التي تخفي خلفها الغيرة والحقد وأمور أخرى تشدنا ب تلتقط يومياتنا بشكل دقيق ومركز عسى أن ننتبه لها ونعدل منا. مثل هذه الومضات تعد واحدة مما يتوق الأدب لتنبيهنا له في حياتنا اليومية.

٭ كاتبة كويتية

سعاد العنزي


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:23 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ... تكتب على الماء




فاطمة الشيدي



راسم المدهون

في مجموعتها الشعرية الجديدة «على الماء أكتب» (دار الانتشار العربي – بيروت – 2014 ) تختار الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ضمير المتكلم سياقاً لعصفها الشعري الناعم والمشبع برذاذ الماء كي تبوح قصائدها التي تشاء منذ البداية أن تضعها تحت عناوين ثلاثة «نفاف القلب»، «مسوَدات الغرق» و «من الماء إلى الماء». فاطمة الشيدي في قصائد هذه المجموعة الجديدة تنحني على أقنومين رئيسين لتنهل من ينابيعهما معاً: الحنين والذاكرة وتمزجهما بمشاهد الراهن وما فيه من موجودات تبدأ بالطبيعة ولا تنتهي بمفردات الأسى والحب والعيش.

قصائد تنتمي في صورة صافية لما يمكن أن أسميه هنا «صوفية معاصرة»، فالشاعرة إذ تحتفل بالحياة تفعل ذلك على طريقتها الخاصة التي تقارب أناشيد بالغة الذاتية تمتزج خلالها اللغة الإنشادية بأفق «واقعي» يجد معادله الفني في استقراء الصورة الشعرية ومنحها مكانتها الأعلى والأهم في البنائية الشعرية كلها. فاطمة الشيدي إذ تبوح وتسرد تلتصق بكل ما هو داخلي حميم لا يغيب إلا لكي يحقق وجوده في جماليات فنية تنتمي لشاعرية البساطة التي لا تفتعل ولا تتكلَف في تعبيريتها المباشرة ولكن المنسوجة من رؤى شفيفة:

«سأستفيض فيك وفيَ

في ظلام اليأس

وفي عافية الموت

سأطرز ثوب الحقيقة بمنمنمات الغياب

ولن أبكي حين يغرغر الطائر من لهفته»

أكاد أقول هي قصائد مائية بمعنى ما فالشاعرة تكتب سطورها بكلمات من رذاذ حيث يستدعي الشعر لغة مختلفة تنتبه لما في البوح الأنثوي من وشائج مع الحياة الطافحة بغزارة حدثها، والتي تثقل على الشعر إن لم تتداركه المخيلة الجامحة واللغة البسيطة، المكثفة والنابضة بحياة لها شكلها الفني المختلف. فاطمة الشيدي في كتابها الشعري «على الماء أكتب» تختار الصعب حين تنحاز الى تعبيرية جمالية تمزج السردية الشعرية بأفق العاطفة المباشرة والتأمُل، وتأمُلها لا يبتغي «حكمة» ما، أو «خلاصات قول» قدر رغبتها في استقصاء المديات البعيدة للألم. هي تكتب من هناك بالذات، من مساحات الألم الفردي في مسارات الحلم والواقع معاً، وقصيدتها لا تكتمل تماماً بل هي ترسم للقارىء باباً يفضي للمخيلة يحتاج أن يدخله القارىء بذائقته ووعيه معاً:

«كأنها ليست أنا

تسرق كل التفاصيل من سرَة الليل

تسردها لعميان الرواة

وتشرح الأسرار حين تفيض

وحتى المنتهى...».

ليست القصيدة في كتاب فاطمة الشيدي الشعري الجديد سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.

فاطمة الشيدي في هذه التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:33 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


غادة السمان تكتب لـ «القدس العربي»:



غادة السمان وفاطمة السردوك


في رحيل الصحافية الرائدة فاطمة السردوك


لا تخافوا. لست في سبيلي لجركم الى وادي المراثي والدموع والاحزان كما يحدث كلما رحل قبلنا انسان/انسانة احببناها بعمق… انني فقط اتذكرها ممتنة لاقداري لانني عرفتها. ثم اني اعرف ان الحزن لا ينقص احدا هذه الايام في عالمنا العربي، لذا ادعوكم الى لحظة امتنان روحية لان مخلوقة رائعة اسمها فاطمة السردوك تشع بالعطاء والشجاعة والصمود مرت بكوكبنا ومنحتنا الكثير والهمت مهنيا عددا كبيرا من حملة القلم اللبنانيين والعرب وانا منهم.
وسأذرف دمعتي سرا وانا اودع استاذة كبيرة في حقل الصحافة والصمود والعطاء الانساني هي فاطمة. ودعوني اتحدث عنها بحياد غير بارد.
سمعت باسمها للمرة الأولى حين كنت ازور بيروت قادمة من مدينتي الأم دمشق لتصحيح مسودات كتاب الاول «عيناك قدري» في المطبعة في «الخندق الغميق» ببيروت كسبب رسمي معلن، للتعارف مع مدينة عشقت مناخ الحرية فيها اسمها بيروت.
سمعت من راجح خوري ونهى سمارة يوم دعانا نديم ابو اسماعيل للغداء في مقهى/مطعم اسمه «ماي فلاور» وكنت التقيهم جميعا للمرة الاولى واتعارف مع المقهى للمرة الاولى ايضا دون ان ادري انني بعد ذلك بأعوام سأقيم في مبنى بالقرب منه وسألتقي فيه كل ليلة مع غسان كنفاني.
قالا لي، نهى وراجح ان مجلة جديدة اسمها «شهرزاد» في طريقها الى الصدور وان رئيسة التحرير التي تقوم بتأسيسها وجمع الاقلام لها هي الصحافية في مجلة «الاسبوع العربي» فاطمة السردوك. قلت لهما انني ربما سمعت بهذا الاسم من قبل اذ التقيت قبلها بضابط صغيروسيم اسمه منير السردوك في سهرة في منزل الصحافي فريد ابو شهلا صاحب مجلة «الجمهور» وهي سهرة ضمت الكثيرين بينهم غادة الصحراء (اسم مستعار لأميرة عربية نشرت ديوان «شميم العرار» بهذا الاسم) وسعيد عقل الذي كان متهما بانه كتبه لها (ولم اصدق ذلك) ومستر (تن بورست) وشرحوا لي يومها وانا الجاهلة القادمة من دمشث انه الذي له حصة من بيع البترول هي 10٪ من بلد عربي، وسواهم كثير.
وحين علم الضابط الوسيم انني كاتبة جلس الى جانبي يحدثني بولع عن خطيبته الجميلة الصحافية في مجلة «الاسبوع العربي» فاطمة ناعورة. كان ذلك رائعا. ذلك الحب كله والاعجاب يفيضان من قلب عاشق هيمنت مثقفة جميلة على روحه.

أول رئيسة تحرير وأول عمل لي في بيروت

وتشوقت للتعارف مع تلك الصحافية التي عرفت من ادباء وصحافيين ان مجلتها «شهر زاد» موجهة الى شهريار وشهرزاد معا، اي انها ليست «مجلة نسائية» ترأس تحريرها امرأة (وكان ذلك مألوفا) بل مجلة للجميع وهوما احبه منذ ذلك الزمان.. اي ان تقوم المرأة بمهمة تعارف الناس والمثقفون على انها مهنة رجل.
واتصلت بي في دمشق فاطمة قائلة انها ترحب بحضور اسمي في مجلتها وقبلت، وهكذا التقيت بعدها للمرة الاولى بفاطمة السردوك في مكتبها في «البناية المركزية» حيث كان مقر ناشر مجلة شهرزاد الاستاذ زهير بعلبكي وافراد لها مكتبا انيقا وزرتها فور وصولي الى بيروت بغاية الدراسة في الجامعة الاميركية. ووافقت على العمل معها.

صرت اتفاءل بالعمل مع رئيسة تحرير

ولم اكن أدري يوم صافحت فاطمة ناعورة السردوك للمرة الاولى منذ الف عام بانني التقي بوجه الخير وفاتحة النجاح، بل وبواحدة ستصير من اقرب صديقات العمر الى قلبي والتي لن يفرقني عنها الا الموت.
فاطمة السردوك كانت رائدة صحافية منذ بداياتها. اقتحمت مجال الكتابة السياسية في مجلة «الاسبوع العربي» قبل ان تفعل ذلك اي كاتبة عربية اخرى ـ وكان ذلك الحقل حكرا على الرجال ـ واقتحمت مهنة تأسيس مجلة واداراتها ولم تسبقها الى ذلك امرأة عربية وانا شخصيا (اكرر) احب كثيرا ان تتولى امرأة تلك المهام التي يتم تقليديا اسنادها الى (رجل).
وهكذا كتبتُ في مجلتها «شهرزاد» الصفحة الاخيرة بعنوان «كلمات دافئة»، وكانت فاطمة السردوك اول من اخترع تحويل الصفحة الاخيرة الى موقع اعلامي مطروق.
وقبل فاطمة السردوك كانت الصفحة الاخيرة مرصودة للنكات والابراج والاقوال المأثورة والطرائف وكتابات من هذا النمط.
في مجلة(شهرزاد) تعارفت مع رهط الصحافيين الشبان صاروا فيما بعد مشهورين واصدقاء مزمنين.
فاطمة لم تكن رئيسة تحرير احتكارية. وحين تلقيت عرضا للعمل في «الاسبوع العربي» وكتابة عمود اسوة بعمود ليلى بعلبكي فيها، وهي التي سبقتني الى ذلك، رحبت فاطمة بالأمر وقالت لي انها كصديقة تجد ذلك مفيدا لي ككاتبة ناشئة تحاول شق طريقها.. وهكذا انتقلت الى «الاسبوع العربي» لكتابة صفحة خاصة بي، وتعززت صداقتي مع فاطمة وصارت شخصية وحميمة. ودامت العمر كله على مدى عقود، اصدرت خلالها خمسين كتابا وترجم بعضها الى 18 لغة لكنني ظللت دائما استمع الى آرائها النقدية فهي مثقفة كبيرة تقرأ بالعربية طبعا وبالانكليزية التي تتقنها. قبل عامين اخبرتها انني اعمل على رواية جديدة اسمها (وداعا يا دمشق) واقوم بتدوين مذكراتي بلا اقنعة (كعادتي) وانني دونت حادثة فوجئت بها وقعت من زمان حيث كنت ما ازال طالبة في الجامعة الامريكية.

صلة انسانية وصديقة عمر

يومها ذهبت الى بيت فاطمة وكانت تصطاف في بيت يقع بين عاليه وبحمدون وايقظتها من النوم بعد منتصف الليل ونومها مرهف ويكفي ان تقع ريشة قرب اذنها لتستيقظ.
في البداية كانت قد نسيت الحادثة وحين قلت لها انني اكتب مذكراتي واتذكر بالضبط اين اصطافت، في المفرق الثاني على يمين الشارع بعد ان تتجاوز «عاليه» صوب بحمدون حيث تدخل السيارة في درب ترابية وبيتها الى يسار الزقاق في الطابق الثاني. تذكرت. ولعنت ذاكرتي التي لا تدعني وشأني لاريح واستريح. يومها اتخذت قرارا بـ«فك خطبتي» مع صحافي لبناني كبير بعد عام من الارتباط والحب المشتعل لانني اكتشفت ان هذا الزواج سينتهي بالطلاق وانا لا اريد طلاقا وشجعتني.
لقد لجأت ليلتها الى صديقتي فاطمة ولعلها استيقظت بالحدس قبل ان اقرع الباب، فقد كانت حاستها تلك نشيطة على نحو استثنائي. ولم تعد صلتنا مهنية فحسب بل صارت اولا صداقة انسانية. ولم اكن الوحيدة التي تلجأ الى فاطمة في زمن (اعلان الطوارئ) العاطفية بل كانت الصديقات كلهن يستشرن حكمتها.

أشهر رواية عربية غير منشورة!

وعرفتني فاطمة على صديقتها منذ ايام دراستها في القاهرة النجمة السينمائية الرائعة ماجدة، واتفقت معها على تحويل روايتي (السقوط الى القمة) الى فيلم سينمائي ونشرت الخبر يومئذ الصحف كلها كما نشر الشاعر نزار قباني ـ الذي تقاعد في بيروت من العمل الديبلوماسي ـ اعلانا في صفحة كاملة من مجلة «الآداب» معلنا انه سيصدر (كباكورة) لدار نشره ديوانه «يوميات امرأة متمردة» وروايتي «السقوط الى القمة» لكن روايتي سقطت في براثن تشردي وسرقت مني في حقيبة كنت احملها في احد المطارات الاوروبية، واستطيع ان اتخيل مدى خيبة امل السارق الذي لم يجد فيها نقودا بل اوراقا بلغة يجهلها. ولم يتحقق الفيلم الذي تحمست فاطمة له، لكن عنوان روايتي الهم الكثيرين كتبا واقلاما وكانت فاطمة تغضب لذلك وصارت «السقوط الى القمة» اشهر رواية عربية غير منشورة وتتندر فاطمة بذلك.

الصامدة الأولى

ثم جاءت الحرب وظللنا نتواصل دون انقطاع…
وكل منا مقيمة في (جبهة!). انا في (جبهة) «قصر الداعوق» الذي صار يتوسط خط الحرب بين «الهوليداي ان» و«برج المر» وهي في (جبهة) «رأس النبع». صمدنا في بيروت العرب. صبرت عشرة اعوام فقط حتى اضطررت وزوجي للاقامة في سويسرا فباريس. وكانت فاطمة اميرة الصمود الاولى لأنها لم تغادر يوما بيتها وكانت شجاعة في مواجهة مسلحين من الانماط كلها تعاقبوا على بيروت وحي «رأس النبع». حاولوا استعمال شرفاتها وسطح مبناها وبيتها موقعا حربيا، وحرمتهم من ذلك دونما خوف من منطق السلاح غير الشرعي وهي زوجة عميد في الجيش اللبناني الذي يمثل وحده السلاح الشرعي في لبنان، فقد كانت اميرة من اميرات رعايا الحرية ورفض وباء العنف المجاني و(الزعرنات) والارهاب بالاستقواء والاستعلاء وتخويف الناس.
وعلى الرغم من الحرب كانت فاطمة تعبر على ايصال الفرح الى قلب اسرتها وبهجة العيش والنظر الى المستقبل بتفاؤل.. وذات صيف لم نر خلاله سوى عتمة الملاجئ ودهاليز البيوت احتماء بجدرانها من القذائف،توقف القصف. وكلنا تعلمنا ان ذلك يعني هدنة عابرة جلبا للذخائر استعدادا لجولة اخرى بين موت وآخر، وتهاتفنا صديقتي الصحافية الكبيرة فاطمة السردوك وانا واقترحت ان نذهب الى الحياة والشمس والبحر والمسابح وتجاوبت.. وذهبنا برفقة طفليها (يومئذ) رمزي وريم وطفلي حازم (الشبان اليوم).كانت المسابح كلها مغلقة وقررنا السباحة اينما كان.

السباحة تحت الرصاص

قرب فندق «الريفييرا» في كورنيش بيروت هبطنا بعدها تسلقنا الحاجز الحديدي وقفزنا الى الصخور فالبحر بعدما تركنا ثيابنا في السيارة. كانت المياه دافئة فرح بها (اطفالنا) وزقزقوا طربا للامواج والبحر وكنا قد ارتدينا ثياب الاستحمام تحت الزي المألوف الحربي(اي الجينزوالقميص الابيض) وسبحنا بمتعة والمكان لا يخلو من الناس كعادة (البيارتة) ورغبتهم في ممارسة حب الحياة بين رصاصة واخرى.
ولم يتحرش بنا او يضايقنا احد ونحن نحنو على اطفالنا الذين لم يروا من الدنيا غير الحرب والقنص والقصف. ولكن سلامنا لم يطل، اذ تقدم منا مسلح في ثياب الاستحمام لكنه يحمل رشاشه، وقال لنا بلطف بالغ: الرجاء الانسحاب والاولاد الى الشاطئ بضع دقائق فقط. ثمة رجل يسبح بالقرب منكم نريد ان نقتله ونخشى ان تصيبكم رصاصة طائشة!
وشكرناه على «كرم اخلاقه»، وانسحبنا بسرعة من الموجة الى الصخور ونحن لا نصدق ان ذلك يحدث حقا.
ولم تكد اقدامنا تمس الشاطئ حتى انهمر الرصاص على بقعة بحرية خلت فجأة من الناس، الا من الهدف. شاهدناه رجلا مستدير الرأس كث الشعر يعوم فوق الماء، ثم اختفى.. قلنا حسنا، انتهت مراسم الاعدام، فلنعد الى البحر! وشهدنا بذهول امام ذلك الموت الغريب تحت تلك الشمس الساطعة البريئة، لكن بيروت كانت قد علمتنا بقسوة ان لا نتدخل فيما لا يعنينا.. وصارت صلتنا بالحياة سوريالية كلها ضحكات بحرية مالحة وبعد قليل فوجئنا «بالقتيل» سابحا الى جانبنا! وشهقت ذعرا وابتسم «المرحوم» وعرفنا انه «قبضاي» و«سمكة قرش»، يتقن السباحة تحت الماء وانه لم يبال بالتهديد وها هو يسبح وقد جاء اتباعه خلال لحظات «مستنفرين»، وانتشرالمسلحون وتكهرب الجو، و«المرحوم» مصر على نزهته المائية بين اولادنا! وهو يعلن شجاعته ولامبالاته بالتهديد.. فأعلنا خوفنا، ولملمنا، اطفالنا من الماء فرخا فرخا، وانسحبنا شاكرين للمسلحين هذه البادرة الانسانية نحونا بتحييدنا. ولم تكد السيارة تتحرك بنا ونحن نقطر ماء وفي ثياب الاستحمام، حتى انهمر الرصاص وانفجرت المعركة. فانفجرنا نضحك بصوت مالح كالدم.

رائدة في الكتابة السياسية والشجاعة

ولم يكن ذلك الصباح الطائش وحده يتهدد حياتنا، فقد تعرضت وفاطمة لخطر الموت مرات على طريق (الرينغ) البيروت، اي الشارع الشهير الذي كان يربط بين بيروت الشرقية والغربية، ذلك ونحن في طريقنا الى مقر عملنا في الاشرفية في مبنى «الاسبوع العربي» مقابل «فيلا سرسق».
وذات صباح كنا على (الرينغ) وفاطمة تقود السيارة ونسمع صوت الرصاص من هنا وهناك حين انفجرت السيارة امامنا بقذيفة وارتجت بنا سيارتنا وكدنا نطير لعنف الانفجار، لكن فاطمة ظلت تمسك بالمقود بحزم.
بعدها اصر زوجي على ان اتوقف عن العمل في (الشرقية) وفعلت، ولكن فاطمة ظلت تذهب الى العمل عدة اسابيع بعدي بمفردها مع الجندي سائق زوجها حتى تم قطع الطريق لاحتدام الحرب.
فاطمة كانت رائدة في حقل الصحافة اذ لم يسبق ان كتبت انثى في السياسة قبلها بذلك الاطلاع والتحليل الذكي.
وكانت تكرر لي (انا مخلوق سياسي) ولحقت بها الكثيرات من العاملات المتألقات في ذلك الحقل لكنها كانت رائدة شقت الدرب. وحاورت باقتدار كبار الشخصيات السياسية اللبنانية والفلسطينية. عملت في «الاسبوع العربي» فجريدة «اللواء» الكثير من المنابر التي كانت مستشارة لها ودائما ثاقبة النظرة السياسية وفية للحرية والشجاعة والصمود ولم تغادر يوما بيتها على الرغم من ان جبهة «رأس النبع» كانت «حارة» جدا.
لم تكن فاطمة وفية فحسب بل كانت تحب الوفاء وكانت مسرورة حين وجدته مثلا لدى الصحافي راجح خوري (وهو احد الشبان الصغار الذين عملوا معها في مجلة شهرزاد) اذ ذكرت لي انها التقت به قبل حوالي عامين في مناسبة ادبية فكرية واحتفى بلقائها وعبر عن وفائه لايام العمل معها.. وانحنى وقبل يدها باحترام واجلال.
لقد كتبت عن اختي الحبيبة وصديقة العمر فاطمة قبل عام ونصف العام تحت عنوان«نساء رائدات» فأنا اكره ان نحرم الاحياء من حبنا ونقوم بتزيين توابيتهم بالنياشين والقصائد بعد رحيلهم.
واخط اليوم هذه السطور مكسورة القلب والخاطر،اذ كنت قد واعدت نفسي بجلسة غداء مع فاطمة على شاطئ البحر كعادتنا كلما زرت بيروت.
هذه المرة ستخفف فاطمة موعدها مع فرحتي بلقائها ولن اخلف موعدي مع دمعة حسرة لغيابها.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:37 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


سميح القاسم اكتمال الغياب واشتعال الذاكرة



سعاد قطناني

حين رحل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم احتل «ديوان الوطن المحتل» مساحة الرؤية، وعاد نضرا في ذاكرتي بغلافه الأسود وذلك اللون الأحمر الدموي المنثور في وسطه، عادت الكلمات لتعيد إيقاع خطواتي الأولى نحو الوطن إلى قلبي، تذكرت هذا الديوان وإحساس كبير بفقدانه يغمرني، تذكرته لأني عرفت فيه الشاعر سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد، وظل اسمه من خلال هذا الكتاب مرتبطا باسميهما، وظلوا جميعا في ذاكرتي شعراء شبابا يقارعون الاحتلال بعناد اللغة وقوة المعنى، ورغم اختلاف التجربة الشعرية لكل منهم عن الآخر إلا أن خيطاً خفياً ظل يربطهم إلى بعضهم بعضا بقلبي، وظلوا في وجداني «شعراء الوطن المحتل»، رغم هجرة درويش واحترافه جدلية الوطن والغربة.
لا أعرف متى تم اقتناء الديوان في منزلنا، لكن وجوده كان راسخاً في المكتبة، وكان يشد عينيّ كيفما جالتا في المكان، وأذكر كيف كانت أصابعنا الصغيرة أنا وإخوتي تبحث في صفحاته عن قصيدة او بيت شعر يشعل فلسطين فينا، كنا نبحث عن الأشعار كي نحفرها على مقاعدنا المدرسية، كي نطرزها على الجدران، أو نكتبها على دفاترنا وكتبنا كفاتحة لحب الوطن، كان هذا الكتاب مرجعنا في أغلب مواضيع الإنشاء والتعبير، وكان هذا الديوان يبعث فلسطين في قلوبنا نبضاً حياً وبركاناً يشتعل شوقاً لوطن لم نعرفه، مازلت أذكر أطرافه المهترئة، وكيف كانت كلمات هؤلاء الشعراء الذين أصبحوا صنواً لفلسطين عنواناً لأحلامنا وآمالنا وغضبنا وحريتنا وتمردنا، أذكر كيف كان الشعر يأخذنا إلى ذواتنا وأنفسنا وكينونتنا في عالم كانت أولى أبجدياته فلسطين واللجوء، كنا نتلمس وجعنا في كلمات نُسجت تارة من نار وأخرى من حرير على خلفية من رخام.
تذكرت هذا الكتاب وشعرت أني أفتقده ليس اليوم فقط، بل من لحظة ارتحالي على صهوة قلق المكان، فليس الأصدقاء فقط من رحلوا أو رحلت عنهم، ولكن الكتب التي شكلت وعيي ورسمت كينونتي وأحلامي ضاعت في رحلات غربتي واغترابي.. لحظة سماعي خبر رحيل الشاعر سميح القاسم كنت أود أن أمسك هذا الكتاب بين يديّ وأعاود تمرير أصابعي على الكلمات لأستعيد وهجها في روحي.. كنت أريد أن أستعيد لحظات تشكل الوطن والحنين والهجرة في قلبي.. كنت أريد استعادة أماكن توقفي وأماكن مروري على الكلمات التي ربما كنت أفهمها أو لا أفهمها، كنت أريد أن أبحث عن عبث قلم الرصاص على الصفحات، ولكن للأسف، غياب الكتاب الذي تعشق بأحلامي وذكرياتي كان فقداً آخر ووجعاً فوق وجع.
حين قام الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب بجمع أشعار هؤلاء الشعراء الشباب عام 1968، لم يكونوا قد وصلوا إلى ذروة شعرية الكلام وبلاغته، لكنهم كانوا صوت الصامدين البعيدين هناك في وطن الذاكرة، كانوا صرخة الغائبين المغيبين في أرضهم، فمن خلال صفحات هذا الكتاب كنت أرسم ملامح فلسطينية العينين والوشم في مخيلتي منقوشة بكلمات محمود درويش، وشبّابة توفيق زياد المعبأة بأنفاسه الخضــــراء، وكنت أمضي وأنا أغني أغاني الدروب التي نثرها سميح القاسم في حماستنا من رؤاه وروعة دمائه… وحــــين رحل سميح القاسم اكتملت دائرة الفقـــد ورحل ما تبقى من محمود درويش وتوفــيق زياد.
حين رحل سميح القاسم شعرت وكأنني أفقد آخر الأوراق التي تشبثت بذاكرتي من ذاك الكتاب وفقدت الأمل بأن تمر أصابعي على ذاكرة الصفحات إلا شذرات من وجع، رحيل القاسم ذكرني بأني فقدت الكثير مذ فقدت دفء جدران بيتنا الأول، فقدت حميمية المكان حين لم يبق منه غير وهج الذاكرة، اعتدت أن أستغني عن كل عاداتي، تعلمت أن أسكن المدن وأبقي خيطاً شفيفاً يفصلني عن التعلق بها أو الالتحام بدروبها وحاراتها، صرت ظلاً عابراً في الأمكنة وشعرت بفداحة ثقب الروح الذي تملكني حين أشعل سميح القاسم ذاكرة المكان والكلمات التي خطت أولى أبجديات الوطن في وجداني، حين اكمل مسيرة رحيل الكبار ممن صاغوا حضور الوطن لحظة غياب الجغرافيا، فلماذا أيقظت كل هذا الحزن فيّ برحيلك، لماذا أيقظت بغيابك كل الرحيل الذي يسكنني، أيقظت وجع الذاكرة، فأنا عرفت فلسطين بقراءتي المتلعثمة لقصائدك هناك في بيت هجرتنا في دمشق، في ألفة جدرانها وحنين حاراتها، فكم صارت فلسطين بعيدة حين ابتعدت عني دمشق، وكم صار وجع الأمكنة وفقدها حريقاً يشعل الوجع…
رحلت كما رحلوا جميعاً إلى الغياب وظل وعد اللقاء في سحر الجليل يستيقظ كلما عنّ على البال الحنين، وجالت في النفس قصيدة، رحلت كما رحلوا وتركت أمانيك معلقة كتميمة برقابنا، رحلت وأشرعت نوافذ الذاكرة على وجع الغياب والحنين، رحلت بعد اكتمال طقوس الدوران حول روح الكلام، رحلت فاكتمل الوجع وامتلأت الذاكرة بالنقصان.

٭ كاتبة فلسطينية

سعاد قطناني


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:41 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



سوزان عليوان في سماء الشعر والأمكنة




سوزان عليوان




محمد علي شمس الدين

تقرأ قصائد سوزان عليوان في أحدث ديوان لها «الحب جالس في مقهى الماضي «( إصدار خاص 2014 ) فتشعر ببكاء أنثوي سحيق اّت من مكان بعيد، ولكنه حاضر كغمامة تفاجئك بمطرها وتبلل عينيك ووجهك بما يشبه الدموع. ومثلما تلعب اّلة الكمان في قصيدة «البكاء «لغارسيا لوركا دوراً رئيساً، فإن طللية ما، بكل ما فيها من شحنات الرومانس والوقوف على الأماكن القديمة بإطراق، تصاحب نصوص الشاعرة، من العنوان حتى النص الأخير، «باريس 1991 «. كأنها تنوح على بعض الأماكن في باريس، بيروت، القاهرة، التي لا تلبث أن تغدومهجورة : ذكرى طاولات وغرف وشوارع، وعلى ما تعبأ فيها من دم الحب القديم، ثم علاه الغبار، فصار ثمة خلل في الوقت وخلل في الأمكنة.

فالطللية صارت طقساً وقشعريرة، وما عادت مرتبطة بالضرورة بالصحراء العربية، ولا بالزمن الجاهلي، فكل مكان مهجور، سواء كان مقهى في باريس، أوحياً في القاهرة، أوزاوية في بيروت هوطلل... في قصيدة «كلما أهديتك كوكباً «، ذات الطابع السردي، تبدأ سوزان بتحديد المكان والزمان والطقس : «الرابعة والربع فجراً / بيروت بعد المطر «: إنه الوقت المثالي لتذكر الحبيب، ولاستعادة الشجن، ثم تأتي التضمينات الكلثومية (نسبة لأم كلثوم ) «رق الحبيب ««من كثر شوقي سبقت عمري « لتستعاد الأغنية بأركانها : «الشبح القصبجي مقعد شاغر / عروش في روحي لرامي الذي عاش عاشقاً ذليلاّ... «، فشرط الحب هنا هوأن يكون قديماً ( ذكرى )، وهوأيضاً شرط المكان. وهذه هي الطللية. سوزان عليوان إذن، بهذا المنحى شاعرة عريقة، والعراقة مرتبطة بالقدم، ولكنها في الوقت نفسه، حاضرة في زمنها الراهن، وشرطها الخاص والشخصي.



عراقة وحضور

/ أعرني دمعتك لأراني «/... كيف تكون الشاعرة عريقة وحاضرة معاً ؟ هذا جزء من شعرية سوزان عليوان في نصوص ديوانها الجديد، شعرية، تدافع، عن موقع الشعر القلق في العصر، المبتلى بهشاشة اللغة وسذاجة التصور وابتذال الأحوال. ذلك أن عليوان قادرة على تكوين لغة مرسلة مفعمة ومدهامة. وهي لغة لا تتأتى إلا لمن يقدر على استقبال هارموني العربية، من أعمق أعماق أصواتها وأجراسها، في التاريخ، وفي المقدس أيضاً... وفي إشاراتها المبعثرة في شاشات الإنترنت والفيسبوك اليوم. إن اختيار الصفة للموصوف مثلاً دليل في عنوان قصيدة «الزهرات العواتم «فالعواتم غير المعتمة. في العواتم استطالة تناسب استطالة الزهرات من خلال «الألف» المشتركة وهذه غريزة لغوية تلجأ إليها الشاعرة كما لا يفوتها العرام القراّني في قولها : «يداك مدهامتان «لسوزا ن عليوان رهافة إنصات لأجراس الحروف، كحرف السين في سيطرته في جملة «اليأس فأس لا تكسرنا «واللام في قولها «بلد من البلابل البالية «والصاد في جملة «لون صوف على صيف «وهلمجرا...» ثمة مناخات لبعض الصور في الجانب الروحي من اللغة فبالإضافة إلى «مدهامتان» سنعثر على دمعه تدور حول نفسها مثل درويش «وعلى «شمس من مسد «(قصيدة ما ليس بوسع بحر).

الطللية واللغة تعويذتا سوزان عليوان الخاصة. يستلزم ذلك :إنشاد بكائي يتكئ على مثيرات التذكر والشجن، وغناء ليس بالضرورة مستقيماً وليس طربياً. إنه غناء مكسور شبيه باستعادة صوت في أسطوانة مشروخة، ومحاولة لترميم الماضي كترميم إناء مكسور، يسيطر النقصان على المعاني لديها وعلى الوجود بكامله. ترى الشاعرة مولعة بذكر الأشياء ناقصة. دائماً ثمة : نصف حب، نصف عمر، نصف قمر، نصف رجل. تقول:» لنصف قمر أصفر أغني ««نصف الحكاية دمعة.. ««وجهك نصف محارة «... الخ وذروة النقصان بيت القصيدة الأخير «أحبك وأنت لا تعرف شيئاً عن عذابي «( مدينة المطر المتواصل).



الاسترسال والتناسب

يقوم الصنيع الشعري لدى سوزان على تقنية الاسترسال والاستقلال والتناسب. لناحية الاسترسال، والاستقلال، هي قادرة على كتابة قصائد في القصائد. بمعنى أن الأنفاس الطويلة لنصوصها العشرة في ديوانها تتضمن مقاطع أوشذرات شبيهة بتغر يدات يمكن أن تنفصل عن أمهاتها، وتكتفي بذاتها. وهي جمل مرسلة وكاملة : أحياناً بالصورة وأحياناً بالهندسة، وأحياناً باللغة المركبة. نستطيع أن تختار من القصيدة الأولى السطرين الأولين ليكونا قصيدة مكتفية بذاتها، تقول «أغني لعلني أولد / أغني لأنني أموت «، والاستطراد أوالاسترسال بسطرين تاليين، لا يخرج عن ملاحظة الاكتفاء «أغني كأنني لم أولد / أغني وكأننا لا نموت «... ثم إن سطراً واحداً يمكن أن يستقل بذاته «لا غربة أعمق من أن أحبك «وربما اكتقت الصورة أيضاً بذاتها، ففي قصيدة «الزهرات العواتم «تقول : «بيت المعري بين أقدامنا «وحض على التأمل الصوري :» بائساً ومبتسماً مثل ملك على دمعة ««لولا العصافير على أكتافها من يحدث التماثيل ؟ «وثمة ما يدعوللدهشة «الجلد أعمق من العظام من منا جمجمته في المراّة» وثمة أيضاً جمل متقطعة الأنفاس «صوتك يوصلني ضحكاتك تضيعني «، وثمة أسئلة محيرة «أليست الرحمة أعظم من الحب «، وصور طريفة «عشرة عصافير في اليد أصابعنا المتشتبكة / «دمعتان حتى حذائي ««بلادنا التي مثل صحراء ملء الجيوب «. ثمة حكمة «ننسى وننسى كأننا فعلاً من تراب «..... الشذرات هذه أوالتغريدات الشعرية، شبيهة بتغريدات فيسبوك معاصرة، وبالإمكان إطلاقها من قفص الديوان، كعصافير تحلق وحدها وتعيش. لكن ما يجمع شتات الجمل والصور، أوالبروق الشعرية، هوالإنسجام أوالهارموني. والهارموني إيقاع وتناسب. ليس ثمة أوزان في نصوص الشاعرة. بل تناسبات. بتعديل بسيط كان يمكنها أن تحول الجملتين الأوليين في كتابها إلى مقطع موزون على فعولن، لكن الشاعرة تكتب قصيدة نثر بلا وزن... والشعرية تأتي من التناسب وهي غير وحدة الموضوع، وغير الوزن. إنها وحدة المناخ والإيقاع.

يسهل أن نلاحظ التشتت في المحاور، (قصيدة ما ليس بوسع بحر) ولكن يسهل أن نلاحظ في الوقت عينه، التناسب والهارموني في المناخ... وعلى هذا المنوال تسترسل القصيدة في عشرة محاور متباينة، ومتاّلفة إنه جزء من تقنية القصيدة لدى سوزان عليوان.

ثمة تجارب أخرى لديها، في الصيغة، فالمبتدا في قصيدة «وحدي في الحكاية «اثنا عشر سطراً متتالية، والخبر، يأتي بمثابة تعليق على ما مر وصفه» : يا له من عمر بلا اّخر / دونك يقاس بالدموع «... ما يجعل الصنيع الشعري لديها، مغامرة، ومحاولة إضافة، مستندة إلى قاعدة صلبة من التراث، لكنها منطلقة كإشارات أسهم ضوئية في فضاء معاصر.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:45 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

منصورة عز الدين تتخيل «ليالي» أخرى




منصورة عز الدين



عمار علي حسن

لم تكتف الكاتبة المصرية منصورة عز الدين في روايتها «جبل الزمرد» (دار التنوير) باستعادة حكاية قديمة من الأسطورة الخالدة «ألف ليلة وليلة» ومدها على اتساع رواية كاملة مثلما فعل البرازيلي باولو كويليو في «الخيميائي» حين التقط صفحات قليلة من «الليالي» ونفخ فيها من قريحته فصارت من الأعمال الأدبية الأكثر توزيعاً في العالم. وهي لم تستنسخ أيضاً «الليالي» بلغة جديدة وبناء مختلف وهدف آخر مثلما فعل نجيب محفوظ في روايته الساحرة «ليالي ألف ليلة»، بل ذهبت في طريق شقَّته من قبل التركية أليف شافاق في «قواعد العشق الأربعون»، حين وازت بين حكايتين وقعتا في زمنين متباعدين ليصعدا درامياً معاً، من التأسيس والانطلاق إلى صناعة الحبكة ثم الذهاب إلى حلها بطريقة جلية باهرة، وكذلك اللبنانية هالة كوثراني في روايتها «كاريزما»، وإن كان موضوعها ولغتها ومراميها مختلفة تماماً عن هاتين الروايتين.

في «جبل الزمرد» لا تتوازى الحكايتان اللتان تختلفان من حيث الزمن والشخصيات والسياقات، إنما تتداخلان وتتواشجان إلى حد كبير، فتتمم الجديدة منهما القديمة، وتفسر القديمة سريان الجديدة، وتؤسس كل منهما ذرائعيتها على الأخرى في صيغة من «الاعتماد المتبادل» مصنوعة بمهارة مناسبة، اتكاء على أن «الليالي» نص مفتوح يمكن الإضافة إليه أو التشاكل والتفاعل معه بطرق متعددة، لاسيما أن ما وصلنا إليه منه يتسم بهذه الخاصية، إذ يقال إنه نص شارك في كتابته على مدار قرون عدة الفرس والشوام والمصريون، وأثَّر كثيراً في الإرث الإنساني، ليظل منهلاً يغرف منه الأدب في الشرق والغرب من دون تحسب ولا تهيب ولا حرج.

هنا تريد الكاتبة أن تتمم إحدى حكايات هذه الأسطورة الكبرى، وهي مسألة لم تتركها للاستنباط إنما وضعتها جهاراً في صدر عملها عبر عنوان فرعي يقول «أو الحكاية الناقصة من كتاب الليالي». ومن أجل هذا راحت عز الدين تستعين بمراجع مهمة أوردتها في ثبت محدد مثل «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري، و»خريدة العجائب وفريدة الغرائب» لابن الوردي، و»منطق الطير» لفريد الدين العطار، و»عجائب الهند» لبرزك بن شهريار، فضلاً عن «محاورة فايدروس» لأفلاطون، و»صيدلية أفلاطون» لجاك دريدا.

ويبدو أن الاعتماد على هذه الخلفيات المرجعية كان قوياً إلى درجة أن الأسلوب يتفاوت نسبياً بين ما يجري في الزمن الحديث على أيدي شخصيات تسعى للوصول إلى حقيقة ما جرى لأميرة «جبل الزمرد» وذلك الذي تخيل مبدعو الليالي أنه وقع لها في الزمن القديم، وبين ما حدث لشخصيات وصلت بالفعل إلى هذا الجبل العجيب عبر مغامرات ومقامرات رهيبة، غارقة في المعاناة والأساطير والأماني المفرطة.

لغة الحوار والوصف والسرد عن الزمن الجديد تتخفف من حمولات الرؤى والصور القديمة وطرق التعبير عن المدركات، ثم تُثقل بها حين يعود الحكي إلى زمن الليالي الأصلي، لكنها في الحالين لغة شاعرية وجزلة، وتصل إلى المعنى من أقرب طريق، متلافية أي زوائد أو إشباع للسرد، ومعبرة عن البناء المتناسق الذي شيدته الكاتبة، ولم يهتز منها إلا في مواضع بسيطة كانت تنجرف فيها وراء حكايات تفصيلية يمكن حذفها من دون أن تؤثر في مجرى الرواية، أو تقع أسيرة الالتزام ببعض خطوط الحكاية الأساسية المستمدة من الليالي، وهي مسألة لم تنكرها هي منذ البداية.

وهناك عبارة وردت في الرواية تمثل مفتاحاً لقراءتها، أو تشرح الدافع الذي حدا بالكاتبة إلى إبداعها، حيث تقول: «لم تعرف شهرزاد أن خبر زمردة، كما وصلها وكما حكته لشهريار، لم يكن إلا تحريفاً مشؤوماً لقصة حياة أميرة واقعية عاشت ذات يوم فوق جبل قاف السحري، حياة تلاشت ولم تخلّف وراءها سوى حكاية خضعت لتحريف مستمر، وتنتظر من يخلصها مما علق بها من آثار التشويه، ويحيي ما مات من أجزائها، أو أغرق في ضباب النسيان». وهنا تصبح مهمة المؤلفة، عبر بطلتها الرئيسة، تنقية الحكاية مما شابها من تحريف وتحوير، من دون أن تفقد حق الإضافة إليها، أو ملء الفراغات التي تركت فيها طيلة القرون الفائتة، وهذا لا يتم في شكل أحادي، إنما عبر استحضار الشخصيات القديمة لتفعل ما لم تفعله، وتحقق ما رحلت من دون أن تنجزه، وما تسبب في نقصان الحكاية أو بترها، واستدعى ضرورة البحث فيها أو السعى إلى إتمامها.

فالبطلة والراوية العليمة في آن؛ «بستان البحر» هي فتاة إيرانية ابنة آخر النساك الراحلين الحافظين لأسطورة «جبل الزمرد» جاءت إلى القاهرة لتفتش عما نقص من الحكاية في المخطوطات القديمة، وتتصرف طيلة الوقت على أنها «منذورة لشيء غامض»، وليس أمامها من سبيل سوى المضي قدماً والتوحد بمصيرها، بغية استعادة زمردة «أميرة قاف»، سيرة ومعنى. وفي مصر، وبينما كانت أحداث ثورة يناير تجري في الشوارع، كانت «بستان» ماضية وراء هدفها، لتلتقي في رحلتها فتاة مصرية ابنة أبوين منفصلين تدعى «هدير»، فيتساندان معاً، ومعهما شاب إيراني آخر يدعى «كريم»، ويسعون جميعاً وراء هذه الغاية، فتقرأ الأولى تعاويذ على الثانية فتمكنها من السفر في الزمن: «بدأتُ في ترتيل تعاويذي وعيناي مثبتتان على الشابة الجالسة أمامي، ابتهلت بأقصى ما أملك من إيمان، مع آخر جملة قرأتها هدير، شعرت بأنها تطير، تطفو فوق العالم بتفاصيله التافهة، بمشكلاته الجادة، بأسئلته غير القابلة للإجابة، كانت خفيفة منسجمة مع نفسها، ومع الكون من حولها، شعور رائع بالصفاء والتناغم مع الذات هيمن عليها، أحست بأنها غير مرئية من الآخرين تعلو رويداً، وكلما علت أكثر تخففت من أعبائها. غاب جزء من ذاكرتها، واستعارت في مقابله جزءاً بديلاً من ذاكرة الجبل وأميرته».

وبهذه العودة إلى الماضي يمكن بطلة الرواية أن تكمل الناقص، ليس عبر الإملاء على من كتبوا النص الأصلي، بل تمكين الشخصيات الأسطورية نفسها من أن تحدد مصيرها، وبهذا تمكنت الكاتبة نفسها من أن «تغلق الدائرة» التي ظلت مفتوحة على حكاية أميرة قاف ردحاً طويلاً من الزمن. وهكذا تبرهن عز الدين على أن فن الرواية قد يكون الوسيلة المثلى ليس فقط للإضافة إلى «ألف ليلة وليلة» أو استلهامها في حكايات شبيهة أو التناص معها أو توظيفها في شحذ الخيال وترسيخ معالم «الواقعية السحرية» في السرد العربي المعاصر، بل أيضاً في تجاوزها إلى حكايات جديدة، مستمدة من أساطيرنا الشفاهية المتداولة حالياً، أو خلق عوالم موازية مبتدعة صنعها خيال خصب، وهي مسألة آن للأدباء العرب أن ينشغلوا بها أكثر في المستقبل.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:50 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


هذباء علي الغويلي في سرد الأنوثة العسيرة



سرد الأنوثة العسيرة



سلمان زين الدين

المسافة بين الذكورة المصطنعة والأنوثة الطبيعية، وما يحفّ بها من تضحيات ومكابدات وآلام جسدية ونفسية وانكسارات وآمال وأحلام وعواطف ومواقف وانفعالات، هي التي تقطعها شهد، بطلة رواية «امرأة بلا شهوة» للكاتبة التونسية هذباء علي الغويلي (الدار العربية للعلوم- ناشرون). وهي تتموضع في إطار قصة حب مختلفة، «أسطورية». تتمظهر فيها آليات الصدّ، والمنع، والشدّ، والجذب، والصبر، والتضحية، والمطاردة، والقسوة، والقمع الذاتي، والحب، والرقة، والانكسار، والألم، والأمل بين طرفي القصة، إلى أن تتمخّض عن نهاية سعيدة، بعد مخاضٍ عسير.

تبدأ العلاقة بين الطرفين باصطدام جسدي في قناة «الرأي الحر» التلفزيونية في دبي، بين المذيعة التونسية الجديدة شهد المفصولة من قناة «التوافق» بسبب جرأتها وآرائها، والدكتور عدنان المجيدي العراقي الأصل صاحب القناة الإماراتية. وتنتهي بعناق جسدي بينهما تختفي فيه شهد بين تفاصيل صدره، آخر الرواية. وبين البداية والنهاية سلسلة من الوقائع والحوادث والتجاذبات والتحولات والمواقف تتبلور خلالها شخصيتا البطلين، طرفي العلاقة، والشخصيات الأخرى المنخرطة فيها بشكل أو بآخر.

في الحكاية، شهد مذيعة تلفزيونية تتجرّأ على طرح موضوعة التمييز العنصري أمام بعض الوزراء، فتُقال من عملها. لا تعترض على ذلك ولا تبكي، فالبكاء في عرفها هزيمة، بل تقرّر السفر إلى الإمارات للعمل في قناة تلفزيونية، مسلّحة بنجاح مهني، وثقة بالنفس، وقناعات راسخة حول الذكورة والأنوثة شكّلت قشرة صلبة تغلّف شخصيتها، وتتحكّم بميولها وخياراتها؛ فقد عاشت في أسرتها طفولة ذكورية، هي الأخت السابعة لستة ذكور، يسخرون منها إذا لعبت ألعاب البنات، ترتدي ثيابهم وتلعب ألعابهم، الأب يربّي فيها نزعة القوة، الأم ترى الحب بوّابة الرذيلة، الخالة ترى الشهوة نزعة حيوانية، والأنوثة في أسرتها ترادف الضعف والهوان. لذلك، تئد الأنثى فيها، تقمع رغباتها وشهواتها، تصطنع مظهر المرأة القوية الجادّة، تتّخذ موقفاً سلبيّا من الأنوثة ومتعلّقاتها، ومن الزواج ومتطلّباته.

في القناة الإماراتية، يثير مظهرها وسلوكها وكفاءتها فضول العاملين فيها، لا سيما صاحب الظل الطويل، الدكتور عدنان المجيدي، الذي يشكّل اصطدامها الجسدي به لحظة دخولها من الباب ولعنها إياه بالفرنسية بداية علاقة بينهما، صامتة في البداية، ثم تتّخذ شكل حرب باردة تبلغ في النهاية سلاماً منشوداً. هي تثير فضوله بأدائها ومظهرها وقوتها وغموضها. وهو، الطالع من تجربة زواج فاشل، أذاقته طعم الغدر وأدخلته مستشفى الأمراض النفسية، يتطلّع إلى معجزة ترمّم تصدّعاته، يرى فيها مشروع المعجزة، غير أنه كلّما اقترب منها كانت تصدّه او تتهرّب منه، لا سيّما أنها أسيرة تربيتها وأفكارها وقناعاتها الثابتة حول الرجل والمرأة، حتى إذا ما أعيته الوسيلة، ذات لقاء، أسمعها كلاماً قاسياً تسبّب لها في حادث سير أفقدها بصرها، وكسر رجلها.

يشكّل الحادث نقطة تحوّل مفصلية في مسار الرواية؛ فشهد النمرة الشرسة تتحوّل إلى قطة هزيلة ضعيفة، وعدنان الغارق في حبها، العاجز عن فكّ طلاسمها، يحسّ بمسؤوليته عن الحادث، فيشكّل إحساسه بالذنب مضافاً إلى حبّه إيّاها حافزاً على الاهتمام بها؛ يتبرّع لها بالدم مراراً. ينقلها إلى بيته. يلازمها. يتحمّل صدّها وممانعتها. يحاول التخفيف عنها. يعدها بعدم التخلّي عنها. يأتيها بالهدايا التي توقظ الطفلة فيها وتحيي الأنوثة الموؤودة. يقرأ لها كل مساء فصلاً من رواية «ماجدولين» حتي يحين موعد نومها، في إحالة على «ألف ليلة وليلة»، مع فارق أن الحكي يتم بالقراءة، وأن الرجل هو الذي يقرأ. يبوح لها بحبه ويطلب يدها للزواج. يجثو أمامها. يبكي. يتلوّع هو القوي، الغني، القادر على تحقيق ما يريد، لكنه الحب وأحواله الذي يداخله شيء من الإحساس بالذنب. يسافر بها إلى أميركا للعلاج، حتى إذا ما عادا خائبين تقرّر العودة إلى أهلها، ولا ترضى أن تكون عالة عليه، لكن إصراره على حبها والارتباط بها يجعلها تغيّر رأيها، وتقول له: «لقد أصبحت منذ هذه اللحظة عينيّ اللتين أبصر بهما» (ص184). هكذا، تسافر إلى أهلها في تونس ليلحق بها ويحتفلا بزفافهما هناك.

حين تعلم سمر، المذيعة التي حلّت محلّها في القناة، بأمر الزواج تثور ثائرتها، هي التي حاولت بترسانتها الأنثوية أن تغوي عدنان وتستحوذ عليه، فتفشل، كما تفشل في محاولتها إخراج شهد من حياته بالشعوذة والسحر، فتقرّر الانتقام منهما، وتصدم شهد بسيارتها، غير أن القدر ودعوات الأهل والزوج تجري بما لا تشتهي رغبات الصادمة الراغبة في الانتقام، فتتحقّق واقعة مفاجئة باستعادة شهد نظرها، فما ذهبت به صدمة تعيده صدمة أخرى.

من خلال هذه الوقائع، وهذا المخاض العسير، تستعيد شهد أنوثتها المدفونة تحت طبقة صلبة من الذكورة والقناعات الخاطئة، فتتحوّل الأنوثة عندها من نقطة ضعف إلى مصدر قوة وسعادة، وذلك كلّه بفضل حب عدنان، وصبره، وطول نفسه، وسعة صدره، وقدرته على التحمّل، وتضحيته التي بلغت حدّ الاستعداد للتبرّع بإحدى عينيه.

في المقابل، راحت حصون شهد الذكورية تتهاوى، واحداً تلو الآخر، بدأب عدنان ومثابرته، وتدخّل هند صديقتها والطفلة شهد وعوامل أخرى، وقدرتها على التضحية التي بلغت حدّ رمي نفسها في المسبح، هي الكفيفة، لإنقاذ عدنان الذي أوهمها أنه لا يعرف السباحة.

هذه الحكاية التي تقترب من الأسطورة حافلة بالمواقف الدرامية والرومنطيقية والمشاعر الانسانية ولحظات الضعف والقوة ونوازع النفس البشرية. وتتمخّض عن بطلين غير نمطيّين في قصص الحب؛ شهد أسيرة قناعات خاطئة راكمتها بفعل تربية ذكورية، قوية، شرسة، مشاكسة، عنيدة قبل إصابتها في عينيها... وهي ضعيفة، خاضعة، مستسلمة، محبّة، بعد الإصابة. وعدنان خارج من زواج فاشل، يحمل صدوعاً يبحث عمّن يرمّمها، عنيد، مثابر، قوي بدوره يتحوّل إلى عاشق مستعد للاستشهاد في سبيل حبّه. نحن إزاء عاشقين مختلفين، يخوضان مطهر الحب وغماره حتى بلوغهما برّ الأمان.

إلى جانب هاتين الشخصيتين المحوريتين، ثمة شخصيات أخرى تلعب أدواراً مكمّلة أو معترضة، تبعاً لموقع الشخصية وعلاقتها بإحدى الشخصيتين؛ وهي أدوار تتراوح بين الصديق والزميل والخصم والمدير والأب والأخ... فالموقع هو الذي يحدّد الدور. ثمة، على سبيل المثال، هند، صديقة شهد من أيام الجامعة، تقدّم لها النصيحة وتحاول مصالحتها مع أنوثتها، وتقف إلى جانبها في محنتها. وثمة داليا السودانية، زميلة شهد، التي تراعي مقتضيات الزمالة. وثمة العنود الإماراتية، زميلتها التي تخلّ ببعض مقتضيات الزمالة في تواطؤ غير معلن مع سمر. على أن هذه الأخيرة هي النقيض لشهد في أخلاقياتها وسلوكها وأدواتها، تستخدم ترسانتها الأنثوية ووسائلها الرخيصة لاصطياد صاحب القناة، تلجأ إلى السحر والشعوذة لإخراج شهد من حياته، ولاحقاً من الحياة بصدمها بالسيارة، غير أن السحر ينقلب على صاحبه، فتستعيد شهد نظرها، وتدفع سمر ثمن ما اقترفت يداها.

وإذا كانت الوقائع المنسوبة إلى الشخصيات تتناسب غالباً مع موقع الشخصية ودورها، فإن بعض الوقائع تبدو غير مقنعة وضعيفة روائيّاً؛ فبطلة الرواية، القوية، ذات الفضول الإعلامي، التي تدشّن دخولها القناة باصطدامها بالدكتور عدنان، وتلتقي به مراراً، وتشعر باهتمامه بها، لا تعرف أنه دكتور، وأنه صاحب القناة إلاّ في مرحلة لاحقة حين تشاهد البث المباشر لحفل القناة. مثل هذا الجهل أو التجاهل لا يتناسب مع طبيعة الشخصية. أضف إلى ذلك ورود أخطاء تتعلّق باسم الشخصية أو صفتها (ص109)، وورود تضارب في بعض المعلومات (ص121، 123).

في الخطاب نحن إزاء بنية روائية تقليدية متماسكة، ينهض بعملية الحكي فيها راوٍ واحد، فيقدم نصّاً واحداً غير مجزّأ إلى فصول ووحدات مستقلة، يتوزّع بين السرد والحوار، غير أن السرد تغلب عليه الوقائع، وتقلّ فيه الذكريات، وتتخلّله مقاطع وصفية قصيرة تكسر نمطية السرد، وينتقل أحياناً من مكان إلى آخر من دون سابق إنذار أو فاصل إخراجي.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:54 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


لينا هويان الحسن تُزيّن بطلاتها بالماس



لينا هويان الحسن



أحمد زين الدين

لا تتوانى الروائية الشابة لينا هويان الحسن عن إيلاء قضية المرأة العربية بعامة، والسورية بخاصة، أقصى عنايتها لاستعادة هويتها الإنسانية. وإذا كانت معنية بهذا الموضوع بداهة، بصفتها الأنثوية كغالب الكاتبات والشاعرات، إلا أنها تتباين عنهنّ في معظم رواياتها، بطريقة المقاربة القصصية التي تتميّز بسبر أغوار القضية النسوية، لا من باب المَظلمة والقهر والتعسف، ولا من باب البوح الرومنطيقي، أو التذمّر أو الاكتئاب، وإن كانت مثل هذه المشاعر ليست غريبة عن بطلاتها، بل هي في جوهر معاناتهن. لكنها تسلك في هذه القضية مسلك المتقصية والباحثة عن جذور القمع التاريخي المترسّب في قاع المجتمعات العربية التقليدية، وذلك عبر التنقيب والحفر في متون المرويات الشعبية، والمؤلفات المنشورة، والصور المتبقية عن مراحل زمنية تتحدث عنها في قصصها، والإحاطة بكلّ المرجعيات التي تتطرق إلى هذه الحقب، من دون أن تشكّل هذه النزعة مدخلاً لكتابة رواية تاريخية أو توثيقية. جلّ ما في الأمر تعرية الخلفيات التي ينجم عنها هذا الاختلال الاجتماعي، الذي يحدث عادة لمصلحة الرجل.

والميّزة الثانية التي تتمتع بها روايات الكاتبة، أن الإشكالية النسائية لديها لا تنفصل عن الإشكالية العربية العامة، المتمثّلة في الصراع الطبقي، أو المناطقي أو الديني، أو التفاوت الثقافي والتعليمي والحضاري بين الشرائح الإجتماعية المختلفة.

في روايتها الجديدة «ألماس ونساء» (دار الآداب)، لم تخرج لينا هويان الحسن عن السياق المذكور، إذ رسمت مصائر عدد من النسوة السوريات اللاتي توطّنّ في المهجر الأميركي اللاتيني والباريسي، عشية الحرب الكونية الأولى لأسباب متباينة، إما هرباً من المجاعة أو البؤس أو الخيانة أو الطموح أو اليأس أو الحرمان. ولكن مجمل ما حدث لهن من نهايات فاجعة أو مبهجة، إنما كان حصيلة التفاعل الديناميكي مع هذا العالم الجديد، بكل ما انطوى عليه من مغريات أو عوائق.

بين ألماظ (بطلة الرواية) وألماس علاقة تتخطى الجناس اللفظي، إلى علاقة وجدانية جعلت من العقد الماسي الذي كانت تحتفظ به البطلة أعواماً مديدة، هدية من جدتها بابور الهندوسية، يتحوّل مع مرور الزمن، إلى تميمة من التمائم السحرية التعويذية. فلما خسرته في النهاية على طاولة الميسر، خسرت معه حياتها، بعدما رمت نفسها في لجّة مياه عميقة. وقد سئمت من مسار حياة طويلة من القنوط والرتابة والصبر، رغم ما كان يحدق بها من مظاهر الثراء والرفاهية.

تحاول القاصة من خلال تتبّع مسار ألماظ، ومعاناتها مع زوجها الكونت العجوز كرم شاهين الخوري اللبناني الأصل الذي يزدريها، ولا يراعي مشاعرها الأنثوية والزوجية، استجلاء حياة المهاجرين العرب، لا سيما السوريين واللبنانيين منهم، وتظهير واقعهم في بلاد الغربة. وهي تضيء على أنماط حياتهم، وعاداتهم، وأذواقهم، وطرائق تجاراتهم، وطموحاتهم، وعلاقتهم بعضهم ببعض. جاليات حملت كل منها إلى موطنها الجديد أعرافها وصبواتها وأعطابها وذاكرتها، قبل أن تمحوها أو تمحو بعضها أصابع الزمن. وتنحو الروائية إلى الإماطة عن الشروخ في قلب الأواصر الاجتماعية والسياسية، حيث تنشب المنازعات في وجهات النظر، حول ما يدور من أحداث في دمشق، أثناء الحرب العالمية، بين معارضين ومؤيدين للحركة العربية، ومطالب الاستقلاليين. هل نقرأ عبر هذه السجالات إسقاطات على ما يجري اليوم بين أطياف المعارضة السورية في الخارج؟

وكانت تحاول دمشق عهدذاك أن تتأقلم مع إنجازات الحداثة التكنولوجية الوافدة إليها، مثل التراموي والهواتف والسيارات والهندسة العمرانية العصرية. وكانت تشهد مع سائر العواصم العربية يقظة فكرية وسياسية، ينهض بها تنويريون وأدباء، ودعاة حرية وإصلاح تربوي واجتماعي. قبل أن ينتهي زمن الرواية في منتصف السبعينات، وقد غادرت برلنت العاصمة السورية، وهي تزدحم بخليط من المخادعين واللصوص والقوادين الذين يديرون حملات اعتقال، وكتابة تقارير كيدية، تؤرّق أهل المدينة.

تقف الساردة عند صبابة الكونت المتلاشية، ونزوات أصدقائه الرجال، وعبثهم وغدرهم بزوجاتهم وعشيقاتهم. لكنّ الغدر ليس دائماً الثمرة المريرة لمآل العلاقة بين الجنسين، بل إن الإخلاص يكون أحياناً من شيم المحبين. والقاصة تجلو في هذا المقام معنى الحبّ الحقيقي الذي انعقد في دمشق بين رومية، الشابة المسلمة، ويوسف زيلخا، الشاب اليهودي الذي أنقذها قبل أن يتزوجها، من الغرق، فبادلته الوفاء، إلى حدّ انها قضت حزناً على فراقه.

وهي تقف بوجه أخص، عند نساء متباينات المشارب والأهواء والطبقات. نساء دمشقيات عديدات يتصارعن على العشاق والمال والجاه. تردّت بهن الأحوال ليصبحن محظيات باحثات عن المال والشهرة وإمتاع الرجال. نساء عنونت بأسمائهن فصول روايتها، وحبكت بينهنّ خيوطاً سردية تشكّلت حول شخصيات وأمكنة متباعدة.

كانت المرأة لضعف حيلتها وتدنّي مكانتها في المجتمع، هي الضحية الأولى للحرب والمجاعة والأوبئة التي أفرزتها الصراعات العسكرية. وكانت آلة جنسية لتلبية رغبات الرجال، بيد أنّ المرأة عند لينا هويان الحسن، لا تلين ولا تذعن بسهولة لقدرها المكتوب، ومصيرها البائس. بل هي تنحو إلى تجاوز ضعفها ووهنها. وتستعمل، عندما تحين الفرصة، كل ما حبتها الطبيعة من جاذبية ومن عاطفة، وكل ما جربته واختبرته من شؤون البشر وشجونهم، لتثأر لنفسها.

وتماهي القاصة المرأة بالقطة كرمز طوطمي حيواني، وقد استوحت في روايتها السابقة «نازك خانم» (منشورات ضفاف) بعضاً من غريزتها. وفي رواية «ألماس ونساء» تتماثل بطلتها ألماظ مع القطة «نيغرو» التي ترافقها في الباخرة «أوره نوف» المتوجهة إلى بلاد الاغتراب، قبل أن تضيع منها في إحدى رحلاتها التالية. وقد أضفت الساردة على ألماظ ملامح قطتها. القطة التي تعلمت منها كيف تكون وديعة، مستكينة، منحنية، متمطية، ومتكوّرة. قبل ان تنفض عنها مظاهر خنوعها، وهيئتها المخادعة هذه، وتتوثّب للانقضاض على فريستها، ناشبة مخالبها فيها. فكان طبيعياً أن لا تستسلم نساء، مثل: لوليا ورومية، وطبعاً ألماظ، لمصيرهن المحزن، وأحلامهن المجهضة، وخيباتهن المتلاحقة. بل تحلّين بوعي قيمتهن الإنسانية، وبعزيمة كامنة لتجاوز لحظات الانسحاق النفسي، ولبلوغ ما يأملن من نجاح. وقد أفلحن بالفعل في تحقيق أعمال باهرة في المهجر، ونلن شهرة واسعة في تجارة الأقمشة، وفي إدارة المطابع الحديثة، والفنادق والمعامل.

تنفتح لينا هويان الحسن في روايتها ذات الكثافة الحكائية، على شهوة القص، ومتابعة السرد غير المنقطع. وتستحوذ على سلطة الكلام كصوت سردي وحيد وعليم. ثمة هاجس ملحاح لرواية الحكايات، وسبر المشاعر النسوية الخبيئة والمكتومة، التي تنتهي غالباً بمآس شخصية. يشرّع السرد المتدفق والمتشعّب والمتواصل في الرواية السبيلَ إلى رسم الخطوط المتداخلة لتاريخ العائلات والطوائف والأمكنة والصراعات السياسية. حكايات يُعاد توزيعها وتقاطعها وتنويع مساراتها وفضاءاتها السردية، عبر العناوين الداخلية للرواية التي تحمل أسماء نسائها: ألماظ وجاويدان ونادجا ولور وكارو وبابور ورومية ولوليا ولطفية وبرلنت وسلمى. ويصعب عندئذ التماس مضمون الخطاب الحكائي، من دون الاكتراث بعملية التواشج بين الروافد القصصية هذه، وانصهارها في بوتقة واحدة، أو في نسق تخييلي يهيمن على مجمل الفضاء الروائي العام.

لكنّ لينا هويان الحسن تنأى عن استهلاك العُقد والحبكات المبتذلة والمعروفة. وتؤثر ان تتكفل بتقديم شهادة حية على فترة تاريخية خصبة، من حياة أبناء بلدها داخل دمشق وخارجها. مقرونة بميثاقية مرجعية، تتشكل منها المادة الروائية التي تخضع بالطبع لتصورات القاصة، وخطتها السردية.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 5:58 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


كتاب - "طابق 99" لجنى فواز الحسن

لعنة ذاكرة سحيقة وأوطان تعطب الروح والجسد




لجنى فواز الحسن



فاطمة عبدالله


لا تستعيد الكاتبة جنى فواز الحسن في روايتها "طابق 99" (منشورات "ضفاف ودار الاختلاف")، عذاب الحرب اللبنانية بقصد السرد المفضي حتماً الى المأساة. بل تفضح الزعم أنّ الجرح اندمل، في المواجهة التي تعقدها شخصياتها مع الذاكرة السحيقة. يحضر المرء عاجزاً عن النسيان، ومصاباً حتى اليأس بلعنة هذا الشرق.

الشخصيات نماذج عن استحالة العيش في وطن لم يترك سوى التشوُّه. سنوات تمرّ على ظنٍّ بأن السِلْم حلّ، ليظهر جيل الحرب متمسِّكاً بأمجادها، رافضاً الاعتراف بالخطأ. تُبرِز جنى الحسن عمق الفجيعة في نفوس خاضت الحرب طوعاً أو كراهية، مع فارق أنّ مَن يجاهر فخراً بالسلاح يخشى التصادم مع الخيبة، ومَن أرغمه الظرف على امتشاقه ينتهي معطوب الروح والجسد.
تغدو الكاتبة حفّارة قبور، غرضُها التخلّص من أوزار ثقيلة ترخيها الحرب على الأكتاف. تُلصِق بالفلسطيني مجد ندبة أبدية على وجهه، وهزيمة في قدمه، في مقابل إنقاذ روحه من مجرزة قادتها الميليشيات على مخيّمي صبرا وشاتيلا. تُمحى كلّ رواية عن كيفية موت والدته الحامل، فينشأ ساخطاً على مكان راح يسمّيه "الهنا"، كأنّه ينتقم منه بتجريده من الكينونة. يحمل الوالد الخائب من القتال مع "فتح" ولده الى نيويورك في محاولة للنسيان. يُظهِر السرد كمّاً من الوجع لم تفعل إزاءه مدينة السحر شيئاً. لقاء مجد الفلسطيني بهيلدا المتحدّرة من عائلة كتائبية، يخضعهما معاً لإمتحان التحرّر من دونية الماضي المكبَّل بالخطيئة.
تُمسي العلاقة مع المكان ذنباً يُضاف الى تاريخٍ من استباق النهايات التعيسة. كأنّ اللقاء النيويوركي حاجة الى الارتطام، بعد إخفاق اجتراح النجاة. لم يُتِح الطابق 99 حيث يعمل مجد، سوى رؤية الحياة عبثيةً تغزوها وجوه عصية على الصفح. يشي السرد بأنّ اختلاق الأوطان معذِّبٌ كفقدانها، والحروب لا تخلّف إلا أشباح أشخاص يبدون أحياناً غير موجودين. لا يتطرّق القصّ الى الماضي بهدف إسقاطه والانتصار لأفراد عايشوه بغبن، وإذ تتعمّده الكاتبة كعلاقة غير سوية بين الفلسطينيين وأطراف لبنانيين، فذلك لتُبيِّن أنّ الجميع يدفع الثمن، البعض بضياع الهوية، والبعض الآخر بفقد لذّة الحياة على رغم الترف والتحرّر.
يمتدّ الخطّ السردي نحو أشخاص لا تقلّ خسائرهم حجماً عن خسائر مجد وهيلدا. عدم اكتفاء الكاتبة ببنية واحدة تُصوِّر الحرب ممتدةً نحو الراهن، واعتمادها على وجوه لم تنقذها المسافة من تشظّيها، يظهر الإنسان كأنه سيزيف نفسه، يرفع عذاباته نحو القمة. يحضر التوق الى الارتفاع وتجاوز الذات المثقَلة، عبر تخبّط الرؤيا من الطابق 99، في مقابل العالم السفلي الحاضر نيويوركياً عبر المترو. تترك هيلدا موطنها للتخصّص في الرقص المناقِض للالتصاق بالأرض اللعينة، ويفقد مجد خيارات تخلّصه من الدونية. ينسى مع هيلدا أسواق صبرا وشاتيلا ورائحة عرق المارة فيها، ويظلّ في قرارته رجلاً مستوحشاً اجتماعياً، يعرج وله ندبة في وجهه.
ظنُّ هيلدا أنّها تحمل خطيئة الحرب والبنادق الكثيرة عقاب إلهي لها، كظنّ مجد أنّ اصابته في قدمه انتقام أبدي على موت أمّه وحيدةً. شعورٌ أخفّ بالخطيئة يحمله أشخاص لا يتحدّرون من أرض عربية، كالمكسيكية إيفا الهاربة من اغتصاب زوج أمّها وانتهاك جسدها، لكنّها القادرة على تحقيق ثروة بعد تحرّرها من حبّ الفلسطيني محسن، والأميركية ماريان المُدرِكة أخيراً أنّ زوجها قضى في حرب الخليج لأنّه اختار الموت بعيداً من الوطن.
تطرح الرواية صعوبة ألا يكون هناك نهاية. الحق مهدور، وجثثٌ تحضر كأنها لا تزال مكشوفة، كأنّما الأجساد العارية والمغتَصَبة تئنّ حتى الساعة. تصبح هيلدا بالنسبة الى مجد، "المرأة المسيحية"، كما يصبح لبنان بالنسبة اليه، "الهناك". يظلّ الحب عاجزاً عن طيّ الصفحة، فقرار هيلدا العودة لمواجهة ماضيها، يضع مجد أمام تهيّؤ مرعب عن احتمال ذهابها من غير عودة (حاله مع والدته، ففلسطين التي لم يعرفها). يحافظ القصّ على مسافة بين الشفقة على مجد والتعاطف معه كونه مشدوداً الى الذاكرة المضرّجة بالدماء، مُقيَّداً بنكرانها والعيش فيها. ليس البُعد ما يدمّر، بل الشعور القاتل بالمظلومية. حاجة هيلدا الى تصفية الحساب مع الماضي، تعيدها الى وطن لا يزال مفتوحاً على معارك سخيفة. يتحوّل السرد ذريعة لأسئلة عن جدوى الحروب المستمرة. المرء لا ينسى، تحفر فيه المآسي عميقاً كالندبة على وجه مجد وشعوره بأنّ إزالة الجرح هي إزالة الحقيقة. يُحدِث الويل إحساساً مخيفاً بالغربة، وبأنّ المكان يتحامل على جعل الأشخاص بائسين. تعود لتحدّق في النقص وتحتال على الذاكرة وتنهي عداوة مع الجذور. تدرك أنّ استدراج والدها الى الاعتراف إدانة مرهِقة. لم يعد مهماً أن تعرف كم رجلاً قتل، وأن يُحصي لها عدد الجثث. عليه الكفّ عن مناداتها باسم الدلع "بيلّا". إنّه أشبه باسم الكلاب، وهي ليست كلبة.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 6:06 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


ربيعة جلطي: الكتابة الأدبية شهادة ... والمرأة الجزائرية ليست معزولة



ربيعة جلطي



مايا الحاج

لم تكن الجزائرية ربيعة جلطي تطمح إلى مزيد من الشهرة والحضور الأدبي، حين اختارت أن تتجّه من عالم الشعر إلى النثر، إنما كانت تُحقق رغبة دفينة في رسم شخصيات وحيوات وأمكنة وأزمنة أخرى تتوازى مع عالم واقعي تعيشه. فجاءت روايتها الأولى «الذروة» (2009) نذيراً بثورات عربية شعبية قد تشتعل من غير أن تقود في النهاية إلى خاتمة مبشرّة... عن روايتها الجديدة «عرش معشق» التي انتقدت فيها تفاصيل مجتمعنا العربي ورأيها في القضايا الأدبية والسياسية الراهنة كان معها هذا الحوار:

> تعتمدين في رواياتك على مزج التاريخ بالواقع والذات بالعام، وهذا ما وسم روايتك الجديدة «عرش معشق». فإلى أي مدى يمكن الواقع أن يكون مرآة للتاريخ؟

- يحدث كثيراً أن أتأمل في واقعنا العربي الذي لا يخلو من آلام وفجائع، وأتصور أن التاريخ هو العلبة السوداء التي تبقّت من الارتطامات الموجعة، ومن دون قراءة متأنية ثلاثية الأبعاد، لا يمكن فكّ لغز الحطام الذي نعيشه. أجل، أوافقك أن التاريخ والواقع يتماهيان في رواية «عرش معشّق» كما في أعمالي الأخرى، لأنني أؤمن بأنّ الراهن الذي نكتب عنه وفيه، يتموقع بين انكسارات سحيقة وانتصارات ناقصة. والواقع هذا لا يمكن فهمه من دون النبش في مكونات طبقات التاريخ الجيولوجية المتراكمة عبر الأزمان والتجارب.

> ما الرمزية التاريخية التي يُمثلها عنوان «عرش معشق»؟

- «عرش معشّق» هو ذاك الهيكل المصنوع من الزجاج المعشّق، وتختلف شخصيات الرواية في نسبه وعهده. وقد صُنع هيكل عرش معشق من زجاج نوافذ كنيسة المريمية ونوافذ جامع الأمويين كمؤشر الى شرق متنوّع نفتقده شيئاً فشيئاً. يعود هذا الهيكل إلى ملكية الأمير عبدالقادر الجزائري أثناء إقامته في دمشق. وهو في الوقت نفسه يرمز إلى تلك الحادثة التاريخية المعروفة في حقن دماء المسيحيين المهددين في دمشق. مع الأسف ما كتبته في «عرش معشّق» قبل سنتين يحدث الآن في مدينة الموصل في العراق التي تشهد أياماً عصيبة هذه الفترة بسبب تهجير مسيحيي المدينة ظلماً وجوراً.

> يُمكن قارئ روايتك الأولى «الذروة» أن يلتمس فيها تبشيراً مبكراً بالثورات العربية، باعتبار أنّ الثورة الشعبية شكلّت الحدث الذي تُقفل به الرواية. هل كان لديك حدس بضرورة قيام ثورات في بلاد يحكمها الديكتاتوريون والفاسدون مثلما حصل في الرواية؟

- كتبت» الذروة» بين عامي 2007 و2008، وكان حينها يستفزني حال الدول العربية وتحديداً إبعاد أو إقصاء الكثير من المبدعين عن الهمّ المركزي، والانكفاء حول الذات المصابة بمرض الغرور والفردية. الأمر هذا جعلني أخاطب غارسيا لوركا، الشاعر الشجاع الذي حرمته «الفرنكوية» حتى من حق القبر، فكتبت: «لوركا... أيها الشاعر البلا قبر... إن سألت عنا، ففرانكو يقتصّ منا...». أنا أومن بأن الكتابة بمعزل عن محنة الإنسان، والإنسان العربي بوجه خاص، هي مجرد ثرثرة. إنّ الكتابة الأدبية شهادة على عصرنا، شهادة على الذات والمجتمع. فالكتابة الروائية تظلّ في مماحكة مع الواقع حتى وهي في أعلى قمم الخيال وأبهى فنون التخيّل، من خلال حكايات العشق وجنونه، الجمال وجبروته، السلطة وبريقها ودسائسها، الخيانة والوفاء، الموسيقى والأغاني والألوان، الأسماك والعصافير... وكلّ ذلك يصب في ما يعتمل به هذا الزمن، ومنه محنة عالمنا العربي المنهار والذاهب نحو الانحطاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أدّعي أنني حاولت أن أقرأ هذه المحنة عن قرب من خلال تجربتي الذاتية المتمثلة في أسفار ومعايشات للواقع وفهم ومحاورة للتاريخ. لقد كشف النقاد والقراء في «الذروة» تلك المقاربة للزلزال الذي اعتمل في صدور ضاقت بما لا يقال ولا يطاق، واكتشفوا من خلالها أيضاً ذلك التنبؤ بالثورات أو الغضب الذي كسر القيد حول الرسغ.

> هل تعتقدين أن الثورات العربية ارتقت إلى أحلام شعوبنا المكبوتة؟ وما هي العوائق التي حالت دون بلوغها الذروة؟

- تؤكد ياقوت، إحدى بطلات «الذروة»، وهي إحدى قريبات «الزعيم» الديكتاتور أنّ لا شيء سيتغير بما أن الديكتاتورية قد استطاعت أن تئد المعارضة السياسية وتشوّه النقابة وتفتت وحدة النخب، فمنهم من تشرد ومنهم من سجن ومنهم خان. وتبقى نهاية الرواية مفتوحة على الفجيعة عبر سخرية سوداء تتجسّد بتولّي «الشاذ» السلطة. فالثورات التي استبشر بها الكثيرون خيراً كان جلياً أنها ذاهبة نحو الهاوية... ماذا يمكن أن ننتظر من قطار من دون رأس، يدبّ فوق سكة على جسر بين جبلين.

> تلعب المرأة الدور المحوري في رواياتك. هل اختيار الشخصيات الأنثوية في أعمالك الإبداعية هو تعويض عن ذكورية مجتمعٍ تنتمين إليه؟

- كما في رواياتي، تلعب المرأة في الواقع أيضاً دوراً أساساً ومحورياً، لكنه ليس بالضرورة إيجابياً. فالمرأة ليست مظلومة دائماً في رواياتي ولا تتباكى دوماً على حظها المشؤوم، وأحياناً تكون النسوية «ألعن» من الذكورة، ذلك أنها تمارس إعادة إنتاج العادات والتقاليد والأعراف التي تحرم المرأة من إنسانيتها. ففي الثقافة المتوارثة داخل الفضاء النسوي تُرضِعُ المرأة الولد الشعور بتفوقه الجنسي منذ الحداثة، وتوقظ الحميّة الذكورية من حولها. ونظراً الى تدني الوعي، كثيراً ما تمارس المرأة إنتاج بل إعادة إنتاج الإيديولوجيا الذكورية.

> غالباً ما تضعين بطلاتك أمام تحديات مجتمعهن وتعقيداته. فما هو التحدّي الأصعب الذي تواجهه المرأة الجزائرية اليوم؟

- بقناعة فكرية، لست أفصل في كتاباتي هموم المرأة عن هموم بقية مكونات المجتمع. الرجل ليس عدو المرأة، لا غصة لدي تجاه الرجل ولا نقمة، فمن الرجال من هم أكثر رحمة بالمرأة من المرأة نفسها، بل إنني أدين ظاهرة التخلف الذي أعتبره العدو المشترك لهما معاً. التخلّف والجهل والقدرية والاستكانة الفكرية والكسل العقلي... إنها كارثة حقيقية ترخي سدولها على مجتمعاتنا، وهو زلزال يهددنا جميعاً، وعليك أن تتصوري ارتداداته على الأجيال الآتية. إنّ المرأة الجزائرية ليست معزولة في فقاعة، بل تكاد نساء الأرض جميعاً يحلمن بمجتمع تتسلط فيه الكرامة والعدالة والحب والجمال والأمومة والسلام والإخاء والتسامح.

> انتقدت في روايتك الأخيرة المجتمع العربي الذي يُقدّس المظاهر الخارجية في حين أنّه مهترئ ومتعفّن من الداخل. أيّ فصامٍ يعيشه عالمنا العربي برأيك؟

- فصام في مفاصل الحياة الاجتماعية، ومنها الاقتصادية والسياسية والثقافية. فكلما اقترب أحد المجتمعات العربية من تحقيق نوع من الانسجام والتميز، خرج له بقدرة مقتدر عفريت من القمقم يحلل ويحرّم ويتوعد وينذر ويفتي في لباس المرأة ومشيتها وفي قوانين العلاقات البشرية والدولية وفي شروط السياحة وفي الطب الشرعي والرقية والشعوذة والسحر وغير ذلك... فيعود المجتمع «الشارد» إلى المربع الأول حيث بقية القطيع، «فيرتاح الفرطاس من حك الرأس»، كما يقول المثل الشعبي الجزائري، فيرتاح الجميع إذ كلنا في التخلف عرب!

> هل ترين في الصحراء مجتمعاً مثالياً هو أكثر تحضراً من المدينة نفسها، كما صورت لنا روايتك «نادي الصنوبر»؟

- لعلّ شخصية عدرا، المرأة الطارقية الفاتنة العاشقة والمعشوقة بغوايتها الصامتة الضاجة تجيب على ذلك، فقد جاءت إلى الشمال من عمق الصحارى، مما تبقى من نظام أميسي تحتل فيه المرأة مكانة السيدة، ومن ثم تنتقل إلى الخليج قبل أن تعود إلى العاصمة الجزائرية ومنها الى الصحراء. هي تفضح - عبر حضورها المتأمل والقوي وعينها الناقدة والنافذة - حياة الزيف والتخلّف والظلم المستشري في المجتمعات العربية ومدن الشمال الكسولة ذات الواجهة «المتحضرة»، والتي تعيش فقط على ما تشفطه من نفط الصحراء المنسية، تنقله البواخر العملاقة والقنوات الباطنية منها والظاهرة، الشرعية منها وغير الشرعية نحو بلدان بعيدة، بينما يعيش من هم فوقها حياة الفقر والجحود الذي أدى في السنوات الأخيرة إلى فورة غضب، وهو ما عبر عنه أحد القرّاء بأن «نادي الصنوبر» مثل «الذروة» أنذرت بغضب أهل الجنوب، جنوب ينتج الذهب ويغرق في الفقر.

> بعد ثلاث روايات متتالية، هل يمكن القول إنّ ربيعة جلطي التي حفرت اسمها في الشعر قد انتقلت نهائياً إلى عالم الرواية؟ وما الذي منحتك إيّاه الكتابة الروائية بالمقارنة مع الشعر؟

- الشعر قدري وكينونتي ومركز توازني الإنساني والأدبي. إنه يشكل جوهر حساسيتي تجاه اللغة والطبيعة والحياة والأشياء والناس والمخلوقات جميعها. الشعر بالنسبة إليّ في جوهره هو الهالة الخفية التي تطوقني وتمنحني حاسة سادسة قوية مدوخة للتأمل والنفاذ إلى الأعماق. أما الرواية، فقد تريثت عشريتين من الزمن عن غواية نشرها إلى أن امتلأتُ برغبة تفصيل القول السارد، والشخصيات، والحيوات، والمكان، والزمان، وربط العقد وتفكيكها. ولأنني قارئة نهمة للرواية منذ صغري، وباللغات الثلاث: العربية والفرنسية والإسبانية، حاولت قدر الإمكان أن أكون مختلفة، واستفدت من حاستي الشعرية في نبذ التمطيط والتكرار والحشو والعمل على اقتصاد اللغة. وفي غياب النقد الجادّ البعيد عن الشللية وأمراض الزمالة، فإنني أسعد بالقراء الذين يتابعون رواياتي ويقرأونها ويُقبلون على شرائها، مما أدى إلى اختيار اثنتين من رواياتي «الذروة» و «نادي الصنوبر» في المراتب الأولى بين الروايات الجزائرية والعربية لعامين متتاليين 2012 و2013. ولأن للشعر سحره الدائم عليَّ، فسأصدر قريباً مجموعة شعرية بعنوان «في وضح الليل». ولديّ رواية كتبتها قبل سنة ونصف السنة، لكنها ما زالت تتعتّق بهدوء في الجرار.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 6:11 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




ميسون صقر: اكتشفت أن أعمالي أكثر جرأة مني فأصبحت رقيبة على نفسي!


الشاعرة الإماراتية ترى أن المجتمع العربي يفتش في ضمير المرأة ويقرأ ما بين السطور


ميسون صقر


القاهرة: صفاء عزب

تجمع الإماراتية ميسون صقر القاسمي بين كتابة الشعر والرواية والفنون التشكيلية والسينما أيضا، إذ حصل فيلم تجريبي لها على جائزة الإمارات. لكنها تعتبر أن أهم إنجازاتها قيامها بتجميع وتحقيق الأعمال الكاملة لوالدها الشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في أربعة أجزاء. وقد حصلت ميسون صقر أخيرا على جائزة «كفافيس» الدولية لعام 2013 في الشعر. هنا حوار معها أجري في القاهرة حيث تقيم:

* في رأيك هل أثرت ثورات الربيع العربي على النتاج الإبداعي.. هل نجح المبدعون في التعبير عنها أدبيا؟

- لا شك أن الأحداث العربية تؤثر بشكل كبير على المبدع العربي، فهذا الشتات الرهيب في سوريا ومن قبله العراق وتوتر الأوضاع في ليبيا وتونس واليمن لها تأثيرها على الكتابة والكاتب، فالمبدع الحقيقي لا يستطيع أن يعيش بمعزل عما يدور حوله من أحداث خاصة تهم بلده أو البلد العزيز، الذي يعيش فيه، وإلا سيكون غير صادق في توجهاته. هذه الأحداث تنعكس على الإبداع سواء في الشعر أو الأدب أو الكتابة بصفة عامة ولكن من الصعب أن يعبر المبدع عن مشاعره تجاه تلك الأحداث في الوقت ذاته، لأنه قد يكون منشغلا بمتابعتها أكثر من انشغاله بالكتابة. فمثلا لم يكن من الممكن لأي إنسان في مصر أن يترك شاشة التلفزيون التي تعج بالأحداث الساخنة ويذهب للكتابة فكان ما يحدث هو الشغل الشاغل للجميع بمن فيهم المبدعون، وقد عشت شخصيا تلك التجربة الخاصة جدا على نفسي بحكم إقامتي بالقرب من مقر قصر الاتحادية. عايشت الأحداث بكل سخونتها وتأثرت بما شاهدته وهو ما سينعكس على بعض الأعمال فيما بعد.

وبالنسبة لي، تأثرت مثلا بصور شهداء الثورة الأولى التي علت البسمة وجوههم وكأنهم أحياء لكنها في النهاية كانت ابتسامة ميتة ومؤلمة أثرت في نفسي بعمق فجاء ديواني: «جمالي في الصور» يعكس تأثري بهذه الوجوه، وكان جزء منه يميل للتصوف بحكم تلك النظرة التي هي ما بين الحياة والموت. ولا ننسى أيضا أن الفترة الماضية أثرت أحداثها في ظهور فنون جديدة مثل فن الجرافيتي، كما ساهمت الثورات العربية في دخول جيل جديد في عالم الكتابة. يعنى الثورة أنتجت حالة أثرت على الإبداع.

* هناك من يرى أن هذه الثورات كشفت فشل النخبة المثقفة وتراجعها عن أداء دورها. ما رأيك؟

- المثقف هو أولا وأخيرا إنسان وهو ليس الشاعر أو الأديب فقط وإنما السياسي والمفكر والقاضي كلهم مثقفون وأعتقد أن المثقف لم يفشل، بل بالعكس فقد ساهم في الثورة المصرية على سبيل المثال لكن خبرة المثقف ليست سياسية بحتة، لذلك تنحى حين بدأت السياسة تتحرك، وذلك لأن الخبرة السياسية والتشكيل الحزبي ما زال جديدا على المجتمعات العربية.

* ألم يدفعك الخوف من الأحداث الساخنة إلى ترك مصر؟

- لا لم أفكر قط في مغادرة مصر لأننا عشنا فيها جميع أوقاتنا الطيبة. لقد عاصرت أوقاتا أصعب من ذلك بكثير خلال وجودي بمصر أثناء حربي 1967 و1973 لذلك لم تكن تلك الأحداث بغريبة أو مقلقة لي. لكن ما أثارني حقا هو ذلك الخروج الكبير للناس بدافع الرغبة في التغيير وصولا للحظة الفرح الجماعي. لكن كانت أصعب اللحظات التي عشتها بمصر هي تلك الفترة التي حدث فيها تأجيج للفرقة بين المصريين، وهذا ما أزعجني أثناء حكم الإخوان، لأنهم للأسف لم يعرفوا المجتمع المصري جيدا ولم يفهموا أن الدين والحياة في مصر شيء واحد ولذلك لم يتحملهم المصريون.

* بحكم أنك مبدعة عربية كيف تنظرين لواقع المرأة عامة والمبدعة بشكل خاص في عالمنا العربي؟

- بالنسبة للمرأة العربية كان النزاع بين محاولة الحفاظ على موروثات ثقافية سابقة مع التقدم خطوة للأمام.. بينما كانت هناك أخريات يتحركن بمفهوم الحرية فكان هناك نزاع. وفى منطقة الخليج أتصور أن هناك تقدما كبيرا في وضع المرأة ودورها الذي صار أقوى في كثير من المجالات الجديدة التي خاضت العمل فيها، فأصبحت هناك دبلوماسيات وهناك من دخلن البرلمانات، ولدينا أيضا وزيرات، هذا بالإضافة إلى ظهور كاتبات كثيرات أثبتن أنفسهن، كما أن من الظواهر اللافتة للنظر ظهور مبدعات سينمائيات ومصورات خليجيات وبعضهن حصد جوائز هامة. المرأة الخليجية لم تعد قاصرة على العطاء والإبداع في المجالات التقليدية كالتدريس وخلافه ولكن ظهرت نساء أثبتن جدارتهن في شتى المجالات وهو مؤشر طيب على تحسن أوضاع المرأة العربية بشكل كبير.

* كيف تكتبين؟

- في البداية كنت أكتب بحرية تامة لكن بعد فترة اكتشفت وأنا في فرنسا أن ما ترجم لي كان أكثر جرأة مني على المستوى الشخصي وما كنت أكتبه من كتابات عن الذات والجسد والحرية كموضوعات للشعر لم أكن أستطيع قراءتها على الملأ، خصوصا وأن المجتمع العربي يفتش في ضمير المرأة وهى غائبة ويقرأ ما بين السطور وليس ما فوق السطور! ومن هنا بدأت ألاحظ أن هذه الكتابات التي قد تعبر عن حالة الجنون التي تصحب الكتابة لا بد أن أكون رقيبة عليها وعلى نفسي. ومن أعمالي التي تنتمي لتلك المرحلة «رجل مجنون لا يحبني» و«عامل نفسه ماشي» تلتها مرحلة أخرى مختلفة بحكم أن الإنسان يتغير أيضا من فترة لأخرى ولا يظل على حال في الكتابة، وفى كل مرة يغير في كتاباته ورؤيته للعالم ولغته.

* هل معنى ذلك أنك تحاسبين نفسك على ما تكتبين؟

- أنا أقول دائما أن من يقف تحت الشجرة لا يراها كاملة، لذلك لا بد أن أنسحب قليلا عنها لأراها، كما أن مسألة النقد سواء من الأهل أو الأصدقاء أو خلافه لا بد من النظر إليها لا بعين الحنين والحب، ولكن أيضا كمحاولة لرؤية القادم واستشراف المستقبل كما أنني لا بد أيضا أن أنظر من عين الأمل وليس الإحباط فلا أرى النقص، بل أسعى لكيفية تحقيق الكمال. وأعتقد أن المسؤولية تكون أصعب بالنسبة للكاتب صاحب الخبرة والتجارب المتعددة بمعنى أن من كتب أعمالا كثيرة عليه أن يحاسب نفسه أكثر ممن كتب عملا أو عملين فقط على سبيل المثال ولذلك أحاسب نفسي دائما حرصا على عدم التكرار.

* وكيف تخططين لتفادى ذلك التكرار؟

- لا أخطط بشكل كامل في كتاباتي، لكن لا بد أن تكون هناك وقفة عقب كل فترة لتقييم ما تم خلالها والتفكير بالتجربة الجديدة بما يضمن عدم تكرار النفس. وأنا دائما أبحث عن جديد ما في كل عمل، فكنت أعمل على القصيدة السردية القصيرة جدا ثم انتقلت لتفاصيل البيت وبعدها انتقلت لمرحلة أخذ مفهوم معين لأشتغل عليه، وبعد ذلك بدأت في مرحلة العلاقات كما في «أرملة قاطع طريق» وصولا لمرحلة الصور المتعددة.

* ما الذي يشغلك حاليا؟

- أنا مشغولة حاليا بين عدة أمور منها متابعة الأنشطة الفنية والثقافية بمصر بعد استئنافها عقب فترة طويلة من التوقف كما أستعد لعودتي أنا أيضا للفن التشكيلي والتحضير لتجربة جديدة في عالم الأبيض والأسود، هذا إلى جانب أنني أعكف على كتابة رواية جديدة لتكون أختا لـ«ريحانة» روايتي الوحيدة. وفى نفس الوقت فإنني مشغولة أيضا بتجميع مادة عن مقهى ريش الثقافي العريق والشهير بمصر باعتباره ذاكرة وطنية وإنسانية في منطقة وسط البلد بالقاهرة، ومكانا يرتبط بكثير من الأحداث والشخصيات المؤثرة في تاريخ مصر.

* بين الفن والشعر والأدب أين تجدين نفسك؟

- أنا أؤمن بتداخل الفنون لكنها تختلف في وسيلة التعبير عنها، وإن كانت كلها تنبع من لحظة إبداعية يمر بها المبدع، لكن ربما كان لنشأتي أثرها في التحيز للشعر خاصة في ظل مكتبة والدي الشاعر أيضا، التي كانت تزخر بالكتب التراثية والشعرية والتي نهلت منها الكثير بما ساهم في عشقي للشعر.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 6:16 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top





كتاب - "كأي شيء يطير عالياً" للشاعرة السعودية هدى ياسر حطبٌ لنيران الجسد المحظورة



عماد الدين موسى


تركّز الشاعرة السعودية هدى ياسر في مجموعتها الشعرية الجديدة، "كأي شيء يطير عالياً"، الصادرة عن "دار طوى للثقافة والنشر والإعلام" (لندن)، جلّ اهتمامها على شَعرنة العوالم الاعتيادية من تفاصيل يوميّة، عابرة ومألوفة، وكذا الإصغاء إلى أصوات الداخل الأنثوية، حيث الذات في حوار دائم مع كل ما هو موجود من حولها، ومن ثم أنسنة التفاصيل والأصوات، بإخراجها من الحيّز المنسي المظلم إلى المساحة المضيئة البيضاء، والإقامة في حضن الورقة الدافئ.

تشبه تجربة هدى ياسر في هذه المجموعة "الناظر من نافذة القطار"، فتأتي قصائدها على شكل برقيات مستعجلة، أقرب إلى الرسائل النصّية القصيرة (SMS)، متكئة على النموذج العالمي للهايكو الياباني، من حيث البنية المختزلة لا المضمون، سواء من جهة الجملة الشعرية المكثفة أو من حيث الاستعارات والمفردات، وكذلك البساطة اللغوية المدهشة، المشحونة بالمفارقة؛ في حين تفترق عن الهايكو في عدم تناول الطبيعة وكائناتها، إذ تكتفي بما يعتمل من شواغل وهواجس في الذاكرة وحدها.
في قصيدة "مذكرات من أوراق تدّعي القدم" تقول: "عارياً كالأطفال راح يرقص جسدي/ وزاويتا عينيّ تلمحان/ عواءً".
البراءة الأولى "عارياً كالأطفال"، في هذا المقطع القصير، مقابل "العواء" كإشارة إلى لهاث كائنٍ ما يستعدّ للانقضاض على عفويّة "جسدٍ يرقص"، نجدها في مواضع عدة من المجموعة. فالشاعرة تميل إلى كسر المألوف وتجاوز المحظور، بالتسلل إلى المنطقة التي يحظّر على المرأة المبدعة تجاوزها، متناولةً ما يدور في فلك الجسد من اشتهاءات وإغراء ومغامرة، من دون أن تفقد لغتها وخطابها عذرية الحبّ وألقه العذب، في أبهى الصور وأكثرها نقاوة وألفة، علاوة على حرارة المشاعر الإنسانية ودفقها، حيث تقول: "أحبُّ تعديلَ نهديّ المحشورين داخل حمالات السهرة./ كما لو أني ممسوسة بـجسدٍ آخر/ ألمسهما؛/ وأهتزُّ مرتين". تقول أيضاً: "نعم هكذا هي الأشياء دائماً/ ترتدي غلالة ألماسيّة مُظهرةً الأمر فاتحاً للشهيّة./.../ لنكتشف؛/ أنّ الأقمشة تجيد ما يُسنَدُ إليها/ من أدوار".
تذخر قصائد المجموعة بمفردات إيروتيكيّة جمّة، تخصّ الأنوثة، قلما نصادفها، لما فيها من إثارة واستفزاز لذائقة القارئ، إلا أنها تقلب الموازين الجماليّة لديه، إذ توظّف هذه المفردات بإتقان معرفيّ خلاق في سياقها الشعري المناسب، فنجدها تقول: "وأنت خلف مقود السيارة تدندن أغنيات عراقيّة/ لم يخطر في بال صوتكَ أن يضاجع أذني مباشرة/ آه يا لشراسة مزاجك الطاهر".
تستعين الشاعرة بقول مالارميه إن "كل شيء في العالم موجود لكي يوضع في كتاب"، حيث تخترق "الملابس الداخليّة" و"ممارسة الحب" و"مواليدي الخدّج" و"أضع ساقاً على أخرى" و"إصبعكَ الخاصة للحظات الحب"... أجواء القصيدة لديها، وتصبح الجانب الأكثر حميميّةً واشتغالاً عليه في خطابها الشعريّ وتركيبة الجملة. هذا الخطاب بدوره يتفرّع إلى رافدين اثنين: سطحيّ يعتمد التقريرية، كما في قولها: "يا للظهيرة الشبقة الشاذة/ تتعرى،/ وتمدّ في وجه البغاةِ كفّها/ عمودية"، و"ما عاد للظهيرة نفس المؤخرة المثيرة". وإيحائي له نكهة رومنطيقيّة، تُسكر أكثر مما تقول، كما في قولها: "نبعُ فاكهةٍ شفتاها/ كلما غازلهما لسان العنبِ/ ثملتُ".
مجموعة "كأي شيء يطير عالياً"، وهي الثالثة للشاعرة هدى ياسر، بعد: "ثمة حفل في الداخل" (2009)، و"لا يوجد شيء لعرضه" (2011)، تنحو في اتجاه رسم فضاء شعريّ مغامر، ومغاير لما هو سائد، تحاول تجاوز الآباء، لا بقتلهم إنما بإضافة نزق إبداعيّ جديد وإشكاليّ.
قصائد صادمة ومخاتلة ومشاكسة لكل ما هو تقليدي، تُقلِق القارئ بخلخلة مفاهيمه الراكدة، وتستدرجه إلى اكتشاف مساحات شعريّة وتعبيريّة جديدة ومحدثة، لمّا تكتشف بعد.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 6:19 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


بثينة العيسى: لا أثق بأي إنسان لا يخوض حرباً مع نفسه




بثينة العيسى




الكويت - حسين الجفال

تخاف الكاتبة الكويتية بثينة العيسى التعاطي مع الشعر، وتلوذ بنافذتها الكونية الكبيرة «الإنترنت»، حيث القراء والحرية والوطن، كاتبة قلقة وتقلقها الأسئلة، ومن هذا القلق تخلق عوالمها السردية، لا تبحث عن إجابات قدر ذهابها لأسئلة أخرى لتبدأ دورة القلق من جديد. صدرت لها ست روايات: «ارتطام.. لم يسمع له دوي»، و«سعار»، و«عروس المطر»، و«تحت أقدام الأمهات»، و«عائشة تنزل إلى العالم السفلي»، وصدرت منها خمس طبعات، و«قيس وليلى والذئب» مجموعة نصوص قصصية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2011، وأخيراً «كبرت ونسيت أن أنسى»، (رواية) عن الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت 2013. «الحياة» التقتها وحاورتها حول رواياتها ومواضيع أخرى.

> انتقالك من موقع إلكتروني لآخر قبل تدشين إصداراتك الورقية، هل كان حلماً بفضاءات حرة أم محاولة علنية لإيجاد قارئ مختلف ووطن بديل؟

- أعتقد بأن نصي تخلق منذ البداية في فضاءات «الإنترنت»، وهي فضاءات حرة بطبيعتها، بالتأكيد كانت هناك مكابدات كثيرة على الورق، ولكنني بدأت أتعاطى مع الكتابة بجدية من خلال هذه النافذة الكونية العظيمة التي نسميها «الإنترنت»، لم يكن لدي قارئ أصلاً لأبحث عن قارئ مختلف، ولم يكن لي وطن لأبحث عن وطن بديل، «الإنترنت» صنعت حريتي وقارئي ووطني، «الإنترنت» صنعتني.

> حضورك في المنتديات الإلكترونية وشهرتك عبر منتدى «مدينة على هدب طفل» بات ذاكرة لأصدقائك الافتراضيين، لكن سرعان ما تبدل هذا الحنين إلى سوداوية وحنق عندما انقطع تواصلك معهم، مع أننا في زمن التواصل الاجتماعي.. فهل اكتفت بثينة بقراء محدودين، أم أنها لا تكترث بالجمهور ولا بالأصدقاء نظراً إلى وجود مكاسب أخرى؟

- الحقيقة أنني غادرت المنتديات حزينة وممتلئة بالهزيمة، بعد أن كتبت مقالة أنتقد فيها تحول المنتديات الثقافية إلى صالونات اجتماعية ترزح تحت ثقل العلاقات، هوجمت بسبب مقالتي بحكم أنني «صنيعة» تلك المنتديات و«ربيبتها» على حد تعبير البعض، أشخاص أقدرهم وأبجلهم أنكروا عليّ حقي في أن أتجاوز ذاتي، البعض تساءل: من تكون هذه «المفعوصة»؟ كان الغضب عارماً، يكاد المرء لا يصدق أن كل هذا الغضب بسبب توجيه نقد إلى منتدى إلكتروني. نقد ينبثق عن صميم التجربة أصلاً، بحكم أنني «صنيعة المنتديات وربيبتها» كما قالوا، ماذا كانوا يريدون مني؟ أن أبجل المنتدى الذي صنعني؟ أن أكف عن النمو؟ التواصل الاجتماعي لم يكن غرضي منذ البداية، كنت أبحث عن مشروع ثقافي وفشل، فقد كل شيء معناه ومتعته فغادرت.



* روايتك «ارتطام لم يسمع له دوي» تم إعلانها باكراً، لكنها تأخرت في الصدور وسبقتها رواية «سعار»، ولكن ما يهمني هنا لماذا غيبت بثينة الشاعرة وحضرت بثينة الروائية، مع بقائك في قاع اللغة أكثر تجاذباً للهمس وللذات وللحيرة المتمادية على طاولة نديم يشبهك وربما لا يعنيك كثيراً؟

- لماذا غبت كشاعرة وحضرت ككاتبة رواية؟ لأنني أجبن من أن أكتب شعراً، لأن الشعر شفاف وفاضح، ولأننا نخاف أن ننكشف على الآخر، أن نسقط عن أنفسنا جلدنا القديم المتيبس ونعود إلى طراوة الطفولة، نعم، الأمر يخيفني.

> قال عنك مهاب نصر: «يكاد يدهش حين يفاجأ بأنه لم يكن أمام رواية بالمعنى المفهوم، ولكن مونولوجاً داخلياً تتضخم ذوات أصحابه»، في حين غالب القراءات النقدية انطباعية وتصف الرواية بينما لا تقدم نقداً، هل علاقاتك الشخصية تتدخل في رأي الكتاب عنك؟ إذ لم نجد آراء صادمة أو متذمرة من رواياتك كبقية ما يدور حول النص النسوي من عدم الرضا عن المحتوى والمستوى/المبنى والمعنى؟

- ليست عندي علاقات اجتماعية وثيقة مع كتاب، باستثناء بعض الصداقات النادرة جداً، وهؤلاء الأصدقاء - لحسن الحظ - لا يكتبون مراجعات عن كتبي، بل يرسلون رؤاهم عبر الإيميل، وبناء عليه أستطيع أن أجيبك بكل ثقة: لا، لا تتدخل علاقاتي الشخصية في رأي الكتاب عني، أما في شأن الآراء الصادمة والمتذمـــرة فأنا أؤكد لك بأنها موجودة.

> بطولة المرأة في جميع رواياتك هو من قبيل أنك تمارسين دور شهرزاد، أم أنك قادرة على استكناه العميق من ذوات النساء؟

- أنا أكتب عما يلامسني، لا أفتعل قضاياي، لا أختارها كما أختار قمصاني، أكتب عن الأشياء التي تؤلمني وتجعل دمي يغلي، عادة ما يبدأ الأمر بسؤال، سؤال يستحوذ علي ويقلقني، أحاول تحجيمه والسيطرة عليه ومحاورته في رواية، تنتهي الرواية، السؤال لا ينتهي، هكذا تبدأ روايتي التالية.

> «سعار»، و«ارتطام لم يسمع له دوي»، و«عروس المطر»، و«تحت أقدام الأمهات»، و«قيس وليلى والذئب»، و«عائشة تنزل إلى العالم السفلي»... هذه العناوين المباشرة لرواياتك ألا تجعل القارئ ملولاً في استدعاء رغبته إزاء المضمون، أم أنك لا تحتملين ثقل التورية وأنت قادمة من سلطنة القصيدة؟

- لا أعتقد بأنها مباشرة أبداً، ولا أعتقد بأنك تستطيع «استدعاء المضمون» من خلالها، أية حكاية ستستدعي من عنوان مثل «ارتطام.. لم يسمع له دوي» مثلاً؟ وحتى العنوان الذي يبدو مباشراً «تحت أقدام الأمهات» له دلالات مختلفة عن تلك التي ألفناها في الموروث الديني.

> مشروعك الجديد «تكوين» هو امتداد لشغفك الأول كقارئة، أم أنك تحاولين استثمار وعيك الإبداعي بكتابة الآخر لك، من خلال تعليمه أو تسويق الكتابة عليه كنوع من اختبار الذائقة وتطويرها... قريباً منك؟

- «تكوين» هو امتداد لشغفي ككاتبة، لا كقارئة، والهدف من المشروع هو أن نصقل أدواتنا ككتاب، وأن نتعاطى مع الكتابة بمهنية، موقفي هذا يزعج البعض على ما يبدو، لأنهم يفضلون أن يتحدثوا عن الكتابة بصفتهم أنبياءها المختارين بدلاً من أن يتناولوا الجانب الحرفي منها، أعترف بأن الفكرة ليست رومانسية تماماً، أن تتعاطى مع الكتابة كحرفة، أن تركز على الجهد المطلوب بدلاً من أن تركز على الموهبة، ولكن الحقيقة ليست رومانسية أيضاً، ماركيز يرى بأن الأدب ضرب من النجارة، ساراماغو يعتبر الكتابة وظيفته، وآخرين كثر.

ورش الكتابة الإبداعية شائعة في جميع بلدان العالم، وفي معظم الجامعات تجد برامج دراسة الكتابة الإبداعية، عوضاً عن وجود حلقة كتابة تتم بإدارة كاتب متفرغ طوال النهار، هناك بالتأكيد محترفات ومعسكرات ومخيمات للكتاب، لماذا لا يتقبل البعض فكرة أن هناك الكثير مما يمكن تحقيقه من خلال صفوف الكتابة الإبداعية؟ لا أدري، في الأعوام القليلة المقبلة ستجد مشاريع مستنسخة من تكوين من أكثر الأشخاص رفضاً لفكرته.

> تقولين: «أريد أن أكتب العالم بأسره قبل أن أموت»، هذا الإصرار الدؤوب على أن تختصري ذاتك عبر الكتابة يبدو أنه هاجسك الأزلي، ألم تأخذك المغامرة لتجريب عوالم أخرى غير الكتابة كالسينما أو المسرح مثلاً؟

- لا، لا شيء إلا الكتابة، الكتابة تكفيني.

> بما أن الشاشة أقرب إليك من الورق لماذا لا تتجهين للكتاب الإلكتروني من باب الوفاء للحظة معاصرة، درءاً من قلق البياض الذي يجتاحك كما يجتاح القارئ الجديد؟

- ناشري الحالي الدار العربية للعلوم ناشرون، توفر كتبي بصيغة إلكترونية إضافة إلى الصيغة الورقية، الكاتبة في داخلي تتعاطى مع الشاشة مباشرة، القارئة في داخلي أقل مواكبة، إنها تحب ملمس الورق، صوت قلب الصفحة، ورائحة الغبار.

> ما هي تحولاتك الجديدة في الكتابة وإلى أي مدى تتسع آفاقك؟

- هذا سؤال يجيب عنه عملي القادم، وهو لا يزال في طور التكوين، أحاول أن أختبر نفسي من خلاله، أن أجرب أدوات لم أعتد عليها، وأدخل به إلى مناطق مجهولة بالكامل، هل أنجح؟ لا أدري، لننتظر ونرى.

> من الكويت إلى الكويت ما زالت مفرداتك هاربة منك وإليك.. ألا تفكرين باختراع الأمكنة؟ وبأي زمن تتكئ عوالمك؟

- أثناء كتابة روايتي الأخيرة «كبرت ونسيت أن أنسى» كنت أتحاور، بطول النص، مع السيد جورج أورويل: مستر أورويل، آسفة لإخبارك بأنني، أنا بثينة العيسى من العام 2013، لست مضطرة أبداً لتخيل أي جحيم مستقبلي لأن الجحيم هو الآن، وبأن كل ما ذكرته في روايتك 1984 التي كتبتها في خمسينات القرن الماضي يوجد في عالمي حالياً، منذ شاشة الرصد وحتى تزوير الحقائق، نحن أيضاً نسمي العنف حباً والحرب سلاماً والجهل قوة، بصدق لست بحاجة إلى اختراع أي شيء، يكفي أحياناً أن تكتب ما هو أمامك، مهمتك ككاتب أن تسمي الأشياء بأسمائها، المكان والزمان مجرد تفاصيل.

> وأخيراً... إلى متى ستظل بثينة العيسى مجرد نص والمتلقي مجرد ثكنة عسكرية لحرب باردة تتمخض عن صراع ذاتي بالدرجة الأولى؟

- ضع بثينة العيسى جانباً، أنا لا أثق بأي إنسان بلا صراع ذاتي، إنسان متناغم بالكامل وغير متناقض، إنسان لا يخوض حرباً مع نفسه، كل يوم، لأجل أن يتبين أفكاره الحقيقية من أفكاره المستعارة، طبيعته من ثقافته، صوابه من خطأه، أعتقد بأن هذه رحلتنا جميعاً، والأدب سيبقى، إلى الأبد، الموثق الأعظم لهذه الرحلة.


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
د. أحمد الأحمد[/b], ')">د. أحمد الأحمد
المؤسس


اشترك في: 06 يونيو 2006
رقم العضـو : 8
مشاركات: 13132
المكان: المملكة المتحدة


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 26, 2014 6:22 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


زينة عازار شاعرة التوازن بين الغيم والتراب


زينة عازار


فجر يعقوب

تفـــترض زينة عازار في مجموعتها الشعـــرية «غيمة للتوازن» (دار مخطوطات – هولنـــدا) قارئاً لا يخطط مسبقاً لشراكة محايـــدة في اللغة، على رغم غواية الهمس التـــي تتقنها في نصوصها المفتوحة على عيون مشككة بضوء بدائي يندّ عن عزلة محكمة. تترك له تزيين الفخاخ البريئة التي تنوي وضعها في طريقه، فتبدو اللغة هنا مكملة لانغماسها في جماليات تستمد طـــاقاتها الإيحائية من مفردات مشبعة بالآخر. ويقف على أطراف هذه اللغة مشحوناً بعواطف متقدة تقدمها النصوص لقارئ يضغط بكلتا يديه على حـــروف متكـــيفة مع دلالات رمزية وإيحائية متمرسة بانفـــتاحها على معانٍ لا يوجد منها إلا في طريق العودة من القراءة. أي حين يتراكم الفراغ ويشكل النافذة الواسعة المطلة على هـــواء في اللغة، لا تتخلص منها زينة إلا في الوعي المرادف لاشتقاقاتها، في مضمار جماليات تحيل إلـــى المعنى بوصفه مضمار الشعرية التي تمضي نحوها من دون ارتباك، أو تزيين.

وثمة فيض في التأمل، والركون إلى ماهية متجددة فيه مع كل قراءة جديدة ينحني فيها القارئ «المتورط» بالذهاب إلى تفاصيل غير موجودة في واقع اللغة التي تنفر تلقائياً من مجموع نصوص متقدمة نعثر عليها بالأرقام، ومن غير تلك العناوين التي تفسد هذا القارئ بدلالها اللوني والعاطفي.

في «غيمة للتوازن» ثمة إحالات للطيف في اللغة، يستحق أن يكون طيفاً شاحباً أكثر من تحشيد لوضوح المعاني فيه حين تستفزّ الصور من ينحني على هذه الإحالات. وهي إحالات لا تتركها زينة مفتوحة على نيّات شخصية للبوح والهمس بغية الاقتصاد فيها، بل لأن الضآلة في كل شيء تكاد تتواجد في الأماكن والأشياء والأزمنة والعتمة المدربة التي «تستلفها» لعوالم تبدو في الظاهر أكثر هشاشة وانحيازاً للصمت. تبدو اللغة هنا نعمة في أن يلج القارئ إلى اختزالات وتكثيفات في الدلالات من غير تلك الزيادات التي تنتج أحياناً في طريقة القصّ والتركيب لحظة التأكيد على المعنى الدلالي المتاح في بنية النص الذي تميل به صاحبته نحو الآخر المتشظي فيه على الضفة نفسها أحياناً.

ويرى أنّ اللغة ليست أداة مجردة في مواجهة مفاتيح لا توجد في الواقع إلا للتنفس في خاصرة كل ما تتشبث به زينـــة عازار وهي تطلّ على العالم من دون عناوين أو أردية تقليدية تسبق كل نص كما هو شائع: «أنت لا تفهم شيئاً/ سوى أنك تسمع طرقاً في مكان ما/ حيث الحياة هشة/ وأنت لا تجرؤ على الالتفات».

من المؤكد أن صاحبة «غيمة للتوازن» لا تبحث عن مقولة اضطرارية لتؤكد للقارئ إنها كانت تخطط عامدة للبقاء أو للاستمرار في التواجد. هي تذهب به أبعد من تلك الرؤية التي يمكنها أن تفتن من يتناول نصوصها في غفلة عن الأمكنة والأزمنة وحشودها في مواجهة ذاكرة ملتبسة في زمن متوارٍ في بعض الأمكنة التي تجيء منها صاحبتها: «جلّ ما أفعله مراقبة الأشياء وهي تبدّدني/ وأحياناً أشاركك الحصاد». لن تتوازن زينة عازار في نشيدها اللغوي حين يتقدم في العناوين غير الموجودة إلا في الحنين الذي لا يمكن اكتشافه إلا في منحنيات اللغة، وكأنها تقوم عامدة بتبسيطها من طريق تفخيخها بالخطاب الشعري اليومي الذي لا تنقصه محاكاة غارقة في ديمومة أكثر إيلاماً لأصحابها حين يمرون فوق هسيس اللغة. وبهذا تنتقل زينة عازار بليونة حركية وتشكيلية بين نصوصها المشرعة كما أسلفنا على (أنا) فارهة بامتياز.

هي «أنا» لا يمكن التفلت منها بسهولة إلا حين يكتشف القارئ أسرار الغيمة الأدبية والشعرية التي تُخضع الجميع للتوازن، ولكنها تأبى ذلك بالنسبة إلى صاحبتها التي تدعو إليها.

فالشاعرة زينة عازار لا تفتقر إلى مقومات التوازن النفسي واللغوي ولا تبحث في يقين خطابها الشعري عن قرار لهذه النظرات العميقة التي ترسلها من وراء نصوص أقلّ ما فيها يحتفي بضآلة كلّ شيء يمكن إيجاده من طريق مواراة الرموز في مقتنيات الحياة التي يمكن مصادفتها في الشوارع والبيوت والنـــوافذ. وذلك كله يأتي في شعرية أرضية متوازنة لا يمكن مبادلتها بغيمات: «وقد مرّت السماء من هنا/ ما من شيء تفعله سوى القليل»، أو حين تقرر من وراء تلك النظرات التي يمكنها أن تستبدل عمقيتها بنعي مستمر لعالم يتشكل في السكون ولا يمكن إيفاقه أو تبديده إلا من طريق الاحتفاء بكل ما هو قليل فيه. وهذا ما يمكن أن تتيحه الأسماء المجهولة التي لا نعرفها في عوالم زينة عازار.

لكننا ننجذب إليها كما ننجذب إلى ضوء شحيح في كل شيء يمكن أن نقع عليه في طريق الذهاب وفي طريق الرجوع من تلك الأمكنة والأزمنة المتوارية ببعضها في لغة عازار: «على بعد خطوتين في الليل الأصم انتهي». نعم، هي البساطة التي تكفي للعبور من تلك الأمكنة التي نفتقد فيها لأن نكون وحيدين ومعنا غيمة أو غيمتان شاحبتان لجهة إدراك الضوء وقلة وروده إلينا في أحيان كثيرة، وفهم التوازن في عالم أرضي ضئيل ومشوش ومضطرب: «صوتي الذي يختلط بالليل/ آخذاً شكل الجمود بعد كل انتهاء/ لا حاجة لي بتقاطيع صوتي/ ولا بالأرض المتقرحة/ دعوا لي فراغاً صغيراً آخر الليل/ كي أنفخ/ كي لا يزول هذا الأثر/ أضيء مصباحاً بسبب الخوف/ وأنفخ فقط».


توقيعد. أحمد الأحمد :


كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش
أرجوكم إذا غبت لا تسألوا عني بل أدعو لي!

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½