دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » من ذاكرة الشام     .::.     » أمسية صيف     .::.     » الزهايمر     .::.     » ذات شتاء     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » أرض الحكايا: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » تقاسيم الفلسطيني:من أشهر المجموعات القصصية للأديبة د.سناء ال     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » طلاسم عشق     .::.     » رؤى     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » ناسك الصومعة: هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.     » رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس     .::.     » رواية أعشقني---هي من أشهر الأعمال الإبداعيّة للأديبة د.سناء     .::.     » كتاب "السّير في الطّريق السّريع"للهنديّ رام بوكسان     .::.     » Sanaa Shalan Resume     .::.     » سناء شعلان في سطور     .::.     » ظلال     .::.     » سيدي البعيد 25     .::.     » فانتازيا سمير الجندي     .::.     » سيدي البعيد 24     .::.     » حين يهرم شهريار     .::.     » موسيقى آذار     .::.     » باب     .::.     » رفيق الليل     .::.     » لا تتوقف عن الحلم     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع موقع الكاتبة د.سناء شعلان

مؤلف رسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:07 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان




هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وقد صدرت الطبعة الأولى منها عن دار الوراق للنشر والتوزيع بدعم من أمانة عمان الكبرى في الأردن.وقد صدرت طبعة باللغة البلغارية في عام 2013 تحت عنوان Керванът на" "жаждата،ترجمة الأديب خيري حمدان،وقد صدرت عن مطبعة الفنار بالشّراكة مع الدّكتور حيدر إبراهيم مصطفى رئيس نادي خريجي الجامعات البلغاريّة،كما صدرت طبعة منها باللغة الانجليزية في عام 2016 تحت عنوان "The Convoy of Thirst" ،ترجمة الأديب عدنان قصير،2016. وتتكون هذه المجموعة من 16 قصة قصيرة ،وهي تعرض بجرأة تنميطات وأشكال للحبّ، الذي يتجلّى في ثنائيات جدلية : كالوصل والحرمان، واللقاء والفراق، والتقارب والتباعد ،و الرضا والغضب، الحزن والسعادة، ويستولي في هذه المجموعات على حيز كبير من المفارقات والتجاوزات الواقعية. فقصص المجموعة تدين بالكثير لاستيلاد مفردات التراث والفنتازيا والخرافات والأساطير. فنجد تراث الوأد حاضرًا في القصة، كذلك خرافات الكنوز الموقوفة لرصد خرافي، وفنتازيا مشاركة الجمادات في الأحداث ، فنجد القراءة واللعبة البلاستيكية والأرواح الراحلة عن أجساد أصحابها والقطط البيتية الأليفة والجنّيات تعشق ، وتكون لها تجربتها الخاصة مع الحبّ ، الذي يقدّم في هذه المجموعة على أنّه بديلٌ موضوعي للسعادة والهناء والسلام. والقصص تجنح إلى طرح الحزن والفراق والهزيمة والفشل قرينًا شبه دائم للحبّ ، وكأنّه تجسيد للواقع الحياتي المهزوم والمسحوق الذي يعيشه أبطال القصص ، وتبقى القصص مفتوحة على التأويل والتجير والتفسير ، فهل الحبّ هو علاقة خاصة لها محدّداتها الخاصة ؟ أم هو صورة اجتماعية من صور المجتمع بكلّ ما في مشهده الإنساني من أحلام وأماني وتناقضات وأحزان وانكسارات ؟أم هو بحث عن صيغة جديدة للبحث عن الفردوس المفقود في هذه الحياة ؟

قافلة العطش
المؤلف: سناء شعلان
اللغة: العربية
البلد: الأردن
النوع: مجموعة قصصية
تاريخ إصدار الطبعة الأولى:2006




توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:07 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

رواية قافلة العطش



"قافلة العطش لـ سناء شعلان :الحبّ حرفة إنسانية في فضاء غرائبي" :إبراهيم عقرباوي. 1-" نساء الرّمل في "قافلة العطش" لسناء شعلان 2-" نساء الرمل في قافلة العطش" لسناء شعلان: أحمد مزيد أبو ردن. 3-" استلاب الذات وقهر العشيرة:قراءة في مجموعة ( قافلة العطش ) لسناء شعلان" : أحمد طوسون. 4- "التحليل الوظائفي والإجراءات الأسلوبية وأثرها في التضام النصي في قافلة العطش للدكتورة سناء الشعلان: د.صالح حمدان 5- "الحب والحرية في قافلة العطش": وهيب وهبة. 6- "الخروج من سجن الحداثة:قراءة للمجموعة القصصية "قافلة العطش" :عمر تيسير شاهين 7 – "القصة النسوية / سناء الشعلان وقصة قافلة العطش" "أريج تليلان. 8- "القيم الثقافية في مجموعة" قافلة العطش"للدكتورة سناء الشعلان": د. شوكت علي درويش 9- "إنكسارات الأنثى في قصص قافلة العطش" :سمير الشريف. 10- " نائمة النافذة العاشقة ايقاظ الأنوثة" : محسن حسين عناد. 11- " جمالية العنوان في قصص سناء الشعلان: مجموعة (قافلة العطش) أنموذجاً": د.سالم محمد ذنون. 12- " رحلة مع قافلة العطش رسالة إلى الإله اختياراً": أ.د ضياء العبودي. 13- " سرديات الحبّ وشفافية العوالم في مجموعة "الجدار الزجاجي"لسناء شعلان": د.محمد مصطفى علي حسانين. 14- " سيمياء العنوان في (قافلة العطش) لسناء شعلان " :أ.د. ضياء غني العبودي ورائد جميل عكلو. 15- " ظمأ الروح في قافلة العطش قصة "تحقيق صحفي" أنموذجاً": حيدر عبدالرحيم الشويلي. 16- " فضاء الحبّ ّوالصحراء والبادية في مجموعة قافلةالعطش القصصية" : د. محمد عبد الرحمن يونس . 17- "قافلة العطش"لـ: سنــاء شعــلان: إستراتيـجيّة التّنـاغم بـين العتبـات والنّـــص" : عبّاس سليمان 18- " قافلة العطش رحلة على أوتار العاطفة المحمومة للدكتورة سناء الشعلان": راوية رياض الصمادي . 19- " قصص عاطفية وارفة الظلال في "قافلة العطش" لسناء شعلان": د. عبد المالك أشهبون. 20- " ملحمة الحب والعطش: لسناء شعلان": د.رشيد برهون.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:13 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



قافلة العطش لـ سناء شعلان )الحبّ حرفة إنسانية في فضاء غرائبي )
ابراهيم عقرباوي

" ورحلت قافلة العطش ، كانت عطشى إلى الحب ..."
بهذه الكلمات تفتتح القاصة سناء شعلان أولى قصصها وكأنها توقد أولى شمعاتها التي تنذر بضياء هائل أو حرائق بحجم الحب ،وتمهد الطريق أمام القارئ ليفتح باب الحكاية تلو الحكاية المتوالدة من تنور أرقى مشاعر الانسان صفاءً . الحب ولا شيء غير الحب .
لا هاجس لدى الكاتبة في ( قافلة العطش ) سوى تأكيد هذه القيمة والاخلاص لها والدفاع عنها برؤية فنية ولغة تعبيرية موحية ، وهذا ما جعل قصص المجموعة تتسم بوحدة الموضوع أو الحدث وتتباين في طرائق المعالجة عبرلجوء الكاتبه الى تقنيات متنوعة والافادة من تعدد مستويات السرد الواقعي وان انطلقت احيانا من رؤيا فانتازية بدخولها دائرة اللامعقول حيث تدفق الزمن وغياب المكان .
وبنظرة فاحصة لمحتوى هذه المجموعة نلاحظ ان قصصها توزعت بين الواقعية والغرائبية وان كنت اميل الى ايقاع الواقعية لقربها من ذائقة وفهم القارئ أكثر مما سواها . لذا ارى لزاما البدء باستجلاء اجواء القصص الواقعية المتمثلة بـ( النافذة العاشقة ) وفيها : ( آمال أمراة عادية ، لم تكن تأبه بجسدها الذي ترهل دون مبالاة بأعين الرقباء ولا بملابسها ذات الموضة القديمة المنسية ،ولا بخضرة عينيها اللتين غرقت فيهما الاحلام منذ زمن طويل ... ص15) .
انها أمرأة لها بيت وزوج وأولاد ، وغدت في خريف العمر كغيرها من النساء لكنها تفتقد دفء العلاقة مع زوجها اذ تمر اللحظات معه مثل التقاء غريبين في مرفأ عتيق ، ثم سريعا يلوحان لبعضهما بالوداع دون ادنى مشاعر . وينبثق امامها ابن الجيران الشاب الاسمر ذي الهدبين السرمديين بنظراته الفضولية والذي استطاع ان يضرم في داخلها مشاعر كانت خامدة وجعلها تفكر فيه وتلازم نافذة مطبخها ، غير انه يسافر بغتة ويتركها وحدها مع نافذتها الحميمة لتبقى اسيرة هواجسها وخيباتها ( كانت سعيدة ، سعيدة ، سعيدة جدا ً ... هكذا كانت تصنف نفسها لنفسها ، التي كانت تعجب منها عندما تتكوم بلا حيلة على بلاط المطبخ الى اسفل نافذتها العاشقة وتنتحب بحرقة ... ص19).
ثمة امرأة هنا يحيق بها السأم ، ويعتريها جفاف المشاعر ، وتعاني تجمد علاقتها بأقرب الناس اليها _ زوجها_ انه خريف العمر المفضي الى شيخوخة لاترحم، وماذا بعد ؟ النافذة حلمها الاثير . حلمها الذي تكافح كي لا يتبدد .. وهي لا تكافح الا بدموعها . انها امرأة مستكينة لظرفها ولا تملك فكاكا من واقعها المظلم .
وتنتقل بنا الكاتبة في ( قطار منتصف الليل ) لتحكي لنا قصة رجل ذهب في موعد غرام ليقابل فتاة جامعية احبها دون ان يراها وبدلا منها سارعت معلمتها للقائه لغاية نبيلة في نفسها ، ولكن الامور لا تجري كما هو مخطط لها ، ويقر قرارها ان تخطو باتجاهه وتحتضن باقة الزهور التي جلبها معه ..
تظهر لنا الكاتبة نموذج المرأة المغامرة التي لا تملك أمام وهج الحب المنبثق من باقة الزهور الحمراء انصرافا . والفكرةهي ان المرأة أبسط مما نتخيل ، ولا يستولي على كيانها وعقلها شيء كالحب .
أما ما نعاينه في ( تحقيق صحفي) فهو نموذج المرأة المتمردة على واقعها وظرفها الاجتماعي . هي المرأة التي يمارس الزوج بحقها فظاظته وقسوته بدنيا ونفسيا وما ان تلوح أول بارقة حب أمام ناظرها حتى تحرق السفن ورائها وتغذ الخطو باتجاه القلب الذي يناديها .
الى الصحراء العربية جاءت لعمل تحقيق صحفي حول إحدى القبائل البدوية ،فتلتقي ( الطالب رجب ) الرجل المهذب الرقيق الذي تفضي لقاءاته بها الى الزواج بعد تطليقها من زوجها بحسب عرف القبيلة (تذكرت ذلك الزوج الذي يسن اسنانه، يأكل جسدها ثم يوسعها ضربا وإهانة ص69) .
ولا تخرج قصة ( احك لي حكاية ) عن سياق ( تحقيق صحفي ) حدثا ومعالجة وكأن الامان المتحقق بالحب هو هاجس المرأة وطوق نجاتها الوحيد . المرأة التي تكابد ذاتياً جرّاء علاقة بائسة مع زوجها ، فتفر بروحها الى من احبت في زمن غابر: ( انت لا تعرف شك وحيرة وشوق وصبر امرأة تنتظر رجلا من ألف عام ص81/ وتطلقت من وسام ذلك الرجل الذي ضم جثماني تسعة اعوام كاملة ثم يأس مني ص83) .
وتتشابة النهايات باهداء باقة ورد حمراء الى القلب المنشود .
أما قصة ( قلب لكل الاجساد ) فالرؤية مغايرة إذ تنكفئ المرأة العاشقة على نفسها بعد انقطاع حبل المودة فيما بينها وبين فارس احلامها الذي حرمها من عذريتها ذات شتاء . وامعانا في جلد نفسها بل تحطيمها تسقط في وحل الرذيلة ، لتقتات على مرارة الذكريات وآثام الحاضر : ( وغاب الفارس وغاب اللقاء ، وغابت الفتاة المتدينة ، وبقيت الخطيئة ص74) .

ان هذه الطائفة من القصص باحداثها وأجواءها ونهاياتها هي ابنة الواقع ووليدة شروطه الموضوعية ، آثرت عبرها الكاتبة طرح قضية انسانية اساسية في حياة المرأة والرجل على السواء ، مع التشديد على ان الادب ليس نقلا حرفيا لوقائع حياة الشخصية في ظل علاقاتها الاجتماعية السائدة بل هو اعادة انتاج للواقع بغية الوصول الى حالة انسانية أرقى .
وفي هذا الاطار فان النماذج الاجتماعية المطروحة للمرأة عبر قصص سناء شعلان لم تتجاوز نموذج المرأة المستلبة المهزومة المستكينة لواقعها ، ونموذج المرأة المغامرة المتمردة على املاءات العادات القاهرة والاعراف الخانقة ، وهي بهذا بدت وفية للواقع من جهة ، ومخلصة لقضية المرأة في الحياة من جهة ثانية .
وبمتابعة ما تبقى من قصص المجموعة نلحظ لجوء الكاتبة في بناء منجزها الحكائي باعتمادها الغرائبية نهجا وحيدا ناظما لكافة خيوط النسيج القصصي ، ويتجلى ذلك في إدهاش القارئ وايهامه بشده الى حدث يحسبه واقعيا ويؤول بعد البدايات الى عالم فانتازي يمتد خارج حدود العقل والمنطق . انها لعبة استدراج أجادتها الكاتبة واستمرأت استئنافها في العديد من القصص على نحو يثير الفضول والاسئلة ، وهي بمجملها تأتي في سياق سردي يتضمن خطابا موحدا يقوم على فكرة ان الحب هو الذات العليا في الانسان، وان تشابهت القفلة احيانا ، ففي قصة ( الرصد ) تختطف الجنية الافعى عزوز الى مملكة الجان لانها عشقت في عينه شيئا لم تره من قبل في عين انسي . وكذلك الامر في ( بئر الارواح) التي تطالبها الزوجة باعادة روح زوجها اليها فتستجيب لنداءاتها في النهاية وتمنحها تلك الروح التي تخترق جسدها بعنف . ولا تفترق (زاجر المطر ) عن سابقاتها باختراق الفتى العاشق لكيان الفتاة البلاستكية الواقفة خلف جدار بيع الملابس الزجاجي ، والتي تخاطبه بانها ( أكثر اشتياقا )
انه الحب الاصيل بأبهى صوره حد الاستغراق والفناء في ذات المحبوب ، ويالها من نهايات !
اما في قصتي ( الفزاعة / امرأة استثنائية ) فنرى الحياة تدب في الجمادات لتستحيل الى كائنات من لحم ودم ( الفزاعة في الحقل / تمثال صخري / صوره في لوحة ) ونعاين سعيها الحثيث نحو من منحها سر الحياة ، صوب من أفاض عليها سحر روحه بكلمة واحده فقط ( أحبك ) مما يعني اننا بالحب نحيا يقينا .

انها قصص تمجد عطاء القلوب ، وتعلي من شأن قيمة الحب في حياة تمور بالضغائن والاحقاد ، وتعظم ذات الانسان بوصفها ذاتا عليا أقرب الى السماء منها الى الارض ، وبنفس الوقت تمنحنا مفاتيح ابواب ان و لجناها لا بد سنرتوي .
برعت الكاتبة في صياغة قصصها المتوفرة على العناصر الرئيسة من بداية وحدث وحبكة وخاتمة بلغة سليمة رشيقة محكمة وان اقتصدت في المقاطع الحوارية التي تكسر رتابة السرد . وجاءت قصصها مفتوحة على الزمان ، مستخدمة تقنيات متعددة في الشكل، ومستعذبة الاشتغال على وحدة الخطاب .
__________________________________________
سناء شعلان: قافلة العطش، ط1،بدعم أمانة الكبرى، دار الوراق للنشر والتوزيع،عمان، الأردن،2006.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:14 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



نساء الرّمل في "قافلة العطش" لسناء شعلان


أ. أحمد مزيد أبو ردن
هذا العالم الذي يتمازج بين الواقع والحلم والأسطورة، وتكون فيه المرأة واسطة العقد، بمشاعرها العارية وبقدرتها على خلق طعم جميل ورائع للحياة، وتلك الأحاسيس المرهفة الدقيقة لذلك الكائن الرقيق الناعم، الذي هو نصف الحياة وسر الإبداع الفني والإنساني، تقدمه نساء شعلان في تجربتها القصصية المتميزة "قافلة العطش"، ويركز على ضرورة الإبداع والقدرة على توصيل الصورة المضخمة بالمشاعر إلى عقل القارئ الذي يدرك مسبقاً أنّه يقرأ لامرأة.
ويريد أن يعرف كيف تكتب المرأة عن عالمها وأسرارها المتوارية التي تلوب وتختفي عن أعين المتعطشين لحديث النساء؟ وإلى معرفة أدق أخبارهن وأسرارهن واختلافهن الروحي والنفسي والبيولوجي عن عالم الرجل الشائك المصطخب العنيف. وحين تغوص في فضاءات التجربة تنفتح أمامك الكثير من الأشياء التي كتبتها وأعطت معان مختلفة في ذهن القارئ المدقق.
قلت لها: اتركيني أقرأ ما تكتبين، أعيش في عوالم القصص التي تنبئ بالكثير من الأسرار عن هذا الكون الإبداعي المعقد، وعن ضجيج الأنثى إلى الحبّ، وارتشاف حلم الحياة الوردي.
ومن أول الطريق يعبر المبدعون، يبوحون بأسرارهم الدفينة، ويكشفون لواعج قلوبهم التي عذبها الانتظار، وهذه امرأة تبوح وتفضح ذلك العالم الذي يسحر عقول الرجال، ويطلق العنان لخيالاتهم المرهقة من التمني والحلم. حين قرأت النص الأول من "قافلة العطش"، كنت ألهث وراء الصور المجنونة في النسيج الإبداعي، ومن السّطر الأول كانت تفضي بقدرتها الهائلة على البوح، وتتجلّى في عالم السّرد الذي يعطي للقصة مذاقاً رائعاً، ومخزونها من التراث عميق الجذور، لم يقل لي أحد عنه، ولكن بذائقة نقدية تشتم رائحة التراث، اكتشفت الينابيع التي أخرجت هذا الإبداع إلى حيّز الوجود وفرادة التجربة وتميزها ودقة المشاعر التي تنبض وراء الكلمات.
إنّ مجموعة (قافلة العطش) القصصية للكاتبة سناء كامل شعلان تندرج في القص الإبداعي الذي يسحر القارئ، ويجعل من متابعته للحكايات شيئاً ذا قيمة ومتعة، يضيفها جو النّص واللغة العذبة المستخدمة، والوصف الجميل من قلم امرأة تعرف كيف تقدم عالم المرأة بأدق أسراره، وبغرابته، وبقوته وضعفه.
وهذا الجانب الذي عجزت الكثيرات من المبدعات عن تقديمه، من خلال مجال الاعترافات الشخصية، وعالم المرأة الجنسي وتوقها الأبدي إلى نصفها الآخر الرجل، هنا تجربة المرأة المبدعة تختلف كليّاً؛ لأنّها تكشف عن الصورة الحقيقية للأنثى، ولامرأة الصحراء التي لم تقترب أو تقدم مشاعرها الأقلام، المرأة التي تمّ أسرها مع مجموعة من النساء، وجاء أهلهن لدفع الفدية إلى زعيم القبيلة التي اختطفت النساء، ولكن واحدة منهن ترفض أن تعود أو أن تفتدى، وتعترف أنها تحب أسرها، وتطمح إلى الارتباط به.
هذا النّص الذي في المجموعة أماط اللثام عن المرأة الغريبة ومزاجها العجيب، قدمته الكاتبة في أسلوب لا تفهمه غير المرأة بمشاعرها وبقدرتها على الاختيار، حتى لو أنّها أصابت أهلها بالصدمة، وجلبت لهم العار، برفضها العودة إلى أهلها وحسب أعراف قبيلتها التي تعتبر مقدسة في نظر سكان الصحراء الذين يعتبرون المرأة والشرف صنوان يرتبطان بالحياة والوجود، وحين تحدثت عن العطش كان الهدف أكبر من الماء على أهميته في عالم الصحراء، ولكنّه العطش الإنساني ودفء العلاقات بين الرجل والمرأة، وذلك الشعور النفسي الدفين في أعماق النفس البشرية الذي يوصل إلى الاستقرار والأمان. والقبول بهذا الحد من القدر الذي فرضته إرادة الخالق حينما يكون الإنسان ذكراً كان أو أنثى جنيناً في رحم أمه.
هذا اللامعقول في النّفس البشرية الذي جسدته المرأة الصحراوية حين رفضت أن تعود، وماذا وجدت في ذلك الرجل الذي أسرها؟ ولماذا اختارت أن تعيش معه وقد كان كريماً وشهماً حين قبل الفدية؟ وأمر النساء الأسيرات بالعودة مع أهلهن الذين جاءوا من ديارهم ودفعوا المال ليحافظوا على نسائهم وشرف وعرض قبيلتهم.
هذا الحديث لا يكون همساً وإنّما بصوت عال إيقاعه جميل، وأنفاسه مخضبة بعطر وحناء المرأة التي ترى الحياة من زاوية لا يراها الرجال، وهي تكتب عنهم، وتنثر شوقها الأزلي إلى من يكتب لها كلماته المائية ويحملها محارة مغسولة بالزبد ورغوة البحر الطافية البيضاء.
من أول سطر في "قافلة العطش" كان هناك للحديث معنى تجسده امرأة ملهمة تفصح عن تجربتها بجرأة ونبرة عالية تدخل عالم النساء والجواري والأسيرات وجنيات الكهوف المغلقة منذ ألف عام لتقول لنا: هذا هو عالم المرأة بقوتها وضعفها وكيدها الإنساني الغريزي، الذي تروض به ذلك الآخر المكتنز بالقوة والعضلات وإرادته في اختيار ما يريد دون خوف أو خشية من أحد، وفي العبور إلى فضاءات سناء شعلان العارية مثل فصل خريفي يجرد كل الأشجار من أوراقها، تجرد التجربة من وعثاء الطريق وتنثر أحلامها وحنينها ورؤيتها للحياة.
ليست امرأة عادية ولكنها مع ذلك تحمل كل ارثها الأنثوي، ولهاث أنفاسها المتنامي، وقلق شخوصها وصراع واشتباك لحظات الحدث الذي تلتقطه بكل ذكاء، وتفرشه بمساحات واسعة من الرؤية المتجسدة في إبداع قصصي جميل.
لتقدم عالم الأنثى بكل تعقيداته واشكالياته وخصوصيته، هذا العالم والجانب الأنثوي من حياة النصف الآخر من الحياة البشرية، الذي يراه الرجال ناعماً ورقيقا، ولكنّها تختار الزوايا التي لا يفهمها الرجال بحكم التكوين العقلي والبيولوجي، وتنفض عنه غبار الاختباء وتقدمه كما تحس به المرأة حين تكتب إبداعها.
إنّها صورة فنية إبداعية خطتها أنامل الكاتبة بكل براعة فلو أنها عادت لم تغادر فضاء القصة العادية والشيء المألوف، أما حين رفضت، وقالت للرجل الذي جعل منها حكاية في متاهات الرمل والسّراب والهجير: إنها عطشى!!
يا لهذه الكلمة الصغيرة من مدلولات هائلة ومعان ربما لا ينقطع الحديث عنها!! ولو كان الكاتب رجلاً لكانت النزعة الذكورية تتطلب منه البطولة والشهامة والعفو عمن لا يملك نفسه أو لديه المقدرة على أن يحرر جسده المكبل، ولكانت النظرة إلى الأنثى على أنها بحاجة إلى الحب والرجل، والى تغيير واقعها وحياتها بارتباطها بهذا الرجل الذي قدم أنموذجا رائعاً في البطولة والرجولة الحقيقية حين عفا عن الأسيرات حتى ولو بمقابل من فدية ومال، ولكن الكاتبة امرأة مكتملة الأنوثة، وتعرف أدق أسرار قلب ونفس الأنثى بفرحها وحزنها وزاوية نظرتها للحياة، ومزاجها المتقلب وأحوالها النفسية المتغيرة والمضطربة والمستقرة.
وهذا ربما لم يعرفه الرجال الذين يحكمون على الأشياء من خلال عالم صلب خشن قاس مليء بالنزعة إلى السيطرة وإثبات القول في العقل وفي الجسم والرغبات.
ثم إن الحديث في قصة قافلة العطش كان عن امرأة من مدائن الرمل المجنونة، التي يلهث في آفاقها سراب الظهيرة الخادع، وتلك اللوحات السوريالية، التي تلوح للعين كأنها بحار من الماء وهي خلب خادعة تتحلب لها أفواه العطشى التائهين الذين يوقعهم حظهم السيء في دائرة مكرها وبردها اللاسع وفي خديعة سرابها المرتحل.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:17 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




استلاب الذات وقهر العشيرة:قراءة في مجموعة ( قافلة العطش ) لسناء شعلان
أحمد طوسون

تصدر لنا سناء شعلان في مجموعتها (قافلة العطش ) عوالم قصصية تحتفي بالحب كجوهر وقيمة إنسانية عليا ، تمثل العلاج والخلاص لذات الفرد التي تعاني استلابا وقهرا من المجتمع الذي مازال تحكمه مجموعة من القيم التي ترجح على إنسانية الفرد ، وترسخ لعطش الذات وحرمانها من التحقق الإنساني ( الأنثى أو الذكر – لا فرق ) وتزيحه إلى الوراء وتعلي من شأن المجموع على حساب أي قيمة أخرى .
ومن خلال موتيف العطش للحب والرغبة في الإشباع الروحي والمادي للذات للخروج من أسر الاستلاب تظل شخوص سناء شعلان في بحث محموم للوصول إلى ارتواء سيكون بالتبعية صادما ومتصادما مع قيم المجتمع باختلاف صوره البدوية منها والحضرية .
يبرز هذا المعنى بوضوح في قصة (قافلة العطش) التي اتخذت الكاتبة عنوانها عنوانا دالا للمجموعة .. حيث يركز القص على الصراع الناشب بين قيمتين ، قيم القافلة التي تحدد أهدافها في استعادة كرامة القبيلة التي أهدرت بأسر النساء في الغارات على مضاربها والحفاظ على الأعراض وصونها وجمع الشتات وفك الأسيرات .
وقيم الفرد الذي تسعى ذاته للتحقق الإنساني من خلال إشباع عطشها للحب والعشق .. والذي بدوره يصنع اختلافا في المفاهيم المتعارف عليها بين الفرد وبين القبيلة ، فبينما الذات تجد حريتها في تحقق الحب وإشباعه .. فتتخلى بطلة القصة عن حريتها المادية بإرادتها من أجل ما هو أكبر وأعظم ، حيث الوصول إلى مطلق الحرية المادية والروحية في إشباع عطشها إلى الحب ، (كانت على وشك أن تعتلي هودجها ، بقبضته القوية ، منعها من إكمال صعودها وقال بمزيد من الانكسار : من ستختارين ؟ نظرت في عينيه :" أنا عطشى ... عطشى كما لم أعطش في حياتي" .. اقترب البدوي الأسمر خطوة أخرى منها ، كاد يسمع صهيلها الأنثوي وقال : عطشى إلى ماذا ؟ . قالت بصوت متهدج : عطشى إليك... )1 .
فالبطلة اختارت البقاء إلى جوار البدوي الأسمر وفي أسره لتحقق حريتها الأنثوية وتحققها الإنساني بإشباع عطشها الجارف إلى الحب والهرب من أسر آخر أشد وطأة ، أسر القبيلة بتقاليدها وقوانينها وقيودها .
أما القبيلة فترى في فك الأسر المادي تحقق لمفهوم الحرية بنظرها ، ولا تستطيع أن تتفهم دوافع بطلتها حتى وإن اشتركوا معها- كأفراد - في حالة العطش إلى الحب ، لكنهم كبتوا مشاعرهم واستسلموا لأسر الأفكار بجدرانه التي تحجب القلب والعقل .. (صرخ الأب : خائنة ، ساقطة ، اقتلوها ، لقد جلبت العار لنا . كيف تختارين آسرك على أهلك ؟! ) 2 .
هذي المنظومة من الأفكار التي تحكم القبيلة تجعل من تساؤله في المقطع السابق سؤالا استنكاريا لتصرف البطلة وتعليليا لتطرف الأفكار الذي يجعل القبيلة تصم كل من يختلف معها بالخيانة وتحكم عليه بالقتل المادي والمعنوي في سياق فني سري بالدلالات .
والمفارقة أن منظومة القيم هذه تتخذ من العطش إلى الحب ذريعة للمنع والحجب والمصادرة ، بدلا من تشابك الأفكار وتحاورها ، ليطال المنع ما يختلج بالنفوس من مشاعر ويصادر على ما قد يحمله الغد من تباشير لأفكار جديدة ومختلفة ، تمثلت في وأد الطفلات وهن صغيرات ، خوفا أن يكبرن يوما ويكررن فعل البطلة بالنص .. ( شعرت القافلة بأنها محملة دون إرادتها بالعطش إلى الحب والعشق ، لكن أحدا لم يجرؤ على أن يصرح بعطشه ، عند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطشى ، وعندما وصلوا إلى مضاربهم وأدوا طفلاتهم الصغيرات خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهن )3 .
والسارد داخل النص يكشف عن انحيازه لقيم الفرد في مواجهة قيم القبيلة باستخدام ما يمكن أن نسميه تقنية المتن والحاشية .. فالمتن يتمثل في توصيف الحدث الأساسي بالقصة .. والحاشية تتمثل في تدخل الساردة بالتعليق الذي لا يخلو من دلالات واضحة ، فالساردة من البداية تستهل القصة بتعليق يبين أدانتها المسبقة للقبيلة ومفاهيمها واعتقاداتها .. ( كانوا قافلة قد لوحتها الشمس وأضنتها المهمة واستفزها العطش ، جاءوا يدثرون الرمال وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم .)4 .
وتنهي النص بحاشية أخرى تؤكد إدانتها للقبيلة التي لا هم لها إلا ترسيخ عطش الذات واستلابها .. ( العطش إلى الحب أورث الصحراء طقسا قاسيا من طقوسها الدامية ، أورثها طقس وأد البنات ، البعض قال إنهم يئدون بناتهم خوفا من الفقر ، لكن الرمال كانت تعرف أنها مجبرة على ابتلاع ضحاياها الناعمة خوفا من أن ترتوي يوما )5 .
التصادم بين قيم الفرد وقيم المجتمع يبدو واضحا في قصة ( سبيل الحوريات ) ، فافتقاد البطلة إلى الحب ( موتيف العطش ) يؤدي إلى عدم تكيفها مع المجتمع وخروجها عن تقاليده وقوانينه ، بالمقابل ينظر إليها المجتمع على إنها مجنونة لعدم إيمانها بقيمة وتقاليده ، ويظل المجتمع يمارس دور المتفرج السلبي تجاه الفرد الذي يعاني اغترابا واضحا عن المجتمع بقيمه ورؤاه ، وتظل الذات في استلابها وتشيؤها أسيرة الوحدة والاغتراب . ولا تملك ( هاجر ) بطلة القصة من سبيل لمقاومة قهر المجتمع ( بسلبيته )- ( هي مجنونة اسمها هاجر المجنونة ، لا أحد يعرف عنها أكثر من ذلك ، نهاراتها تقطعها بين سبيل الحوريات وفي الليل تتكور في ركن منه وتنام ملء شواردها ،لأكثر من مرة حاولت شرطة المدينة أن تبعدهاعن المكان لانها تسيء الى السيلح الذين يقصدونه ، لكنها تعود ........ ولم يعد أحد معنيا بابعادها ، حتى الشرطة نسيت الأمر )6 - إلا التعري الذي يفضح الغضب ويبدو كصورة لنفي العالم حولها والتعامل معه ومع مكوناته بعدم انتماء حقيقي وبخوف مصحوب بفزع ، وتصبح مظاهر الجنون وسيلة للحفاظ على الذات وإن استمرت معاناتها ويكشف تعري هاجر تعري المجتمع من القيم التي تعلي من شأن الفرد وحقه في الحياة الكريمة و الحب الذي يصبح في كثير من الأحوال مرادفا للحرية .
لذلك حينما تقابل هاجر ذاتا أخرى لفنان يعيش اغترابا ما مع المجتمع ، لكن ذاته الفنانة بما تملكه من قيم حب وخير ورغبة بالحياة ، تنتشل هاجر من استلابها وتتوافق مع ذاتها مرة أخرى بعد أن تحقق إشباعها المادي والمعنوي .. (دخلت هاجرإلى الشقة بكل رضى وسعادة ولم تخرج منها أبدا واختفت هاجر وافتقدها سبيل الحوريات وإن لم يفتقدها أحد أخر ، لأن المجانين لا يفتقدهم الناس )7 .
هذا التصادم والصراع يأخذ شكل مغاير في قصتي ( تيتا ) و ( تحقيق صحفي ) .. حيث يدور الصراع في القصة الأولى بين الطبيعة بعفويتها متمثلة في تيتا التي تفتقر إلى المدنية والتحضر لكنها تملك الأيمان بحب الحياة وتؤمن بالطبيعة بعفويتها الجامحة وقدرتها على مداواة الأمراض ، تلك الطبيعة التي نجحت في الأفلات من سطوة المدنية وقيودها وأدرانها ، في مواجهة العلم المتمثل في الطبيب الأوربي الأشقر، صراع تم تناوله في كثير من الكتابات العربية لعل أشهرها رائعة يحيى حقي ( قنديل أم هاشم ) ، لكن الساردة في النص تنحاز انحيازا كاملا للعشق والحب ، لعفوية الطبيعة وبرائتها البكر وقدرتها على أرواء العطش الكامن بالنفوس ، فالعلاقة التي تبدأ بكراهية الطبيب لتيتا ولخرافاتها تنتهي بإستسلام الطبيب لساحرته الجميلة وأيمانه بخرافتها لينتصر الحب.. ( خطا خطوتين الى داخل خيمتها ، كان يتفرس في قسماتها بنظرات جائعة ، قالت له بتلعثم وبشجاعة مزعومة : ها قد جئت إذن ، هل أقرأ لك كفك ؟ قال : بل جئت لأخطفك يا ساحرتي الجميلة .) 8 .
وكذلك الحال في قصة (تحقيق صحفي ) تهجر البطلة زوجها وعملها وحياتها ومدنيتها بعد أن صادفت في رحلة عملها إلى أرض تيغمار بالصحراء الغربية الحب الذي لاتقيده القيود ، الحب الخالص الذي انتظرته وظلت تحلم به .
حب يوحد الموجودات :
تقدم سناء شعلان في مجموعتها بانوراما متعددة المشاهد للحب والعشق ، لكن الحب الذي يربط بين الرجل والمرأة في النصوص حب أسطوري يمثل البؤرة التي تنسج حولها البنى السردية ، لكنه ليس الحب المتعارف عليه في العلاقة ما بين الرجل والمرأة .. إنه حب تصنعه مخيلة شخوص النصوص وأحلامهم ، ويصبح مخلوقا له صفاته الأسطورية وحياته المادية والروحية ، من أجل ذلك تسعى شخوص الكاتبة لترصده ومناجاته وعلى استعداد لتقديم حياتها قربانا لمخلوقهم الذي يعني الوصول إليه والأمساك به الوصول إلى اكتمال يهبهم خلودا .
لكن الحب بطبيعته مراوغ ، ذو لمحة صوفية تنطوي على أن الشيء يحمل داخله نقيضه ، فتمام اكتماله نقصان وفي نقصانه اكتمال .
ويتسع معنى الحب داخل النصوص إلى أفاق أبعد تصل به إلى بعد روحي يوحد بين الموجودات بكافة أشكالها ، من بشر وجماد وآلهة أسطورية ، يذيب ما بينها من فوارق ويصهرها في بوتقته ، ينزل بالألهة إلى مصاف البشر ويصعد بالبشر إلى مصاف الألهة .. يحول الجمادات إلى كائنات من دم ولحم ويضفي عليها شيئا من انسانيته ، ويجمد البشر إلى كائنات شمعية بلا قلب .
فلا نجد فارقا كبيرا ما بين عطش خيال المآته في قصة ( الفزاعة ) الذي عاش مصلوبا في أرض معشوقته ، وكيف نجحت دندنات معشوقته ولمساتها العفوية أن تجعل الحياة تدب في أوصاله ، وتهبه قلبا ينبض بالحب والغيرة فيتخلى عن صفاته كجماد ليصبح كائنا من مخلوقات الحب والعشق.أو مابين بطل قصة ( زاجر المطر ) الذي يتخلى عن انسانيته ليتحول إلى كائن شمعي مختارا ، اشباعا لعطشه إلى الحب بعد أن صادفه العشق مع مخلوقته الشمعية .
والبنى السردية في قصتي ( الفزاعة ) و( زاجر المطر ) تعتمد على التماس والتقاطع والنسج المغاير مع أسطورة بجمليون الذي تروي القصص عنه إنه أعجب بتمثال من العاج لأفروديتي نحته بنفسه فشغفه حبا ورجا الألهة أن تهبه الحياة ، فلما أجابت الألهة رجاءه تزوج التمثال الذي صنعه بيده .
كذلك يتلاشى هذا الفارق بين الكائنات في قصة (رسالة إلى الأله ) ، فيتساوى عطش الأله زيوس كبير ألهة الأغريق للحب مع عطش البطلة داخل النص للعشق ، فالعشق يذيب الفوارق ما بين البشر والألهة .
فكما جعلها العطش إلى العشق تكفر بزيوس الأله بما يمثله من قوة وسلطة لاتمس ، وبما يملك من جبروت قادر على أن يهبها العشق المطلق ، وتلعنه .. ( أمسكت بدواة وقرطاس وجلست إلى طاولتها الخشبية وكتبت بغضب وتحد يناسبان يأسها وإن لم يناسبا طبعها واستكانتها : رسالة إلى زيوس ... أنا وحيدة ...اللعنة عليك كيف تتركني أعاني من كل هذه المعاناة ؟ أريد حبا واحدا يملأ ذاتي ، يهصر أشواقي وذاتي ،يسكن ما بيني وبين جسدي ،أريد حبا يقتلعني من أحزان جسدي ووحدة ساعاتي ،أريده حبا قويا جبارا لا يعرف الألم ، أريده حبا يمسك بتلابيب روحي ويخلق حشرجات دامية في نفسي ، اللعنة عليك ، استجب لي ولو لمرة واحدة ) 9 .
العطش ذاته جعل زيوس يكفر بصفاته الألوهية ويتمنى أن يصبح عبدا لأله آخر قادر على أن يهبه حبا حقيقيا واحدا .. ( في لحظات قدرها البشر بآلاف السنين من صمت الأله زيوس واحتجابه دونهم ، تذكر كل من عشق من نساء والآهات ، كانت سلسلة طويلة من العشق والعشيقات ، عشق هيرا ،ويوربا ، ولاتوفا ، وإنتيوبي ، وديون ،ومايا ،وتيمس ،و يورنيوم ، ومنيوزين ،و أورينوما ، وسيميلي الجميلة ، والكمينة ، وداناي ، وليدا ، والكثير الكثير من اللواتي نسى أسماءهن . ذاق آلاف النساء ، عرف كل آهات وانكسارات العشق ،ولكنه ما زال يتمنى العشق ،ما زال يحلم بلحظة حب ، تمنى لو كان له هو الأخر إله ليرسل إليه رسالة يتضرع فيها كي يذيقه العشق الحقيقي ولو لمرة واحدة في الحياة . )10 .
هذا الأله الذي يتوق الى الحب أجاب استغاثة الأنسية وخلق لها هاديس إله الموت ليقبض روحها ، في دلالة واضحة وكاشفة .. كما أنه لم يستسلم لحالة الضعف التي داهمته وقهر رغبة العشق بالشرب وبأوامر زاجرة تمنع وصول رسائل العشاق إليه ، بينما الأنسية واجهت مصيرها برضاء .
وما يلفتنا في النهاية أن الكاتبة تعتمد في أغلب النصوص على بنية سردية ذات طابع أخباري ، السارد فيها من خارج النص يدير دفة الحدث ويوجهه و اللغة شاعرية تحتفي بالجماليات التقليدية للسرد .
هوامش :
1--سناء شعلان ، قافلة العطش ، ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من أمانة عمان الكبرى، 2006، ص12
2-السابق: ص12
3- السابق: ص13
4- السابق: ص9
5- السابق: ص13 و14
6- السابق: ص33
7- السابق: ص36
8- السابق: ص43
9- السابق: ص20 و21
10- السابق: ص23


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:19 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



التحليل الوظائفي والإجراءات الأسلوبية وأثرها في التضام النصي في :
(قافلة العطش)
للدكتورة سناء الشعلان
رؤية نقدية
===================================================
د. صالح حمدان/الجامعة الأردنية
المجلس العالمي للبرامج الدولية CIEE

توطئة
لست أعدو الصواب إذا قلت : إن في المجموعة القصصية الموسومة بـ(قافلة العطش) ،للدكتورة سناء الشعلان قيمة فنية ومضمونية كبيرة ومهمة ، وإجراءات أسلوبية تجعل منها نصا متضاما في الدال والمدلول، وهي من المجموعات الجريئة النادرة ، التي تحيلنا إلى عالم المبدعين المتقدمين في العقود السالفة فكرا ، وتمثل جانب التجديد فنا ، وقد أبدو من رواد النقد الانطباعي ههنا ، لكن لا يخفى على أحد منا أن الساحة القصصية قد طمّها وعمّها كثير من النتاج القصصي المحلق في هاتيك الساحة بلا عنوان أو هدف أو قيمة ، ولم تتجاوز كثير من تلك القصص هالة المحاكاة التي فتن بها الكثير من مريدي الفن القصصي في الآونة الأخيرة ، إذ جاءت لغتها السردية بمستوياتها الفنية ،وأحيانا المعجمية مخيبة للآمال ، وما اكثر العميين الذي ذهبوا إلى التحليل والنقد لهذه القصص ، فجعلوا ممن لا يستحق الأنبياء الجدد لفن القصة القصيرة ، دون الالتفات إلى أن الثناء على من لا يستحق سلب ممن يستحق كما قال كوليردج.

بيد أنّا ونحن نستقرئ مجموعة الشعلان القصصية ، نجد فيها جوانب أسلوبية من نوع خاص ، وكذلك خصوصية المضمون المتصل بعلاقات مكانية ممتدة شرقا وغربا ، وللقاصة على ما يبدو رؤية ما في معالجة القضايا الاجتماعية من منظار مختلف ، زد على ذلك لغتها السائغة الممتدة السهلة الممتنعة ، ولا شك أن هذه اللغة الرفيعة التي تغوص فيها القاصة ، تدل على أننا نواجه قاصة غيورة من الغيورات القلائل على أناقة اللغة العربية ، فلا شك في أنها نطقت بلسان الغُيُر على عربيتنا ،وهذا رأي .

وهذه الرؤية تتناول جانبين ، الأول التحليل الوظائفي للقصة الأولى من المجموعة القصصية منفردة ، يُحاول فيه الوصول إلى بؤرة نصية واحدة ، والثاني سيتناول إجراءات القاصة الأسلوبية المتبدية في العنوان ( قافلة العطش) والبحث عنه في هاتيك القصص مجتمعة واثر
ص2

ذلك في تضام نصوصها ، وكذلك إجراء المكان المختار في المجموعة الذي يفضي إلى مدلول واحد ،مما يؤكد هذا التضام ايضا ، على الرغم من تفاضل السرد فيها .


الجانب الأول
التحليل الوظائفي

جاءت "قافلة العطش" في ست عشرة قصة قصيرة تناولت فيها القاصة مسألة مهمة من المسائل التي تتصل بالحياة الإنسانية وهي (الحرمان) منطلقة من نماذج المرأة التي تمثل حقلا خصبا لهذه المسألة وما يقتضي ذلك من معاناة للمرأة وهي تواجه سلطة الرجل ،وجور المجتمع ، واستطاعت القاصة أن تمرر للقارئ العربي بأسلوب فني منظم وواع صورة حقيقية لهذا الحرمان ، تاركة للمتلقي المشاركة في الوصول إلى الحلول ، ومراجعة الذات.

ولعل أكثر ما يميز هذه القصص عن سائر أسلوب القص في السوق الأدبية المعاصرة هو أن الدكتورة الشعلان استطاعت أن تشكل معاني النص في هذه المجموعة من مجموع خبراتها الحياتية الواقعية ، وهذا الأمر أدى إلى بروز حالة من الانسجام والترابط النصي في القصة الواحدة على المستوى العمودي ، من ناحية ، وفي القصص مجتمعة على المستوى الأفقي من ناحية أخرى ، فالحرمان كان البؤرة النصية التي ما انفكت تلح على القاصة في جل قصصها ، وهذا يعني أنه بالإمكان دراسة هذه القصص منفردة أو مجتمعة ، ومما يسهل ذلك التقانة الفنية التي وحدتها ، والقيمة المضمونية التي دارت في فضائها تلك القصص.

والتحليل الوظائفي المرجو تطبيقه في هذه القصص ذلك الذي هو من صنيع فلاديمير بروب في كتابه مورفولوجيا الحكاية وهي وظائف تقترب إلى حد ما من مقصدية القاص الفنية،لا سيما إن كانت هذه الوظائف ثابتة ومتكررة في القصة القصيرة ،وما أكثرها في قافلة العطش ، ومنها : الظهور ، والتحذير ، والخداع ، والاختبار والاستطلاع ، والشر ، والصراع ، والمخالفة ، والتحول ، والاستعانة والاختيار ، والفقدان .







ص3
قافلة العطش

تبدأ القصة من لحظة زمنية مكثفة تدور في إطار مكاني مختزل في الصحراء ، وأول ما تطالعنا به القصة وظيفة الظهور ، ظهور قائد القبيلة الذي جاء يهب الحرية لسبايا قبيلته " جاءوا يدثرون الرمال ، وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم " .
ويتحول القص على عجل إلى وظيفة أخرى هي التحذير ، وهذا التحذير تبدى في شخصية قائد القبيلة " كان طليعتهم بالسن وبالكلمة وبالغضب ، عيناه كانت الناجي الوحيد من لثامه".

ويعود القاص إلى وظيفة الظهور من جديد ،وهو من مقتضيات السرد الذي يؤجج الحوار ، فيظهر البدوي الأسمر الذي أخذ نساء القبيلة سبايا ، " حملت كلماته إلى البدوي الأسمر الممترع بشبابه الأخاذ ".
وبعد ظهور شخصيتين يتهيأ القص إلى ظهور وظيفة جديدة تؤكد المعمار الفني المتصاعد للقصة هي وظيفة الاختبار والاستطلاع ، فتبدأ أطراف الحوار – القائد والبدوي الأسمر باختبار قوة الآخر ، فيقول قائد القبيلة وهو يعرض فدية النساء السبايا ، مختبرا البدوي الأسمر " لقد جئنا بالمال " ، ويبقى القص في هذه الوظيفة ، فيرد البدوي الأسمر مختبرا ومستطلعا " أي مال ؟ " ، فيرد القائد مختبرا " جئنا نفتدي بمالنا نساءنا اللواتي أسرتموهن في غارتكم على مضاربنا" ، فيرد البدوي الأسمر اختبار القائد قائلا " أما هناك بد من ذلك "
والقارئ في هذا الحوار يلمح أثر وظيفة الاختبار والاستطلاع ودورها في بناء السرد المتصاعد نحو الاحتدام ، وهذا يعني التحول إلى وظيفة أكثر حدية واحتداما وهي وظيفة السخرية " شعر العجوز الملثم بأن كرامته قد أهدرت من جديد ، وقال له بصوت صدئ متقزز". ومن تلك الوظيفة : ."أو هناك بد من صون الأعراض وجمع الشتات وفك الأسيرات ؟".
ووظيفة السخرية تحول السرد إلى وظيفة الصراع ، فقد بدأ يظهر الصراع بين البدوي الأسمر ونفسه ، فكيف له أن يوافق على هذه الفدية وقد هام بابنة القائد الأسيرة " أومأ البدوي الأسمر برأسه كأنه يصادق بصمته على ما يسمع لكنه كان حقيقة يختنق بعطش غريب يسلق حلقه المأزوم بكلماته التي تأبى أن تعبر عن مكنون عواطفه ".
ويستمر الصراع النفسي عند البدوي الأسمر بالسرد المتبدي في الحوار الداخلي " من يعشق الخيل العربية الأصيلة لا يملك إلا أن يعشقها ، لم تكن أسيرة السلاسل التي كبلت بها ، بل كانت السلاسل أسيرة جموحها ورفضها " . ومن ذلك الصراع أيضا " ها قد جاء والدها ليفتديه مع نساء قومها " .
ويتحول القاص بعد ذلك إلى توظيف وظيفة أخرى هي التحول ، وهو ما تبدى في موقف البدوي الأسمر " لقد كرم قومها لأجلها ، أمر بأن يقدم الماء والغذاء للقافلة التي جاءت تسترد مهره القمري ، ورفض المال ورفض الفداء ، بل أنعم على كل النساء بالحرية " .
ص4
وهذا التحول في الموقف أدى إلى وظيفة جديدة هي الاختيار ، فقد خير البدوي الأسمر السبايا في البقاء أو المضي مع القافلة " وخيرهن بين البقاء أو الرحيل مع أبناء عشيرتهن ، فاخترن كلهن الرجال"
وشعر البدوي الأسمر بالقلق ، وأخذ يتحسس الفراق مبكرا ، فيتحول السرد إلى وظيفة الفقدان :"أيستبدل بها المال ؟ أهو موعد الفراق ؟" ومن ذلك أيضا قولها إليه ، "أنا عطشى" فهي تفتقد الحب والحياة
ويتحول السرد إلى وظيفة الاختبار ممزوجة ووظيفة الاختيار ، ذلك عندما خاطب البدوي الأسمر آسرة قلبه ابنة قائد القبيلة " اقترب منها ، نظر في واحات عينيها ، قال لها بانكسار بركان ، وبخجل طفل : وأنت من ستختارين ؟ ... كاد يسمع صهيلها الأنثوي : عطشى إلى ماذا ؟ وترد ابنة القائد عطشى إليك" فقد اختارت البقاء في واحته.
واختيار ابنة القائد البقاء مع آسرها أدى إلى تصاعد حدية السرد من جديد فاحتدم الموقف ، ليتجه السرد إلى التحذير وهو الوظيفة الجديدة ههنا " ارتفعت سيوف القبيلة مهددة سيوف الضيوف ، التي هددت السيرة العاشقة بالموت" فتتصاعد التقانة الفنية لتصل إلى ذروة الموقف (الحبكة) ، وأثرها في توجيه السرد ليتحول إلى وظيفة جديدة هي وظيفة الشر والمخالفة : " صرخ الأب : خائنة ، ساقطة ، اقتلوها ، لقد جلبت العار لنا ، وكيف تقبل حرة أن تكون في ظل آسرها " .وتتبدى هذه الوظيفة أيضا في المآل الذي آل إليه مصير النساء اللواتي اخترن العودة مع القافلة " ورحلت قافلة العطش ... وعند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطش وعندما وصلوا إلى مضاربهم ، وأدوا طفلاتهم الصغيرات ، خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهن "
وغالبا ما تؤدي وظيفة الشر والمخالفة في تصنيف التحليل الوظائفي إلى وظيفة الفقدان ، وهذا ما كان عند القاصة التي سرعان ما تحولت إلى هذه الوظيفة لأنها تدرك أهميتها ، فالرجال الذين قتلوا النساء أصبحوا في حالة فقد لهن " وفي المساء شهد رجال القبيلة بكائية حزينة فقد كانوا هم الآخرون عطشى "
وهكذا تبدت الوظائف الفنية جلية واضحة في هذه القصة صعودا ونزولا ، وقد كانت ثابتة ومتكررة ، وهذا معيار مهم من معايير الفن القصصي .









ص5
الجانب الثاني

الإجراءات الأسلوبية وأثرها في التضام النصي

بادئ ذي بدء ، قد تبدو هذه القصص غير منتمية إلى حقل دلالي واحد ، إذا ما طولعت للمرة الأولى ، بيد أننا نجد تعالقا في محمولاتها منسجمة في إطار قريب متجاور ، مما يدعو إلى القول : إن فيها تضاما نصيا ليس على مستوى القصة الواحدة (المستوى العمودي) فحسب ، بل يتجلى هذا التضام على مستوى المجموعة متكاملة ( المستوى الأفقي ) أيضا .

ولعل ما يؤكد هذا القول هو أن جلّ هذه القصص مكتسبة من نظام اجتماعي ممتد جغرافيا- المكان ، تشكل من الخبرة الحياتية للكاتبة ، ولعل في الانتقال السلس من خواتيم القصص ومطالعها ما يؤكد لحمتها وتضامها النصي ، وهذا ما يحقق القبول عند القارئ والناقد على السواء .

ووما يؤكد هذا التضام التقاء البؤر النصية الفرعية في تكوين بؤرة نصية رئيسية واحدة ، بمعنى أنه يوجد بنية نصية شاملة تدور في موضوع معين ، مع أننا نجد بعض التفاصيل التي تتفاضل بين قصة وأخرى ، ومرد هذا هو قدرة الكاتبة على استخدام أدوات اللغة وعلى تشكيل مادتها السردية .

وقبل الولوج في النصوص ، وهي التي تنأى بنا عن التنظير ، لا بد من الإشارة إلى أن هناك دوال ساعدت على تضام النص وهي إجراء أسلوبي واضح في هذه القصص ، ومنها (الشاب الأسمر ) الذي كان يحيلنا إلى غير قصة مما وحد المقامية لتلك القصص ، كذلك يجد الدارس أن هناك بعض الإحالات المقامية في هذه القصص ، اسهمت في ايجاد تواصل ذهني ممتد في ما بينها من جانب والعالم الخارجي من جانب آخر .

وفي ما هوآت ، سنتناول إجراءين أسلوبيين أكدا هذا التضام هما : العنوان والمكان .

أولا : العنوان ( قافلة العطش)

لعل أهم ما يواجة االكاتب بوصفه روائيا أو قاصا هو انتقاء العنوان ، وهذه اشكالية محتدمة بين الكاتب وبين العمل الأدبي ، وأحيانا نجد عناوين لا تتصل باي حال من الأحوال بالنص والسرد ، ويذهب بعض النقاد إلى تسويغ ذلك بالرمزية التي يعبر عنها هذا العنوان او ذاك ، وفي هذا نظر ، إذ لا بد من تساوق العنوان والجوانب الفنية على مستوى السرد في الرواية او القصة ، وهذا الغربال لا بد من اجتيازه ، ولا بد أن يعبر العنوان عن واقعية النص ،
ص6

إذا ما علمنا أن الفنان لا يكتب للنخب فحسب ، وإنما يكتب للقارئ أيضا . دون أن نغفل أن انتقاء العنوان للمجموعات القصصية اصعب من اختارها للروايات ، فالفنان القصصي أول ما يفكر بالبحث عن عنوان جامع مشترك يشد من لحمة هاتيك القصص ليعبر عنها في جانبيها المضموني والفني .

والعنوان / العطش في هذه المجموعة القصصية مارس هذه السلطة تماما من خلال مدلولات ممتدة التقت في مدلول واحد هو الحرمان – حرمان الحب، واي حرمان ذلك المنشود ، إنه حرمان المرأة في عالمها الخاص ، وما يستدعي ذلك من بيئات متنوعة تحكمها علاقات مكانية خاصة تقتضي الانتظار والفقد والمعاناة ، بيد أنها تندرج في بوتقة الحرمان .

واختارت الكاتبة تمرير هذه القضية من خلال المرأة والرجل في هذه المجموعة القصصية ، إلا أن الحرمان كان طاغيا على المرأة اكثر بكثير مما هو عند الرجل فيها ، فكان
الراوي الأنثى – متقمصا هذا الدور ، ولربما كان هذا لسببين : الأول أن الكاتبة تستهدف الرجل السلطوي ، والثاني يتمثل في الخبرة الحياتية المكتسبة للكاتبة بوصفها تمثل الجانب الأنثوي ، فغزلت على منوال الواقع المعاش لا المتخيل ، مما أعطى هاتيك القصص صدقا فنيا من نوع خاص .

وإن كان العطش يقتضي الماء عند القارئ المعجمي ، فإنه ههنا يقتضي الحب الذي هو اكسير الحياة وما يقتضيه من حرمان ، وحتى نتبين اقتراب النظرية من التطبيق ، لا بد من تعقب هذا الطرح في مدار النص ، ثم الحكم على أثره في تضامه .

يتبدى العنوان / العطش في القصة الأولى "قافلة العطش" ، وهي القصة التي وسمت بها المجموعة القصصية كاملة ، بجلاء ، فسرعان ما نهتدي إلى مدلوله (العطش إلى الحب) عند المرأة ، وما يحيطه من استلاب وقمع ورفض ، فعندما عبرت النساء عن عطشهن إلى الحب أنكر المجتمع عليهن ذلك ، وراح يقتل فيهن تلك الرغبة المشروعة والتوق إلى الخلاص من الاستلاب والسلطة الذكورية ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقد قتل النساء أنفسهن " ورحلت قافلة العطش ، كانت قافلة عطشى إلى الحب ... وعند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطشى : (1).

والعنوان / العطش ، بمدلوله : عطش المرأة إلى الحب وإلى الرجل الذي يقدر مشاعرها متبد بجلاء في القصة الموسومة بـ"النافذة العاشقة" أيضا ، وهذا يحيلنا إلى القصة السابقة ، مما يؤكد التضام النصي " .. منذ ان تزوجت رجلا لا يعرف من طقوس الرجولة إلا لحظات


ص7

الفراش ، التي تمر مثل التقاء غريبين في مرفا عميق ، ثم سريعا يلوّحان لبعضهما بالوداع دون أدنى مشاعر "(2).

والعنوان / العطش بذات المدلول في قصة : رسالة إلى الإله" ، فها هي إلهة الحب "كيوبيد" تبحث عن حب واحد مثال ، وهي عطشى إليه ، فقد صمتت آذان الآلهة عن هذا ، وهذا المقام يحيلنا إلى مقامية القصتين الأولى والثانية " لماذا هي مسجونة في هذا الجسد الأنثوي البغيض ، تريد أن تتحرر ، تتمنى لحظة حب واحدة " (3).

والعنوان / العطش يمتد إلى قصة "الفزاعة " وهو العطش إلى الحب من جديد ، وهذا يحيلنا إلى عطش القصة الأولى والثانية والثالثة ، مما يؤكد تضامها أيضا ، بيد أن هناك تحولا في الراوي /المرأة إلى الراوي /الرجل ، الذي تقمص دور العَطِش إلى الحب " كان صوت بكائها لا يقل جمالا وتأثيرا في نفسه عن صوت غنائها ، قدّر أنها حزينة جدا وفي حاجة إلى قلب يحبها بشدة " (4).

والعطش / العنوان كامن في توق المرأة إلى الحياة والمأوى والحب ، ففي قصة " سبيل الحوريات " تظهر هاجر بائسة يائسة حزينة منكسرة " رأى امرأة مكسورة حزينة ، رأى
امرأة لم يتسعها العقل فهربت إلى الجنون " (5) ، ومن ذلك " كان متأكدا من أنها غير مجنونة ، ولكنها مكسورة بشدة "(6).

والعنوان / العطش نجده في قصة "تيتا" والعطش ههنا من للمرة الثانية هو الرجل ، وهذا يحيلنا إلى "قصة الفزاعة " ، فالبطل هنا يقرر أن يخطف ساحرته عنوة ، لعله يطفئ العطش والظمأ والجوع ، خطا خطوتين إلى داخل خيمتها ، كان يتفرس قسماتها بنظرات جائعة ، قالت له بتلعثم وبشجاعة مزعومة " ها قد جئت إذن ، هل أقرأ لك كفك ؟ قال: بل جئت لأخطفك يا ساحرتي الجميلة ، اقترب منها بجسده القوي وانحنى قليلا وحملها ، وألقى بها على كتفه .. فانزلق نصفها الأعلى على ظهره ، بينما بقي حاضنا فخذيها ، وولى بها هاربا يقطع شيئا من رمال الصحراء ، وهو يحمل ساحرته السوداء ، تنهد شوقا ورغبة ، كان مجنونا مسحورا ، وخمّن أنه لن يشفى أبدا" (7).

والعنوان /العطش يتجلى من جديد في قصة " الرصد" وهو عطش الرجل إلى الحب ، وهذا يحيلنا إلى قصتي "تيتا " و " الفزاعة " وفي هذه الإحالة يتبدى تضام النص ، فهذا "عزوز الأعور" الذي كان ضحية حب الجنية الأفعى التي مثلت وظيفة الشر ، لكن الكاتبة جعلت منها وظيفة إنسانية قدرت تضحية عزوز/الرجل ،فهو لأول مرة يسمع " امرأة تقول له
ص8

أحبك طوال تاريخ حياته المجدبة ، لم تحن امراة عليه ، واي امرأة ؟ امرأة الرصد ، نظر عزوز باضطراب إلى اليهودي المستغرق في ما يقول ، وقال بانفعال : كفاك ... أنا أحبها .. لكن الجنية الأفعى عشقت في عين عزوز شيئا لم تره من قبل عين إنسي ، مدت يدها العاجية إليه ، واختطفته بعيدا حيث مملكة الجان " (8).

والعنوان /العطش يدور في فضاء قصة " قطار منتصف العمر " ، ويتمثل في عطش المرأة إلى الحب والرجل ، وهذا مقام سابق في القصص السالفة كافة ، فهذة البطلة التي تقمصت دور الراوي تنتظر رجلا مجهولا أمام محطة القطار نيابة عن طالبتها الجامعية التي تعرفت إليه عبر "الانترنت"" تتمنى لو أنها الآن في انتظار رجل يخصها هي ، كم كانت حياتها ضيقة دون رجل تحبه ويحبها " (9).

والعنوان / العطش يظهر من جديد في قصة "امرأة استثائية " ، وهو عطش إلى الحب ، وهذا مقام سالف ، يؤكد البؤرة النصية الواحدة لهذه القصص ، فيتقمص الراوي دور التمثال العطش " مرة أخرى ردد التمثال : أحبك ، فردد المدرج كلمته " (10) ، فهو ينادي الحب ، ولا يحظى إلا برجع الصدى .

والعنوان / العطش يحلق في فضاءات قصة" تحقيق صحفي " فيستمر العطش إلى الحب والبحث عن سبيله ، فالنساء في مجتمع الطوارق خلقن للعشق فحسب ، وهؤلاء الطوارق يدينون بقانون الحب ؛ لأنهم عطشى إليه " همست متسائلة : وماذا عن النساء ؟ ماذا يفعلن ؟ قالت شاليفة بدلال ذي مغزى : يُعشَقنَ بقوة "(11). ومنه أيضا " أما هي فتشعر أنها امرأة بدوية من الطوارق تنعم بالحب والحرية والاحترام "(12).

والعنوان / العطش في قصة "احك لي حكاية " إذ إن المرأة لا تزال عطشى إلى الحب على الرغم من زواجها الممتد لتسع سنوات ، فهي تحلم بذلك الحب الروحي القديم الذي يدور في الطيف " حتى ذلك الزوج لم يستطع احتلال هذا الجسد أو احتلال هذا الحب ، لقد كان قدرا ساخرا لمدة تسعة أعوام ، لقد كان زوجا في فراشي ، ولكن ليس في روحي ، لقد كنت في كل ليلة لك ، ومعك ، وكل ليلة تركت الباب مفتوحا ؛ليدخل طيفك الساحر وليضمني بجنون" (13).

والعنوان / العطش يتبدى في قصة " بئر الأرواح " وكل هذا يحيلنا إلى المقام السابق ، وبذا يتجلى التضام النصي على المستوى الأفقي " فمن ذاق طعم الحب لا يستطيع أن يفجع محبا في حبه ، فتركت الأجساد لمن يحبونها ، وعادت تحمل الكيس وأمنياتها وعجزها "(14)؟


ص9

والعنوان / العطش ، عطش الحب يتكون من جديد في قصة " قطته العاشقة" ،ولكنه العطش إلى المرأة هنا ، وهذا يحيلنا إلى قصتي الفزاعة وتيتا ، فالراوي البطل عطش إلى الحب حد الجنون " تخيلتها المرأة تعشقني حد الجنون أشبهت كل نساء الأرض ، وفارقت كل نساء الأرض ، وفي وجداني كانت نساء الأرض معا بيضاء أو سمراء أو صفراء ، ... بحثت عنها في كل النساء اللواتي عرفت واللواتي لم أعرف ، عشقت آلاف المرات ولكنني خبأت العشق حتى تأتي " (15).

والعنوان /العطش يتمثل في "زاجر المطر" الذي يتقمص هذا الدور" ولذلك عشقها ، عشق جسدها البلاستيكي ذا الأديم العسلي ، عشق عينيها الساحرتين وعشق قلبها الذي يدق بحبه " (16).

والعنوان / العطش أخيرا يستقر في "الجسد" الذي يتمثل في الحب والحنين والانتظار " وحتى ذلك الوقت سيعيش حنين موصول إلى الجسد الذي لم يقابله بعد ومن جديد عاد يحترف الانتظار " (17).

وهكذا نرى التضام النصي المتواصل بين هذه القصص ، إذ وحد العنوان هذه القصص من أولها إلى آخرها ، وكانت دلالاته كلها في العطش إلى الحب ، ولكن الحب الذي يعقبه الحرمان.

ثانيا
المكان والتضام النصي

ارتبط المكان في المجموعة القصصية بمدلولات الانتظار والحب والحرمان ، وهي ذاتها التي جعلت من الإجراء الأسلوبي المتبدي في العنوان/ العطش وحدة واحدة ذات موضوع واحد فقد دار المكان ضمن دائرة هذه الدلالة ، ويبدو أن الكاتبة أسقطت المكان بطريقة فنية منتقاة ، تنسجم وابعاد السرد وأثر ذلك في قبول المتلقي من جديد ، فكان المكان ضيقا للراوي يريد الخلاص منه في بعضها ، في حين جعلت منه ملاذا للبطل في قصة أو قصتين فقط .

تنطلق الكاتبة من المكان / الصحراء ، ذلك المكان الذي هو رمز العطش والضياع والحرمان ، فها هو ذا البطل يحدث ذلك في نفسه " أهو موعد الفراق ؟ وفراق الصحراء فراق جاف عقيم ، لا لقاء بعده ، يا للصحراء كم ابتلعت من حكايا ! ولكن أنى لها أن تبتلع من يحب.."(18)


10

وتتحول الكاتبة إلى مكان آخر / المطبخ ،فهو نافذة المرأة الوحيدة نحو الأمل والخروج والتطلع إلى الحياة ، وهذه النافة تتطلب الانتظار والترقب والحرمان ايضا ، فهذ البطلة تمضي الساعات الطويلة أمامه لعلها تحظى بنظرة من جارها الذي أحبته ، لأنها تريد أن تهرب من زوج لا يقدرها إلا في الفراش " تلك النافذة المتصدية بشجاعة لحديقة الجيران هي نافذتها الوحيدة على أنوثتها المنسية ، هي نافذة المطبخ الذي تسكنه ساعات طويلة من نهارها "(19).وهذا المكان يحيل القارئ إلى المكان السالف في قافلة العطش ، فكان ملاذها الوحيد الذي وسع أفقها ، فاكتشفت أنها أنثى " ثم فتحت هذه النافذة طاقة صغيرة على أنوثتها وولدت لها رغبة الانتظار "(20).

ويبدو أن المكان قد كان ضيقا ، فتتحول الكاتبة إلى السماء لعلها تصل إلى حل مبكر لهذه المعضلة معضلة الحرمان والترقب والقلق والانتظار ، فقد تهتدي إلى المكان المنشود الذي يحررها من القيود ومن عطشها ، فتناجي الآلهة " لماذا هي مسجونة في هذا الجسد الأنثوي البغيض ؟ تريد أن تتحرر تتمنى لحظة حب واحدة ، أهذا كثير على إله السماء ؟ أن تتمنى رجلا يحبها دون نساء الأرض " (21).ووظيفة المكان ههنا يحلنا إلى وظائفه في القصتين السالفتين وهو ما يؤكد التضام النصي بينها جميعا ، فهي لم تجد إجابة عن معضلة الحرمان .

وتتحول الكاتبة إلى مكان واقعي – السوق في عمان القديمة ، حيث يقبع سبيل الحوريات ، فالمكان ههنا امتداد للبعد التاريخي ، ووظف المكان ليجمع بين المهندس المعماري (الرسام) وهاجر (المتسولة) ، وما رافق ذلك من لقاء أبدي بينهما ، فرمز المكان إلى وظيفتين ، الفن
والبؤس ، فهو رمز ومأوى المعذبين في الأرض ولربما المجانين .وهو ينتمي إلى الوظائف السالفة .

والمكان في قصة الفزاعة هو الحقل حيث موئل السلام والسعادة لهاتيك العصافير التي تعاني حرمان السلام ، بسبب ما تمارسه الفزاعة من فزع لها كلما هبت الرياح ، فتعمل على زجرها ، وقد يحتمل المكان ههنا تاويلا آخر وفي هذا نظر .

وتحلق الكاتبة في مكان آخر – جنوب نيجيريا – وما ييرتبط به من علاقات مكانية دقيقة كالسوق الشعبي والصحراء والبلدة ، وكل ذلك متصل بالبؤر النصية – العطش والحرمان ، وإن حاولت الكاتبة توظيف هذا المكان بصورة إيجابية تبدت في خاتمية القصة " غادرت تيتا المكان ، ولكن الأرض بقيت تدور به طويلا ، ولم يتوقف به الدوران إلى أن رآها بعد ايام " (22) ، فالمكان ههنا رمز للإيجاب وهذا ما تعبر عنه (ال) العهدية في الدال (المكان) ، ولربما يمثل المكان ههنا الجانب المأمول المثالي وإن لم يكن واقعيا " وكان المكان يعج بالحياة ، بحث عنها بعينيه إلى أن وجدها ، كانت تجلس بكامل زينتها وجمالها " (23).
ص11
ولما ضاق المكان ، تحولت الكاتبة إلى اللامكان ، حيث يقع الجان ، في سرد الماوراء ، فحياة عزوز الأعور لم يسعها مكان القرية التي مثلت له على الدوام الحرمان والظلم ، إذ لم يسمع طوال حياته امرأة تقول له احبك ، ولم تحن عليه امرأة في هذه القرية في حين وجده في العالم الآخر ، وهذا ما كان في قصة الرصد " وكادت لعنة الرصد تحيل عزوز إلى الرماد أيضا ، ولكن الجنية الأفعى عشقت في عين عزوز شيئا لم تره من قبل في عين إنسي ، متدت يدها العاجية إليه ، وأختطفته بعيدا ، حيث مملكة الجان ، ومن جديد أقفل باب الكهف على الرصد"(24) ، فيبدو أن ضيق المكان جعل البطل ههنا يبحث عن حل سحري لمعضلة الحرمان المتبدية في شخصية عزوز .

ويرتبط المكان بالحرمان والفقد أيضا في قصة "امرأة استثنائية" فسلطة المكان تدفع بالبطل المعبر عنه بضميري الغائب والمتكلم في هذه القصة إلى البحث عن اللامكان من جديد وفي هذا تضام والقصة السالفة ، إذ استحال المكان سجنا كبيرا ، لعل الأمل يبعث فيه من جديد " أنا امرأة قادرة على تحرير المأسورين من اسرهم ، قادرة على أن ترسم الارتعاش على الشفاة الميتة ، قادرة على أن تبعث الحياة في القلوب الميتة ، أنا امرأة استثنائية ، اقترب مني ... لم تجد عالمها في اي مكان ، لذا خلقته من بنات افكارها " (25)


ويوظف المكان في قصة" قطار منتصف الليل " بدلالة الترقب والانتظار والاضطراب والتوتر ، والتطلع إلى الحياة ، وهذا يحيلنا إلى المكان في قصة النافذة العاشقة مما يؤكد التضام النصي ، " وصل القطار جلبته وصفيره الجريئان يشقان الليل ، حرارته تصك وجهها الذي كاد يتجمد من البرد .. لكن التوتر كان يمنعها من ذلك تبحث في حقيبتها عن لا شيء ، تفك قدما عن أخرى ، تعتدل في جلستها ، يزادد وجيب قلبها ، تتمنى لو أنها الآن في انتظار رجل يخصها هي ، كم حياتها ضيقة دون رجل تحبه ويحبها (26).

وتعود الكاتبة إلى المكان/ الصحراء من جديد ،في أرض (تيغمار) حيث بدو الطوارق ومع أن البطل بدا كارها للصحراء في بداية الأمر ، إلا أن الكاتبة حولت رأيه إلى حبها ، فكانت الصحراء المكان المنشود لخلاص المرأة من الحرمان والفقد والظلم ، فبدت الصحراء مكانا للحرية وهنا تبدو المفارقة الإيجابية ، وهذا ما يحدث كسرا للتوقع عند القارئ بعدما تولدت له صورة سلبية للمكان في هذه القصص " هي تكره الصحراء لأنها تشبه قسوة حياتها ، وتكره أنها مضطرة إلى أن تتجشم رحلة طويلة في صحراء لا تعرف لها نهاية تبتلع الآهات والبشر والرغبات "(27) ، فوظيفة المكان هنا تحيلنا إلى وظيفته في القصص السالفة أيضا وهنا يكمن التضام النصي من جديد لعيبر عن لحمة النص وتماسكه وانسجامه واقترانه .


ص12
بيد أن اثر المكان/ الصحراء هذا يتبدى بنفس الوظيفة ويتكرر بالقصة ذاتها ، ذلك المكان الذي اغتصب حقوق المراة واختيارها " بدت متبرمة فضولية وهي تسال شاليفة عن حياتها وعن الصورة الاجتماعية لامرأة الطوارق ... لتقفل راجعة إلى العاصمة أكثر من الوقوف طويلا عند حياة افراد تظن أنهم في هكذا مفازة قد يقدمون حياة ناقة جرباء على حياة امرأة " (28).

وبعد هذا السرد تعمل الكاتبة على كسر توقع القارئ ، عندما تتحول نظرة البطل / المراة غلى الصحراء التي وجدت فيها قيمة للمراة ما بعدها قيمة ، فتسأل الصحفية /البطلة الزعيم الديني المحلي للطوارق المسمى بـ( سيدي الطالب رجب )عن زوجته " سالته بفضول تحاول أن تخفيه : وإلى أين رحلت ؟ هل اختفت في الصحراء ؟ فتقهقه الطالب رجب وقال : بل رحلت إلى الخيمة التي بجوار خيمتي ، أحبت جارا لي فطلقتني وتزوجته" (29).

وبعد هذا قررت الصحفية اختيار المكان/ الصحراء ، لأنه يعبر عن حريتها واختياراتها والخلاص من حرمانها المتبدي في واقع زواجها السيء في العاصمة ، حيث كانت تواجه الضرب من ذلك الزوج " تلك الصحفية اختفت منذ أن دخلت تيغمار ، اما هي فتشعر بانها امرأة بدوية من الطوارق تنعم بالحب والحرية والاحترام " (30).

إلا أن الكاتبة التي كانت تتقمص دور البطل ودور الراوي ، وهي الراوي العليم بالأحداث من بدايتها إلى نهايتها ، اصرت ان تختار وظيفة الضياع للمكان الصحراء من جديد ، فخاتمية القصة تدل على ذلك الضياع ، وأنه لا قيمة للمرأة في هذا المحيط " في ما بعد اصدرت محكمة ما في العصمة حكم طلاق الصحفية من زوجها بعد أن ذكرت الصحف اليومية أنها ضاعت في الصحراء ، ولم يعنّ أحد نفسه ليبحث عن امرأة عاشقة قد اختفت في الصحراء في مهمة صحفية "(31).

وهكذا نرى أن المكان في هذه القصص كان يدور في مدار واحد ، وظيفته ارتبطت باالفقد والضياع والانتظار والترقب والتطلع إلى الحياة ، وهذه البؤر النصية المتجاورة في الدلالة يمكن جمعها في بؤرة نصية واحدة انطلقت منها الكاتبة وهي الحرمان ، مما يعني ان أواصر التعالق في هذه القصص حتمية ، وأخيرا الوصول إلى التضام النصي وكأنها أي القصص لوحة فنية واحدة .


=================================================


ص13
(1) قافلة العطش ، ص 13
(2) النافذة العاشقة ، ص 15
(3) رسالة إلى الآلهة ، ص 20
(4) الفزاعة ، ص 30
(5) سبيل الحوريات، ص 34
(6) سبيل الحوريات ، ص 34
(7) تيتا ، ص 43
(8) الرصد ، ص 48
(9) قطار منتصف الليل، ص 54
(10) امرأة استثنائية ، ص 50
(11) تحقيق صحفي ، ص 65
(12) تحقيق صحفي ، ص 70
(13) احك لي حكاية ، ص81
(14) بئر الأرواح ، ص 91
(15) قطته العاشقة ، ص 94
(16) زاجر المطر ، ص 114
(17) الجسد ، ص 125
(18) قافلة العطش ص3
(19) النافذة العاشقة ، ص 16
(20) النافذة العاشقة ، ص 16
(21) رسالة إلى الآلهة ، ص 20
(22) تيتا ، ص 40
(23) تيتا ، ص 42
(24) الرصد ، ص 48
(25) امرأة استثنائية ، ص 50
(26) قطار منتصف الليل ص 58
(27) تحقيق صحفي ، ص 65
(28) تحقيق صحفي ، ص 63
(29) تحقيق صحفي ص 70
(30) تحقيق صحفي ، ص70
(31) تحقيق صحفي


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:20 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




الخروج من سجن الحداثة
قراءة للمجموعة القصصية "قافلة العطش"
عمر تيسير شاهين
الروائية والقاصة والناقدة سناء الشعلان؛ من الأصوات النقدية والأدبية الملفتة للانتباه ، إن كان على مستوى الإبداع أو والنقد والنجاح الأكاديمي.
فقد تمكنت من تقديم رسالة الدكتوراة قبل أن تنهي العقد الثاني من عمرها بسنتين، ونشرت رسالتها الماجستير وزارة الثقافة الأردنية بكتاب أسمته " السرد العجائبي و الغرائبي في الرواية والقصة القصيرة الأردنية(1) " (2) ،ومن ثم نشرت روايتها الأولى "السقوط في الشمس" (2 ) تلتها مجموعتها القصصية الأولى " الجدار الزجاجي وهي مجموعة كبيرة من حيث الحجم وعدد القصص،(3) " ومن ثم نشرت مجموعتها " كابوس " عن الدائرة الإعلامية في الشارقة والتي حصلت أيضا على الجائزة الأولى عن نفس الدائرة( 4) ، وأخيراً نشرت مجموعتها الأخيرة "قافلة العطش كما لسناء الشعلان قصصا كثيرة في أدب الأطفال، و إبداعات في القصة القصيرة جداً، و مخطوط نقدي لرسالة الدكتوراة بعنوان "الأسطورة في روايات نجيب محفوظ"
وهذا الإبداع النقدي الذي رفاقها منذ سني الطفولة توجها بجوائز محلية و عربية صل إلى عدد ثمان وعشرين جائزة كانت نهايتها جائزة " جائزة الشارقة للإبداع العربي ".
تحاول سناء الشعلان دوما في معظم القصص المنشورة لها أن تخرج من عوالم القصة الواقعية أو الحداثية، -مع المحافظة على النسق الحداثي في القصة- عبر التجريب القصصي الدائم و اختيار أمكنة و أشخاص وزمان مغاير عن الواقع الذي نعيشه ولكنه بشكل أو آخر يرمز إلى معظم المشاكل والأزمات النفسية التي ضربت النفس البشرية وخاصة المشاكل العاطفية والإنسانية التي وَلدّتها الحداثة .
ينطلق السرد القصصي لسناء الشعلان في مجموعاتها الثلاث وخاصة الأخيرة "قافلة العطش " من خيالها الملازم لها منذ سني الطفولة والذي مكنها من البدء مبكرا في الكتابة وأسبغ في ذاكرتها العرض الحكائي وزودها بالكثير من المصطلحات اللغوية المبكرة، كما أنها مارست الكتابة في سن مبكرة جداً وقد شاهدت شخصيا مخطوطة لرواية بسيطة كتبتها قبل أن تبلغ السن الخامس عشر من عمرها .

وهذا ما يظهر بوضوح من خلال القصص والتنوع السردي الظاهر بوضوح بقصصها ، كتبت متأثرة من الخيال الذي تدفق بصباها "ما زلت أذكر حتى الآن ولعي الطفولي الشديد بالقصص الخرافية التي كنت أعدها وما أزال كنزاً لا ينضب تغرف أمي منه في كل ليلية .
في مرحلة الدراسة الجامعية الجامعة تلازمت الدراسة الأدبية مع نموها الأدبي مما مكنها في علوم اللغة والنقد واللعب الجمع بين دهشة الفكرة وامتزاج اللغة السليمة و التي تجددها دوما بمفردات غير مكررة و قد لعب واجدها بين مجتمع أكاديمي طلاباً ومدرسين لثلاث مراحل جامعية وتنقلها بين جامعة اليرموك والجامعة الأردنية العامل الأهم في تنمية موهبتها الذي امتد عبر مشوارها لأكاديمي في الدراسات العلية التي رافقت سناء في فترة دراستها الماجستير و الدكتوراة (7)..
ولعل الفترة التعليمية الأهم التي استفادت منها قصصياً عند تحضيرها لرسالة الماجستير فحققت فوائد جمة في الإطلاع والكتابة في على أهم الأساليب السردية القصصية التجريبية والتي كانت بعنوان "السرد الغرائبي العجائبي في الرواية والقصة القصيرة الأردنية" .
مما مكنها من التعرف على الكثير من القصص العجائبية و الغرائبية، كما عرفها على الطرق والأجواء التي تستعمل فيها تلك الأساليب، والتي تحتاج خبرة ولغة تختلف عن أنماط السرد الواقعي وتلك الأنواع تفوق السرد الواقعي متعة ولكنها تحتاج إلى خبرة جيدة في مزج عناصر القصة في السرد لعجائبي و الغرائبي الذي يعتبر من أكثر الأنواع السردية صعوبة لأنه يرتبط بثقافة وجغرافية القارئ .
وإذا ما عدنا إلى مجموعة الشعلان الأولى المسماة "الجدار الزجاجي ،نجد أيضا التأثر الكبير للقاصة في القص الأسطوري أو التي تقترب من حكايات ألف ليلة وليلة ( 9) .
وقد يتوه البعض في تجنيس بعض تلك القصص إلى النمط الحكائي ،وهذا ما التمسته عندما ناقشت شفهيا بعض الذين اطلعوا على المجموعات الثلاث للشعلان، وذلك لمعظم أجواء القصص التي تعود إلى الماضي وعالم الجان والسحر أو الشخصيات التراثية، وهذا طبعاً خطأ فادح، وذلك لأن الأسلوب السردي الذي تستعمله القاصة؛ هو الأسلوب القصصي الحداثي الذي يركز على شعرية اللغة وعدم تكرار الأشخاص والاختصار الزمني وتكثيف المقاطع القصصية بينما تكون الحكايات عبارة عن "حدوتة " أو قصة خرافية أو تراثية متفككة الحدث وتعتمد على السرد اللغوي الركيك وتكرار الكلمات التي تقترب من لغة العوام بشكل يجعلها عندما تكتب أشبه بسناريوا ومع ذلك فان الحكاية هي المسودة الحقيقة لأي قصة ناجحة قبل نقلها إلى عالم القصة.
وكنت أتمنى التكلم عن الأسطورة والرمزية في مجموعة الجدار الزجاجي، ولكن المكان هنا لا يتسع ويحتاج إلى مقالة أخرى وسنكتفي هنا بدراسة مجموعتها الأخيرة قافلة العطش .
برعت القاصة في تسمية هذه المجموعة بقافلة العطش؛ لأنها كانت قافلة حقا، تتجول بين أماكن مختلفة و متباعدة ، ومتباينة الظواهر والأشخاص ، فالقصة الأولى التي حملت اسم المجموعة تنطلق من أجواء الصحراء العربية ، وتنقلنا القصة الثالثة الى عالم الأسطورة اليونانية بينما نعود إلى العاصمة عمان ووسط المدينة في القصة الخامسة ومن ثم تنقلنا القاصة إلى الصحراء المغربية في القصة العاشرة وتعيدنا إلى عالم الريف والوحدة و الفزاعات في لقصة الرابعة ليصل بنا المطاف إلى دنيا السحر والرصد القصة السابعة.
ومع هذا التنوع الذي يجوب مناطق جغرافيا عديدة يدخل إلى أعماق وعادات الشعوب لتثبت فيها القاصة مدى ثقافتها في إخراج قصص مغايرة للنمط القصصي الحديث المرتبط بالمدينة والذي يركز -خاصة الكتابة النسوية- على الهموم الداخلية مع التزامها في فكرة "الثيمة" المركزية التي رافقت القصص الست عشر، التي دارت ضمن محور واحد ثابت وهو العلاقة بين المرأة والرجل والنهاية العاطفية التي تصطدم مع الواقع المادي ولكنها حاولت ضمن دراية في الأساليب القصصية و ذلك بكونها ناقدة وطالبة ومن ثم مدرسة لنقد الأدبي الحديث ، حيث قلبت الواقع الحديث أو ظهر تدخل الكاتبة في جميع القصص وقد يكون السبب أن النص العجائبي و الغرائبي يحتاج إلى ذهن وخيال القاص نفسه، وقد يكون لإرادة القاصة إعادة الروح الرومانسية للعلاقة بين الجنسين التي تشغل بال القاصة ؟ حتى حاولت قلب الأسطورة وتغير الحدث بل قلبه نهائيا، بأن جعلت الإله يتمنى أن يصبح عاشق أدمي فتصف حاله " تمنى لو أنه يحظى بلحظة عشق حميمة كالتي طلبتها الآدمية ساكنة الأرض" و تعترف في نهاية القصة؛ أن أسم الإله الذي استعملته في القصة غير معني بالحب معترفة أنها أيضا أسطورة لم تحدث، ولكنها أصرت أن تضع شكلا جديدا لهذا العالم المهزوم عاطفيا فتحاول إعادة حتى صياغة نظرة الآلهة للحب.
وهذا ما جعل نساء القصص الواقعية في المجموعة مهزومات عاجزات عن تغير الواقع المؤلم الذي يصيبهم بالكبت والانهزامية كما سيأتي " ، بينما كانت نساء ورجال القصص العجائبية و الغرائبية "العالم الخيالي المتمنى"متحديات ثائرات، ولهن شجاعة بالغة حتى في الثورة على حياتهن المرفهة وهذا ما ينطبق أيضا على رجال قصصها الغرائبية، الذي يتهون في حياة الحداثة مصابين بحالة ضياع إنساني روحي .
على صعيد اللغة التزمت القاصة باللغة العربية الفصيحة والأدبية المنقية من العامية، والتي امتزجت باللغة الشعرية، مما مكنها من معالجة نصوصها بطريقة سردية حافظت على المظهر الأدبي، حتى تتجنب السقوط في حفرة الحكاية.
فمن القصة الأولى نجد تميزا في الكتابة اللغوية الشعرية " كانوا قافلة قد لوحتها الشمس ،وأضنتها الهمة ، واستفزها العطش ،جاءوا يدثرون الرمال و حكاياها التي تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم " (12) واقتربت كثيرا خلال سردها من التقطيع الشعري النثري وذلك لخصوبة الرومانسية التي تجلت في معظم جمل القصص ورافقت أهم الأحداث والتي تشبثت بالملاحم العاطفية ولو تتبعنا الجمل القصصية التي استعملتها في قصة "قلب لكل الأجساد" وهي من القصص الواقعية في المجموعة، لوجدنا أنفسنا نقرأ تقطيع شعري ممتزج بالجمل القصصية " غاب الفارس ،غاب اللقاء، غابت الفتاة المتدينة، وبقيت الخطية وشيئ ليلكي، مسحور أسمه الحب "( 13) و وفي نفس القصة نقف أمام جملة تقفز من لغة القص إلى الشعر عابرة إلى الشعر الفلسفي الذي يعبر عن كينونة امرأة تحترق بين أحضان الرجال ظانا أها تنتقم من حبيب غادر دون استئذان وكأنها تُتّطهر خطيئة الحب الفاشل بدنس الرذيلة " في الصباح تستحم ،تبكي كثيراً، وترمق الجسد الرجولي العاري بتقزز ،وتغادر المكان دون رجعة ،ولا تذكر سوى الخطيئة" (14).
كذلك عندما وصفت مشاعرة فتاة مقبلة على الموت ،في قصة أحكي لي حكاية عندما تدخل إلى أعماق ذاتها وتحاول وصف خيالها الأنثوي بلحظة انتشاء " أغمضت عينيها، وشعرت بأنها تسقط في أحضان القمر،أسدلت شرائط وردية على نوافذ الماضي الحاضر، وبلا قصد منها وجدت نفسها تتحسس جسدها" 0 (15) .
و لأن أماكن القصص بعيدة عن خيال القارئ التزمت طوال القصص سيما الغرائبية العجائبية بنقل القارئ إلى دقائق الأماكن التي ينتقل أو يعيش فيها البطل دون أن تستعمل لغة أو أسماء تجعل القارئ مرتبك في تحليل المقصد أو فهم المعنى .
ففي وصف البدوي الملثم في الصحراء "عيناه كانتا الناجي الوحيد من لثامه حملتا كلماته إلى البدوي الأسمر المممترع بشبابه الأخاذ " ( 16) أما الصحفية الفرنسية التي جاءت الى صحراء المغرب " كان جسدها دبقاً محملا بالعرق والرمال ،تمنت أن تنزلق في بحيرة باردة" (17) وقبل أن تجعلنا نعيش مع تلك المجنونة التي تتعرى في سبيل الحوريات ترسم حالها المتناثر "اخذت تتعرى في لحظة كانت عارية تماما حافية القدمين متطايرة الشعر كانت قرة الأعضاء، كانت قذرة الأعضاء ،غير مهذبة الشعر"( 18) هذا المنظر المنفر كان يمهد لأن يجعلنا نستغرب أو قد نستعجب أن تكون هذه المرأة عشيقة لأحد الرسامين.
المرأة المهزومة واقعياً :
في القصص الواقعية التي ضمتها المجموعة ظهرت المرأة ضعيفة مهزومة وعاجزة عن إنقاذ نفسها من الكآبة بعكس ظهورها في القصص الغرائبية ، وهذا ما أوصلني إلى فهم كثرة العجائبية في المجموعة؛ وذلك لنقمة القاصة على الواقعية المادية التي تسود الواقع الحداثي الحالي، فلجأت إلى محاولة نصر العاطفة في عالمها الخيالي، فعالمنا هذا أذاب عواطفنا، وشتتها، وصهر أرواحنا في الاحتياجات اليومية، مستغنين عن حاجات أنفسنا.
وهذا ما جسدته القصة الرائعة والإشكالية"النافذة العاشقة" التي سيؤيدها البعض من حملة المدرسة الدينية ويعتبرون عمل البطلة عين الصواب، ويثور عليها آخرون سيما أصحاب
والقصة التي كانت فيها الكاتبة –العليم –وكأنها تعيش حول وداخل البطلة التي تعيش في ظاهرها، باستقلال مادي وبيت يجمعها مع زوج وأولاد ، ولكن حياتها روتينية مثل حياة باقي البشر وخاصة مع زوجها "زوج فراش لا أكثر" ،وفجأة يهر في حياتها شاب يراقبها لفترة طويلة عبر نافذة المطبخ، الشاب يصغرها كثيرا يراقبها بعيون عاشق وليس فضولي أو لص.
هنا يحدث الاصطدام ما بين التراث النفسي –العيب- الدين –الحرام- ورغبة الجسد الجاف –العلاقة عاطفية وليست جسدية، وهذا ما يجعل النص يحاول البحث في أعماق الأنثى الغير عابثة التي نسي هذا العالم –الذكوري-كم هي عطشة دوما للمحبة وخاصة عندما تجتمع مع زوج لا يتوجه إليها كجسد.
تنفجر من داخل البطلة امرأة أخرى كانت مدفونة منذ عقود طويلة، صارت تلك المرأة الجديدة ترتدي ثيابا أنيقة، اعتنت بشعرها،تراقبه، تتحدث عنه لصديقاتها.
تلك المقدمات لم تسير كما يتوقع القارئ الرومانسي ، فقد انتهت بطلتنا مهزومة أمام واقعها فلم تجرؤ على محادثته أو حتى مبادلته الحب والخروج من سنوات الجليد العاطفي ؛ اكتفت بالتكوم ناحبة كل يوم في مطبخها تبحث عن ضوء كان ينير لها ظلمتها الأنثوية.
وكذلك حظ البطلة في قصة"احكي لي حكاية" فهي كانت قد أحبت رجلا يكبرها في السن، ورفض أن يشاركها مشوار حياتها، وبعد أن تزوجت من رجل آخر لم تتمكن على مدى تسعة أعوام من الحياة معه،فاختارت الطلاق أو هو وهبها إياه بعد أن يأس منها.
اكتشفت بعد الفحص السريري إنها مصابة بضعف عضلة القلب، أحب إنهاء معاناتها، وهناك أخذها ملك الموت إلى الجنة كما تتوقعه القاصة وشاهدت حبيبها من هناك.
في هذه القصة فشلت المرأة في اختيار حبيبا مناسبا لها ،فالكهل وإن أسعد عشيقة تصغره عمرا فستكون سعادته مؤقتة! وفشلت في أن تتأقلم مع زوج أحبها، وفشلت حتى في إكمال حياتها؛ بعد أن تأكدت سريريا من أصابتها بضعف في عضلة القلب،لأن مرض القلب يرمز للهموم والأحزان المتراكمة التي تحاصر صاحبها حتى "يتكلس قلبه.
في نص مشابه تقريباً جاءت قصة " قلب لكل الأجساد " فالبطلة فشلت في الحفاظ على حبيبها تماماً مثل قصة"احكي لي حكاية" ولكنه رجل شريف قطع الخط مبكرا دون أن يستغل تلك العاطفة، وبطلة القصة هنا تختلف بطريقة تفكيرها عن بطلة " النافذة العاشقة" فالأخيرة كانت عاقلة ولم ترض أن تخسر بيتها وعائلتها ومجتمعها من أجل إشباع العاطفة، بينما البطلة في قصة "قلب لكل الأجساد" –قد يكون لصغر عمرها عن سابقتها- لم تكن تعي نفسية الرجل ولعل عنوان القصة يقدم لفهم النص؛ لآن القلب للحب وليس للجسد وهذا ما يسوقنا إلا أن القصة تشير إلى إنسانة عاطفية بحثت عن الحب في مستنقع الجنس الذكوري.
فبطلة القصة – أو يمكن تسميتها بالشخصية المحورية للقصة- أفهمها حبيبها أن علاقة الحب لديه متلازمة مع علاقة الجسد، فقدمت له الفتاة المتدينة جسدها بعد أن تنازلت على عهد مع ربها بوضع ذلك الجسد بالطريق المستقيم، ولكن حبيبها تخلى عنها ليبحث عن حب جديد داخل جسد جديد.
هذه الهزيمة أنتجت هزيمة أخرى أشد ألما وظلما لنفسها، فقد بحثت عن حبها في أجساد الرجال.
لم تكن بطبيعتها –عاهرة- ولم تشعر بتلك الشهوة البركانية التي تأتيها مع كل جسد جديد ولم تستمتع بالهدايا ،بل كانت تعاني من إثم الخطيئة، وظلت فيها النزعة الدينية ولو معطلة.
في النهاية أدركت أن أضلت الطريق وتلك الشهوة التي كانت تتدفق من جسد حبيبها الذي يحوي قلبا يمدها بحب لم تعثر عليه في جسد آخر.
وهكذا في هاتين القصتين وقصة " احكي لي حكاية "نجد أن المرأة ظلت مهزومة في جميع حالاتها إن تبعت عاطفتها أو قمعتها، فقد كان طرح القاصة مبنيا على قراءة الواقع ودراسة المجتمع الشرقي، فبعض القصص التي تكتبها -المرأة -كانت تعطي الثورة للمرأة متناسيات أن المجتمع لم يهيأ لاستقبال تلك الثورة(19).
وهذا القصة شملت أيضا تعرية المجتمع الذي يحاول تغطية شهوته بالحرية والانفتاح أو بالحب الذي ينتج امرأة عاهرة ورجل بطل، حسب النظرة القاتمة.
وقد لمست في قصة قلب لكل الأجساد نوع من الدفاع عن نظرية "المومس الفاضلة" وتتلخص في أن المومس أو المرأة الإباحية التي تمارس الجنس للمتعة وليس للكسب المادي قد تكون نتاج ظلم أو جريمة اجتماعية ن ولكن للأسف ظلت النظرة دوما لتلك السناء سوداوية وقاتمة .
ولعل القاصة قدمت نوعا قويا من الولوج لتلك المرأة المومس الفاضلة أو الضاحية إن كان المجرم ذاتها أو غيرها ،فلم تكن تسير وراء الجسد بحثا عن الرذيلة " من جديد تستغفر الله وتسب الحب والخطيئة ،كم أصبحت بعيدة عن ذاتها!كم أصبحت بعيدة عن التوبة !بينها و بينهما الخطيئة ومئات الرجال والأجساد وقلبها"(20).
الواقعية القصصية جاءت متفائلة أكثر من سابقتيها في قصة "قطار منتصف الليل"حيث تتوجه المعلمة إلى محطة القطار، لتخبر الرجل الذي سيأتي للقاء تلميذتها ،التي تعارفت من خلال "الانترنت"، أنها خدعته عندما أخبرته- لم توضح الكتابة كيف ويحتمل عن طريق الانترنت- أنها طالبة جامعية لتلهوا معه.
إلا أن المعلمة شعرت بالحب يختطفها عدما شاهدت الرجل بطلته الأنيقة وباقة الورد الحمراء التي تحملها يده.
لم تتمكن المعلمة من مغادرة المكان قبل أن تتقمص دور تلك الطالبة دون أن تخبره أي شيء سوى أسمها الحقيقي لتكمل معه المشوار.
هذه القصة رطبت بعض الشيء أجواء الحداثة المشحونة ،ولعها من القصص النادرة التي تعطي صورة متفائلة عن علاقات الانترنت التي تنتهي بسرعة تناسب سرعة حدوثها.



ثورة الحب العجائبي :

بعد العرض الأسطوري الذي شابه ألف ليلة وليلة في المجموعة القصصية الأولى لسناء الشعلان، اتجهت بقافلة العطش إلى السرد العجائبي و الغرائبي، لتمتعنا بخيالها الذي ينطلق بعيدا حتى يحاكي الجماد وتختار أرضيات مختلفة ترتبط معظمها بالريف أو أجواء القرية ، وهو المكان الذي يناسب عجائبية الحدث، و هذا نقطة مهمة انتبهت إليها الكاتبة، لأن الريف بطبيعته البسيطة تتقبل أجواء السحر والغرابة والشعوذة،بعكس المدينة التي ترتبط بالعلم والنمط التفكيري الرافض للخزعبلات .
من ناحية أخرى كانت القصص العجائبية ترمز إلى الفشل العاطفي، فكان أبطال القصة الذين عايشوا المدينة يشعرون بفقدان عاطفي شديد، جعلهم يبحثون عن العاطفة والحب من تمثال أو من جنية، أو من لعبة بلاستيكية، تُعرض عليها الألبسة، وهذا ما يجعل الطرح الرومانسي يغلب على القصص العجائبية، مما يترك في نفس القارئ صورة واضحة بتدخل الكاتبة في صياغة أحدا ث و نهايات القصص.
في قصة " الفزّاعة " التي تدور أحداثها في مزرعة ريفية، تصنع فتاة جميلة-مالكة الحقل- فزاعة في حقل الفراولة ، فتقع تلك الفزّاعة -الذكر -بحب تلك الفتاة، فأخلص الفزاعة بعمله بإخافة وإبعاد الطيور ليس لأنه فقط صنع لذلك بل لأنه يحبها!! تدخل الكاتبة الى العمق العاطفي الهش لذلك الفزّاعة فتصف "قلبه القشي "وتأثره بصوت الفتاة وكيف يراقبها كلما عبرت للحقل، حتى أنه غرق باللذة وهو يستنشق رائحة عرقها عندما ألبسته ثوبها البالي.
وتستمر عجائبية السرد حتى يغادر الفزّاعة تربته ليشاهد ذلك الشاب الذي أتى لزيارة فتاته –صاحبة الحقل- فتأخذه مشاعر الغيرة إلى سكنها ويدخل إلى البيت بعد أن شاهد الفتاة تبكي بعد نزاع طويل بينها وبين الشاب الذي من المفروض أن يكون على علاقة حميمة معها .
فهل نؤول الفزّاعة بالشاب العاشق لفتاة ثرية ؟ أم عاشق امرأة متزوجة؟ كما في رائعة عبد الرحمن منيف "قصة حب مجوسية" أم هي ضياع الروح الأنثوية العاشقة في غياهب الرجل .



قصة "امرأة استثنائية " عرضت نوعاً من العجائبية الشخصية والحدث العجائبي التراجيدي.
الشخصية الرئيسية " الأنس" فتاة ذات قامة قصيرة حد التقزم، ومشوهة الملامح، تعيش منبوذة بين المحيطين لها، تصف نفسها أنها موهوبة، لدرجة أنها قادرة على تحرير التمثال من عالمه الحجري ليتمكن من الانتقال من موقعه مثل أي شاب، فتلك الفتاة التي نبذها الناس ولم يكن أحد يعطيها لحظة اهتمام لأنها مشوهة، بل وتملك ملامح مقززة عاشت السعادة التماثيل سيما مع ذلك الحجر البشري الذي أعلن حبه لها وصار يرقص معها في المدرج .
تلك الفتاة صارت تقايض المرسومين في اللوحات و المنحوتين في الحجارة بأن تخرجهم من أسرهم على أن يقضوا معها ساعات جميلة.
في قصة "زاجر المطر" تتبدل الشخصيات فبطل القصة شاب وليس فتاة ،إلا أنه موهوب مثل تلك الفتاة ولكن ليس بتحرير التماثيل، بل له موهبة استثنائية على توقع قدوم المطر ، ولكنه يعاني من حرمان ليس شكلي ولكنه "تعاسة حظ "فهو تيتم باكرا فتزوجت أمه وتركته لزوجة عمه التي كانت تلقبه "أجود الهبيلة" ومع أنه حقق معدلا عالياً في الثانوية العامة إلا أنه لم يكمل دراسته، هكذا ظل حاله السيئ يعانق أيامه حتى تعرف على عجوز علمه كيف يكون زاجراً للمطر .
بعد أن رحل الشاب إلى المدينة لم تكن موهبته تنفعه لأن المطر لا يعي للناس شيئا، مثلما يعني الفلاحين، ومع أن شروحات طويلة لازمت القصة فككت أحداثها لأنها شروحا لا تليق بالقصة التي تعتمد على التكثيف بعكس الرواية، إلا أن نهاية القصة توصلنا إلى الفكرة المركزية التي كان من الممكن للقاصة أن تدخلنا إليها فورا بعد تلخيص بسيط لذلك الشاب الذي فشل في المدينة مثلما فشل في حياة القرية لأنه لم يُفهم من الناس الذين كانوا يستخفون به، وهناك في المدينة عشق لعبة بلاستيكية لعرض الثياب في أحد المتاجر ، وهنا تبدأ القصة العجائبية فصار الشاب يحادث اللعبة التي بادلته الحب ،وتحدثه كل يوم عندما يقف أمامها عن عالمها البلاستكي وتسر له بأمنياتها ، بل وتحزن على حياته ويتفقان على الزواج، معضلة تلك العلاقة من سينتقل إلى عالم الآخر ، وهذه براعة قصصية بعد عجائبية العلاقة بل جارت القاصة خيال العجائبية ولم تكتفي بعرض سطحي لهذه العلاقة العجيبة التي تجمع رجل مع لعبة، بل نصل إلى معضلة أكثر تعقيدا، فمن سيغير نمط حياته حتى لا تنتهي أمال لعبة وعشق رجل.
الناس اتهموا ذلك الشاب بالجنون ،ورفض صاحب المتجر إيصال باقة ورد من الشاب إلى معشوقته البلاستيكية، ويتأزم وضع الشاب النفسي ، فلا يعود يحتمل مشاهدة الرجال لها من وراء الزجاج ، وهنا تتمكن القاصة بمزج الرمزية بالعجائبية حتى أننا نرفض الواقع ونعيش مع عجائبية اللعبة وزاجر المطر الذي يخترق الزجاج بحركة جنونية ليلتقي حبيبته،وتنتهي القصة و حياته بابتسامة فرح صغيرة.
الزوجة التي قطعت الوحوش جسد زوجها في قصة "بئر الأرواح" فحملت بعض أشلاء جسد زوجها وذهبت إلى البئر العجيب الذي يحكى عنه أنه "مؤول للأرواح" الذي كان يجمع طفولتها مع زوجها، فتتطلب من البئر أن يعيد لها روح زوجها –حبيب عمرها- .
البئر طلب منها أن تحضر جسداً كاملا ليعيد له روح زوجها وظل البئر يرفض توسلاتها ومحاولاتها لإقناعه أن فقدانها لزوجها يرحمها من التمتع بالحياة ، ومع إصرار البئر على طلبه تطلب منه أن يضع روح زوجها في جسدها هي .
آخر القصص العجائبية في المجموعة " الجسد" فهذه القصة أيضا عجيبة الطرح ،فهي ليست بين لعبة ورجل ولا عاشقة وأشلاء رجل ، ولا فزاعة و فتاة .
هذه علاقة تعلق بنطال بجسد صاحبه،فتدخلنا العجائبية إلى أعماق البنطال الذي يغادره صاحبه بعد سنوات طويلة حاول ابقائه على جسده ، وتروي القصة حب وعشق ذلك البنطال لذلك الجسد الذي حاول صاحبه تكيفه وفشل.
وإذا حاولت بجهد شخصي تفسير أو فك رمزية القصة ، فأنني أرى أن البنطال رمز للمرأة التي يتخلى عنها زوجها-حبيبها- عمرها- جمالها ، بعد أن تسرقها سنوات العمر وتسلبها تاجها الأوحد الجمال .
وتظل دوما النظريات التأويلية تعاني الحيرة عندما تقف على أعتاب القصة العجائبية.






السرد الغرائبي :
من أصعب ما يواجه النقاد تجنيس السرد إلى الغرائبي ،لآن (الغرائبي ليس جنساً واضح الحدود، بخلاف العجائبي ،وبتعبير أدق إنه ليس محدوداً إلا من جانب واحد، وهو التفسير على وفق معطيات عالمنا الحقيقي، فالغرائبي يتنوع، وينهض الفهم الخاص والمعارف المشتركة ،والثقافة الخاصة والزمن، والمكان، والحالة النفسية والإحالات الذاتية بدور في تقيمه ورسم خطوطه أبعاده بخلاف العجائبي الذي يمس دائماً ما لا يمكن أو يحدث وإنما " يتحدد بصفته وإدراكاً خاصا للأحداث غريبة" (21)
فالقصص التي اعتبرتها غرائبية في هذا المجموعة قستها حسب أولا التراث الاجتماعي حسب البيئة الاجتماعية للكاتبة والنمط العقلي الوسطي للمفهوم الثقافي ،وذلك لأن "الثيمة" المركزية للمجموعة في قصص المجموعة الغرائبية هي العلاقة بين الرجل و المرأة ، ولن نجد أحداثا غرائبية من ما وراء الطبيعة أو ظواهر تستدعي الغرابة العلمية، ومع ذلك فقد ينظر أصحاب النظرة الرومانسية أن هذه القصص ليست غرائبية إنما نتيجة واقعية وقد يحكم عليها حال قرأتها بالغرائبية أصحاب الاتجاه العقلاني.
أول القصص والتي حملت أسم المجموعة "قافلة العطش" تعرض قصة من الصحراء بدايتها لا تحمل الجديد من حكايات الصحراء فأحد القبائل الغازية التي تهزم قبيلة أخرى وكالعادة تأسر نسائها.
زعيم القبيلة المنتصرة وقع في عشق إحداهن ويبدوا أنها ابنة زعيم القبيلة، ورفض عرض القبيلة الأخرى بفدائهن بالمال، بل وإكراما لتلك الفتاة أنعم عليهن بالحرية، وهنا تبدأ الغرائبية المشوقة ولتصل ذروتها عندما رفضت تلك الفتاة أن تنفك من أسرها وفضلت البقاء في قبيلة حبيبها الذي أسر قلبها بعد أن أسر جسدها.
ها الحدث الغرائبي عالج النص بشكل نزع عنه تقليد العاطفة الصحراوية، وبعد ذلك حاولت القاصة تفسير وأد الفتيات بعد أن أخبرتنا أن رجال القبيلة المهزومة قتلوا نسائهم بعد أن شاهدوا العطش في عيونهن ،وهذا ما يعطينا ثورة القاصة على تجريم حرية الاختيار العاطفي وقد اختارت الصحراء لأنها المكان-الوطن- الأول للعرب وما يزال العرب يتمسكون بتقاليدهم التي اكتسبوها منذ أيام القبيلة ، وهذا ما جعل القاصة توضح في نهاية القصة أن رمال الصحراء تعرف أن جريمة وأد الفتيات لم تكن يوما خشية الفقر إنما خشية الحب !!
في ثلاثة قصص غرائبية أخرى من نفس المجموعة عرضت فيهما القاصة البعد العاطفي.
في تلك القصص قدمت في كل واحدة شخصيتين متناقضتين تماما وفي أمكنة متباعدة وعلى هذا سندرس غرائبية العلاقة التي جمعتهما.
ففي قصة "سبيل الحوريات" نجدا أن الشخصية الأولى رجل يدرس الهندسة المعمارية ويتقن فن الرسم أما الشخصية الثانية فهي امرأة مجنونة تتعرى دوما أمام الناس في سبيل الحوريات.
أمام هذا العرض لا يمكن للقارئ وهو يتسلسل مع القصة أن يتوقع نهاية تجمع تك الشخصيتين، ولكن فجأة عندما كانت تمارس تلك المجنونة عريها شعر ذلك الرسام بأنها أسرته، فتوجه لها ليعيد عليها ثوبها .
تغيرت حبكة القصة فلم تكن تسجيلية كما توقعنا لشخصيتين متناقضتين بل بداية علاقة جعلت من المجنونة تعقل ويكتشف الرسام أنها من يبحث عنها، لتنتهي العلاقة بأحد الشقق التي جمعت زوجين أحدهم رسام والثانية امرأة هادئة "عيبها الوحيد أنها تتعرى عندما تغضب ".
في قصة "تينا" تأخذنا القاصة إلى جو مختلف عن سابقتها فالشخصيتين متشاحنتين والنص يحمل جملا تمهيدا لصراع بين الشخصية الأولى وهو دكتور يعمل مع الصليب الأحمر يرأس الوحدة لصحية الخيرية في جنوب نيجريا.
والشخصية الثانية بعكسه تماما امرأة مشعوذة وتعالج الناس في الأعشاب (22) من قبائل " وادبيه" لعله صراع بين العلم والعلاج الطبيعي والشعوذة، الذي يقود فضول هذا الطبيب لمتابعة تلك المرأة التي يلجأ لها السكان أكثر منه.
ولكن الحدث الغرائبي الذي يصادفنا في منتصف القصة أن ذلك الطبيب الغربي يحب تلك الساحرة تينا ويتوجه لها إلى تلك القبيلة في يوم احتفالات ويحملها على ظهره معلنا حالة عشق غرائبية قد لا يصدق معظم سكان العالم .
قد ترمز هذه القصة الغرائبية إلى أمنية للكاتبة نحو أن يتجه الغرب بصورة ايجابية نحو أفريقيا أو أن الإنسان البسيط يملك سلبته الحداثة من إنسان المدينة !!
هذه القصة قدمت معلومات أيضا كثيرة لذا ينظر لها أيضا ثقافيا فمعظم المعلومات الجغرافية والأماكن فيها واقعية وهذا ما أعطى نوعا من المتعة والفائدة منسجما مع غرائبية قصة عاطفية من خيال الكاتبة.
بعرض عكسي عن تلك القصة نجد قصة " تحقيق صحفي " تتنقل هذه المرة إلى نفس القارة ولكن لشمالها ،وبالتحديد إلى قبائل الطوارق ،ونحن أيضا هنا أمام شخصيتين متناقضتين.بل ومكانين متناقضتين .
الشخصية الأولى صحفية توجهت إلى قبائل الطوارق "تيغمار في الصحراء العربية" قادمة من البلاد المتحضرة.
الشخصية الثانية سيدي الطالب رجب وهو زعيم ديني يُطلق"من الطلاق وليس الإطلاق" نساء قبيلته اللواتي يعشقن غير أزواجهن ومن ثم يزوجهن لمن يحببن.
القصة وقبل أن تدخلنا في الفكرة الغرائبية أو "ثيمة القصة" تعرض لنا مقدمات غرائبية فالموضوع الذي أتت من أجله لهذه المنطقة هو تحقيق صحفي عن نساء الطوارق وقد خصص له مكان جاهز في المجلة التي تراسلها وبسبب مشاكل زوجية أخرتها عن إتمامه لم يتبق لديها سوى أربعة أيام لإتمامه. هذه مغامرة غرائبية مع قبيلة لا نشاهد حتى وجوه رجالها ولها لغتها الخاصة سيما أن الآمر يتعلق بنساء القبيلة ، ولكن الغرابة ليست هنا .
فقبائل الطوارق كما تخبرها إحدى النساء تترك للرجال عمل "الشاي ونصب البيوت والقيام بأعمال المنزلية" أما السناء فهن "يُعشقن بقوة" وأكيد أن هذا خبر غرائبي لقبيلة توقعنا أنه تقمع المرأة ورجالها لا ينتسبون لعالم العاطفة بسبب قسوة الصحراء وكثرة الترحال .
مع كل هذا العرض الثقافي الغرائبي الذي لم يلامس اللغة المباشرة بل حافظ على نمطه القصصي تعجبنا من إنزياح القصة لتشعل قلب الصحفية بالزعيم الديني ، بل وتفضيلها أن تكون زوجة له وتتطيب بعطور الطوارق بعد تذكرها لزوجها القاسي .
لم تكمل التحقيق الصحفي وأمنت بحكم الطالب رجب الذي طلقها من زوجها وتزوجها هو.
وطبعاً هذه غرائبية لا يمكن أن يستوعبها أي عقل مدني ولا حتى صحراوي .
الختام :
مجموعة قافلة العطش مجموعة قصصية تقدم لغة قوية وتجريب نجحت فيه القاصة التي يفوق إبداعها عمرها وتاريخها الكتابي .
الهوامش

1- السرد العجائبي والغرائبي في الرواية والقصة القصيرة الأردنية سلسلة كتب ثقافية تصدرها وزارة الثقافة الأردنية كتاب الشهر 83.
2- رواية السقوط في الشمس طبعة أولى منشورات أمانة عمان ومن تم نشر طبعة ثانية مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع 2006
3- الجدار الزجاجي مجموعة قصصية منشورات عمادة البحث العلمي الجامعة الأردنية .
راجع قصص أكاذيب ص 37 البحر و سداسية الحرمان ص 15 .
4- الكابوس مجموعة قصصية نشر الدائرة الثقافة والأعلام حكومة الشارقة دولة الإمارات العربية 2006.
5- قافلة العطش مجموعة قصصية بدعم من أمانة عمان 2006
6 - " السرد العجائبي و الغرائبي " ص 10.
7- راجع لقاء أجراه عبد الغني عبد الهادي مع سناء الشعلان ،مجلة دبي الثقافية عدد 20 يناير 2006.
8- راجع مقدمة الكتاب من صفحة 7- 17.
9- منها سداسية الحرمان .
10- " يظهر تألقها في كتابها السرد العجائبي انعكاسه على طريقة سردها للقصص وهذا ما مكنها من التعامل مع القصص العجائبية بعد أن فهمت أساليبها واطلعت على الكثير منه"
11- " قصة رسالة إلى الإله" ص22 .
12- ص 9
13- ص 74
14-ص76
15 ص 80
16- ص 9
17- 67ص
18 -33ص
19- وأنا شخصيا أميل إلى الحكمة التي سارت عليها امرأة قصة "النافذة العاشقة" وأثمن براعة طرح القضية الجنسية والتي تشكل محور نظرة الرجل للمرأة في الوطن العربي، وقدت أوصلتنا القصة؛ إلا أن الجنس ليس نتاج علاقة طبيعية بين الرجل الشرقي وحبيبته –إذا ابتعدنا مؤقتاً عن الحكم الديني- بل هو استنزاف شهواني للمرأة عبر استغلال ضعفها العاطفي أو المادي أو مصلحة أو قهر من أي نوع كان.
20- ص 77
- 21 السرد العجائبي والغرائبي في الرواية والقصة القصيرة الأردنية 31ص .
22- هذا يتواجد بشكل طبيعي في أفريقيا فمع أن العلاج في النباتات علم قائم بذاته إلا أنه يرتبط في أفريقيا بالشعوذة لأن تلك الشعوب تؤمن بالأرواح وماشابهها بشكل كبير جداً )


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:21 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



الحب والحرية في قافلة العطش
وهيب نديم وهبة

سناء كتلة ملتهبة من بركان الكتابة ، حين تشعل الرمز في حقول النار .. تحرق غابات الجمود وتحرك السكون / العاطفة / العشق / الحب توأم الروح / تكسر قيد الصمت ؛ ومن حالة الركود يبدأ الصعود( من قاع البئر-1- ) بالإحساس/ بالعشق / واتحاد روحين في جسد واحد .
تلك العتمة - البئر - هذا القلب الذي يحتوي على خصائص الإحساس - يعتم - دون حب . ووحشة المكان - الدنيا - حين يكون الافتراس فيها علنياً ومشهود ومسكوت عنهُ .. الكاتبة تقاوم الوحشة - العتمة - وتعيد في جسد واحد - الروحين .
بئر الأرواح -2- الصراع الأزلي بين الجسد والروح /الموت والولادة / هذا الانفجار العميق من بئر الحرمان / العطش / الجوع إلى عناق الأخر / الاتحاد الإنساني في العطاء تحت غطاء الحياة .
د. سناء تفجر ينابيع المعرفة على امتداد مساحة الحياة / أنها تستغل المفردة في اللغة لكي تدخلها في صيغة الجمع " الأنا " هنا .. نحنُ .. ونحنُ في هذا الزمن في رؤية الكاتبة - تسير بنا القافلة / الحياة - العطش / نحنُ / من هنا ندرك العمق الثقافي عند الكاتبة ، في سير خطى ما زالت ترنو إلى الشمس ولم تبصر بعد الحقيقة .
أن جوهر الكتابة / المكاشفة / مكاشفة الذات / تعرية الواقع / محاصرة المستقبل .. ( قطار منتصف الليل-3- ) فحين تدنو إيقاعات القطار السريعة تعزف على وتر العمر في الجريان ووتر العشق الذي يكاد يهرب منكَ أو تأخذه عنوة أو بشفافية كي لا يغادر المكان . أن هذا التزمن بين قطار العمر وقطار العشق حقاً كان رائعاً .
أن محاصرة المستقبل في هذا الزمن الرديء يحتاج إلى دراسة مكثفة وفكرة واضحة فحين اعتلت الكاتبة صهوة الزمن عرفت أن المكان - خصوصية المكان - تحدد قضية الغد - ألمستقبل .
الدكتورة سناء ترتكز في قافلة العطش - حول قضايا دائرية محورية - تدور في فلك الذات الإنسانية - القافلة - السفر - العطش - الحرمان - قضايا الإنسان - الحب - الحرية - الروح - الجسد - وتستمر تلك اللعبة الدائرية في الكتابة عند الكاتبة حين تكتب ( الجسد -4 - ) تستبدل الأدوار - بنطال يبحث عن جسد عن روح ، عن عشق يحتويه . فكرة الاستبدال هنا ، تدل على روعة في تمثيل المشهد . أن قضية البحث عن الأخر قضية جوهرية في الوجود الإنساني وقد يمر العمر وأنت تبحث أو تكتفي بما يأتي ( قرر أن يطفئ بعضاً من أشواقه فقط -5- ) بالتحديد - فقط - هذا الحلم في البحث ، ربما الحظ ، ربما الصدفة ، ربما المعرفة - آلاف الاحتمالات ولكن ربما هذا لا يأتي .. من هنا أهمية نسيج العاطفة وقماش العشق وبدله الكون الحياة .
هذا الشوق - الحنين - في رحلة الكاتبة في قافلة العطش ، يجعل القارئ المتمهل أن يتأمل الحياة - نافذة واسعة جداً للتفكير - هكذا يفتح الكتاب الحوار معكَ .. سناء تخاطب العقل عن طريق العاطفة ، مهمة خطيرة أن أشعر وأن أفكر لماذا حدث هذا . تلك المعادلة الصعبة في تركيب العبارة وفي حث القارئ على التفكير .
أن المفارقة العنيفة والمقاربة المحببة بين ( زاجر المطر- 6- ) وبين ( تحقيق صحفي - 7 - ) النهايات . تطرح النهايات نفس الرمز.. ولكن في اتجاه معاكس ، في حين الرمز الأول يتحقق في الموت .. الرمز الثاني في الحياة ، الالتصاق بقضية الحب كقضية بقاء .
أن سكين الكتابة ما بين الجرح والرمز عند الكاتبة سناء شعلان أجراء عميلة جراحية / استخراج العاطفة من قلب هذا الكائن البشري دون دماء - ومع هذا تبرز قصة العاشقة - 8- ) مع الكثير من الذكريات والألم على ارتكاز أننا لا نبصر حقاً من هم أمامنا .. هنالك لحظة تهرب منا . لهذا كان نداء الحلم في القصة عالي الصراخ ، ربما ليس لدينا وقت للحلم . ربما لا نملك المقدرة على الحلم / الأمل / الحب / الحياة . هذه العملية تجري تفاصلها يومياً ، والمخيف حتى حين يأتي الحلم يأتي ليس كما نشتهي .
الآن أجمع شظايا البلور وجرح الكتابة في( قصة النافذة العاشقة - 9- ) هذا التصور الشعري يخفى حنيناً موجعاً في زمن الانتظار. هذه المحطة الراكدة في قلب الإنسان لا تعرف متى تبدأ السفر / سفر العشق الحقيقي . حين تهرب منه يخترق العشق جدار الصمت ، وبلاغة التصوير أن النافذة أصبحت عاشقة / لماذا لا تكون نافذة للحياة ؟
أن روعة ( قصة الفزاعة -10- ) تدخلكَ مباشرة بعد القراءة إلى حالة من الصمت . هذا التراكم الكمي من الإحساس يسيل بمذاق طعم الخيبة . لهذا كان العنوان - الفزاعة - كي تهجر الطيور الحقل . هل حقاً قصدت أننا أحياناً نتصرف برغم الحب تصرفات فيها - الفزاعة - لهذا يهجرنا الغير .. كما قلتُ هذه المجموعة تحمل الرمز العادي والرمز العميق كما تحمل الأم طفلها بدلال وغنج وأحياناً يرفعك الرمز إلى قمة الخيال والتصور وتتحد بهذه الكتلة المشتعلة بلهيب النار .
أن قصة ( قلب لكل الأجساد - 11 - ) رسالة عميقة واضحة لعدم السقوط في الخطيئة .. حيث تجمع في بوتقة واحدة الحب الضائع والخطيئة .. أن السقوط هنا يحول المرأة إلى زانية إلى جسد بلا إحساس ووجود بلا هدف .
أعود إلى القصة الأولى ( قافلة العطش - 12- ) ما بين السفر والحرمان تتمحور القصة وبين الشرف والحب ولكي ترتدي القصة ثياب الحضارة ويقبل العقل والقلب هذا الموضوع ترتكز الكاتبة على حكمة قديمة .. تحملنا .. تأخذنا معها عبر التاريخ . هي فكرة رائعة أن تقول لنا الكاتبة أننا منذُ فجر التاريخ نكبل الحب نمنع عنهُ الهواء وفضاء الحرية . هذا العطش الممتد من الصحراء العربية إلى عالمنا الحضاري يسكب في بوتقة حياتنا اليومية / الحرمان .. أننا حين نقتل في داخلنا المرأة تقتل الحياة .. أن العودة إلى واد البنات تعبير صادق على عدم حرية المرأة في الزمن الراهن .. تدور أحداث القصة في الزمن الغابر كي تنسكب في مستنقع الحاضر دون أن تقول الكاتبة .
قلتُ أن الرمز أجمل ما في هذه المجموعة القصصية . كذلك لغة الشعر.. أن المجموعة زاخرة مفعمة مترعة بشفافية اللغة التي تنم عن روعة في الإحساس والمشاعر .
كلمة أخيرة
كل قصة لم يندس فيها قلمي كانت لضيق المجال . ليكن مبارك ما كتبت يداكِ .


----
إشارات :
1- قصة بئر الأرواح ص 86 - والجملة -ثم فاض جسدها سعادة بالروح الجديدة ، وامتزجت الروحان ، كانت مساحة الفرح كبيرة ، ولكن جسداً عاشقاً يكفيها ، يكفيها تماماً ، لفحها برد الصباح ، الشمس داعبت هدبيها ، وعادت أدراجها شبه عارية من ملابسها ، تحمل روحين عاشقين كلتيهما قد قهرتا جبروت البئر الغاشمة .
2- نفس المصدر قصة بئر الأرواح
3- قصة - قطار منتصف الليل - ص - 54 -
4- قصة الجسد - ص - 120 -
5- نفس المصدر -ص- 122 - و ( بل غاية أمنياته الحصول على جسد يخلو من الدنس ، لم يعرض في الأسواق ، لم تبتذله الأيدي ، ولم تشبع منه النظرات ، جسد يخلص ويخلص … ، ويطوقه إلى الأبد بعيدا عن سوق الأجساد - ص 125 - )
6- قصة زاجر المطر ص - 119 - كان على شفتيه ابتسامة غربية ، لم يعن أحد المشيعين نفسه في فك سرها ؛ فلا أحد يبالي بابتسامة زاجر مطر مسكين !
7- قصة تحقيق صحفي - ص- 72-73- بعد أن ذكرت الصحف اليومية أنها ضاعت في الصحراء ، ولم يعن أحد نفسه ليبحث عن امرأة عاشقة قد اختفت في الصحراء في مهمة صحفية .
8- قصة قطته العاشقة ص- 94 - عشقت آلاف المرات ولكنني خبأت العشق لها حتى تأتي . " - وهل أتت " - نعم ، أتت ، ولكن على غير ما اشتهي . وفي نفس القصة - ص - 102 - أنت معذور. لكن صدقني نحن نقابلهم مرة واحدة في الحياة . - من هم ؟ - الذين يملكون أن ينيروا حياتنا سعادة ..
9= قصة النافذة العاشقة - ص- 15-
10- قصة الفزاعة - ص- 25- لكن ما لم يستطع أن يفهمه هو التغير الذي حدث بعد ذلك ، فقد تعالى صراخهما ، وبدا أن ناراً تشتعل بينهما ، ثم غادر المكان غاضباً .
11- قصة قلب لكل الأجساد - ص - 74 - وفي نفس المصدر ص- 78 - لأنها تعلم منذ الليلة شبح لا جسد له ، قلب يصلح لكل الأجساد .
12- قصة ( قافلة العطش ص 9- ) العطش إلى الحب أورث الصحراء طقساً قاسياً من طقوسها الدامية ، أورثها طقس واد البنات ، البعض قال انهم يئدون بناتهم خوفاً من العار ، البعض الآخر قال انهم يفعلون ذلك خوفاً من الفقر ، لكن الرمال كانت تعرف أنها مجبرة على ابتلاع ضحاياها الناعمة خوفاً من أن ترتوي يوماً .


قافلة العطش :

قصة للدكتورة سناء كامل شعلان صدرت عام 2006 عن مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع - مجموعة قصص قصيرة – ط1


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:25 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

الفزّاعة لسناء الشعلان
ياسر عطية

الإحاطة بما ينشر من القصص ليس بالأمر السّهل،بيد أنّ حالتي التربّص والترقّب لمجسات القارئ كفيلتان باقتناص"النموذج" المطلوب ذلك الوعي الذي يتوفّر على عناصر الجمال والإبداع المشروطة على النّص،مثل قصّة الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان" الفزّاعة"(1) التي كتبت بعناية ودراية تضعانها في مصاف القراءات المهمة والممتعة.ومن أبوابها السّهلة الولوج في موضوعة" أنسنة" الأشياء المحايثة للإنسان والنفخ فيها من روحه وعواطفه،بغية استثمارها والإفادة من وجودها المتراكم والملازم لوجود الإنسان،إشراكها في مشاغله ومشكلاته والبحث عن الحلول والمعالجات الناجعة لها.
إنّ الرجل الذي صنعته المرأة "صنعته بيديها الناعمتين منذ أشهر طويلة،وقد قام بعمله على أتمّ وجه يرجى،أولاً؛لأنّه فزّاعة،وثانياً؛لأنّه يحبّها"(2).صنعته واتخذت منه"فزاعة" وبقلب قشّي،ولم تصنع امرأة،وكانت تركن إليه،وتجعل"الحياة تدبّ في أوصاله الخائرة وفي قلبه الميت فتحيه،وتهبه وجيباً لا ينضب"(3)
لقد تعاطفت المرأة مع رجلها الفزّاعة كثيراً حيث لم يرق لها ثوبه القديم،فصنعت له ثوباً جديداً يليق به،فشعر" بسعادة عظمى،وهو يغرق في كساء يحمل رائحة جسدها"(4)وقبل هذا وذاك كان صوتها أوّل من حرّك الحياة في ذاته.
تبدو العبارات المارة وكأنّها فواتير ديون ومستحقات للمرأة على ذلك"الكائن" قبل أن يصير رجلاً على يديها،يحبّ ويحرص على المرأة مثلما يراقب مزرعتها،ويسهر على حمايتها،وهنا تقترب من باب أخرى من أبواب النّص،ومفتاحاً آخر،وهو الرجل الحقيقي في القصة "ذلك الوسيم الذي أقلّته دراجة هوائية قبل دقائق،كان يحمل باقة من الفلّ البلدي،قبّلها،وطوّق خصرها بيديه"(5).لكن ما لم يستطع أن يفهمه الأوّل هو التغيير الذي حدث بعد ذلك،فقد تعالى صراخهما.
من الذي ارتكب الخطأ أولاً؟أو من ظلم منهما الآخر؟ الرجل الحقيقي أم حبيبته؟ إنّ وجود الرّجل الأوّل" الفزّاعة" قد يوحي بحذرٍ المرأة التاريخي وخشيتها من خيانة الرجل الواحد،فاحتاطت لنفسها بثانٍ صنعته بيديها،وكأنّها ارتبطت به مؤقتاً،وإن لم يكن إنساناً حيّاً مثلها.
هذه المقاربة-ربما- تضع النّص ضمن قائمة ما يسمّى بـ " الأدب النسوي" وفي القصة ما يذكّرنا بقصة كتبتها- على ما أظنّ- إيناس بدران،فعمدت فيها إلى أنسنة الذّئب الذي قدم إلى نافذة بيتها في الساعات الأولى من الصّباح،واتخذت منه محوراً مهماً لتدور عليه قصتها،فأصابت نجاحاً،وأبدعت ومذاقه لدى القارئ.
ومن دون حاجة إلى أن نسقط على النّص"الفزّاعة" سيلاً من النّظريات ذوات الإيّه،كالبنيوية والتفكيكية،جاءت القصة على قصرها وكثافتها،كبيرة بضوئها وامتداداتها الفنية الباهرة،لدرجة بدأ عنوانها صغيراً ينوء بثقلها،بالرّغم من كونه محوراً سردياً اشتغلت عليه الكاتبة ونجحت في توظيفه لإنجاز نصٍ من طرازٍ ممتعٍ جداً.

الهوامش:
1- سناء شعلان:قافلة العطش،ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من أمانة عمان الكبرى،عمان،الأردن،2006،ص25-31.
2-نفسه:ص25.
3-نفسه:ص26.
4-نفسه:ص27.
5-نفسه:ص29.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:26 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

القيم الثقافية في مجموعة" قافلة العطش"للدكتورة سناء الشعلان
د. شوكت علي درويش

تدور قصص المجموعة " قافلة العطش" على محور واحد،وهو الحبّ بصوره المتعددة،وأشكاله المتباينة،وتقترب في بعضها من قصص الأطفال بإنطاق الجمادات كما في" بئر الأرواح"و" الفزاعة" أو استلهام الأسطورة التي لم تحدث كما في " رسالة إلى الإله" وغيرها.
تطالعنا القاصة بقصة" قافلة العطش" التي اتسمت المجموعة باسمها لتعيشنا في زمن الجاهلية،وهذا العطش= الحبّ الذي كان سبباً في وأد البنات الذي صار "طقساً قاسياً من طقوسها الدامية" (1) فالصراع قائم بين ثقافتين:قيمة العشيرة وأعرافها وتقاليدها،وقيمة الحبّ بما فيها من تمرّد واختيار "لقد جئتِ ببدعة ماسمعت بها العرب من قبل،كيف تقبل حرة ان تكون في ظلّ آسرها؟قالت بتعب مهر ركض حتى آخر الدنيا"أنا عطشى..."(2) وأعراف القبيلة التي تشكّل قيمها لا يجرؤ أحدٌ على التمرّد عليها ،فـ" عند أوّل واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهن اللواتي رأوا في عيوهنّ واحات عطشى،وعندما وصلوا إلى مضاربهم،وأدوا طفلاتهم الصغيرات خوفاً من أن يضعفن يوماً أمام عطشهنّ،وفي المساء شهد رجال القبيلة بكائية حزينة،فقد كانوا هم الآخرون عطشى "(3)للحبّ.
وفي قصة" النافذة العاشقة" نعيش مع قيمة الحب والتغيير،فتنقلنا القاصة من المظهر"بيت جديد" أحد طموحاتها زوج وأبناء،هم جميعا قد يكونون آمال عادية مثلها،لم تكن تريد أكثر من ذلك سيدة مطبخ،حاولت وهي تقضي فيه جل وقتها تزينه،حتى كان التغيير بطلة الشاب الوسيم الذي" يصغرها بعقد من الزمن،ويكبرها بعقود من الحيوية والسعادة والأمنيات والطيش"(4) ومن يعيش قانعاً قابعاً في روتينه المألوف،يكره كلّ وافد جديد،ولما كان الوافد الجديد ملحاحاً،لاقى ترحاباً بعد لأي،وحبّب إليها المكان( المطبخ)،وحبّب إليها نفسها،فغير من شكلها الخارجي والداخلي( الأمنيات والأحلام) حتى بعد أن هجر (الأسمر) الحديقة ظلت تحلم به،و"بقيت تشتمّ أريجه الذي تحمله الريح من النافذة،كانت تسمع كلماته التي لم تقلها،تستمع بمخاصرته في رقصة لم تحدث،تخجل من قبله الحار التي لم تذقها،كانت سعيدة سعيدة سعيدة جداً...هكذا كانت تصف نفسها التي كانت تعجب منها عندما تتكوم بلا حيلة على بلاط المطبخ إلى أسفل نافذتها العاشقة،وتنتحب بحرقة"(5).
وفي قصة "رسالة إلى الإله" قيمة الحبّ في نسيج أسطورة لم تحدث،ولكن الإله زيوس الذي لم يكن معنياً بالحبّ تذكر سيلاً ممن عشق من نساء وإلهات،ولكنّه مازال يحلم بلحظة حب"في لحظات قدّرها البشر بالآف السنين من صمت الإله زيوس،واحتجابه دونهم...تمنّى لو كان له هو الآخر إله؛ليرسل إليه رسالة يتضرّع فيها كي يذيقه العشق الحقيقي،ولو لمرة واحدة في الحياة"(6)
وفي قصة " الفزاعة" تتجلّى قيمة الحبّ حتى تنبعث في جماد ومن جماد،فالفزاعة التي أُئتمنت على حقل الفراولة هزّها الحبّ " ثم استجاب إلى وجيب قلبه،ترجّل من مكانه،وقطع الحقل الصغيرداس ماوُكّل بحراسته لشدّة انفعاله بما رأى من خصومة من انتظرت وأحبت ،"داس دون أن يقصد بعض حبات الفراولة الحمراء،لم يقرع الباب،فتحه دون انتظار،ودخل على الكوخ..."(7)
وفي "سبيل الحوريات" تبرز قيمه الارتباط بالتراث أيما ارتباط،نراها تنزع إلى معلم من معالم حاضرة الأردن لتدير حوله قيمة تراثية كان لها امتداد عبر حقب زمنية متعاقبة.
وفي " تيتا" نجد قصة حبّ تتجلّى فيها قيمة الحبّالذي لا يعرف حدود الجنس واللون والمعتقد،بل يسخّر مُعتقد من يحب لتحقيق مأربه " قالت له بتعثلم وبشجاعة مزعومة:هاقد جئت إذن،هل أقرأ لك كفك؟قال:بل جئت لأخطفك ياساحرتي الجميلة. وخطفها، تنهد شوقت ورغبة،كان مجنونا مسحوراً،وخمّن أنّه لن يُشفى أبداً(8)".
وفي " الرصد" قيمة الحبّ الذي يجرّ صاحبه إلى الفناء من خلال عدم الامتثال للمطلوب منه،ومخالفة شريكه.
وفي قصة" امرأة استثنائية" نجد قيمة الحبّ الذي لا يعرف قميئاً أو رجلاً جذاباً وسيماً،أو فتاة حلوة رشيقة؛هل المرأة الاستثنائية هي صانعة حبّ من نوع ما؟
وفي قصة "قطار منتصف الليل" هي تخشى الحبّ،وإن كانت تتمناه" ويلتقيان،ويطوقها وباقتها بذراعه القوي،ويجذبها نحو جسده،وينطلقان سيراً على الأقدام إلى أقرب مطعم في المدينة،وهدوء الليل يردد ضحكاتها...من جديد تتعالى ضحكاتهما،وإن طغى عليها صوت قطار منتصف الليل الذي غادر المحطة في رحلة جديدة".(9)
وفي قصة " قلب لكلّ الأجساد" قيمة الحب وقيمة السقوط،تتنازعها قلوب كسيرة تستكين بسهولة للانهزامات والأحزان " فهو لا يؤمن بالعذرية،ولا يفصل الحب عن الجسد،وغابت الفتاة المتدينة،وآمنت به،وكفرت بنفسها،وفي النهاية هرب نحو فراش أخرى،وبحثت عنه في أجساد رجال كثر"(10) "ولما عاد،وقال لها:" أحبك،لنبدأ من جديد،هل أنتظرك هذه الليلة؟ تقول له نبرة مزدرية لم تعرف أنهّا تملكها: كم ستدفع؟!!" (11)
وفي قصة " احك لي حكاية" قيمة الحبّ،وفارق السّن،تذكر بلوليتا الفتاة الوردة والمعشوق الجاف بعد ذبول،وسنوات العمر تمضي بجسد بلا روح،وعندما التقت الروح،هل تستقر الروح في الجسد؟
وفي قصة " بئر الأرواح" قيمة الحبّ فيمن ذاق الحبّ؛لا يستطيع أن يفجع محباً في حبه" وبعد أن رفض البئر أن يعطيها روح زوجها قالت:" أيتها الروح،ياروح زوجي الحبيب،لك جسدي موئلاً،ادخلي فيه،ياروح،أنا في انتظارك؛جسدي سيكون موئلاً مقدساً لخلجاتك،جسد واحد يكفي لروحين عاشقين،ياروح حبيبي،اعصي هذه البئر الفاحشة،واستجيبي لمن يحبّك... وعادت تحمل روحين عاشقين كلتيهما قد قهرتا جبروت البئر الغاشمة"(12)
وفي قصة " قطته العاشقة" قيمة الحب الدفين " يا الله كم احتاج إلى أن أخبرها
ولو لمرة واحدة بمبلغ ولو لمرة واحدة بمبلغ عشقي!!! ما أبشع أم يرحل من قطعنا العمر في انتظارهم دون أن نقول لهم إنّنا نحبهم الذين يملكون أن ينيروا حياتنا سعادة"(13)،في الطريق توقف لعشرات المرات،حدّق في كلّ الوجوه والمناظر،وأدرك أنّ من نبحث عنهم هم دائماً أمامنا،وأنّ الحياة يصبح لها طعم آخر عندما نتوقف عند جزئياتها،ولو كان ذلك التوقف عند مواء قطة"(14)
وفي قصة "زاجر المطر" قيمة المعاناة والبحث عن الحبّ الذي يقود صاحبه إلى الموت بعد وهم الحبّ المتخيل.
وفي قصة " الجسد" حبّ إعلاء الشأن " كم تمنى أن تحظى الأجساد الملعونة بنفسها بشيء من الاحترام!!! وأن تُصان كينونتها،ويُعلى من شأن وجودها،وحتى ذلك الحين سيعيش في حنين موصول إلى الجسد الذي لم يقابله بعد" (15).
ولغة السّرد القصصي في المجموعة لغة شاعرية،تمثّل رقة العواطف،وتدفّق الأحاسيس،وأنسنة الجمادات كما أسلفتُ،فبعضها يقترب من قصص الأطفال،بساطة لغة،وتناول قريب،وأنسنة الجمادات كما هي في قصص "الفزاعة"،و"الرصد"و"بئر الأرواح" والحيوانات كما في قصة" قطته العاشقة"،وصياغة أسطورة ممزوجة من الأسطورة ولاسيما الأسماء،وخيال القاصة المبدع من ملامسة جوانب العصر،لتبقى " العيون العطشى هي فقط من ترى آثار قافلة العطش على رمال الحرمان"(16).

(1) سناء شعلان:قافلة العطش،ط1، دار الوراق،عمان،2006،ص.13
(2) ص.ص:12-13.
(3) ص13
(4) ص16
(5) 18
(6) 23
(7)30
(8)43
(9)60
(10) 75
(11)77
(12)92-93
(13)102
(14)103
(15)124
(16) الغلاف الخلفي للمجموعة القصصية.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:29 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

إنكسارات الأنثى في قصص قافلة العطش*

سمير الشريف

محارة ألذات فضاء تهيم فيه أنثى "قافلة العطش" بحزنها الشفيف الجميل المعجون بوهج الانتظار وقلق الخوف على عمر يذوب بنيران الوجد وحصار العزلة .
قلق الجمر الذي يحرقنا ألما ،أملا وعذابا يلبس الانتظار ويجذر الوحدة ويمعن في رحيل الاغتراب خلف سراب يلمع فوق كثبان صحراء الجسد وإعادة الروح للجثة الباردة ،إنه الانطفاء الذي يموسق شظايا روحها التي تناثرت في البعيد ، والالتياع الذي ينخر عظام الأمل للخروج من سجن الجسد وإسمنت جدران القهر.
أنثى تنبت الغربة في صحاريها ، لا تملك غير متابعة الشباك ،تنسج الأيام حولها أطياف قلق ،تقضي الليل حالمة ، وفي الهزيع الأخير تتعاطى الشعر حلما بشط أمان وصدر دافيء في بيداء عمر صدئت عقارب ساعته ،وغربة فرّخت عتمة وجفاف صدر غادرته قطرات الندى.
رفعت راية البوح ، بحثا عن مستحيل اللاجدوى، ومرور الزمن يكبّر الحيرة ويحوّل الأمل نعشا كثير الفضاءات .
أعياها السهر وأقضّت مضجعها الوحدة التي يحملها سواد الليل وزحفْ الثواني ليس فيها غير تكات ساعة تنعى رحيل العمر.
متقلبة بين جمار صيف القهر وزمهرير شتاء الوعد وصافرة قطار ودّع محطته بلا عودة.
هل منكم من تذوق جمر الوجد ومسه جنون التوحد وصقيع اللاجدوى؟
هل منكم من قضى سني عمره محلقا في فضاءات تعب، وأمل بلحظات يأوي فيها لحضن الهدوء وطمأنينة الفرح؟
تخرج من سجن الجسد ،تبتعد عمن يحاصرها،تحترق في أتون الحياة ، تعاقر الحلم ، تهفو لروح رفرفت يوما على أيامها حين يشتد لفح الوجد وتعصف رياح الوحدة فتتمنى أن ترتمي على ورود صدره دونما انتباه لكل الحواجز .
هل يأت أم يظل أمنية تمنحها لذة الدفء الكاذب؟
لماذا لا يعود من خلف جدران الوهم ، يتلو الأشواق ويحملها إلى البعيد؟
تهرب إلى الكتابة ،تحّول الأوراق غيما وبساطا من حرير،ذبل الجسد ، الريح تدق بوابات العمر، تناديه : القصيدة أنت ، ومن أرتجي البوح للبحر في عينيه.
هل الكتابة حالة تقلّب على المبدع مواجعه أم عذابات النفس في حالة بحثها الدائم عن مرفأ ترسو إليه؟
إنها لعبة الجدل الرائع بين ألذات والموضوع ، أوليس معظم الألم من مستصغر الأمل؟
لماذا الأرواح الحزينة من يعطي الناس الفرح؟
لماذا يتلهى الخلق بأحزانهم و يمطر كل بطريقته؟
...كم هم عطشى اؤلئك الذين لا يعرفون أنهم عطشى .. ؟ العيون العطشى فقط من ترى آثار قافلة العطش على رمال الحرمان...
هاتان جملتان لا يمكن العبور لنصوص "قافلة العطش" دون إعتمادهما مفاتيح لمجمل الفضاء السردي ،حيث تكرر العطش إحدى وعشرين مرة والصحراء أربع مرات غير مشتقات (الحرمان والانتظار والرغبة وأتمنى وأحلم) .
من خلال قصصها التي انتشرت على فضاء ستة عشر نصا ، تقتحم هدوؤك لغة شعرية وتستوقفك البطولة الرئيسة للزمن ، ووقفة الساردة بكل تجليات الأنثى أمام ذاتها ،ترصد علاقة الإنسان –مطلق الإنسان بواقعه ،تستجلي مظاهر استلاب الأنثى على تنوعها بكلمات ترسم ظلال معانيها بدقة .
تستوقفك نصوص "قافلة العطش" لاعتبارات كثيرة في المقدمة منها الإحساس الآسر المغمس بالقلق العميق ،ناهيك عن جرأة في كشف جراح الأنثى بمعالجات عاطفية ،طارحة الحب كخلاص أول وأخير.
تمتطي "سناء شعلان"جواد الدهشة ،تمطر هجيرنا بندى قطرها ،تغوص في كيمياء الإنسان فتتفوق في تدفقها وإنزياحاتها الجميلة ، مؤكدة أن الكتابة نافذة مشرعة بحجم الحلم وأن القدرة على الإبداع لا تعني إلا القدرة على العطاء.
تتأرجح شخصيات "قافلة العطش"بين المعقول والفنتازي ،بين ضرورات الجسد وأشواق الروح وخفايا اللاشعور ، بسرد مخاتل يشارف حدود النص المفتوح الذي يندغم فيه الوهم بالحلم بالحقيقة !!
انطلاقا من الإيمان بالحب خلاصا وجوديا للإنسان ، تعلي نصوص "قافلة العطش" من أهمية هذا الجانب مقيمة على وجوده عالما من النقاء وحالة من التوازن والتوافق والتكيف والإحساس بالذات وقيمة الوجود وتناغم المخلوق البشري مع ما يحيط به.
أنثى "قافلة العطش" تعلن عن جوعها للحب وظمأها وضياعها النفسي وتلاشيها ككيان بشري بسبب هذا الفقد.... أريد حبا واحدا يملأ ذاتي ، يهصر أشواقي ،يسكن ما بيني وبين جسدي ،حبا يقتلعني من أحزان جسدي ووحدة ساعاتي ، حبا قويا جبارا لا يعرف الألم ، يمسك بتلابيب الروح ويخلق حشرجات دامية في النفس...ص21، لهذا ترى أنثى المجموعة ضرورة وأهمية توفر الحب حتى للجماد ،وها هي تؤنسن فزاعة الحقل ،تبث فيها الحياة فتجعل منها أنثى يعتمرها فقد الحبيب ، تعيش لحظاتها أملا يدق نافذة روحها يوما .
على اختلاف وعيها وتنوع تجربتها ،تظل أسيرة الانتظار ، يقتلعها عطش جارف لنصفها الضائع ووحدتها النفسية وكينونة وجودها، لتظل في حالة حنين جارف للحظة عشق.
لا غرابة أن يأتي سرد النصوص أسيان،معجون بالحرقة مغمس بألم الفقد ، تناجي الأنثى الإله كي يهبها حبا واحدا فقط ، ليظل السؤال الموجع مشرعا على فضاء التمني ، ولماذا هي مسجونة في جسد الأنثى البغيض،تسعى للتحرر ،تتمنى لحظة حب، رجلا يحبها دون نساء الأرض ،لتتحرر من عبوديتها وأسرها لشيء غامض يسمى زوجا،يفتض جمال واحتها ، يفترشها ، يطاردها فرسا برية لا ُتدرك ، لنلاحظ عمق الشعور بالفقد ومنسوب الجرأة المرتفع عند ملامسة المفردة المباشرة حد الكشف لحاجة الأنثى للرجل"قالت بتعب مهر ركض حتى آخر الدنيا : أنا عطشى".
نقف على آثار نظرة الحب في عيون امرأة خبرت معنى لذة الانتظار واحترقت بجمرها ،امرأة متزوجة وأم لأطفال تمثل للزوج احد مقتنياته ، وهناك على الضفة الأخرى من القلب من يطل من نافذة العشق ، قلبَ كيانها ،حدّثت عنه الصديقات بلذة مدفونة في غياهب الروح ، شكته لعينيه الناعستين ولسنواتها القاحلة ، وإن ظلت تهمس في سرها " النوافذ تعشق الانتظار" .
عاشت في صراع :هل تغلق النافذة ؟هل تئد الانتظار؟ خرجت من الصراع منتصرة لمشاعرها ، لتغدو من جديد ، المرأة التي افتقدتها منذ زمن بعيد ،عادت تسمع لهاث رجل في أذنيها ، عاد جسدها يسترد بعض رشاقته ، تسمع إيقاعه، قررت أن تشتري الملابس الأنيقة ، تعطرت ،سّرحت شعرها ،صبغت أظافرها ،عاد لها رونق عينيها ونداوة بشرتها ،عادت لها ذاتها وفي كل ظهيرة تشرب قهوتها مع فتى النافذة ،وكم تمنت لو تقترب اللحظات وتتجاوز الأرض حد الالتصاق لتقطع أمتارا قريبة تفصلها عن حديقة جارها الوسيم.
امرأة صدقت مع نفسها ، لا تخفي ما تحس به حتى لو تجاوزت خطوط الجرأة،اقترب منها ،ضمها ،هذا ما انتظرت وتأملت وتخيلت،هذا الجسد ينتظرك من تسعة أعوام ،حتى ذلك الزوج لم يستطع احتلال هذا الجسد....لقد كنتُ في كل ليلة لكَ ومعك ،كل ليلة تركتُ الباب مفتوحا ليدخل طيفك الساحر ليضمني بجنون.....أنا امرأة طليقة تنتظرك أنت تحديدا ،أللعنة، أنت لا تعرف شك وحيرة وصبر امرأة تنتظر رجلا من ألف عام....هل سأموت ؟ ليس الآن،وقبل الوصول إلى حضنك. ص83.
برغم ما يعكسه النص من وضوح وإيغال في الجرأة،إلا انه يعكس تمزق الأنثى بين الزوج الشيء والحبيب الأمل .
في المساء ،تدلف لفراش آخر ترك صاحبه الباب مفتوحا ، يصفها الرجال بالتفاعل والاستكانة اللذيذة والشهوة العارمة ولهذا يعشقونها ،أما هي فتجد من تحب في جسد كل رجل ، تغمض عينيها، ترهف حواسها وتحلق في سماء لامعة ثم تسقط ليتلقفها حضن من أحبت باشتهاء، تتفرس ملامحها في مرآتها لعلها تجد بصمة رجل على وجهها تشبه بصمة فارسها .ص77.
الأنثى التي يحرقها فقد الاستكانة لروح رجل يملأ عليها حياتها ويعيد توازنها ،غير متصالحة مع زمنها وذاتها ،تتأرجح في مواقفها، تتقلب في فراشها،تبتسم بسخط وبلا معنى وهي ترقب عقارب ساعة المنبه تقترب من الثامنة صباحا،لأول مرة تحس بأن هذه العقارب تربطها بدولاب زمن جهنمي لا يفتأ يغطها كل لحظة في مرجل عذاب سخط وذكريات مرة.
ليس غريبا على من فقد الحب أن يهرب بحثا عن التوازن النفسي في الفنتازيا والغرائبية والأسطرة أملا بوجود أنيس أو بصيص نور، ولو تمثل في طيف امرأة دمية ، وبث الحياة والشعور في جماد ليجعل منه يطلا وشخصية من دم لحم ،كما البنطال في قصة"الجسد" أو التمثال في قصة"امرأة استثنائية" أو الرصد والكنز في قصة"الرصد".
بالتوظيف المتقن لضمائر السرد التي استخدمتها القاصة بنجاح ، وبالحب كمعادل وجودي، يتغير الرجل في نظر المرأة وتتغير المرأة داخل إحساس الرجل،هو لم يكن رجلا تجذبه امرأة ، كان نفسا تتذوق نفسا، أما هو فقد رأى في عينيها حديث طويل، امرأة لم يتسعها العقل فهربت إلى الجنون.
من حق المرأة أن تعيش سعادة قلبها، تنتظر من يخطفها ويقيدها في قلعة ، يجبرها على حبه، فهل تخشى الحب رغم أنها تتمناه ؟
حالة الوجد التي تتلبس الأنثى وضياعها بفقد نصفها الآخر أوصلتها لحالة من هذيان التمني أن تجده مندسا في فراشها، ولعذابها بالبعد عنه وتنائيه عنها،تبحث عن مخرج لأنوثتها المأسورة في قفص تمنياتها ورغباتها الدفينة، لذلك لا تنفك باحثة عن وسائل تعلن بها عن أنوثتها وكم تمنت لو أن حفلة تقام لهذا الغرض علها تجد فارسها الذي يطفئ بها صهيل خيوله البرية.
اشتعالات الروح،البوح الدفيء الاختزال الجميل لأوجاعنا، ضمير الأنا العذب الذي ينعش فينا حميميته الخاصة ، حضور الشخصي والغرائبي ، تراجيديا الحياة والوجود، الصدق التعبيري، خصوصية التجربة ، قابليات التلقي ، الدهشة الجاذبة ، كل ذلك مس الجوهري فينا وجعلنا ندرك أننا مهما تسقطنا آهات الآخر ورصدنا أوجاعة وأسطرنا غير الممكن وغُصنا داخل نبض الإحساس فيمن حولنا،إلا أننا في النهاية لا نكتب إلا جرحنا، ولا نبحث إلا عما يروي عطشنا، لتظل الكتابة فينا وجع الحاضر وجمر الماضي واحتراق المستحيل شوقا لوجه أحببناه وظل يختفي داخلنا وإعادة لمزيد من الأسئلة التي تسكننا.
____________________________________________* سناء شعلان : قافلة العطش، ط1، بدعم من امانة عمان الكبرى، دار الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2006.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:33 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




القصة النسوية / سناء الشعلان
وقصة قافلة العطش



جامعة اليرموك
كلية الآداب
قسم اللغة العربية وآدابها

قدمت هذه الورقة ضمن مساق الدكتوراة :
دراسات في فن أو أكثر من فنون النثر الحديث
الفصل الدراسي الأول من العام الجامعي 2012/2013م
إعداد: أريج عيسى تليلان السليم
مقدم للأستاذ للدكتور: نبيل حداد


** دراسة لقصة ( قافلة العطش) :
تنفتح قصة "قافلة العطش" على مجموعة من المعطيات الفكرية والحضارية والاجتماعية لمجتمعنا العربي؛ فهو نص على قدرعالٍ من المرونة، يتعاطاه المتلقي من أي زاوية يشاء. فالقاصة ابنة هذه البيئة التي أجحفت حقوق المرأة عقودا من الزمن، ثم ظهرت تلك الأصوات المنددة على محدوديتها بهذا الظلم، والساعية لأن تعيد للمرأة ما سُلب منها بقصد أو بغير قصد. لتكون هذه القصة واحدة من تلك الصرخات المتشوقة لإعطاء المرأة قيمتها الحقيقية في عالمنا العربي.
*ملخص أحداث القصة:
تعرض قصة من الصحراء،تقوم فيها إحدى القبائل الغازية بهزيمة قبيلة أخرى وتأسر نساءها.ليقع بعد ذلك زعيم القبيلة المنتصرة في عشق إحدى الأسيرات،والتي تبدو أنها أبنة زعيم القبيلة،ليرفض بعد ذلك عرض القبيلة المهزومة بفداء النساء بالمال، بل وإكراما لتلك الفتاة التي عشقها أنعم عليهن بالحرية، وقدَّم للقبيلة الطعام والشراب. لتصل القصة إلى ذروتها عندما ترفض تلك الفتاة الجميلة المختلفة المعشوقة أن تنفك من آسرها،وتفضل البقاء معه على الرجوع مع قبيلتها لتأتي بذلك ببدعة ما سمعت بها العرب من قبل، متحدية بذلك كل الصعوبات والعقبات التي واجهتها لتحقيق حريتها الأنثوية.ثم صورت القاصة تلك القافلة التي عادت محملة بالعار كما تعتقد،بسبب فتاتها الجميلة التي آثرت حريتها وإيجاد ذاتها على العودة لما كانت عليه مع القبيلة.كما تصور رجال القبيلة أثناء عودتهم وقد قاموا بقتل نسائهم لما شاهدوه في عيونهن من عطش،وقاموا أيضا بوأد البنات الصغيرات خوفا من أن يجلبن العار عندما يكبرن ويكررن فعل البطلة في النص.

*الثيمة الأساسية التي قامت عليها القصة:
القصة تقوم في بنيتها الأساسية على تيارين فكريين متضادين:
- تيار مساند وداعم للمرأة في مطالبها المشروعة، وهو من يسعى لتخليصها من بعض المعتقدات والأفكار السلبية التي تعيدها للوراء أدراجا بائدة عتيقة.ـــــــــــــــ ويمثل هذا التيار (البدوي الأسمر).
- وتيار مندد بكل المساعي الجادة لتخليص المرأة من قسوة الأعراف والتقاليد السائدة، والمعوق لأي تطور يسعى للنهوض بالمرأة أينما كانت.ــــــــــــــــــ ويمثل هذا الاتجاه رجال قافلة العطش.
حيث تسهم هذه البنية في الكشف عن المغزى الذي ترمي القاصة لإبرازه..
*دلالـــــة العنوان (قافلة العطش) :
يعد العنوان ركنا أساسيا في العمل الأدبي، ذلك أنه يشكل المفتاح الإجرائي الذي تتجمع فيه الأنساق المكونة للعمل الإبداعي، التي تصب في البؤرة ذات الحالة التكثيفية لمجريات الحدث داخل البنية النصية، ومن خلال هذه البؤرة تتشظى رؤى القارئ التي يكشف من خلالها عن جمالية الترابط بين عنوان العمل الأدبي وبين تلاحق الأنساق في الأحداث المتبلورة في بؤرة العمل".(1)
هذا بالإضافة إلى كون العنوان يكشف للمتلقي عن تلك المعطيات الثقافية والاجتماعية والفكرية والنفسية التي قامت عليها بنية القصة أساسا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- فضاءات التخييل مقاربات في التشكيل والرؤى والدلالة، ص15.
فالقافلة كما عُرف عنها أنَّ أهم ما تحمله في الصحراء هو"الماء"، ثم تظهر المفارقة للمتلقي عند إضافة كلمة العطش للقافلة.ليتسأل القارئ: ما الذي أرادته القاصة بهذه المفارقة؟، فالأكيد أنها عمدت إليها،ولم تأتي عفو الخاطر، وقصدت من ورائها إلى الكثير.ليتبين للباحثة مباشرة أن هذه القصة تقوم في بنيتها الأساسية على فكرين متضادين، وهذه الفكرة سيطرت على القصة من عنوانها حتى خاتمتها، ليتم بذلك التئام بؤرها النصية كاملة.
فهي قافلة من الأماني والأحلام والطموحات والآمال التي تسكن ركاب القافلة بشكل عام والنساء بشكل خاص، لكنهم لا يحصلون عليها ولا يحققونها بسبب الممنوع والعيب الذي يجعلهم في عطش دائم. " ورحلت قافلة العطش، كانت قافلة عطشى إلى الحب، ومطعونة في كرامتها على يدي مهرتها الجميلة........ شعرت القافلة بأنها محملة دون إرادتها بالعطش، العطش إلى الحب والعشق، لكن أحدا لم يجرؤ على أن يصرح بعطشه"(1).
*دلالة "العطـــــش" التي تشكل دلالة المغزى :
هو توق المرأة وتعطشها لمجموعة حقوقها وطموحاتها وآمالها المسلوبة من مجتمع لم يعرف في المرأة إلا كونها أداة لتفريغ عواطف الرجل وأداة للإنجاب، ولم يعرفها على أنها نصف المجتمع وهي من تنجب نصفه الآخر. لنصل بذلك إلى أن حاجة المرأة لحقوقها التي تعد قوام حياتها وأساس وجودها، هو كحاجة الإنسان الظمآن للماء، الذي يعد عصب الحياة بالنسبة للبشرية كافة. فالقصة نقد واقعي اجتماعي فكري لأسلوب التعامل مع حقوق المرأة في عالمنا العربي.

**البؤر الترميزية في القصة :
- البدوي الأسمر من وجهة نظر التيار السلبي هو الآسر الذي سلب النساء حريتهن وكرامتهن.
لكنه من وجهة نظر النساء الجادات في التغيير، هو المحرر والمخلص، ويتمثل لهن بتلك القشة التي يتعلق بها الغريق ليصل إلى برِّ الأمان.
- النساء اللواتي صعدن القافلة العطشى التي جاءت لافتدائهن كما يعتقدن؛هنَّ النساء اللواتي يرفضن كل ما من شأنه رسم صورة جديدة للمرأة، ويفضلن البقاء والعودة لما كنَّ عليه خوفا من القادم المجهول. فهن يمثلن التيار النسوي القابع خلف أسوار الخوف والجهل وقلة الحيلة.
- المرأة الجميلة المعشوقة التي فضلت البقاء مع آسرها، هي المعادل الرمزي للتيار النسوي المطالب بحقوقه، والساعي لخلق واقع جديد للمرأة العربية بكل ما فيه، ذلك التيار الذي يمثل المرأة في أجمل حللها؛ فهي الجامحة والجميلة والرافضة والآسرة في الوقت ذاته. حيث شكلت هذه المتناقضات للمرأة وجودا فعالا ومغايرا عما كانت عليه في مجتمع لم يعرف للمرأة إلا صورة واحدة،لم تخرج بأبعادها المختلفة عن أفق توقع التيار السلبي.
- والملاحظ في هذه القصة تغليب القاصة لقيم الفرد مقابل قيم الجماعة؛ فالبدوي الأسمر (الآسر) يمثل تيارا مناقضا لمجموعة الرجال الذين جاؤوا لاستعادة النساء. والمرأة الجميلة (المأسورة) تمثل تيارا مناقضا لمجموعة النساء اللواتي صعدن القافلة العطشى للعودة إلى ما كن عليه سابقا. وإن دلَّ ذلك على شيء فهو يدل على أننا كمجتمع عربي لا زلنا في بداية الطريق الذي يتقبل رسم صورة أو واقع جديد للمرأة العربية. فالواحد الإيجابي مقابل المجموع السلبي يدل على أن الغالبية العظمى لا تزال رافضة وغير قادرة تماما على استيعاب متطلبات التغيير كاملة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)-الشعلان، سناء ،مجموعة قافلة العطش القصصية ، دار الوراق للنشر والتوزيع/الأردن، ط1، 2006م، ص13.


أولاً: الشخصيات:
أ‌- الشخصيات الرئيسية: تدور أحداث القصة حول شخصيتين محوريتين هما :البدوي الأسمر والفتاة الجميلة المأسورة.
- البدوي الأسمر: شخصية قوية شجاعة،قادرة على الدفاع عن أفكارها، ترى في الجديد القادم مستقبلا أفضل، ترفض ظلم المرأة وكبت حريتها. وقد مثلت هذه الشخصية التيار الذكوري المساند للمرأة ، والذي تبنى فكرة الدفاع عنها ورد اعتبارها ،وهذا التيار من تفضله المرأة.
- الفتاة الجميلة: شخصية محورية متمردة على واقع المرأة المعيش في الوطن العربي، رافضة له، جامحة، وطامحة لتحقيق الأفضل في عالمها الأنثوي الذي سُلب منه الكثير منذُ الأزل، دفعت الأحداث لتنمو نحو اللامتوقع الغرائبي ،فسعت لفرض واقع جديد يحمل بين طياته رؤية أفضل ونظرة أعمق، قوامها تكاملية الرجل والمرأة في مجتمعاتنا العربية.
ب‌- الشخصيات الثانوية:
- شيخ القبيلة: شخصية ثابتة في أفكارها ومعتقداتها، لا تميل إلى التغيير والتجديد. تفضل أن تقبع تحت ظل التقاليد والأعراف القاسية المجحفة، ترفض إعطاء المرأة أي قيمة أو اعتبار. ينظر إلى المرأة على أنها مسلوبة الإرادة وأن أمرها بيد الرجل دائما، ليفاجئ في لحظة، من تلك المرأة (ابنته) التي كسرت أفق توقعه وقبيلته،بإصرارها على اعتلاء قمة الحرية الأنثوية الإنسانية، وتكوين ذاتها وعالمها.
- رجال القبيلة: هم من يمثلون النظرة الجاهلية للمرأة، بوأدهم لطفلاتهم الصغيرات أثناء عودة القافلة؛ في إشارة إلى قتل تلك الأماني والآمال قبل إيناعها.
- الطفلات الصغيرات: شخصيات ثابتة مظلومة، لا ذنب لها إلا أنها إناث ستكبر يوما وتحلم بامتلاك عالمها المسلوب.
ثانيا: المكان :
اختارت القاصة الصحراء في هذه القصة مكانا لدوران الأحداث، حيث لا يكون اختيار المكان عشوائيا أو عبثيا، بل لاختيار مكان بعينه دلالة عميقة تدخل في بنية النص القصصي. فالصحراء مكان الحرمان والضياع والسلب، إذ لا قيمة للمرأة في هذا المحيط.
ويأتي اختيار القاصة لهذا المكان بشكل متعمد ومنسجم مع ما ترمي إليه القصة لسببين؛ يتمثل السبب الأول من كون الصحراء قاسية جافة تشبه في ذلك قساوة الأعراف والتقاليد العربية، وإجحافها لحقوق المرأة. أما السبب الثاني يتمثل في كون الصحراء الموطن الأصلي للعرب، وكأن القاصة أرادت أن تقول: أن هذه هي نظرة العرب للمرأة منذ الأزل. فلا زال العرب يتمسكون بتقاليدهم التي اكتسبوها منذ أيام القبيلة.
ثالثا: الـــزمـــن :
الزمن في قافلة العطش مختزل في ذلك اليوم الذي قدمت به القافلة العطشى لاسترداد أسيراتها، وما تخلل ذلك اليوم من مفاجآت على الصعيدين: الفكري والحضاري لرجال القبيلة، لينتهي بالبكائية الحزينة التي أنشدها رجال القبيلة العطشى في مساء ذلك اليوم. والزمن بشكل عام في القصة يحيلنا إلى زمن الجاهلية، حيث وأد البنات الذي صار "طقسا قاسيا من طقوسها الدامية"(1)، ليتحد بذلك الزمن مع الثيمة الأساسية؛ حيث يشير هذا الزمن إلى انعدام قيمة المرأة فيه، وإلى تلك المعاملة المجحفة التي تلقتها منذ القدم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- قافلة العطش ، ص13.

رابعا: الحوار :
كشف الحوار عن طبيعة الموقف الفكري لكل شخصية في القصة؛ فالحوار الذي دار بين زعيم القبيلة والشاب البدوي الأسمر، يكشف عن الضدية الفكرية القائم عليها موقف كل منهما. كما كشف الحوار بين البدوي الأسمر والجميلة عن طبيعة الموقف والتيار المعرفي الذي تفضله المرأة. ليتحد بهذا الحوار مع الثيمة الأساسية للقصة، ويبرزها بطريقة أوضح، ليستطيع بعدها إقناع المتلقي.

خامسا: الراوي :
يبدو بشكل واضح أن القاصة هنا تتقمص دور الراوي العليم بالأحداث من بدايتها إلى نهايتها ، والساردة في القصة كشفت عن انحيازها لقيم الفرد مقابل الجماعة، ليظهر من بداية القصة أنها تدين القبيلة وترفض مفاهيمها واعتقاداتها. " فالسارد داخل النص يكشف عن انحيازه لقيم الفرد في مواجهة قيم القبيلة باستخدام ما يمكن أن نسميه المتن والحاشية، فالمتن يتمثل في توصيف الحدث الأساس بالقصة.... والحاشية تتمثل في تدخل الساردة بالتعليق الذي لا يخلو من دلالات واضحة، فالساردة من البداية تستهل القصة بتعليق يبين إدانتها المسبقة للقبيلة"(1) فتقول: " كانوا قافلة قد لوحتها الشمس، وأضنتها المهمة، واستفزها العطش، جاءوا يدثرون الرمال وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم"(2).

سادسا: الحبكة :
ظهرت الحبكة جلية واضحة عند رفض الفتاة العودة مع أهلها وقبيلتها وتفضيلها الآسر عليهم، لتكسر بذلك أفق توقع والدها وقبيلتها والقارئ. إلا أن الحبكة بهذا الشكل أعطت للقصة جماليتها، فلو عادت الفتاة مع الأهل والعشيرة، لكان الأمر طبيعيا مألوفا، ولما خرجت عن إطار القصة العادية.
سابعا: اللغة والأسلوب:
امتازت لغة القاصة هنا باستخدامها للغة العربية الفصيحة، الخالية من العامية. بالإضافة لقدرة التعابير المستخدمة على حمل ما تعنيه الرموز من دلائل دون الانزلاق إلى المعنى المباشر، فهي لغة مختزلة مكثفة شعرية؛ حملت مجموعة من الصور الفنية التي تخدم الهدف. كما نلاحظ توظيف القاصة للموروث العربي، عندما تحدثت عن وأد البنات، هذا التوظيف الذي أعطى بعدا جماليا ودلاليا ومعرفيا للنص.
فقد " التزمت القاصة باللغة العربية الفصيحة والأدبية المنقية من العامية، التي امتزجت باللغة الشعرية، مما مكنها من معالجة النصوص بطريقة سردية حافظت على المظهر الأدبي، حتى تتجنب السقوط في حفرة الحكاية".(3)
أما من ناحية الأسلوب، فنلاحظ المد السردي مقابل التقليص الحواري، وتحيلنا هذه الملاحظة إلى وجود خلل في العلاقات الإنسانية في هذا المكان/الصحراء. فتقليص الحوار يشير إلى عدم القدرة على التواصل بين الجنسين، حيث يفرض الذكر ما يراه مناسبا من جانبه، بينما على الأنثى أن تنفذ ما يمليه عليها دون نقاش . وقد خدمت هذه التقنية الأسلوبية أيضا الهدف الأساس للقصة.فالقاصة تسقط القمع والسلب والحرمان على الأسلوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- فضاءات التخييل ، رأي أحمد طوسون في بحثه الموسوم بـ(استلاب الذات وقهر العشيرة/قراءة في مجموعة قافلة العطش)، ص243.
(2)- قافلة العطش ، ص9.
(3)- فضاءات التخييل، ص 69.


**قائمة المصادر والمراجع:
- المصادر:

1- الشعلان ،سناء ،مجموعة قافلة العطش القصصية ، دار الوراق للنشر والتوزيع/الأردن، ط1، 2006م.

- المراجع:
1- خضر، محمد غنام ،ومجموعة من النقاد ، فضاءات التخييل مقاربات في التشكيل والرؤى والدلالة في إبداع سناء الشعلان ، دار الوراق/الأردن ،ط1، 2012م.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:34 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

*النافذة العاشقة ايقاظ لأنوثة نائمة
محسن حسين عناد
الحياة بمشاكلها وبما تطرحه من قضايا واحداث هي المصدر الرئيس لكل فعالية ادبية سواء أكانت الفعالية فردية ام اجتماعية. فكلما كانت الفعالية قادرة على التعبير وبأسلوب فني جميل كانت قدرتها على التألق والبقاء اقوى واشمل.
فالمجموعة القصصية (قافلة العطش) للكاتبة الاردنية الدكتورة سناء شعلان اشتملت على ست عشرة قصة توزعت احداثها على مساحة الحياة بأراء وافكار متباينة ومتشعبة كل قصة منها تحمل هماً ووجهة نظر وقضية على وفق لغة شفافة وبليغة.
كان لوعي المؤلفة سناء شعلان وادراكها لاهمية ادواتها الفنية الدور الكبير في انجاح المجموعة الامر الذي جعلها تتدفق القاً ودربة ودراية مما شكل ذلك تناسقاً اخضع الشخوص والاحداث لرقابة فنية وتجربة ادبية ناجحة. فقصة (النافذة العاشقة) من هذه المجموعة تعد من القصص المميزة التي عالجت قضية اجتماعية مهمة تروي احداث امرأة متزوجة وام لاولاد ثلاثة كاد كبيرهم يدلف الى سن الشباب. تعيش مع زوجها واولادها بدعة وهدوء بعيدة عن المشكلات. انها تكرر مع نفسها لا اريد اكثر من ذلك. قناعتها هذه دفعتها لنسيان كثير من الاهتمام بجسدها وزينتها وبالتالي أنوثتها بعدما ادركت قساوة عمرها وانشغال زوجها عنها بالعمل وهمومه.
تشاء المصادفة ان يجاورها شاب نافذته تقابل نافذتها ومن هذه النافذة تقودنا المؤلفة لصلب موضوعها واحداثه. لقد فتحت هذه النافذة طاقة صغيرة على انوثتها النائمة التي كادت تنسى. ان مراقبته لها والنظر والوقوف امامها فترة طويلة دفعتها لانكاره وتجاهله (في البداية كرهت نظراته الفضولية وانزراعه في كرسي بلاستيكي بليد في حديقته لساعات يراقبها دون ان يفوت لحظة). ان الاكثار من الانتظار زرع في نفسها الانتباه لحالها والاهتمام بمظهرها وزينتها. لقد وجدت نفسها تفكر فيه وتنتظره وضمن تداخل حدثي لطيف توضحت الصورة جميلة ممزوجة بتدفق لغوي وهاج فيه الكثير من المفاجأت التي تدفع المتعة والتتبع بحيث اضافت مفرداتها نسقاً درامياً ذا مدلول حسي منضبط يقع تحت تسلسل منطقي خلق تؤتراً جميلاً وجواً فنياً دعم ثيمة القصة وتصاعدها. لقد رسمت المؤلفة لنفسها طريقاً خاصاً في التعبير والتناول. فنجدها لا تعبأ بالعالم الخارجي وما يجري على سطحه من احداث ومشاكل ولا تنزع لوصفه حرفياً بل تستعيض عن ذلك بالرؤية الداخلية التي تستوحي من خلال تكويناتها الفنية والخيالية تلك الرؤية التي تعبر عن الخزين المتراكم من المؤثرات المادية والنفسية والاجتماعية التي تأخذها من مجرى التجارب الخاصة التي تعانيها او من تجارب الحياة العامة مما وضع القصة في مسار ابعدها عن الطريقة التقليدية في التعامل الحدثي وهذا يؤكد حقيقة ان المؤلفة اوجدت لها منهجاً كتابياً مميزاً يخضع لسياقات وصور قريبة من افكارها ورؤاها لا المعاناة في تحضير الحدث لا يكون سهل المعايشة ولا يمكن صياغته بفنية عالية ما لم يكن هناك منهج صادق تستعيره في تصوير وخلق المشاهد والشخوص بعيداً عن التقليدية في الكتابة وهذا ما لمسته في قصة النافذة العاشقة والقصص الاخرى. هذا النجاح يحتاج الى تضامن مبدئي واخلاقي يعزز التجربة ويبعدها عن الترهل او الارسترسال الذي يكون وبالاً يعيب نسغ القصة. فالاحساس بشعور الشخصية وتنفس الحدث حالة صحية تنبض بصدق التجربة المكملة للسياق العام الذي لم يترك فراغاً يتسلل خلاله الملل مما يدعم انفعالية المؤلفة وتضامنها مع شخوصها الذين يشكلون الاساس في البناء الفني للقصة.
ان قوة اللغة وجمالها صارت عنصراً مهيمناً على الفعل والحركة. فأفرز هدوءاً وجمالاً على مجرى الاحداث مما ولد ايضاً ظهوراً واضحاً للمكان. كونه احساساً ينبع من احساس المؤلفة وعملها. فالمكان في القصة مساحة الحدث كله الذي شكل مع الحركة جمالية اللغة ودلالاتها بالرغم من بعض الاستطرادات البسيطة التي افرزها الحدث نفسه. فصدق التصوير يرسم صورة دقيقة لخبرة المؤلفة في ان كتابة اية قصة تعني اعادة لتشكيل العالم وتفسيره وتجديد الرؤية ورسم المجرى للحرية والانطلاق. لان القصة بحث فني عن معنى الحياة وسعي حثيث للامساك باللحظة المتعلقة وايقاف الذكريات والصور الهاربة وتخليدها لكي نفتح للخيال نوافذ جديدة تنتج عوالم وتشيع مثلاً وقيماً جديدة. فالمرأة التي غيبتها شؤون البيت والاطفال غابت معها انوثتها بحيث اصبحت رقماً يؤدي طقوساً وممارسات مفروضة عليها. هذه الممارسات كانت سبباً بأفشال احلامها وتمنياتها بالوصول اليه والتقرب منه حينما صدمها اختفاؤه المفاجئ.
لقد هجر النافذة وغادر بيته للعمل في بلد اخر. هذه الكدمات غير المتوقعة ثلمت واحدثت نكوصاً عاطفياً قاسياً جعلها تعيش ذكراه بألم وحسرة. بعدما منت نفسها بشم اريجه الذي تحمله الريح من النافذة فتسمع من خلالها كلماته التي لم يقلها. هذا الاحساس هو اكتشاف للذات ضمن اجواء غائمة صورته القصة وركزت عليه (كانت سعيدة. سعيدة جداً. هكذا كانت تصف نفسها لنفسها التي كانت تعجب منها عندما تتكوم بلا حيلة على بلاط المطبخ الى اسفل نافذتها العاشقة وتنتحب بحرقة).
لقد ارادت الكاتبة سناء شعلان ومن خلال هذه الشخصية مهاجمة المفاهيم الخاطئة التي لا يسمح المجتمع بالبوح بها او تناولها نتيجة الكبت والانغلاق الاجتماعي المفروض من العادات والتقاليد. وهذا اعده تفجيراً لرتابة الحياة لذلك تفصيل الحدث اهم من تفسيره لان التلاعب بالمواقف والاشياء يستثير تجربة جديدة واسئلة كثيرة متشعبة تحرك الذاكرة وترسم حالة جريئة توضح او تؤشر علاقة تحدت بها امرأة متزوجة اعرافاً وتقاليد ليس من السهولة تخطيها او مناقشتها. لكن الاشارة اليها فنياً تعني المشاركة في توضيح حقيقة واسباب كان لها تأثير مباشر في وجودها واعني الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية فضلاً عن عوامل اخرى منها العلاقة النفاقية بين الزوجين والتي صارت سبباً رئيساً في تأزمها العاطفي الذي افرز حالات غريبة يرفضها المجتمع. لذلك انتبهت المؤلفة للحدث ولكي يبقى في حيويته ومعناه جعلت العلاقة بينهما بعد مغادرته منزله راكدة من دون الخوض في تبيان الدواخل والمسببات مما افقد الحدث شيئاً من الحركة. كان بالمؤلفة وفي موقف كهذا ان تمهد او تشير حتى تكون لدينا مسوغات نتقبل بها الحدث بعيداً عن المصادفة التي تفقد الحدث حرارته. لكن الجانب السايكولوجي للموقف كان هو الطاغي مما شكل بروزه واستيقاظه تأجيجاً للأزمة العاطفية بحيث بقيت الازمة ملازمة للشخصية حتى بعد مغادرة الشاب منزله ولجوئه للمجهول. مما فسح للفعل والحركة من بناء مساحة فكرية خضعت لتوازن وتبرير مقبولين دعما الجانب الفني في القصة وكشفا مخزون الذات وما يعتمل به بعد سبات طويل لماض مجهول من حياتها. فالحلم الذي عاشته معه اياماً هو ايذان بالانتهاء او التخلص من ذلك الماضي الذي لم يزرع بداخلها سوى القهر.
______________________________________________

* سناء شعلان: قافلة العطش،ط1، بدعم من أمانة عمان الكبرى، دار الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2006


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:35 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

جمالية العنوان في قصص سناء الشعلان
مجموعة (قافلة العطش) أنموذجاً

د. سالم محمد ذنون
جامعة الموصل / كلية التربية

يعد العنوان ركناً أساساً في العمل الأدبي، ذلك أنه يشكل المفتاح الإجرائي الذي تتجمع فيه الإنساق المكونة للعمل الإبداعي، التي تصب في البؤرة ذات الحالة التكثيفية لمجريات الحدث داخل البنية النصية، ومن خلال هذه البؤرة تتشظى رؤى القاريء التي يكشف من خلالها عن جمالية الترابط بين عنوان العمل الأدبي وبين تلاحق الأنساق في الأحداث المتبلورة في بؤرة ذلك العمل. وقد أخذ العنوان أهمية بالغة الأثر في النتاج الأدبي من خلال عناية النقاد بهذا الجزء من العمل الأدبي كونه يمثل الصورة المكثفة التي تخبر القاريء عما تريد ان تقوله الأحداث عبر إشارات وقرائن تتشابك مثل نسيج العنكبوت لتضع القاريء أمام تجربة تفاعلية مع النص الأدبي، ونعني بالتجربة التفاعلية تلك التجربة التي يخوض غمارها القاريء من أجل الوقوف على جماليات النص عبر سلسلة من الإجراءات القرائية التي تبدأ من العنوان وتنتهي بخاتمة العمل الأدبي، وبذلك يكون القاريء قد وقف على رؤية إبداعية جديدة من خلال قراءته النص الأدبي منطلقاً من العنوان، ويمكن ان نطلق على هذه الرؤية الجديدة الهجينة بين معطيات النص الأدبي، وبين معطيات القاريء الثقافية القراءة الإنتاجية.
فالعنوان هو العتبة الأولى للنص الأدبي، وهو في الوقت نفسه العتبة الأخيرة التي يقف القاريء عند حدودها مطلعاً على النص من فوقية ليضع يده على مواطن الجمال التي أفصح عنها العنوان أولاً، لذلك فالعنوان يمثل الحركة الدائرية للعمل الأدبي، إذ ان نقطة البدء والانتهاء واحدة، ومن الجدير بالذكر ان العنوان في العمل الإبداعي لم يأخذ أهميته في الإبداع الأدبي الحديث والمعاصر فحسب، بل ان العناية بالعنوان قديمة قدم النقد العربي، وهذا واضح من خلال ما تعرض له نقادنا القدامى في كتاباتهم التي ذكروا فيها آراءهم عن أهمية العنوان، ولعل أبا بكر الصولي (335هـ) يعد أول من ذكر العنوان وبين حده، فقال :"والعنوان العلامة كأنك علمته حتى عُرِف مَنْ كتبه ومن كُتِبَ إليه"(1). فهو يجعل من العنوان علامة، ونحن نعرف ان العلامة هي الإشارة التي تتميز بها الأشياء عن بعضها، إذن فالعنوان عند الصولي هو هوية الشيء أو الكتاب أو الرسالة، وهذا لا يختلف عما قلناه من ان العنوان هو المفتاح الذي من خلاله يمكن للقاريء الولوج إلى معطيات النص.
ولعل أول من أعطى العنوان استفاضة بالتحليل والأهمية من النقاد القدامى هو أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي (542هـ)، إذ أعطى شرحاً وافياً لأهمية العنوان في أي نتاج أدبي، ذلك أنه يعد الدليل على فحوى ومحتوى الشيء، فيقول الكلاعي في العنوان إنه "ما دل على الشيء"(2). وهو بهذا التعريف لا نراه ابتعد عما ذهب إليه أبو بكر الصولي، فهما يتقربان في ان العنوان هو ما يدل على ما هية الشيء، ويكون علامة دالة عليه أي ان العنوان يشكل نقطة استثارة القاريء، واستفزازه لأجل تحقق الإمكانية التفاعلية بين معطيات كل من القاريء، والنص، والخروج فيما بعد بالقيمة الجمالية التي أوحى بها العنوان، فكما ان الأشياء تعرف من عنواناتها، فكذلك العمل الأدبي يعرف من عنوانه، لذلك فالأديب الجيد هو الذي يستطيع ان لأعماله عنوانات تستشير ذهن القاري، وتجعله متفاعلاً بالعمل الأدبي منذ النظرة الأول إلى العنوان... وقد ذهب الكلاعي إلى تعليل ماهية تسمية العنوان للكتاب وغيره، بقوله :"ويحتمل ان يسمى عنوان الكتاب عنواناً لوجهين: أحدهما أنه يدل على غرض الكتاب، (...) والوجه الآخر: أنه سمي عنواناً لأنه على الكتاب ممن هو وإلى من هو"(3). فالوجه الأول يشار به إلى محتوى الكتاب ومضمونه، والوجه الثاني يتضمن جانبي الرسالة النصية المرسل، والمرسل إليه، ولعلنا نقف هنا مع الكلاعي أمام رؤية تكاملية للعملية الإبداعية، التي تتضمن ثلاثة أركان أساسية هي الرسالة، والمرسل، والمرسل إليه... "وقد يقصد بالعنوان title الاسم الذي يدل عادة على موضوع الكتاب، كما قد يعني مكان الإقامة address"(4). فرى من خلال ما طرحناه آنفاً ان العنوان لم يكن بمعزل عن الرؤية النقدية في الثقافة العربية، فالثقافة العربية حملت في معطياتها المتنوعة صورة التطور في أرقى صوره في العصور القديمة، فكانت نظرة النقاد القدامى نظرة شمولية إلى النتاج الأدبي والثقافي ومن ذلك النظرة في العنوان التي تطورت حتى وصلت إلى ذروتها في العصور الحديثة، ومن خلال ذلك يمكن "القول ان العنوان في الأدب العربي دخل مرحلة التطور منذ العهد المكي للدعوة الإسلامية وتضافرت أربعة عوامل لتهيئة التطور في العنوان وهذه العوامل تتابع ظهورها في حقول تسجيل الفكر الإنساني الإسلامي خلال فترة ازدهار الحضارة الإسلامية بدءاً من هذا الزمن المبكر لظهور الإسلام أما هذه العوامل فهي:
1. عنونة القرآن الكريم وسوره.
2. التطور في مضمون المدونات.
3. آداب التدوين والمدونين.
4. نقل الآثار الأجنبية إلى العربية..." (5).
إذن، فقد جاءت هذا العوامل بتضافرها وتواشجها متمثلة في صورة ازدهار الثقافة العربية، ومن ثم تطور معطيات العنونة التي ارتبطت بصورة مباشرة بالثقافة العربية التي بلغت أوجهاً في العصر العباسي... وبعد هذه الوقفة البسيطة على مفهوم العنوان، لابد من التطرق إلى معطيات جمالية قراءة العنوان في النص الأدبي، لا يمكن لأي كاتب أو أديب ان يضع عنواناً لنتاجه الأدبي اعتباطاً، بل أنه يختار العنوان الذي فيه قصدية كبيرة لان الكتابة الإبداعية أنأى ما تكون عن البراءة، فليس هناك نص بريء، فالنصوص تسعى من خلال فكر المبدع ومشاعره إلى استفزاز القاريء، ولكنه ليس استفزاز عدائي، بل هو استفزاز جمالي الغاية من ورائه الوقوف على جماليات النص بكل جزئياته، بما في ذلك العنوان الذي يعد المنطلق الأول للكشف عن المستور الذي تدفنه العبارات في ثنايا النص، لذا فجمالية تلقي العنوان قائمة بصورة أو بأخرى على ضيق أو أتساع الفجوة الكامنة بين العنوان والنص، ومن ثمة سعي القراءة إلى تأسيس علاقة بين الطرفين لملء هذه الفجوة(6). وياتي ذلك من خلال اشتغال القاري على فك التكثيف الذي طغى على العنوان وذلك من خلال آليات التأويل والفهم الذي يتحقق بالتفاعل الموضوعي لا الانطباعي بين معطيات النص وبين ثقافة القاريء، إذن، فنحن إزاء جدلٍ ديالكتيكي بين الطرفين (النص/والقاري)، ونحن عندما نذكر النص فإننا نشير إلى كل متعلقاته بضمنها المبدع، ذلك لان "الكتابة قرينة الغياب (غياب المتكلم) والانفصام والانقطاع حتى الموت عن المصدر، فلابدَّ-والحال هذه-من أثرٍ دالٍ على هذا الانقطاع-الصلة الزمكانية-فكانت العنونة بما تشتمل عليه من اسمي النص ومنتجه، لتكون ذلك التعويض العلامي أو السيميوطيقي للحضور الذي كان واختفى فجأة لحظة إنتاج النص (الحدث الكلامي)"(7). فيكون العنوان بذلك المعادل الموضوعي لكل من المبدع والنص، فالعنوان يحمل بصمات النص الذي بدوره هو بصمات المبدع الذي أنتجه، وأرى ان المبدع في لحظة وقوفه على عنوان ملائم لمنتجه فإنه يرقى إلى لحظة التسامي؛ إذ إنه يستحضر في ذهنه كل أنساق النص وبؤره ليخرج بعد ذلك إلى إنتاج نص آخر أكثر تكثيفاً من النص المسرود، ألا هو العنوان، إذ "ان العنوان بعامة عتبة قرائية مهمة كونها أول ما يواجه القاريء في رحلة القراءة معطياً انطباعاً عاماً عن مجرى دلالات النص وكون العنوان بنية اهدائية يعني أننا بإزاء عتبة مزدوجة يراد لها ان تحقق وظائف العنوان في التكثيف والتدلال والدعوة اللبقة إلى القراءة"(8). بمعنى ان العنوان يفتح أمام القاريء آفاقاً رحبة للتأويل والكشف عن المتعلقات الجمالية المترابطة بين العنوان وبين بنية النص، الأمر الذي يؤول فيما بعد إلى علاقة تحاورية عبر شبكة ثيمات متواشجة في عنوان العمل الأدبي، وفي بنية النص، وهذه العلاقة التحاورية يكون طرفاها القاريء والمنتج، "فظهور العنوان يعني سطوته وتجبره على (المبدع/المنتج) و(القاريء) فأما الأول فمن حديث إنه صاحب الخطوة والصدارة في النص، (...) وأما على الثاني فكونه يلقي بظلاله سلطته على القاريء يفرض نفسه عليه، لاجل استئذانه في الدخول إلى عالم النص"(9). وحالما يلج القاريء في فضاءات العنوان تفتح له آفاق تأويل رحبة تفسح المجال أمامه في الوقوف على المعطيات الجمالية لنية العنوان.
أولاً: عنوان المجموعة القصصية:
يعد عنوان أية مجموعة قصصية المحور الأساس الذي تتبلور حوله أحداث القصص في المجموعة القصصية، ذلك ان العنوان الذي ارتأى الكاتب ان يجعله مفتاح مجموعته القصصية يتضمن خطأ حريرياً يربط أحداث قصته بأحداث القصص الأخرى التي تضمها المجموعة ولعله من اللافت للنظر عند أي قاريء مدرك لمعطيات العمل الأدبي ان بصل إلى مغزى اختيار الأديب عنواناً معيناً ضمن عنوانات مجموعته القصصية، وإيثاره إياه دون غيره، فيكشف القاريء عن مغزى ذلك الاختيار وهو ان العنوان الذي اختياره المبدع يمثل انعطافه كبيرة في تجربة الأديب الشعورية/ الحياتية، وفي تجربته الفنية من حيث كون المجموعة التي وقع اختيار الأديب على جعلها بعنوانها المفتاح السحري الذي يستطيع من خلاله القاريء الولوج إلى ما يعتري القصص من معطيات ثقافية واجتماعية وأيدلوجية ونفسية ومن خلال قراءتنا مجموعة (قافلة العطش) للقاصة سناء الشعلان، فإننا سنقف على جماليات عنوان هذه المجموعة من خلال ثلاثة محاور، هي: الغلاف، الإهداء، وأخيراً الوقوف على جملة العنوان والكشف عن جمالياته.
(أ) الغلاف
ان الناظر إلى مجموعة (قافلة العطش) يجد في غلافها خمسة عناصر متواشجة بصورة دقيقة لا يجد القاريء فيها أي تنافر، فالغلاف عند لوحة فنية متكاملة في عناصرها ومعبرة عن كينونة الأحداث الواردة في المجموعة القصصية، ويتضمن الغلاف عناصر دراماتيكية أعطت اللوحة حيوية وحركية، فبعد النظر الذي تتضمنه اللوحة تعكس الحالة الشعورية الحالة عند المبدعة، الأمر الذي يعكس على ذهن القاريء حالة من الاندماج التفاعلي مع اللوحة فتبدو اللوحة متحركة مع حركة الأحداث التي تدور في المجموعة القصصية أما العناصر الخمسة التي تشكلت منها لوحة الغلاف فهي: 1- العين اليمنى للقاصة. 2- العنوان الذي جاء بلونين الأصفر والأبيض. 3- صورة جملين بينهما راعٍ واحد. 4- صورة قلبٍ مرسوم فوق الرمال تتجه نحو آثار قدمين حافيتين. 5- خلفية اللوحة التي طغى عليها اللون الأحمر القرمزي وشيء بسيط من اللون الشفقي أسفل اللوحة... فالعنصر الأول عين القناصة تكشف عن النظرة العطشى، النظرة الملأى بالطموح إلى الارتواء من ينبوع الحياة، إنها النظرة الحمالة التي تبغي الوصول إلى النهائي اللا منتهي، إنه صراع من أجل البقاء بين التابو لا لممنوع، وبين الرغبة الجامحة في تخطي ذلك الممنوع، وجاءت هذه العين ذات اللون الأزرق تحمل في معطياتها خصائص الماء، فكما ان الماء يقتل العطش بإرواء العطشى، فكذلك هذه العين تحمل فعل الماء الذي يروي ويقتل الظماً، فهي كذلك تروي الظامئين بسحر لونها...
أما العنصر الثاني الذي تشكلت منه لوحة الغلاف، فهو عنوان المجموعة الذي جاء بلونين، الأول الأصفر في الجزء الأول من العنوان (قافلة) والثاني الأبيض في كلمة (العطش)، ففي اختيار اللون الأصفر لـ(القافلة) إيحاءات دالة على رمزية الصحراء المتمثلة بالجفاف والقسوة في حين شكل اللون الأبيض في لفظة (العطش) دلالة الارتواء من الظمأ في هذه الصحراء، وجاءهم لفظة (العطش) أكبر من حجم لفظة (قافلة) في إشارة إلى امتداد هذا العطش، فهو عطش أزلي، فهو ليس عطش المرء إلى الماء، بل هو عطش المشاعر والأحاسيس إلى عاطفة الحب كما تضمنت صورة الغلاف جملين بينهما راعٍ يسير على قدميه ويجر زمام الراحلة، أما العنصر الرابع في لوحة الغلاف فيتمثل في رسم لقلبٍ خط فوق التراب وإلى جنبه آثار قدمين حافيتين، وهذا العنصر يحمل إيحاءات ودلالات عن القلوب التي أصابها الجفاف وهي ترنو وتصبو إلى الارتواء، والقدمان الحافيتان إشارة جلية إلى السعي الجاد إلى كسر قيود الممنوع الذي يحجر القلوب ويصدأ المشاعر، وهو سعي إلى قتل العطش إلى قتل العطش الذي استبد بالقولب.
أما العنصر الخامس في لوحة الغلاف فهو اللون الأحمر القرمزي الذي طغى على خلفية اللوحة إلا جزءاً صغيراً ساده اللون الشفقي، ان اللون الأحمر يحمل في طياته دلالات كثيرة تنطوي على سياق النص، ففي هذه المجموعة ينطوي اللون الأحمر على دلالة العطش الغريزي عند الإنسان الذي يتبلور عن طريق الحب والإشباع الجسدي، ومما يؤكد ذلك ارتسام الشفة المتهدلة في لوحة الغلاف، وهذه الشفة لا يلاحظها إلا من ينعم النظر في اللوحة، والشفة هي أداة التقبيل، والقبلة كما هو معروف هي رسول الغرام، فهي الوسيلة التي تستخدم لقتل الظمأ والعطش في الحب...
ومن خلال تضافر وانسجام عناصر لوحة الغلاف بهذه الجمالية المتقدة استطاعت الكاتبة ان تضع القاريء أمام نقطة الاستقطاب التي تتمحور حولها أحداث القصص الواردة في هذه المجموعة القصصية.
(ب) عتبة الإهداء
يمثل الإهداء عتبة تتلخص فيها رؤية الأديب وتكشف عن المعطيات المعرفية والشعورية التي ينم عنها الأديب بأسلوب مكثف وبجمل مركزة ومؤطرة بالبلاغة العالية والإيجاز البليغ، فعتبة الإهداء جمل قصيرة ذات دلالات متشظية تحمل في تلافيف حروفها كل جزئية في القصص الواردة في مجموعة قافلة العطش. فقد جاءت عتبة الإهداء في هذه المجموعة بأسلوب تعجيبي تشكل بوساطة (كم) الخبرية التي تصدرت جملة الإهداء، فتقول الكاتبة في جملة الإهداء :"كم هم عطشى أولئك الذين لا يعفرون أنهم عطشى"(10)...
فهي تبني جملة الإهداء على هيئة مفارقة لغوية، فهي تتعجب من شدة عطش الكثير من الناس، ولكن المفارقة ان هؤلاء لا يعرفون أنهم عطشى... ان هذه المفارقة عملت على استفزاز القاريء بصورة مباغتة تدفعه إلى الكشف عن جمالية مفارقة الإهداء التي ترتكز عليها رؤية الأديب/ الكاتبة التي أخذت على عاتقها نصرة هؤلاء الأبرياء الذين لا يعرفون أنهم عطشى ويمكننا القول ان عتبة الإهداء التي افتتحت الكاتبة بها مجموعتها تمثل بؤرة هذا العمل الأدبي، فأصبح الإهداء بؤرة العمل الذي تصب فيه كل الأنساق المتشظية من أحداث القصص الواردة في هذه المجموعة.

(ج) جملة العنوان (قافلة العطش)...
يشكل العنوان بؤرة أي عمل أدبي، ومفتاح الولوج إلى بنية تشكل المعنى الجمالي في النص الأدبي عن طريق آليات القراءة التي يمارسها القاريء في حالة من التفاعل بينه وبين معطيات متعالقات خاصة بذاته المبدعة، فهو لا يختار اعتباطاً أو بصورة عشوائية العنوان الذي يحمل هوية مجموعته، ذلك أنه لا توجد اعتباطية في هذه المسألة المهمة التي ربما تأخذ من فكرة وذهنه الكثير حتى يستقر على العنوان الذي يرتأئيه لمجموعته أو لنصه، ومما تجدر الإشارة إليه ان اختيار المبدع عنوان مجموعته ينبني على أساس أكثر الأعمال قرباً إلى نفسه، أو أكثرها تعبيراً عن معطياته النفسية والشخصية والثقافية وأكثرها شمولية لأنساق القصص المشاركة ضمن المجموعة الواحدة... ففي مجموعة القاصة (سناء الشعلان) التي بين أيدينا (قافلة العطش) تمثل الاختيار الأمثل من القاصة ليكون هذا العنوان هوية مجموعتها وكذلك عنوان المجموعة يمثل القصة الأولى التي تتصدر قصص المجموعة فهي إذن القصة التي تحمل في طياتها رؤية الكاتبة التي سادت أحداث قصص المجموعة كلها. ان الكاتبة تفصح عن رؤيتها في حياة المساكين والبؤساء الذين يلفهم العطش، ولكن أي مساكين وبؤساء وأي عطش؟ إنهم مساكين الحب وبؤساؤه، والعطش هو عطش الحب، وقد أعطت الكاتبة بعداً جمالياً في بنية العنوان في لفظة (قافلة)، فالمعروف ان أهم ما تحمله القوافل التي تجتاز الصحراء هو الماء، ولكن المفارقة في العنوان عندما تجعل الكاتبة من هذه القافلة موسوعة بالعطش، فالمشاعر الجياشة بالحب تملأ الناس، ولكنهم لا يكتفون عنها بسبب التابو الذي يجعلهم في عطش دائم... "ورحلت قافلة العطش، كانت قافلة عطشى إلى الحب، ومعطوفة في كرامتها على يدي مهرتها الجميلة، هذه المرة لم تدفن الرمال حاكيتها في جوفها الجاف، بل إذاعتها في كل الصحراء، شعرت القافلة بأنها محملة دون إرادتها بالعطش، العطش إلى الحب والعشق"(11). ففي هذا المقطع من القصة التي حملت المجموعة عنوانها (قافلة العطش) كشفت عن رؤية الكاتبة، ألا وهي العطش إلى الحب والعشق، إنه الهواء العاطفي الذي يسعى كل إنسان إلى إشباعه بعاطفة الحب السامية...
ثانياً: قصص المجموعة:
بعدما أطلنا الوقوف على جماليات عنوان مجموعة (قافلة العطش) القصصية سنقف في هذه الأسطر القلائل على عنوانات القصص التي تشكلت منها هذه المجموعة-ان مجموعة (قافلة العطش) تشكلت من ست عشرة قصة بدءاً (بقافلة العطش) وانتهاء بقصة (الجسد)، ان الكاتبة استطاعت ان تفعل الخيال في صياغة عنوانات القصص التي جاءت على وفق مبدأ دائري بمعنى ان بؤرة القصة الأولى تلتحم ببؤرة القصة الأخيرة في المجموعة وبين هاتين القصتين مجموعة من الأنساق المتواشجة المترابطة بخيوط حريرية تربط عناصر المجموعة ببعضها، فعطش الحب في القافلة يأخذ القاريء إلى إطلاله مستفيضة عبر (النافذة العاشقة) التي تفتح أمام بطلة القصة آفاق رحبة من خلال ضيق النافذة، أنها نافذة المجتمع القاتم الذي يحرم الإنسان من أبسط متطلبات حياته، "ثم فتحت هذه النافذة طاقة صغيرة على أنوثتها، وولدت عندها رغبة الانتظار، وأسواق اللقاء، لم تكن قد خبرت من قبل معنى لذة الانتظار..."(12). ومن خلال هذه النافذة الصغيرة المطلة على عالم كبير تأخذ الكاتبة على عاتقها امتطاء نسق جديد لتفصح عن رؤيتها فجاءت قصة (رسالة إلى الإله) إنها رسالة الاستعطاف التي ما يلبث يرفضها الإله، لأنها رسالة تحرك فيه غريزة الظمأ، "تنهد طويلاً، فأحرقت تنهداته وزفراته الكثير من بقاع الأرض، وضج البشر بالشكوى، عندها تذكر أنه إله، وان ليس من حقه ان يتمنى ولو حتى في لحظة ضعف، طوى الرسالة التي يحملها، وجعلها في خزائن أوراقه، اتكأ على حشية في مضجعه، وطلب حضور ساقيه، شرب كثيراً، وفي آخر الليل أصدر مرسوماً إلهياً يمنع وصول رسائل العشاق إليه، لان لا وقت عنده لوجع قلبه فضلاً عن قلوب البشر، وغرق في سباتٍ طويل"(13). ان خيال القاصة سناء الشعلان امتزج بمشاعرها الطافحة فأثمر ذلك نصاً ذا نسق مغاير قائم على تحريك العاطفة الجياشة في نفوس العطشى، فاختارت (الفزاعة) لتدور القصة حولها، لتقول للقاريء حتى الفزاعة المصنوعة من خرق بالسية يمكن ان تتحول إلى كائن ذي أحاسيس ومشاعر جياشة، في حين ان المثير من البشر لا تتحرك فيهم تلك المشاعر فيظلون في دوامة الأحياء الأموات... ثم تتوالى القصص في هذه المجموعة في نسق واحد يدور حول ثيمة العطش الروحي من الحب السامي فنجد في قصة (قلب لكل الأجساد) امرأة تبحث عن الحب الصادق النقي، ولكنها تفشل عن كل عتبة تتخطاها، لأنها حوت بقلبها أجساداً كثيرة، ولكن لم يستطع أي جسد ان يحوي قلبها هي فضاعت في متاهات الطريق وهي تبحث عن سبيل لتقتل به ظمأها وعشقها الأبدي، "وفي المساء، ومن جديد، تدلف إلى فراش آخر، ترك صاحبه الباب مفتوحاً لها، يصفها الرجال بالتفاعل ولاستكانة اللذيذة، والشهوة العارمة، لذا يتعشقونها، أما هي فتجد من تحب في جسد كل رجل..."(14). ثم لا تلبث الكاتبة إلا ان تعود إل نقطة البداية في المجموعة القصصية على شاكلة الزمن الدائري الذي يبدأ بنقطة معينة وينتهي عند النقطة ذاتها؛ إذ ان قافلة العطش لم تحط رحالها في مكان، وربما لن تحط رحالها طالما العطش يلفها ويغمرها، فظلت القافلة تدور وتدور بين الأجساد فتمحورت في قصة (الحسد) التي أنهت الكاتبة بها مجموعتها القصصية، فالجسد الأزلي المثالي يطارد بطل القصة الذي تبحث عن الارتواء ولكنه لا يقع على ذلك الجسد، فتظل قافلته تسير باحثة عن مرفأ الأجساد، ولكن لا يحصل على مبتغاه فيظل في دوامة البحث، "وحتى ذلك الوقت سيعيش في حنين موصول إلى الجسد الذي لم يقابله بعد ومن جديد عاد يحترف الانتظار..."(15). إنه الانتظار الأبدي، فيراوده هاجس الذي يأتي ولا يأتي...

المصادر والمراجع
1. إحكام صنعة الكلام: أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي الأشبيلي الأندلسي، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الثقافة، بيروت، 1966م.
2. أدب الكاتب: أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، نسخة وعني بتصحيحه وتعليق حواشيه: محمد بهجة الأثري، المكتبة العربية، بغداد، والمطبعة السلفية، القاهرة، 1341هـ.
3. العتبات النصية في شعر عبد الوهاب البياتي ونزار قباني: جاسم محمد جاسم، أطروحة دكتوراه، كلية التربية، جامعة الموصل، 2007م.
4. علم العنونة: عبد القادر رحيم، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، سوريا، ط1، 2010م.
5. العنوان في الأدب العربي النشأة والتطور: د. محمد عويس، مطبعة الانجلو المصرية، القاهرة، ط1، 1988م.
6. عنوان القصيدة في شعر محمود درويش-دراسة سيميائية: جاسم محمد جاسم، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الموصل، 2001م.
7. في نظرية العنوان مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية: د. خالد حسين حسين، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2007م.
8. قافلة العطش: د. سناء الشعلان، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 2006م.
9. معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: مجدي وهبة وكامل المهندس، دائرة المعاجم، مكتبة لبنان، بيروت-لبنان، ط2، 1984م.

هوامش البحث
1. أدب الكاتب: أبو بكر الصولي 143.
2. إحكام صنعة الكلام: 51.
3. م.ن: 52.
4. معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: مجدي وهبة وكامل المهندس 262.
5. العنوان في الأدب العربي النشأة والتطور: د. محمد عويس 83-84.
6. عنوان القصيدة في شعر محمود درويش-دارة سيميائية-جاسم محمد جاسم، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الموصل، 2001م، 7.
7. في نظرية العنوان مغامرة تأويلية في شؤون العتب النصية: د. خالد حسين حسين 28-29.
8. العتبات النصية في شعر عبد الوهاب البياتي ونزار قباني: جاسم محمد جاسم، أطروحة دكتوراه، كلية التربية، جامعة الموصل، 2007م، 117.
9. علم العنونة: عبد القادر رحيم 35-36.
10. قافلة العطش 5.
11. قافلة العطش 13.
12. م.ن 16.
13. قافلة العطش 24.
14. م.ن 76-77.
15. م.ن 125.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 342
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الخميس مارس 09, 2017 1:54 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

سرديات الحبّ وشفافية العوالم
في مجموعة "الجدار الزجاجي"لسناء شعلان

محمد مصطفى علي حسانين
تقترب العوالم القصصية في مجموعة القاصة والروائية سناء شعلان، المعنونة بالجدار الزجاجي، من تخوم السرود الأسطورية وعوالمها الدالة على البحث المحموم عن القيم الكبرى للإنسان، حيث البحث الدءوب عن الحب بوصفه البعد المركزي الذي تتجمع حوله، وتنجذب إليه تشعبات الأساطير، وموتيفاتها الدالة، ولكن الأمر لا يتوقف عند السير مع أصداء الأساطير أو التقاطع معها حينًا والتعامد معها أحيانًا أخر، فما زال الخارج النصي، والواقع الخارجي يمسك بخيط الأسطورة، ويوظف فضاءاتها الرحبة والذي تتصادى بنيته مع خطاب الأسطورة الجمعي دون أن تقع على أحد نصوصها الثريّة، من خلال بنية حكائية تميل في الأغلب إلى الاحتفاء بالبساطة، ومن ثم الاقتراب من تخوم المشاعر الإنسانية والعواطف الدالة على تلمس صفة البراءة، التي لم تمس أو تفتض معانيها الكاشفة عن جوهر وجود الكائن.
البحث عن الحب
ومن بين النماذج البدئية المتعددة يمتلك الرمز الأسطوري الدال على المرأة حضوره الأليف في الوعي الجمعي، لما تشير إليه من توق دائم لرغبات الإنسان الكبرى ؛ الخير والحب والرغبة والحياة ... ؛ فمن خلال الحب ، الذي هو بالأساس المحرك الأول للتاريخ البشري الخلاق ، فـ (التاريخ كله عمل من أعمال الحب)( ) يمتلك الكائن البشري صيغته المتوازنة مع عالمه، هذه الصيغة التي لا يختلف فيها الذكر عن الأنثى، فكلاهما باحثٌ دومًا عن الآخر.
وبواسطة هذا الوعي القائم على جدلية البحث عن الحب من قبل الرجل أو المرأة، حيث يصبح أحدهما مجلى لصورة الآخر، وكأنهما ينشدان نقطة التقاء مفترضة عبر الاتصال، بواسطة هذا الوعي تتكون وضعيات المحكي داخل قصص المجموعة، بحيث تفرض سطوتها البنائية على أكثر القصص، فوراء الخطوط العامة السردية التي تكفل لكل قصة وصفتها السردية الخاصة بها، لا بد أن نجد أيضُا وبالتوازي تلك النواة أو الموتيف الدال على البحث والمشروط بفعل الحصول على الأنثى أو الرجل.
ولن تبتعد عين فاحصة عن تلمس تلك النواة في قصة"سداسية الحرمان" حيث البحث الأزلي في أطوار الإنسان المتعاقبة تاريخيًا -والمتجاورة زمنيًا أحيانًا- عن الأنثى من أول الخلق وحتى اليوم، من أقدم صور المخلوق البشري في صورته البدائية المتوحشة وحتى أرقي صوره المدنية، ولا يختلف الأمر أيضًا ما دمنا بصدد هيئات الكائن البشري، أن يكون هرمًا أو شابًا أو طفلاً، فدورية البحث تسم مطلق الهيئة لا أحد تجلياتها، وعند هذا المستوى لنا أن نطالع قصة " أكاذيب البحر" حيث الحب في اتصاله وانفصاله، أو تحوله من حلم إلى كابوس في القصة التي تحمل نفس الاسم، أو تحوله من تملك التعاويذ السحرية وافتقاده الحب ذاته بغياب الأنثى التي تبحث بالتزامن عن الرجل/الساحر، الذي يفك لغزها وبالتبعية لغزه أيضًا، فالساحر الذي أطلع على أسفار السحر الأعظم وحفظ عن ظهر قلب تراتيلها وتعاويذها خلسة من وراء معلمه، لا تكفل له هذه التعاويذ إلا شفاء أمراض المحبين، وتحقيق تواصل قلوبهم، في حين لا يمتلك هذه القدرة على شفاء نفسه، أو يملأ فراغ قلبه، ولا يتحقق له هذا الامتلاك إلا عبر صور التواصل مع الأنثى، فالحب لا يتم إلا بفعل التلاقي مع الآخر، فليس هو برانية العلاقة السحرية أو امتلاك الرقى أو التعاويذ بقدر كونه هذا التواصل المراد.
وعند هذا المستوى لابد أن يأخذ طقس البحث والسعي المحموم عنه صورة من صور البحث عن الهوية الذاتية، ليغدو مرآتها ومجلها في نفس الآن؛ فيقوم الحب بدور دال على ديمومة الجنس البشري، والذي يغوص عمقًا في أغوار الوعي، فيصبح غياب الأنثى غيابًا لتك الصيرورة، فيصطبغ العالم بصورة روتينية، وتُفَرَّغُ فكرة الزمن من بعدها الدال على الوجود لتنشط دلالتها المعكوسة حيث الوجود الموازي للعدم، فحين يتعلم هذا الكائن المتوحش- في قصة سداسية الحرمان- طرق الحياة والتكيف معها عبر أدواتها؛ الصيد والقنص والسعي..، لا يكتسب هويته الكلية منها، بل بفعل حضور الأنثى التي يكتمل بها فعل الحياة. هذا الوضع السردي تشترك فيه أيضًا- بمعنى من المعاني- قصص أخرى مثل، دقلة النور و الصورة وصديقي العزيز، فالبحث عن الثمرة في الأولى مرادفٌ للبحث عن الأنثى، والتخلص من الألم مشروط بحضورها في الثانية، و في القصة الثالثة يتحول الصديق/ الرجل إلى الحبيب، ومن ثم تغطي سمة البحث والعشق الطرفين.
غير أن هذا البحث عن الحب لو استعدنا آليات تشكله سرديًّا، لا يعبر عن مطلق يُكتسب كل مرة، أو يمثل ظفرًا واكتمالاً للفعل، بما يفضي إلى لون من ألوان التواصل، فالبنية السردية الغالبة على قصص المجموعة تشدد على عدم الاكتمال أيضًا، فالظفر بالأنثى غالبًا ما يعقبه صورة الانفصال والتباعد، خروج الكائن الخرافي( المارد) من القمم، يصاحبه بحث عن الأنثى ولكن الظفر بها في النهاية يمثل مؤشرًا دالاً على الموت الذي ينتهي إليه،وعثور الكائن البدائي عنها أيضًا يتوازي مع قنصها، وفي قصة (أرض الحكايا) يغدو عامل المنارة واقعًا تحت عبء استعادتها، وهو الأمر الذي تنتهي به قصة(الصورة) حيث حضور الموت، أما بفعل القتل أو الانتحار.
هنا يترادف الحب مع الحرمان والتواصل مع الانفصال والبحث مع الفشل، فتبدو صور الحب مجرد صور مرآوية مخادعة، تقرب وتبعد، تظهر وتخفي، ويصبح البحر بدلالته الرمزية على الماء المعادل للموت( ) البعد المحوري الذي تتكون به وعبره صور الوجود والعدم، الحضور والغياب،فهو ماء الحياة وماء الهلاك، فيتشكل بوصفه رحمًا للولادة والظهور،( ومن بين أرض الشاطئ الرطبة المنكشفة التي عرّاها البحر تبرز هي، تأتيه راكضة بسرعة موجة، وبأسرار غيمة، تكتسي بأردية من زرقة البحر)( )لكنه أيضًا يمثل عامل إخفاء وتغييب،حيث تنتهي عنده أماني الوصل والقرب،( طالع خاتم الزبد الذي يلبسه منذ أن عشقها ولم يخلعه أبدًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وانسرب سمكة في الأعماق ليجلب لحبيبته الشاعرة لؤلؤًا ومرجانًا) ( ).ومن ثم تغدو مناجاته فعل من أفعال التواصل مع الغائب، الذي يحتويه بين أمواجه،(طفق يبحث عن جسدها بين الصخور ليلاً، ويناجي البحر لعله يلفظ جسدها الذي ابتلعه، ولكن دون جدوى)( ).
هنا وبدرجة عالية يستدعي البحر الأساطير المرتبطة به، خاصة تلك التي تتعلق بالمرأة، فالأنثى التي تظهر عبر أمواجه تتجاوب فيه أصداء الأساطير الدالة على الأم الكونية، حيث تتراءى فيها أسطورة ( أفروديت) التي خلقت من( زبد البحر وقرارة الأمواج)( )، كما تقترب أيضًا من صورة بنات الماء أو السيرينات ذوات الصوت الخلاب المغرر بالبحارة ، فأغانيهن العذبة تطرب الآذان ، وقد ذكرت في (رحلات أوليس ) إذ أمرته (سيرسي) أن يسد أذن بحارته خوفًا من سماع أصواتهن الدافعات إلى الغرق بحثًا عنهم ( ) ولكن كل هذه الأصداء تدل في التحليل النهائي عن صيرورة التفاعل عبر لحظات الاتصال والانفصال، القرب والبعد، أو شئنا وصفًا مركزيًا يُصّر عليه السّرد، فلنقل عوامل المد والجذر، والتي تكرسها قصة( أكاذيب البحر) فعبر هذه المكرورة التصويرية تظل هيئة البحث مستمرة وحركة التطلع والأمل المنظر وبجوارها تقفز الرغبات المقموعة أيضًا.
ولا عجب في ظل هذه الطقوسية البادية حينًا والكامنة أحيانًا أن يصبح الحب والأنثى لهما دلالة مجاوزة للمعنى الأولي بدرجة ما، وكأنهما يريدان تثبيت دلالة مجردة أحيانًا للحب على درجة قريبة من الوضوح والبساطة والشفافية، فبعل الصفات الموغلة في براءتها وذات المسحة التطهرية التي تخلع على الأنثى تتحول إلى بعد مجازي أقرب إلى الشفافية، على الرغم من جداريات الماء، وإن كانت على صعيد موازٍ تصير مجلى لطقوسية الفقد أكثر من كونها عبور نحو مرفأ آمن، أو تحقيقًا لنبوءة منتظرة أو موعودة، فالبحر دومًا مليء بالأكاذيب وصوره مخادعة ومخاتلة كما مر بنا، وعناصر التصوير المستمدة من عوالمه تأكد هذه الدلالة حين تفرغ من معانيها، فاللؤلؤ والنوارس والأمواج والمحارة والأصداف والمد والجذر...، كلها تقع في حيز البريق الخادع والمُغَرِّر في أوله، والمنسحب تدريجيًا في نهايته، فما يقتنص منها لا يمثل إلا لحظات عابرة مختلسة.( تزوجا، لساعات، لأيام فقط كانا زوجين، تسكعا في أرجاء مدينة القحط، مارسا العشق في كل أرجائها، اختزلا في ساعات حبهما كل مراحل وقصص الحب، إذ إن الفراق يقفُ منتظرًا على الباب وتذاكر السفر تضيع في جيب قميصه البحري، وجف البحر في فراش حبهما)( )، وكأن البحر هنا يعبر عن هيئة رمزية كلية تختزل كل صور الدخول والخروج والتواصل والقطيعة والابتعاد.
وإذا كان الحب على هذه الهيئة يترابط مع الحرمان والفقد في قصص المجموعة، فإنه أيضًا وبوضعية مجاورة ومتداخلة يتعامد مع دلالته على التحدي، حين يصبح له مفعول السحر والشفاء والتخلص من الألم، فكثير من شخصيات المجموعة واقعة أحيانًا تحت عبء الإعاقة الجسدية، وتبدو ساعية نحو التخلص من كل مظاهرها الدالة عن الاختلاف المفضي إلى العزلة والوحدة، هنا تتحول الإعاقة إلى جدار سميك يراد تجاوزه، ويصبح الحب ذلك الباب السحري المأمول للنفاذ، وهو الأمر المشترك الذي يجمع عدة قصص مثل( الكابوس والطيران على ارتفاع 1000 دقة قلب و رجل محظوظ جدًا) أو حتى تتابع السرود في سداسية الحرمان، فالخصي الذي فقد ذكورته نراها يستعيدها ويستشعرها تمور داخله جراء حضور الأنثى/ الجارية، التي اشتراها السلطان، فتنعكس شهوته عبر شهوتها وحرمانها وفي (أكليل العرس) نجد نموذجا دالا على وضعية الرجل الذي تكمن داخله المرأة، وكأنه يستعيد مقولة ( الين واليانغ)( )، ونجد في تحول حلم التحليق والطيران إلى إعاقة، ولكن الحصول على الحب يكفل بعدًا دالاً على الاستمرار كما في قصة رجل محظوظ جدًا حيث يتبدد السعي عن المال بعد الحصول على حنيه تغدو هي الحبيبة/ الكنز.
وفي ظل هذه القيمة الدالة على الإبراء والشفاء لنا أن نتأمل هذه الكلمة السحرية ذاتها بوصفها تعويذة قادرة على تحويل الكائن، تداوي أمراضه وتشفي أوجاعه، فهي الكلمة السحرية التي تتبد الإعاقة البشرية سواء أكانت إعاقة جسمية أو نفسية فكل صنوفها تزول بقدرة الحب، الذي يحيد الألم كما في قصة صورة، فوراء الغوص في الصورة يتراجع ألم المحب.
وغير بعيد في ضوء الفاعليات السردية والرمزية أن نلقى هذا الحب معادلاً لمفاهيم إنسانية محاورة له وتدور ضمن فلكه التعبيري والإشاري؛ فقيم مثل الحرية والعدل تغدو أيضًا هواجس ملحة تستعيدها المجموعة ضمنيًا في حومة الولع بهذه الكلمة السحرية، ومن ثم يتلازم فقد الحب والمرأة عن حالة من البحث عن قيمة موازية تمثل قيمة الثورة، ويصبحان معًا ردائف لا تنفصل عن بعضها، وكأنهما صارا شيئًا واحدًا، ويصبح لذلك مناهضة الألم الناجم عن أحدهما هو الألم ذاته المعادل للأخرى( هتف الكل باسم الثورة، في المساء كانت هي والأصدقاء حيث يكون كل الثائرين، كانت مؤمنة بعدالة قضيتها على الرغم من وقع السياط المؤلم، أما هم فكانوا يلعنون"هي"التي أوصلتهم إلى هذا المكان، وفي هدأة الليل وضعوا البنود الرئيسيّة لجمعية مناهضة " هي").( )
الجدار: ثنائية العوالم
و قصص المجموعة تقيم نوعُا من التوازي بين عالمين يتواشجان حينًا في القصة نفسها، أو تقوم بعضها على عالم والأخرى على عالم مغاير، والقاسم المشترك بين هذه العوالم وتلك قيامها على عمليات التوازن بين عالم يتماس بشكل من الأشكال مع الخرافة الأسطورة أو الحكايات المعبرة عن ماضي قديم، وعالم آخر يقترب من تخوم العالم الواقعي المحتمل أو اليومي والمعتاد، ومن ثم ينهض بين العالمين جوانب من التلاقي داخل بنية السرد، ولكن على محور دلالي يشتغل في فضاء النصوص ثمة تكريس لعملية التجاور المفضي دومًا إلى تباعد وتقارب في نفس الآن.
إن قصة الباب المفتوح تحوم بنا في فضاء الحكي المتماس مع الخرافة حيث بلورة بنية سردية أقرب إلى الأمثولة المجازية، فالملك الذي تغريه إحدى الحكايا عن وجود سلطان يفتح بابه للشكاوى تغريه هذه القصة ويطلب من معاونيه أن يطلبوا من شعبه أن يقدموا شكواهم وحين لا تصله رسائل من مواطنيه غضب وطالب برسائل من شعبه فلم تأتيه إلا رسالة من طفل تحمل معنى السخرية أكثر من دلالتها على الشكوى، لذا نراه يغلق سياسة الباب المفتوح. وهنا يقوم الباب بدور رمزي يقوم مقام الجدار العازل عن الرعية وعن الحرية المأمولة.
إن تأمل لغة عنوان المجموعة وحركة اشتغاله داخل العوالم تعلن عن بعد رمزي بمعنى من المعاني، حيث تخترق دلالته الكثير من القصص، فيغدو الجدار دالٌ في سياق القص عن كل هيئات الحدود الفاصلة، والتي تمثل التقاطب بين عالمين بفصلهما هذا الجدار ولكنه ينهض على الطرف الآخر بوصفه ذلك الجدار الشفاف الذي يبرز العالمين في وقت واحد ويحجب بينهما كذلك، لذا نجد هذا الجدار الزجاجي يتحول بصورة زئبقية إلى ألوان الدلالات المعبرة عن التلازم بين البعد والقرب والوجود والغياب المرجو والمتحقق، ففي قصة "الجدار الزجاجي" والتي تستمد المجموعة منها التسمية، يتحول الجدار باستمرار وراء تنوع صوره ولكنه في كل مرة تظل له دلالة البعد الذي يتحول إلى موت، في البداية يأخذ صورة التباعد عن الأم(جدار زجاجي رقيق كما رقاقة كنافة هو أول من أذاقه الحرمان، وعرفه لوعة التنائي، لا يزال للآن زجاج نافذة سيارة الأجرة التي أقلت أمه بعيدًا ومنذ ذلك اليوم لم يرها أبدًا( ) ومع الانتقال إلى زوجة الأب ينهض جدار زجاجي جديد يحمل هنا معنى العقاب المفضي إلى الحرمان ،" كم كره الجدار الزجاجي!! وكم كره الزجاج!! كان يراقب أخوته من أبيه في كؤوس زجاجية شفافة"( )وهو نفس الجدار الذي يفصله عن الأخت المحترقة وهو الجدار نفسه الذي يجعله سجينًا أيضًا داخل شرفة المنزل، على هذا النحو يغدو الزجاج بإضافته إلى الجدار ذات دلالة على الشفرة الحادة القاتلة.
ويمكن أن نتأمل هذا الجدار أيضًا بوصفه الرحم الأمومي القاذف إلى حياة تعتلج بصنوف من البشر تتحول القيم لديهم بشكل معكوس فيصبح الشخص المحروم من الأم، والذي تصوره قصة ( الذي سقط من السماء) كائنًا دالاً في سياق أولي على ( السقط) ودال في ساق آخر على عوالم يتحول فيه الطيبون إلى هوامش على الحياة، ومن ثم يصبح هذا الرحم الدافع إلى الحياة دافعًا إلى كون يندر فيه التواصل على الرغم من الحضور فيه( وأيقن أن الطيبين فقط هم من يسقطون من السماء، ولكن ليس في أحضان جداتهم الطيبات، وإنما على الأرض الصلدة لتدق أعناقهم دون رحمة، أما الأشرار فيعيثون فسادًا في الأرض) ( ).
وفي إطار القص الواقعي أيضًا أو ما يسير منه على خطى المأساة الإنسانية تأتي قصة ( اللوحة اليتيمة) حيث تبدد أمل الحصول على الجائزة على الرغم من الأمل وبساطة الحلم الذي يغتاله الموت، فاللوحة التي يتمها بطل القصة طارق العساف هي لوحة الموت الذي ينهي علاقته بلوحته الحياتية وأمله في الحصول على جائزتها، بعد طول مثابرة واجتهاد وروح شفافة طاهرة بريئة.
تنوع البنى السردية
وفي إطار المجموعة لا تنبي القصص على بنية سردية واحدة أو على شكل ثابت للحكي يمثل الأساس الكلي المولد للنصوص، فالقصص تترصدها بنى متنوعة للسرد، ولكن يمكن رد هذا التنوع إلى ثلاث أشكال أساسية، على هذا النحو:
- السرد القائم على التتابع من خلال تنافذ الحلقات.
- القصص ذات التوالي المعتاد لحدث أو شخصية.
- القصص القائمة في الغالب على الوصف أكثر من السرد.
ففي الشكل الأول تتكون القصة عبر تتابع مجموعة من القصص التي تترابط بين بعضها من خلال بعد مجازي كلي، ومن ثم تقترب القصة من شكل المتوالية القصصية أو ما يسمى " بحلقة القصص القصيرة"، وهي كما يعرفها فورست انجرام Forest Ingram (مجموعة من القصص القصيرة التي ترتبط إحداها بالأخريات، إلى درجة يتعدل معها فهم القارئ لكل قصة من خلال فهمه للقصص الأخرى) ( ). فثمة بعد مركزي يصهر المتواليات في أفق كلي يمثل العصب الرئيس للقصة، قد يكون هذا البعد قائم على تعدد المنظورات إزاء أفق مركزي، أو تجاورها على نحو متداخل، أو مجرد تقطيع سردي لهيئات الحدث. وتقوم ثلاث قصص باسترفاد هذا الشكل وهي القصص الثلاث الأولى من المجموعة وتحتل فضائيًّا ما يقرب من ثلث صفحات المجموعة( حوالي 75 صفحة) بما يعني اهتمامًا واضحًا بها بجوار بروزها النوعي والكمي.
ففي قصة سداسية الحرمان التي توقفنا عندها أكثر من مرة ، يتشكل سردها بواسطة تتابع المنظورات والقصص، حيث نجد ستة قصص متوالية، تعرض كل واحدة منها لطور من أطوار الكائن الإنساني في علاقته بالأنثى والحب، على هذا النحو( المتوحش- المارد – الخصي- إكليل العرس-فتى الزهور- الثورة) وكلها تتجمع وتلاقى لرسم الثوابت الكبرى للعاطفة وتجلياتها الرمزية وراء التًّحوّل والتّعاقب التّاريخي لهذه الكوائن، وتحولات الأماكن أيضًا، أما في ( أكاذيب البحر) فنجد التراصف القائم على عوالم البحر ولكنها تُفَعّلُ في التحليل الأخير موضوعة الغياب، كما في قصة( الكابوس) إذ نجد تقسيم المنظور الأنثوي والذكري على القصص، بما يؤدي إلى نوع من التناوب السّردي من كل طرف إزاء الآخر.
أما الشكل الثاني للسرد فهو الشكل المسيطر على المجموعة في أغلب القصص ، حيث الاعتماد الكلي على رسم شخصية مركزية وسبر أعماقها الداخلية وعمليات بحثها عن رغباتها وتطلعاتها، ويتزامن مع رصد الشخصية ميل إلى تتبع تاريخها القريب أو البعيد، وربطه ببؤرة الحدث المركزية التي تتموقع فيها، فدائمًا هناك انحياز لصورة الكائن،من خلال لغة تبدو لأول وهلة حيادية حيث منظور السرد يقوم على الرصد بضمير الغائب الذي بدوره يبدي قدرًا من الحرية في التعامل مع الشخصية فكم الصفات ذاتها تظهر على مستوى آخر درجة من التعاطف أو تورط السارد مع شخصياته وأفكارها، ومن هذا الجانب لنا أن نري المنظور السردي لا على أنه سرد أنثوي أو بمعنى أصح سرود نسوية- على فرضية المؤلف الفعلي للمجموعة- فالقاصة لا تتكئ في كلية سرودها، على القسمة الشائعة اليوم التي تمايز الأدب على أساس من الجنس، فالحس القائم على هذا التمايز لا تسير معه المجموعة، بقدر السير مع سبر العوالم الإنسانية من خلال وضعية مفعمة في بعدها العميق بدلالة أكثر شمولا من هذه القسمة، حيث نجد الاحتفاء بالحب والبراءة والطهر...، وكلها تصب في بؤرة أكثر رحابة للتعبير تقترب بها الذات أو الهوية النسوية مع العالم والسرد،فتصبح هذه الهوية تعبيرًا عن نفسها ضمن هذا الأفق.
الوعي الجمعي
ولا نبتعد عن هذا التصور حين نعاين الشكل الثالث للسرد القائم في معظمه على الوصف، والذي يندرج تحته قصتا(أبناء الشيطان) و( الشيطان يبكي)، فهما قصتان تحوم بنا في فضاء القضية المسيطرة على الوعي الجمعي العربي، إذ يرصدان للتشابك مع القضية الفلسطينية ومشكلة القدس، ولكن من خلال التركيز على العدو الغاصب الذي يتماهى بواسطة العنوان والسرد وحتى البناء الرمزي مع هيئة الشيطان الذي تبدأ منه وتصدر عنه كل قوى أو صنوف الشر.
وعلى هذا المستوى الوصفي تتعامد الكتابة القصصية مع نصوص الكتاب المقدس فترصد فعل الخلق الأول وبذور التكوين، وتتداخل فيها أسفاره خاصة (رؤيا يوحنا اللاهوتي) ( ) . قصة أبناء الشيطان مثلاً يمكن أن نتلمس فيها هذا التعالق مع لغة الوصف في سفر الرؤيا، من خلال عمليات التهويل وأصداء الرؤيا الحلمية الدالة على المستقبل، وعلى نفس المستوى تتراءى قصة آدم وحواء ومن ثم صور الشر المسيطرة وقوى الإغواء بالبشر، وتحويلهم من النعيم إلى الشقاء، أو تتعالق مع الأحاديث الشريفة حول القدس،الأمر ذاته يظهر أيضا في قصة ( الشيطان يبكي)، ولكنها تقترب من تعيين المراد من الشيطان وتحدد هويته، (هيئة الأمم المتحدة كانت رحيمة معه إذا سمحت له بأن يشعر بالأسى كما يشاء، بل إنها أبلغته رسميا بحقه بالحزن حتى الموت، كان شيطانًا رجيمًا في زمن النبي سليمان العظيم، كان يوسوس في صدور الناس، ويرهقهم فتنة وشرًا، وأخيرًا ظفر به سليمان فحبسه لمليون سنه بين لجج البحر وزبده ( ).
في القصتين السابقتين انحياز إلى تصوير الرؤيا الكابوسية الراهنة، حيث تستحوذ على العالم والمكان، ولكن ليست هذه الرؤيا الحدية هي ما تصدر عنه المجموعة أو تؤكد عليها، ففي إطار البعد الجمعي أيضًا ثمة تشديد على القيمة، كما لوحظ من قبل، وتأتي قصة ( مدينة الأحلام) ضمن هذه الوضعية الأخيرة، ففيها يتم التراسل مع صورة المدينة الموعودة التي تمثل الخلاص والحلم، فبروز هذه المدينة يقلب نظام العالم أو بصورة أوضح يرتبه من جديد،" في البدء لم يصدق البشر نداء السماء، وشعروا بتوجس وريبة، بعض المحبطين والشجعان ورجال الاستخبارات دخلوا تلك المدينة على مضض، كان الكل مدججًا بالخوف والطمع، في تلك المدينة كانت الأحلام تنتشر في كل مكان، منضدة في رخاوة محار الأصداف، كم كانت الأحلام جميلة ودافئة ولها بريق مائي، وطعم حلو/ وملمس حنون، كل حلم ينتظر صاحبه، وكانت الطرق تتداخل وتتباعد وتتقارب؛ لتوصل ضيف المدينة بكل يسر إلى حلمه).( )
ولكن هذه المدينة ما إن تبدأ في الحضور، ويعم الفرح الكوني، حين تتحقق الرغبات والأحلام الممنوعة أو المقموعة، ما إن يحدث ذلك إلا ويبدأ الوضع في الالتفاف حول نفسه مرة أخرى، فلم يعد تحقيق الحلم بمستحيل ولا تجدده أو استبداله، ومن ثم غدا حلم آخر يراود البشر غير أحلامها المتحققة، وهنا تبدو القصة وكأنها تستعيد الأساطير العربية القديمة حول أرم ذات العماد وما روي حولها من أخبار تمجد جمالها وما تحقق فيها من حلم ، وإن كانت القصة فيما يبدو تقيم علاقة رمزية مع فراغ الأحلام حال تحقيقها، فالأحلام رهن التحقق ، إذا امتلكت صارت واقعًا أرضيا لا حلمًا.



على هذا النحو تغدو الكتابة السردية في مجموعة ( الجدار الزجاجي) لسناء شعلان، تمجد قيمة الأحلام، والحب والحرية، بلغة وآليات سردية تقوم بالتماس مع أنماط الوعي الجمعي، واقتراب من الهموم العامة الشاغلة للمجموع، بحس أنثوي لا تخطئه مراجعة أولى، حيث تمجيد البراءة، والهوس بالوقائع البسيطة الدالة، والاهتمام بلغة سردية لم تتنازل بعد عن الصورة، أو الزخم الوصف والكلمات ذات العراقة أحيانًا، كل ذلك في فضاء سردي يحتفي بالشفافية التعبيرية، والتواصل القرائي.



هوامش الدراسة

(1) J. E. Cirlot : أ dictionary of symbols, trans. Jack sage. London & Hentey . 1984 “ Love ”.
(2) جان صدقه: رموز وطقوس، دراسات في المثيولوجيا القديمة.رياض الريس للكتب والنشر، بدون تاريخ، ص 27.
(3) سناء شعلان: الجدار الزجاجي، منشورات عمادة البحث العلمي الجامعة الأردنية2005م، ص 37.
(4) السابق:56.
(5) السابق : ص 196.
(6) ) د. عماد حاتم : أساطير اليونان . دار الشرق العربي – بيروت .ط2 – 1994م . ص 102 .
(7) أوفيد : مسخ الكائنات ، ترجمة. ثروت عكاشة ،مراجعة :د. مجدي وهبه. الهيئة المصرية العامة للكتاب،طـ3-1992م، ص127.وانظر أيضًا: أدموند فولر : موسوعة الأساطير ، المثيولوجيا اليونانية ، ترجمة حنا عبود ، الأهالي للنشر ، سوريا ط1 - 1997 ، ص126 .
( 8) الجدار الزجاجي: ص 96.
(9) فالمرأة القسم المكمل للرجل ، إذ تمثل المبدأ الموجب (ين) في مقابل المبدأ السالب (يانغ) في الفكر الصيني ، وفي الفكر اليوناني (الإيروس) في مقابل (اللوغوس) ، ويفسر يونغ ذلك من خلال البعد الخنوثي الكامن في الرجل والمرأة ؛ فالانيما هي الأنثى الكامنة في كل رجل ، والانيموس هو الرجل الكامن في كل امرأة. انظر: فراس السواح : لغز عشتار ، الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة . دار علاء الدين – دمشق .ط7 – 2000م .ص 76 . بتصرف .
(10) الجدار الزجاجي: ص 34.
(11) السابق : ص 84.
(12) السابق : ص 86.
( 13) السابق 189.
( 14) د. خيري دومة : تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1- 1998م ،ص 267.
(15) رؤيا يوحنا : 18 : 1 -3 .
(16) الجدار الزجاجي: 230.
(17) السابق: ص 204.






توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½