دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » تقاسيم الفلسطيني:من أشهر المجموعات القصصية للأديبة د.سناء ال     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » طلاسم عشق     .::.     » رؤى     .::.     » أرض الحكايا: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » ناسك الصومعة: هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.     » رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس     .::.     » رواية أعشقني---هي من أشهر الأعمال الإبداعيّة للأديبة د.سناء     .::.     » كتاب "السّير في الطّريق السّريع"للهنديّ رام بوكسان     .::.     » Sanaa Shalan Resume     .::.     » سناء شعلان في سطور     .::.     » ظلال     .::.     » سيدي البعيد 25     .::.     » فانتازيا سمير الجندي     .::.     » سيدي البعيد 24     .::.     » حين يهرم شهريار     .::.     » موسيقى آذار     .::.     » باب     .::.     » رفيق الليل     .::.     » لا تتوقف عن الحلم     .::.     » زهرة     .::.     » غرباء     .::.     » كان يفترض     .::.     » انت والريح     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع موقع الكاتبة د.سناء شعلان

مؤلف رسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:22 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان




الرواية امتداد لروايات الخيال العلمي عبر توليفة سردّية روائية رومانسيّة،وباختصار نستطيع أن نلخّص فكرة الرواية في كلمة بطلتها في البداية حيث تقول:" وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق،أنا لستُ ضدّ أبعاد الطّول والعرض والارتفاع والزّمان،ولستُ معنية بتفكيك نظرية إينشتاين العملاقة التي يدركها ،ويفهمها جيداً حتى أكثر الطلبة تواضعاً في الذّكاء والاجتهاد في أيّ مدرسة من مدارس هذا الكوكب الصّغير،ولكنّني أعلم علم اليقين والمؤمنين والعالمين والعارفين والدارين وورثة المتصوّفة والعشّاق المنقرضين منذ آلاف السّنين أنّ الحبّ هو البُعد الخامس الأهم في تشكيل معالم وجودنا،وحده الحبّ هو الكفيل بإحياء هذا الموات،وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكتروني البشع،وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب،وفلسفة انعتاق لحظة،أنا كافرة بكلّ الأبعاد خلا هذا البعد الخامس الجميل". فهذه الرّواية تقدّم مساحات النّفس الإنسانيّة بما فيها من معضلات فكريّة ونفسيّة وجسديّة عبر منظور زمني عامودي يخترق أكثر من ألفي عام من تاريخ الحضارة الإنسانية،حتى النفاذ إلى ألف عام أخرى مستقبليّة مفترضة حيث عام 3000 ميلادي عبر توليفة استشرافيّة فنتازية لما قد يكون عليه مستقبل البشريّة في ضوء معطياتها الحاضرة،وانطلاقاً من أزماتها الرّاهنة في إزاء خيال علمي يعد بالكثير من التقدّم على المستوى التقني،في حين يظلّ عاجزاً عن الارتقاء بإنسانية الإنسان،وقاصراً عن السّمو بقلبه وعقله،ليظلّ هو الآخر حبيس أزمات الإنسان ومعضلاته وأفكاره وأسئلته الكبرى. هذه الرّواية تهجر التّخوم لتدخل إلى عوالم الأسئلة الكبرى عند الإنسان،مثل:الموت والحياة والسّعادة والخلق والقوة والعلم والجنس والعشق والدّين والرّب والسّلطة والثّورة والنّصر والهزيمة والفرد والجماعة،وتحاول أن تقدّم تجربة عشقيّة هاربة من عالم المادي التقني المفترض في المستقبل في ضوء الخيال العلمي،لتقدّم تجربة طوبائيّة للعشق والجنس والخلود والامتداد البشري. وهي بذلك تهزأ من تشيء الإنسان في الوقت الحاضر،وتقدّم نبوءة متشائمة لمستقبل البشرية إن أصرّت الإنسانيّة على ما هي عليه من فرقة وقسوة وحروب ووحشيّة وانتهازيّة ودمار؛فترسم عوالم مستقبلية في جغرافيّة كونيّة هائلة تمتدّ إلى كلّ كواكب درب التبّانة،وتشمل البشريّة جمعاء في مشهد بشريّ مأزوم في مستقبل يدين للآلة والبراغماتيّة والعلم المقطوع عن الإنسانيّة وعن السّماء،ويحوّل الإنسان إلى رقم كونيّ مفرغ من الأمل والمشاعر والذّاتيّة بل ومن السّعادة. وفي هذا الفراغ الرّوحي القبيح حيث لا جسد بمعناه التفاعليّ،ولا أسماء،ولا أحلام،ولا ذاتية،ولا أوطان،ولا دين،ولا أمل،ولا جمال يولد العشق بين القاتل والمقتول،ويجد بطل الرواية نفسه سجيناً في جسد اغتاله ضمن توليفة سرديّة تقوم على افتراض نقل دماغ الإنسان من جسد إلى آخر في المستقبل القريب،ثم يجد نفسه حاملاً بطفل الجسد الذي يسكنه،وهنا تبدأ رحلته مع نفسه،ومع جسده الجديد،ومع جنينه،ومع أسئلته الكبرى،ليجد في النّهاية كلّ الإجابات عن أسئلته المعلّقة التي تقهر وجوده المستلب في عالم المستقبل المفترض،فيقع في عشق جسده الذي كان في يوم ما هو جسد المرأة التي اغتالها بعد أن يعرفها عبر دفتر يومياتها،ويؤمن مثلها بالعشق،ويهجر الإلحاد حيث الإيمان بالرّب،ويؤمن من جديد بإنسانيته وبحق البشريّة في فرصة أخيرة في الحياة والسّعادة والعشق،ويعشقها بكلّ عمق وصدق،ويقرّر أن يبدأ حياة جديدة بجسده الأنثويّ الذي يضمّ رجولته العاشقة لتلك المرأة التي تركت جنينها في جسدهما. وينتصر خيار الحياة والعشق في نهاية الرّواية،ويقرّر بطل الرّواية أن يحتفظ بالجنين،وأن يلده عندما يحين وقت ذلك ليهرب به إلى كوكب آخر،ويبدأ به جيلاً آخر من البشرية يكون حاملاً للواء المحبة والإخاء والعدل والمساواة بعيداً عن ظلم البشرية،وسيرها في طريق الهلاك الحتمي. هذه الرّواية هي انتصار العشق والحياة على الموت والفناء،إنّها دعوة مفتوحة لبدايات جديدة،وآفاق أرحب،وفرص أخيرة... إنّها خيار السّعادة لمن أرادها بحق بعيداً عن المادة الباردة الموغلة في العزلة. وعن سبب اختيار شعلان للكتابة في جنس الأدب الروائي القائم على الخيال العلمي تقول:" الخيالُ العلميُّ يفتح شرفة ثلاثيّة الأبعاد على مستقبل التّقدّم المعرفي،وممكن الإنسان المحتمل الحدوث في محدّدات زمانيّة ومكانيّة ومعرفيّة قادمة ضمن سيرورة التقدّم العامودي والأفقي في مدارج الحضارة،وشكل الرّوايةّ التّقليديّ في ضوء سلطات معرفيّة جديدة تَعِد بأن تقدّم معطيات حداثيّة للشّكل الحكائيّ السّردي بما يتناسب مع أيدولوجيات الطّرح المختلف،ومعطيات العوالم المقترحة،والإمكانيّات المشروطة،بما يتناسب مع فرضيات كاتب الخيال العلمي ،ومع نظرياته،ورؤاه المستقبليّة. ومن هذه الشّرفة الثلاثيّة العريضة التي يقدّمها هذا الأدب،نستطيع القول إنّ الخيال العلمي تجربة رياديّة خاصة في كتابة المستقبل بالارتكاز على دراسة علميّة دقيقة لمعطيات الواقع المعرفيّ،وأفق نمائه وامتداده في ضوء إمكانياته واحتمالاته وحاجاته،وبخلاف ذلك تصبح تجربة كتابة الخيال العلمي هي مجرّد شطحات فانتازيّة مغرقة في الشّطط،لا تساعد في أن تقوم بدورها التنويريّ والتحريضيّ في تقديم صيغ معرفيّة جديدة في ضوء منتاجات معرفيّة حاليّة حقيقيّة الوجود،والتّماهي في تشكيل صورة الوجود الإنسانيّ على كوكب الأرض وتقول شعلان عن روايتها"أَعْشَقُني" من عباءة الخيال العلميّ استطعتُ أن أحلّق نحو الحريّة بكلّ تمرّد دون أن يعوقني عائق نحو تصوير مستقبل البشريّة المفرغ من الإنسانيّة والمشاعر والسّعادة،وهو مستقبل مقبول فرضيّاً وعلميّاً إن استمر الإنسان في لعبته الجهنّميّة مع ذاته،وهي لعبة تحويل نفسه إلى آلة عاملة منتجة مستلبة لا تحلم بحرّية أو إبداع أو خروج عن النّسق،وفي هذا المستقبل توبيخ للإنسان الذي أضاع قلبه ووجدانه وضميره وحلمه،دون الانتقاص من قيمة العلم وجدوى الآلة ودورها في خدمة الإنسان.فهذه الرّواية هي رواية فنتازيا الخيال العلميّ التي ترسم حياة الإنسان المستقبليّ ضمن إرهاصات العلم المحكومة بتوقعات علميّة قابلة للتحقّق،وفي الوقت نفسه تنحاز إلى رصد ردود فعل الإنسان في عوالمه المستقبليّة،وتسمح لنفسها بخلق فجوات حدثيّة غير قابلة للتسويغ بمنظور العلم،ولكّنها شحطات مضافة إلى توقعّات العلم لإبراز أزمة الإنسان الرّاهنة والمستقبليّة في ضوء النتائج المترتّبة المرسومة في مشهد المستقبل الذي يدفع الإنسان إلى إعادة النّظر في سلوكه وواقعه،ويحذّره من مآله،ويحرّضه على تعديل مسيرته بغية النجاة من مصيره المأساويّ المنتظر الذي يحذّرنا الخيال العلميّ منه".


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:29 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top









توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:33 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


رواية

أَعْشَقُنِي


المملكة الأردنية الهاشميّة
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنيّة
(3021/6/2015)


9.813
شعلان، سناء كامل
أعشقني/ سناء كامل شعلان .–ط3 .– عمان: المعدّ، 2015
( ) ص.
ر. إ.: 3021/6/2015 .
الواصفات : /القصص العربية //العصر الحديث/
يتحمّل المؤلف كامل المسؤولية القانونية عن محتوى مصنفه ولا يعبّر هذا المصنف عن رأي دائرة المكتبة الوطنية أو أي جهة حكومية أخرى.


(ردمك) 978-9957-545-20-8 ISBN
الحقوق جميعها محفوظة للمؤلفة
الطّبعة الثّالثة
2016
لا يُسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تخزينه في نطاق استعادة
المعلومات أو نقله بأي شكل من الأشكال،دون إذن خطي مسبق من المؤلفة
عمّان- الأردن
All rights reserved
No part of this book may by reproducted,stored in أ retrieval
System or transmitted in any form or by any meas without prior
permission in writing

 تصميم الغلاف اسمى جرادات
 الإخراج الفني والتنضيد اسمى جرادات/عمان 0785746717
البريد الإلكترونيّ ga_asma@yahoo.com


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:35 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


د.سناء شعلان



أَعْشَقُنِي
رواية



الطّبعة الثّالثة
2016





خالد وأسئلة الانتظار

إلى متى تظلّ صمتاً يا خالد،وأظلّ ألعبُ معك لعبة التّخفّي؟! متى يعرف الجميع أنّك حقيقة نابضة بالإحساس والجمال والتّفلّت والثّورة والصّخب اللّذيذ؟ متى يرون ملامحكَ النّبيلة؟ويسمعون كلماتكَ النديّة؟متى يسمعون صوتكَ الشّجي المترع بصوت الجبال البعيدة والرّجال الأشاوس؟متى يعرفون أنّ سلالة الرّجال المخلوقين من الياسمين والوجيب لم تنقرض بعد؟! متى أقول لكلّ من يسأل عنكَ إنّك هناك في البعيد حيث البرد والصّقيع تكتب ترنيمة عشق وتصاد شموساً وأقماراً بصدرك العاري من الحقد والبغضاء؟! متى أقول للجميع إنّك حقيقة راسخة في زمن الرّدة والرّيبة؟! متى تعود بمواسم الفرح والحبّ وجنى الحقيقة السّابحة في الأزل؟
خالد أنتظركَ...
شمس وسناء


خالد ليس خيالاً،بل هو حقيقة،ولا يمكن أن يكون إلاّ حقيقة.

سناء


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:36 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top






الإهداء
إلى نبيّة البُعد الخامس في عالمي،
إلى صاحبة أكبر قلب وأجمل حبّ
إلى أمي
ومن غيرها يحترف العطاء والحبّ،
ويحمل راية الحبّ الخالد؟!












توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:38 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




يحدثُ في عام 3010م

"البشر عندهم الغرور ليتظاهروا بأنّ الكون كلّه جُعل لصالحهم،بينما الكون كلّه ليس عنده حتى اشتباه بوجودهم"

كاميل فلاماريوم
"عندما يحضر خالد،تغيب الأشياء كلّها؛ فهو إله الحضور الجميل"

شمس

" إنّ القلب يتّسع حتى يضيق العالم،إنّ القلب يستطيع أن يحمل بين عرائشه الصّور الجميلة كلّها".
خالد




المحتـويـات


العنوان الصّفحة
الفصل الأوّل 15
الفصل الثّاني 27
الفصل الثّالث 39
الفصل الرّابع 49
الفصل الخامس 55
الفصل السّادس 75
الفصل السّابع 111
الفصل الثّامن 165


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:39 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top






من يوميّات امرأة عاشقة في مجرّة درب التّبانة

" وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق، أنا لستُ ضدّ أبعاد الطّول والعرض والارتفاع والزّمان، ولستُ معنية بتفكيك نظرية أينشتاين التي يدركها ويفهمها جيداً حتى أكثر الطلبة تواضعاً في الذّكاء والاجتهاد في أيّ مدرسة من مدارس هذا الكوكب الصّغير، ولكنّني أعلم علم اليقين والمؤمنين والعالمين والعارفين والدّارين وورثة المتصوّفة والعشّاق المنقرضين منذ آلاف السّنين أنّ الحبّ هو البُعد الخامس الأهم في تشكيل معالم وجودنا،وحده الحبّ هو الكفيل بإحياء هذا الموات،وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكترونيّ البشع،وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب،وفلسفة انعتاق لحظة،أنا كافرة بالأبعاد كلّها خلا هذا البعد الخامس الجميل،أنا نبيّة هذا العصر الإلكترونيّ المقيت،فهل من مؤمنين؟ لأكون وخالد وجنينا القادم المؤمنين الشّجعان في هذا البُعد الجميل. خالد أنا أحبّكَ،وأحبّ جنينا كما ينبغي لنبيّة عاشقة أن تحبّ..."()


() - نوع الملف:سريّ.
- تاريخ الملفّ: غير محدّد من العام 3010 م.
- اسم الملفّ: البُعد الخامس.
- نوع الحافظة:حزمة ضوئيّة مكتوبة.
- نوع الملكيّة:شخصيّ س/س/خ/للعام3010م / مُصادر لحساب شبكة المخابرات المركزيّة لمجرّة درب التبّانة.
- مرفقات الملف: زهرة بريّة مجفّفة مجهولة الفائدة أو التّفاصيل أو الغرض.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:40 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top






الفصل الأول
(البُعد الأوّل: الطّول؛ في امتداد جسدها تسكن آمالي كلّها، ويغفو بدعة طوق نجاتي)


الفصل الأوّل
(البُعد الأوّل:الطّول؛ في امتداد جسدها تسكن
آمالي كلّها،ويغفو بدعة طوق نجاتي)
جسدها العاري المسجّى على سرير أبيض عارٍ إلاّ منها هو خصمي في هذه اللّحظات،ولكنّني لستُ خصمه،بل المنتظر له بلهفة مجنونة تملك أيادي متعطّشة للاحتواء، لا أريده حيّاً وشبقاً ومُشتهىً يضجّ بحرارة الحياة وجمال الأفعال والتّفاصيل، بل أريده تماماً كما هو الآن؛ أريده دون حياة أو غدٍ أو قادمٍ، أريده بضجعةٍ أبديّةٍ لا تملك بعثاً إلاّ لي وبي، ملامحها الغارقة في سلام عجيب لا تتناسب مع عذاباتها الطّويلة على أيدي معذّبيها، لعلّ جسدها الصّغير الناّفر الثّديين الضّامر البطن البادي النّحول وحده من يفضح دون خجل أو خوف رحلتها الطّويلة مع العذاب عبر الكثير من الكدمات والجروح والحروق، لو كانت الظّروف مختلفة لما كنتُ قبلتُ أبداً بهذا الجسد الصّغير النّحيل الأسمر الذي لوّحته الشّمس بتفنّن نادر، وشوّهتهُ يد التّعذيب بجور غامر بديلاً عن جسدي الممتدّ في أفق الجمال الذّكوريّ والتّناسق البديع والشُّقرة الغارقة في حمرة شهيّة متوارثة في جينات أسرتي التي احترفت شراء أجود أنواع المنيّ المنحدر من السّلالات الشّقراء الهجينة،ولكنّها الأقدار هي من جمعتنا في هذا المكان الرّهيب متقابلين على سريرين بجسديين عاريين إلاّ من انتظار قدريّ ساخر ومحموم.
فاتني أن أسأل عن اسمها، ومن يهمه أن يعرف اسمها الآن؟ فقط هي رغبة الحياة والفرار من الموت من تهصر لحظاتي بيديها الجبارتين المنفلتتين في العدم، والعابثتين بالخراب، وتنفتح بفيه أحمق على أسئلة الوجود والعدم كلّها.لعلّها هي من ترغب في هذه اللّحظة في أن تعرف من أكون، أتراها كانتْ ستهبني جسدها ليكون وعاءً لي لو كانت حُكّمتْ في هذا الأمر؟ أم ستكون عصيّة عنيدة كما هو شأنها في الحياة والنّضال والرّأي والموقف؟ يا لها من أقدار عابثة حدّ المجون والعهر! هاهي تلك العنيدة القادمة من غياهب الزّنزانات الانفراديّة في معتقلاتنا السّياسيّة في أقاصي كواكب المجرّة تترجلّ عن صهوة كبريائها ورفضها وصمودها بعد طول عناد، وتلفظ أنفاسها الأخيرة على أيدي جلاديها دون أن تتراجع عن أيّ موقف سياسيّ، أو عن رأيّ لها معارض لسياسة حكومة دربّ التبّانة.
قيل لي إنّ بنيتها الضّعيفة خلاف مراسها وعزيمتها وإصرارها قد جعلتها لا تصمد أكثر من أيام قليلة أمام التّعذيب، وشاء القدر لها ولي أن تلفظ أنفاسها هذا الصّباح، ترى كيف ماتت بالضّبط؟ هذا لا يهمّني الآن، المهم أنّني حيّ في هذه اللّحظـة، وإن كانت تحيّرني تلك الابتسامة الباذخة التي تزهو بسمرتها، وتداعب شفتيها دون خوف من سلطة الموت! أين شحوب الموت؟ أين هلع الأنفاس الأخيرة المغادرة دون رجعة؟ أين النّظرات الزّائغة؟ لماذا هي مبتسمة في لحظة النّهاية؟ أتراها تسخر مني؟ أم تسخر من الموت؟ أم تسخر من السّخرية ذاتها؟!
يقولون إنّها زعيمة وطنيّة مرموقة في حزب الحياة الممنوع والمعارض، ويذكرون أنّها كاتبة مشهورة، كما يقولون عنها الكثير من الأشياء الأخرى التي ماعاد ذهني المشوّش بفوضى الألم يتذكّرها في هذه اللّحظة، أنا لا أعرف الكثير عن آرائها ومواقفها، لا شكّ في أنّ حروبي الطّويلة مع المعارضين والمنشقّين عبر المجرّة قد سرقتني حتى من معرفة هذه المرأة التي يقال إنّها مشهورة بلقب النّبيّة.
لقد بتُّ أحفظ تفاصيل بزّتي العسكريّة الواقيّة من الإشعاعات الكونيّة والإشعاعات الحربيّة المعادية أكثر ممّا أحفظ من تفاصيل وجهي وقسماته، أستطيع الزّعم كذلك إنّ مركبتي الفضائيّة المقاتلة أكثر قرباً إلى نفسي ومعرفتي وتواصلي من زوجتي الجميلة الزّلقة الملمس والرّائحة والطّعم والمزاج والإخلاص، وكذلك أكثر قرباً إليّ من أبنائي الاثنين المنذورين لدراسات أكاديميّة إلكترونيّة معقدّة في الجناح العسكريّ للحربيّة الوطنيّة في معسكرات الشمّال المتجمّد منذ وصلوا إلى سنّ الخامسة، بل إنّ مساعدي الأول الآليّ هو خير عندي وأكثر أهميّة وفائدة من مجمل أصدقائي الذين باتتْ تفصلني عن أماكن سكنى بعضهم بضع سنوات ضوئيّة.
ليتني أستطيع أن أرثي لها ولجسدها المسجّى، ليتني أستطيع أن أرفض أن أأُسر في جسدها المنكمش على آلامه وعلى سيرته المحمومة، ليتني أستطيع أن أتشبّث بجسدي الحبيب، ليتني أملك الجرأة لأقول للأطباء: دعوني أموت، أنا أرفض أن أكون حقل تجارب، وأرفض أن أكون أوّل إنسان تُجرى له عملية نقل دماغ، ليتني أستطيع أن أرفض بعزم وإصرار أن يُنقل دماغي إلى جسد تلك المرأة المعانقة للموت والعدم منذ الصّباح، ليغادر مكرهاً جسدي المهترئ حدّ التآكل، والمحترق حدّ التّفحّم جرّاء أشعة ذلك الفخّ الانتحاريّ الذي نصبه لي ثوّار المجرّة في دوريتي الصّباحيّة الاعتياديّة صباح هذا اليوم في مدار القمر، فهتّك جسدي، والتهم أعضائي، وما أبقى إلاّ على رأسي سالماً وعلى فتات من ذكرى لحمٍ وعظام مسحوقة كان اسمها جسدي.
لكنّني جبان ضعيف أمام رغبتي المتشبثة بالحياة، لا زال طعم الحياة الحلو ينخر إرادة الرّفض والاستعلاء على الضّعف في نفسي، ويلحّ عليّ بإصرار لعين لأتشبّث بالحياة ولو في جسدٍ آخر، ولو كان هذا الجسد مسروقاً من امرأة كان لقبها في الصّباح النّبيّة.
حدثت الأمور بسرعة قدريّة تشبه مؤامرة حقيرة تُحاك في الظّلام، هي لفظتْ أنفاسها الأخيرة هذا الصّباح في زنزانة قذرة، وأنا تعرّضتُ في الوقت نفسه لحادث انتحاريّ، هي باتت دون روح ودون دماغ، وأنا بتُّ عقلاً ينبض بالحياة دون جسد، وهنا في هذه المستشفى العسكريّ النّوويّ حيث لا يدخله إلاّ كبار الموظفين والعسكريين والعلماء الذّريّين والأثرياء كان طبيب جامح ومساعده الطّبيب الآليّ وعصبة كبيرة من الأطبّاء المشهورين والمخضرمين والمتدرّبين والباحثين في هندسة الجينات البشريّة وفيزياء الجسد وكادر من الممرضين والممرضات والمساندين والمساعدين الآليين في انتظاري باقتراحهم الإبليسيّ وتجربتهم المخيفة، لم يكن أمامي إلاّ القليل من الوقت لأوافق على هذه العمليّة بتهور وعلى عجل يتنازعه ألم جسديّ عظيم، وخوف رهيب من الموت والرّحيل، ورغبة ملتهبة في أخذ فرصة جديدة للحياة، ولو كانت فرصة أكبر من مستحيلة، وتكاد تكون الأولى من نوعها، أو هي كذلك.يا لها من فرصة مقيتة مسروقة من امرأة ميتة مسجّاة عارية إلى جانبي! فيما تفكّر هذه الصّامتة في هذه اللّّّّحظة؟ّّّّ لعلّها ترفض بصمت رهيب أن تهبني جسدها الصّغير، ولكن من يبالي برفضها؟! وأنا الجبّار القويّّ في هذه اللّحظة بسلطة حكومة درب التبّانة على الرّغم من ضعفي وعجزي، وهي الضّعيفة العاجزة السّادرة في العدم.
الكثير من مسكّنات الألم المتطّورة استطاعتْ بصعوبة وبطء أن تمدّني بلحظات من صمت ألم حروق جسدي وكسور عظامي كي أفهم العرض المقدّم لي من الأطبّاء على طبق من المستحيل والمجازفة، كلّ شيء جاهز؛الأبحاث الدّقيقة والنّتائج الإيجابيّة والمبشرّة والأكيدة بعد استخلاصها من عمليات مشابهة على الحيوانات والكوادر الطّبية والتّمريضية المدرّبة والأجهزة المتطوّرة والدّعم الآليّ المتقدّم وجسدها ودماغي وزمن حرج مخنوق مشدود بتوتّر إلى القلق والعجز والقصر والانقضاء السّريع،و فرصة واحدة تكاد تكون زائلة لا تتجاوز بضع ساعات تفصلني عن موت مؤكّد في ضوء معطيات جسدي المتآكل الذي يعمل قلبه ورئتاه بصعوبة معاندة لكلّ الآلات الصّناعيّة المنعشة والتّشغيليّة المربوط إليها.
علي أن أختار سريعاً، أو هذا ما يخيّل إليّ أنّني سأفعله، أو ما يجب أن أفعله فعلاً، ولكن الحقيقة تقول بصفاقة لا مبالية إنّ الأقدار قد اختارتْ مسبقاً، ورتبت الأمور والصّدف والأحوال كما ينبغي، وأنا مضطر إلى أن أرضخ إلى تصاريف الصّدف والأفعال العبثيّة والقدريّة في آن، مادام العلم كلّه والتّقدّم الحضاريّ بأسره في الألفيّة الثالثة من تاريخ البشريّة وسلطتي ورتبتي العسكريّة الرّفيعة ونفوذي الخطير وسيرتي العسكريّة المشرفة وطموحاتي العملاقة ومآثري المزعومة لا تستطيع جميعـاً أن تهبني لحظـة حيـاة إضافيّة إنْ انتهت إقامتي الجبريّة اللّذيذة في سيرورة الحياة.حتى جسدها الصّغير المقرور هو قدري في هذه اللّحظات فضلاً عن موتها أو للدّقة قتلها في يوم حاجتي إلى جسد ما.
أستطيع أن أزعم بنَفَسٍ استعلائيّ مقيت متعفّن أنّ إرادة جبارة في هذا الكون تريد أن تهبني فرصة جديدة للحياة، وهي بجبروت إرادتها السّلطوية النّافذة قد رتبت الظّروف كلّها حتى موت هذه المرأة السّمراء الصّغيرة من أجل إنقاذي، ولن يعيبني أن أدّعي في لحظة انتحار أمنيات واحتضار قسريّ مؤلم أنّ خلق هذه المرأة وسيرتها وأقدارها جميعها حتى موتها إنّما كانت كلّها بترتيب الإرادة الخفيّة الجبّارة من أجلي أنا دون غيري من مخلوقات هذا الكون،ومن سيمنعني من أن أهمس لنفسي بصمت، وأن أقول لها مخفّفاً عنها بلاءها ومجافياً إلحادي العتيد المعلن المنكر لوجود إله أو آخرة أو حساب أو جنة أو جحيم: إنّ هناك قوة في السّماء تحبّني بشدة على الرّغم من كفري وجحودي، لعلّها محاولة غير يائسة من تلك القوة، وقد تتكلّل بالنّجاح من أجل استمالتي نحو الإيمان والتّصديق بالرّبوبيّة وسائر فانتازياتها التي أقرأ عنها من وقت إلى آخر في كتابات بعض الباحثين عن الشّهرة السّريعة من الكتّاب والإعلاميين في المنظومة الإعلاميّة الإلكترونيّة الكونيّة.
باختصار ليس أمامي إلاّ أن أركع في محراب الفرصة الثّانيـة والأخيـرة للحياة، ولو كان ذلك على حساب المسلّمـات والطّبيعيّات والمعارف والعوالم والحقائق كلّها، بل وعلى حسابها هي،أيّاً كانت الأحوال، وأيّاً كان قراري، فهي في الأحوال كلّها لن تبالي بمصير جسدها المنكود، فقد ذاق العدم والنّهاية الحتميّة، وما كان كان، ولا أخال أنّها ستغضب من أن يبقى جسدها حيناً من الزّمان خالداً بعد رحيلها عن دنيا الوجود مسجوناً بي أو معي، أو ساجناً لي بمعنى آخر، بل قد يفرحها ذلك بمعنى ما، وإن كنتُ أشكّ في أنّها ستفرح بأن تترك جسدها عالقاً في عالم المادة مع رجلٍ أخال أنّه واحد من ألدّ أعدائها لاسيما وأنّه هو من فتك بالكثير من أصدقائها الثوّار الذين أرادوا للبشريّة أن تتراجع في ضوء مطالبتهم بمثاليّات سخيفة بالية عتيقة قد تجاوزتها الحضارة الإنسانيّة منذ قرون، وباتت تاريخاً منسيّاً مغضوباً عليه في ذاكرة جمعيّة كادت تجهضه تماماً من تاريخ حيّز تذكّرها.
ومن يدري ربما كان هذا الأمر سيسعدها، وسيتناسب مع نسق مثالياتها وأفكارها الرّومانسيّة المغرقة في إنسانيّتها المنفّرة ويتواطأ معها؛لتبرهن للمجرّة كلّها على أنّ ثورتها كانتْ صادقة وقابلة لتجاوز العثرات والأسئلة والمزالق والتّشكيكات والأزمات كلّها، وبذا تخلص إلى لقب النّبيّة بكلّ استحقاق وجدارة، فمن سيكون غيرها عندئذٍ حريّاً بهذا اللّقب ؟وهي من تهب عدواً من ألدّ أعدائها جسدها راضية مرضية، وإن كان في زمرة من ساهموا في ملاحقتهـا وسجنها وقتلها بمعنى من المعاني مادام هو ضمن جنود حكومة المجرّة، وواحد من أبرز رجالاتها وزعاماتها وقوّداها.
أيّاً كانت الاحتمالات والمشاهد والفرضيات والتّأويلات فقد انتصر بسهولة ويسر لرغبة الحياة، وقرّر المجازفة مادام لا يملك غيرها، وهناك الموت يتربّص به، وينتظره قيد ساعات ليغرز نابه الأزرق المسموم في روحه المعذّبة الآثمة وفي بقايا جسده المهصور، وها قد أعطى موافقته على إجراء العمليّة عبر توقيع إلكترونيّ معتمد له في منظومة الدّولة العسكريّة والقضائيّة مشفوعاً بأرقامه السّريّة الخاصة.
وهاهو ينتظر بقلقه المسيطر وعقله النّابض بحمى الألم وأشلاء جسده، وعجزه البائن الكسير اكتمال الاستعدادات، وحضور الطّاقم الطّبي المشغول بصخب هذه العمليّة الاستثنائيّة التي اجتذبت آلاف الفضوليين، واستقطبت مندوبي وسائل الإعلام من شتّى أنحاء المجرّة، وباتتْ تبثّ الأخبار على التّوالي عبر فضائياتها المرئيّة والمسموعة والسّابقة لسرعة الضّوء كي ترسل الخبر إلى شتى أنحاء الكون عبر رسائل باللّغات كلّها لكلّ سكان الكون المعروفين والمجهولين القريبين والموغلين في البعد حيث لا أمل في التّواصل معهم بأيّ شكل من الأشكال إلاّ بالتقاط البثّ العشوائيّ الموجّه إليهم.
وهو ليس له إلاّ الصّمت والانتظار والأمل والرجاء والتفرّس في جسدها الشّاب العاجز المسجّى في الطّاولة الموازية لسريره بعجز محزن، لا يختلف كثيراً عن عجزه وضعفه، وكسر شوكة نفسه وعنفوان جسده وعزم إرادته الذي كاد يسحق نبض كبريائه وصهيل جموحه، ليتضاءل ويتقزّم في احتراق نيزك ضائع في مجرّة متوحّشة عملاقة أو موت كوكب تليد في لحظة إشعاعه الأولى.
يبتسم على مضضٍ لسبب يجهله، ولكنّه يمنّي نفسه بتحقّق المعجزة، لم يسبق لبشر أن نجح في أن يعيش بدماغ غيره، ولكنّه على ما يبدو على حلفٍ مع الأحداث الغريبة والنّكسات الاستثنائيّة، وهاهو مضطر الآن إلى أن يخضع لعملية غريبة لا تقلّ وحشيّة عن بتر عضو بسكين ثلماء كي يغدو له جسداً جديداً مسروقاً من امرأة عاجزة لا يعرفها، ولا تعرفه.
القدر يسخر منه بحق، فيسرق منه جسده الرّجوليّ الوافر الجمال والعنفوان والاكتمال والبسطة في الطّول والصّحة والعطاء والحضور والجاذبيّة، ويهبه جسداً أنثوياً أسمرَ، يغالب ندوباً وجراحاً وألوان طيف الشّمس ورفيف الموت المداهم له عنوة وقسراً.
الأطبّاء أكّدوا له أنّ هذا الجسد الأنثويّ المنسرح في أحضان الموت بابتسامة قرمزيّة مترعة بالسّلام والرّضا وبشيء آخر لا يعرف له اسماً أو لوناً أو صفة هو الجسد الوحيد الملائم جينيّاً وأنسجة وخلاياً لجسده، في حين تغيب الاحتمالات الأخرى الملائمة له، حتى تلك الجثّث الكثيرة المكوّمة في المشرحة حصيلة حادث مروريّ على الخطّ الضّوئيّ السّريع بين الأرض والقمر ووفيات طبيعيّة، ومواجهات دامية مع الثوّار في الشّمال، وانفجار في معمل كيميائيّ نوويّ جميعها لا تناسبه جينياً، ولذلك عليه أن يقبل بأن يدسّ روحه ودماغه في هذا الجسد الصّغير على كُرْه أو رضا حتى ينجو بحياته، وعندها سيكون من السّهل على الأطبّاء نقل دماغه من جديد إلى جسدٍ ذكوريّ، يُنتقى على هوادة وتروٍ وفق شروطه ورغباته بمساعدة مخابرات المجرّة لتعويضه عن خسارته الرّهيبة لجسده في حربه المخلصة للدّولة في مواجهة الأعداء والثوّار والمخرّبين.
هو في هذه اللّحظة لا يثق بمخابرات المجرّة ولا بالأطبّاء ولا بهذه العمليّة المستحيلة ولا حتى بجسدها المسجّى بصمت واستسلام، لكنّه يثق بعجز واضطرار بطاقة كونيّة عجيبة قادرة على أن تخلّصه من هذه المحنة الخرافيّة، ويفكّر في أن يتمتم بنشيد ما ليساعده على أن يعلو على رهبة الموقف وصقيع الوحدة والخوف، ولكنّ فكّه المكسور يحرمه من هذه المصالحة الصّغيرة مع لحظته، ويسلمه وحيداً محزوناً لجسدها، ولاشيء غير جسدها.
يحاول أن يهرب منها باستذكار عقيم لمفردات هذه العمليّة، ومراحلها ومجازفاتها وتوقعاتها وإمكانياتها التي حدثّه الأطبّاء عنها بإسهاب مُساط بقلق الزّمن، يدرك أنّه نسي معظم ما قيل له، خلا أنّ جسده البالي سيُلقى به في مشرحة كليّة الطبّ، ودماغه سيرتدي جسدها، وهي ستكونه، وهو سيكونها، وبذلك يكون رجلاً في جسد امرأة، أو جسد امرأة بعقل رجل، أيّ سيكون اثنين في واحد إلى أن تنجح العمليّة، ثم يعيد الأطبّاء الكرّة، ويهبونه جسداً ذكوريّاً يسكنه حتى يأتيه الموت مرة أخرى مطالباً بإصرار بانضمامه إلى قافلة الرّحيل والعدم، وحتى ذلك الوقت عليه أن يؤمن بالمستحيل وبجسدها، وببركات روحها النّبيّة، لعلّها تهبه النّجاة من هذا الكفر الموصول.
في غضون دقيقة يأتون جميعاً، لا يعرف لهم أسماء، كلّهم هنا من أجل ميلاد هذا الإنجاز الطّبي المستحيل، به قد تكون ولادة حقبة جديدة من تاريخ البشريّة والتّقدّم الحضاريّ والإنجاز الطّبيّ، هو وحده من سيملك أن يقول نعم أو لا لتكرار هذه التّجربة له ولغيره من البشر،هو وحده من سيجيب على هذا السّؤال البشريّ المعلّق، ووحده من سيكون معلّقاً في العجز والوحدة والحرمان والغربة داخل ذاتـه في هذه التّجربة العجيبة التي تفوقه، ووحده من سيُسجن داخل جسدها المفصّل على قدر صفاته الجينيّة وعجزه وحرمانه وغرابة الصّدفة التي يكره أن يؤمن بها، وأن يستسلم لها.
آنت اللّحظة القدريّة الفجيعة، لا مفرّ من أن يستسلم لهم ولمباضعهم المتأهبّة للانقضاض عليهما، يغزوه غاز مخدّر عبر قناع الأوكسجين الذي يحاصر فمه وأنفه، يحاول أن يبحث عن ابتسامة تشجيع من الوجوه التي تغزو مساحة رؤيته، وحين يخفق في أن يحصل عليها برغبة مستجدية ملسوعة، يهرب دون وعي إلى جسدها، يسترق النّظرات إليها عبر ثقوب المساحات بين الأجساد التي تحاصره، يكاد يلمح ابتسامة تخصّه تختال على شفتيها، يغزوه اطمئنان صغير دافئ، وينسرح في عالم الهلوسات والأحلام والغياب والخدر، وتغيب الأشياء.



توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:42 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top





الفصل الثاني
(البُعد الثاني: الزّمن؛ ثمّة مفاهيم جديدة ونظريات نسبيّة أخرى للزّمن عندما يتعلّق الأمر باحتلال جسدها، وأنا محتلٌّ آثمٌ)



الفصل الثاني
(البُعد الثاني: الزّمن؛ ثمّة مفاهيم جديدة ونظريات
نسبيّة أخرى للزّمن عندما يتعلّق الأمر باحتلال جسدها،
وأنا محتلٌّ آثمٌ)
السّاعة الآن هي الخامسة إلاّ ثلثاً، لا هي الخامسة إلاّ ربعاً، بالتّحديد هي الخامسة إلاّ سبع عشرة دقيقة، يجب أن أكون دقيقاً، فلا مجال للخطأ في عالمنا العصريّ القائم على الدّقة والنّظام و على أعلى درجات التّنسيق والحساب والضّبط، ثانية واحدة خارج الحساب الصّحيح كفيلة بإحداث حوادث وكوارث مدمّرة، وكفيلة كذلك بإفلاس شركات عملاقة عابرة للقارات والكواكب والمجرّات في صفقة خاسرة واحدة، هكذا تعلّمنا في مدارسنا وفي جامعاتنا، وهكذا علّمنا معلّمونا الرّجال الآليون الذين حوّلوا العالم إلى دارة كهربائيّة لا تعرف التّوقف عن العمل مادامت مغلقة، وهكذا تعلّمت أنا في عملي الخطير الحسّاس، فخطأ واحد في الحساب كفيل بتفجير مركبتي الفضائيّة أو بإخراجها عن مدارها المغناطيسيّ واللاسلكيّ لتضيع إلى الأبد في الفضاء الخارجيّ دون ُمنقذ. هذه فكرة تصافحه على عجل، ثم تصكّه، وتختفي، وتورثه الخواء واللاذاكرة.
السّاعة الآن قد أصبحت الخامسة إلاّ عشر دقائق، قُُرص السّاعة الدّائريّ الإلكترونيّ هو أوّل ما يصافح غباش عينيه، الصّورة تبهت وتوضح بين الفينة والأخرى، يتساءل في نفسه بمزاج كدر وعزيمة مقطوعة وكأنّه ركض دون توقّف مسافة ألف ميل في جبل شاهق زلق: يا ترى هل هي السّاعة الخامسة صباحاً أم مساء؟ يحاول أن يحرّك رأسه ليتحرّى الأمر، لكنّه يعجز عن ذلك، يدرك أنّ رأسه مثبّت بطريقة ما، ويقدّر أنّ من العبث أن يحاول تحريكه، يتساءل بغباء مداهم: من أنا؟ أين أنا؟ ما الذي يحدث معي؟
يغمض عينيه، ويسدر من جديد في صمتٍ وعماءٍ محيطٍ، مئات الصّور والذّكريات والألوان والرّوائح تجتاح لحظته، يحاول من جديد أن يفتح عينيه، يخفق في ذلك، ويتعالى في أذنيه صخب آلات كثيرة تهدر وتصفر وتتكتك وتتجشّأ وتتنفّس وتصكّ وتزفر، يدرك بذاكرة مضطربة أنّها أصوات الآلات الطّبيّة المشغّلة والسّابرة لأعضائه الحيويّة ولوظائفها الحسّاسة.يقول بتمتمة متلعثمة: آه... المستشفى، العمليّة، السّاعة الخامسة، لكن أين أنا؟آه آه آه.
من جديد يلفحه الصّمت، ويتعالى في الغرفة أزيز جرس متعالٍ، يتبعه آخر بضجة خرافيّة تفزع عوالمه الكامنة في صمت رخو لا صفة له غير السّرمديّة والمستحيل، يشعر بل لا يشعر بأنّ جسده ينتفض، والكثير من وظائف جسده تختـلّ باضطراب خطير، يحـاول أن يفتح عينيه، فتخذلانه،ويكتفي بسراب ظلال ينحدر في ظلام عينيه ناقلاً إليه فوضى حركة مضطربة للنّاس من حوله، ونقيق نقاشات وجدل واضطراب، بصعوبة يقول برطانة لا يفهمها إلاّ هو: من أنا؟ ثم يغرق في الصّمت العاجز.
* * * *
هوّة سحيقة بلا لون أو أبعاد، ومفرغة من الزّمن، تطغى عليها رائحة أدوية طبيّة مجهولة، وفيها أزيز رتيب متقطّع، يقرع سكونه بوخزٍ مستمرّ، ووجود لزج زلق، بلا حركة أو فعل أو أعضاء أو ذاكرة أو زمن أو شعور، هو ما يشعر به الآن وهو ينزلق خارجه بمخاضٍ دبقٍ مفرغٍ من شعورٍ خلا ألم رهيب مداهم، وصداع عملاق وشلل صفيق تتبعه آهات طويلة متقضّبة بتقلّصات عملاقة في جسده، ضوء عميق ومستفزّ يسقط دفعة واحدة في عينيه، يفتح عين واحدة بخوف وكسل، السّاعة الإلكترونيّة الدّائريّة أوّل ما يرى، من جديد السّاعة هي الخامسة إلاّ سبع عشرة دقيقة، يبتسم ابتسامة دائريّة عريضة ممطوطة حتى الأذنين، ومشمّرة عن أرنبة الأنف بحركة إراديّة غير مقصودة كابتسامة مهرج أفوه،ثم يسأل: هل هي السّاعة الخامسة صباحاً أم مساء؟
لا إجابة تتندّى من السّكون، يفتح عينه الثّانيـة بإصرار على فتحها، تظهـر السّاعـة بجـلاء، يحدّق في السّقـف الأجرد، دون أن يحاول أن يحـرّك رقبته، يسود صمت ألِفَ صوت الآلات الطبّية، يشعر بجهد يبلل أطرافه وجبينه ورقبته بعرق منساب، يغلق عينيه، ثم يفتحهما دفعة واحدة ليغيب السّقف، وتظلّه غمامة من الرّؤوس المتدافعة والوجوه البشريّة المبتسمة، وأخرى آليّة لا تعرف الابتسام، تداهمه أصوات آليّة بجمل محدّدة وواضحة، يحاول أن يشيح برأسه نحو بقعة ضوء، لكنّه يفشل، تأمره واحدة من الممرضات بحنان آليّ بعدم الحركة حفاظاً على صحته، ينصاع دون مبالاة لأوامرها، يربت على كتفه أقرب الموجودين من سريره وأعمقهم ابتسامة غارقة في فرح غامر ملغز، ويقول لك: حمداً على سلامتك، لقد نجوتَ، لقد نجحنا.
يغرق الجميع في صخب وتصفيق حار، تنهال عليه كلمات المباركة والتّشجيع، أمّا هو فيبحث دون جدوى عن فسحة بين الأجساد المتراصّة ليرى السّاعة من جديد.
أصبح من السّهل عليه أن يستيقظ، وأن يفتح عينيه دفعة واحدة، وأدرك بعد عدّة محاولات لقراءة السّاعة أنّها متوقّفة لا تعمل، ثـم سريعـاً ما استغرق في الكثيـر من الأسئلة المكرورة التي يلفظها بلعثمة تخنق معانيها، فتحوّلها إلى تهويمات صوتيّة، لا يفهمها من حوله، فيثور، ويغضب، وينفعل، ويشرع محاولاً بحركات التوائيّة مهزومـة أن يتحـرّك في فراشـه، فيخفـق في ذلك، وتشرع الأجراس التّحذيريّة للآلات والمجسّات والسّوابر والرّواصد الإلكترونيّة تطلق نفيرها المؤشّر إلى اضطراب وخلل خطيرين، فيتدافع المزيد من الأطبّاء والممرضات إلى الغرفة منهين هذه المعركة غير المتكافئة والصّغيرة بحقنة مهدّئة تعيده إلى عالمه الدّبق المظلم الدّافئ المعرورق.
رغم أنّفه، ونزولاً عند رغبته الجامحة في الحصول على الإجابات، وهجر عالمه الدّبق فقد روّض نفسه على الصّبر والانصياع لكلّ أمر طبيّ يوجّه إليه مبطّناً بصيغة طلب لطيفة، ولكن حازمة، وغدا بصعوبة وبمساعدة ممرضين وممرضة ملازمة له قادراً على أن يلفظ بحشرجة مزكومة يتناوب عليها الصّمت والبحّة والحبسة أسئلته الملحّة والمكرورة:
- من أنا؟
- ماذا أفعل هنا؟
- كم السّاعة الآن؟
- لماذا لا أستطيع أن أتحرّك؟
- أنا جائع.
- أنا عطشان
كانت الإجابات مضطربة ومتجاهلة لفضوله الآسر، وتأمره بالرّاحـة وعـدم الحركـة فـي البدايـة، ولكنّهـا سرعـان مـا تحـوّلـت إلى إجابات مقتضبة يتناولها بشرهٍ من طبيبه ذي الأصابع الباردة، وكثيراً ما كان يكرّر الإجابات بفرح طفوليّ، وبوتيرة آليّة توحي لمن يسمعها بأنّها قد علقت في فيهِ إلى الأبد.
- أنا باسل المُهريّ.
- أنا مريض.
- السّاعة الآن هي الواحدة.
- نحن الآن في يوم الأربعاء.
- نحن في عام 3010 ميلادي.
- أنا سأتحرّك في القريب.
يجب أن آخذ الدّواء.
* * * *
لم يعد في حاجة إلى تكرار الإجابات، فقد باتت بدهيّات في وعيه الذي بدأ يستيقظ من ضياع ونسيان محدق على دفعات مفرحة للجميع ، وبات يدرك الإجابات الحاضرة وبعض الغائب منها، وما عاد في حاجة إلى أن يخبره أحدٌ بأنّه باسل المُهريّ، فهو يعرف ذلك تماماً، ويراقص في أحلامه وفي صحوة ذكرياته كلّها الجميلة والبشعة والمحايدة وعديمة الملامح، ويدرك كذلك أنّه دخل التّاريخ من أوسع أبوابه، ويعلم أنّ ضجعته هذه هي خطوة عملاقة للبشريّة جمعاء، ويشبّه نفسه - بغرور يتقنه،وهو من صميم طبعه- برائد الفضاء المشهور نيل آرمسترونج الرّجل الأوّل الذي وطأ سطح القمر قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام، ويتثاءب بلا مبالاة مصطنعة،وهو يتخيّل مقدار فخره بعمليته النّادرة التي أشرعت الطّب البشريّ على أبواب جديدة واحتمالات عملاقة وأسئلة إنسانيّة معقّدة وخطيرة، ويحتويه حبور حار وهو يمنّي النّفس بشهرة عملاقة قد تصل به إلى سدّة أحلامه التي لا تعرف حدوداً، ويتمنّى أن تتحسّن صحته إلى الحدّ الذي يمكّنه من القيام ولو بحركة واحدة في جسده، ليستطيع أن يُلّم بكلّ تفاصيل الفوضى والإعلام الذي أصبح بطله في الآونة الأخيرة كما يؤكّد له الأطبّاء والممرضون والمساعدات وفنيو الآلات الطّبية والقائمون على خدمته وتغذيته وآخرون لا يعرف لِمَ هم موجودون في غرفته ومتمترسون بلا كلل أو ملل خلـف الحواجـز الزّجاجيّـة يراقبونـه ليـل نهـار، ويعـدّون عليه أنفاسه كلّها، فيتمنّى من كلّ قلبه أن لا يكون جسده - الذي لا يستطيع أن يراه - عارياً مشرعاً على فضول كلّ ناظر إليه.
* * * *
ستة أشهر أمضاها سادراً في عالمه الدّبق الرّتيب، وشهر أمضاه في صحوة مباغتة مثقلة بسيل جارف من الأسئلة والإجابات والاكتشافات والأدوية والفحوصات والتّمرينات والعلاجات والتّوصيفات والأوامر، لكنّه الآن فقط أدرك معنى الغياب في المجهول لمدة ستة أشهر، إذ هذه فترة زمنيّة تكفي لتغيّر أحوال المجرة ولاختراع قنبلة هيدروجينيّة جديدة وأكثر تطوّراً من سابقاتها، وكافية للانتهاء من حرب كونيّة سابعة جديدة، ولإعادة تدمير الأرض من جديد، ولإعادة إعمارها مرة أخرى،هذه الفترة كافية كذلك لزيارة أبعد كواكب المجرّة في جولات سياحيّة لمئات المرات، وكفيلة بإحداث نقلات خرافيّة في التّقنيّة والاتّصالات، وهذا ما باتَ يدركه عندما يرى كثيراً من وسائل الاتّصال التي يتواصل عبرها الأطبّاء والممرضون، وهو لم يكن يعرفها من قبل مرضه، أو سبق أن رآها، وهو المتابع لأحدث صرعات التّكنولوجيا وثورات الاتصالات بحكم فضوله الشّخصيّ، ومقتضيات عمله العسكريّ.
أوّل حركة ليديه سرحت دون وعي منه إلى قضيبه المجيد؛ فقد اعتاد في الماضي على أن يداعبه في كلّ ليله مستغلاً عراءه في سريره الدّافئ لاسيما إن كانت زوجته غائبة في مناوباتها اللّيليّة الكثيرة في عملها في المعهد الاستراتيجيّ للأوبئة الكونيّة والكوارث الطّبيعيّة، لا يعرف لماذا تسعده هذه المداعبة التي ألفها منذ أن كان صغيراً، قرأ مرة في الماضي أنّ هذا العضو كان فعالاً في آليّات تواصل جسديّة كانت سائدة لقرون وحقب طويلة في الماضي بين الرجل والمرأة، لكنّ التقّدم الحضاريّ عمل على انقراض هذا التّواصل الذي لا يعرف بالضّبط كيفية تفاصيله أو آليّة عمله، بعدما استحدثت مراكز التّنميّة الأخلاقيّة الإلكترونيّة وسائل تواصل جسديّة إلكترونيّة، وأدوات تناكح مخبريّة لا تعرف التّواصل الجسديّ المحض، وتكفل توفير الأجنّة عبر بنوك الأجنّة المخلّقة وفق قوائم محدّدة ومتنوّعة من الأسعار والمواصفات، ثم تضمن تنمية تلك الأجنّة في حاضنات آلية رسميّة ومراقبة حكوميّاً إلى حين خروج الأطفال من شرانقهم الهلاميّة بعد الحصول على أذونات الزّوجيّة وأذونات شراء أجنّة وأذونات الحضانة وأذونات صلاحية الحضانة وأذونات إثبات النّسب وإذونات الحصول على مربّيات آليات، وحجز أماكن لتربية الأطفال، وتوزيعهم منذ الصّغـر على مدارس تتناسب مـع وظائفهم التي تنتظرهم وفـق صفاتهم الجينيّة المخلّقين عليها بناء على رغبة الآباء والأمهات وقدراتهم الشّرائيّة.
وفق ما قرأه في بعض المصادر القديمة شبه الممنوعة فقد كان من المفترض أن يكون هذا العضو أكبر حجماً وأكثر صلابة، ولكنّه لسبب يجهله جنح إلى الانكماش والاسترسال المرن المتجعّد، ولكنّه على الرّغم من ذلك لا يزال يجد متعة سريّة في نفسه في مداعبته في العماء، ولذلك ما كادتْ يداه تتحرّران من أسرهما الطّويل ومن عيّهما المؤلم ومن شللهما الطّارئ حتى انسرحتا في رحلة سـريعـة لذيـذة نحـو عضـوه لمداعبتـه، لكنّ مفاجـأة رهيبـة كـانـت في انتظاره، لقد اختفى العضو، تحسّس مكانه برعب وتوتّر، فتأكّد من فقدانه مخلفاً وراءه تجويفاً ناعماً غريباً له أطراف وأشفار تذكّره بالشّكل المنفّر للجزء السّفلي من جسد زوجته الذي اقترن بذهنه بالتبوّل والتّغوّط ورائحة التّعرّق الكريهة.
بصعوبة قفز من سريره مستعرضاً عريه الغريب على ذاكرته، لم يعرف نفسه، وتذكّر دفعة واحدة وبمرارة طاغية كلّ ما حدث معه، كيف نسي تماماً قصة الجسد الأنثويّ، أنّى له أن ينسى ابتسامتها القرمزيّة الحارة المتحديّة للموت والعدم؟! الآن فهم معنى ابتسامتها، لقد هزمته وهزمتْ دولته كاملة، وبقيتْ على قيد الحياة على الرّغم مـن أنوف الجميـع، فهـي لم تُخلـق للعـدم، شعر بسخط على القدَر الذي تحالف بخسّة مع تلك المرأة الصّغيرة المتحدّية، وامتلأت نفسه دفعة واحدة بجحود لفضل القوة الجبّارة المجهولة التي أنقذته، وما عاد معنياً بأيّ قوة محبّة له في السّماء أو في الأرض، فكلّ المشاعر الجّميلة والانتصارات الماجدة عاجزة عن أن تعوّضه في هذه اللّحظة عن عضوه الجّميل،أوعن جسده المديد الغضّ كأطواق اللّدائن المعالجة بالحرارة والهيدروجين.
استعرض جسده بنظرات فضوليّة مستنكرة، لم يأبه بانتصابه عارياً أمام عيون عشرات من الأطبّاء الحاضرين والممرضات وشاشات المراقبة والرّصد والتّصوير، ولا أبِه باكتشافه باللّمس العميق لأعضائه، ولا خجل من تحسّسه بدهشـة مفجوعة لفجـوات جسده وانحناءاته ونتوءاته وبروزاته؛فهو يعرض جسداً ليس جسده، ويزدري أعضاء ليست أعضاءه، ويعرّي ذاتاً لا تنطوي على ذاته بأيّ شكل من الأشكال.
هذا الجسد الأنثويّ اللّعين يتذكّره تماماً، وهذه النّدوب المحفورة فيه تعيده إلى تفاصيل موت صاحبته، وهو حتى هذه اللّحظة غير مهتم بمعرفة اسمها الكريه، ويعجز عن أن يمسّد على جسده بحنو وألفة، فهو لا يعرفه، هو حبيس ذليل داخل هذا الجسد، الذي لا يحمل أيّ شيء من ذاكرته، ويتقزّز من آثار حروقه وندوبه، ولا يعجبـه ضمـوره ونحولـه ولا سمرتـه الذّهبيّة الفاتحة، ثم ما هذا التكوّر العملاق في منطقة البطن؟تبّاً ماذا يعني هذا التضخّم المفاجئ في البطن؟ لم يكن هناك تضخمٌ مشابه في جسدها الملعون ليلة كانت مسجّاة إلى جانبه! لا بدّ من أنّ هذا التغيير هو مرض نادر أُصيب به، أو سرطان خبيث يتحصّن خلف خلاياه المعلولة وأليافه المريضة في جوف جسدها أو جسده، أيّ جسدهما.
شرع يضرب بطنه بجُمع قبضتيه على أمل أن يحرّك بروزه البغيض من مكانه أو يقلّص من حجمه الكبير النّاتئ بشدة من جسده النّحيل، لم يتحرّك التكوّر، فازداد غيظاً وقرعاً، وضرباً، وانقضّ عليه ممرضان، فأوثقاه بجمع يديهما القويتين، وثبّتاه بصعوبة في سريره،في حيـن شـرع كبيـر الأطبّاء المشـرف على حالته يهيـئ له حقنة مهدّئة، وهو يصرخ دون توقّف: ما هذا؟ هل هو مرض؟ أنا أكره هذا الجسد، أريد أن أخرج منه، أريد جسدي، لا أريد غير جسدي.أعيدوا لي جسدي، اخرجوني من هذا الجّسد اللّعين، اخرجوني منه،أنا أكرهه، وأكرهها، وأكرهكم، أخرجوني منه....ـه...ـه...
















توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:43 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




الفصل الثالث
(البُعد الثالث: الارتفاع؛ جسدها الصّغير النّحيل هو أقرب مسافة لنفسي نحو الألم)



الفصل الثالث
(البُعد الثالث: الارتفاع؛ جسدها الصّغير النّحيل
هو أقرب مسافة لنفسي نحو الألم)
هذا هو الحمل.قال كبير الأطبّاء المعالجين له بتوتّرٍ بادٍ، وحرج مشوب بغموض لا يفهمه، اقترب باسل المُهريّ برأسه الأنثويّ الجميل قيد أُنملة من الطّبيب، وسأله بصبر نافد، وتكرار آليّ مذعور: هل هو مرض خطير؟
ردّ الطّبيب بثقة أقلقت انتظاره المشوب بالاحتمالات كلّها: هو ليس مرضاً بالمعنى الدّقيق، ولكنّه حالة جسديّة طارئة لها ظروفها وشروطها ومظاهرها.
سأل باسل المُهريّ بصبر نافد:وهل يمكن الشّفاء من هذه الحالة الجسديّة الطّارئة؟
تنحنح الطّبيب دون حاجة منه إلى ذلك، وقال بعد أخذ نفسًٍ قصيرٍ مستدركٍ:هذه الحالة تحتاج إلى رعاية خاصة إلى حين انتهائها تلقائيّاً، وقد تحتاج إلى عملية في مرحلتها الأخيرة.
سأل باسل مشدوهاً رافضاً فكرة العمليات من جديد، وكمّ عملاق من السّخط يملأ روحه: سأحتاج إلى عملية مرة أخرى؟! وما طبيعة هذه العمليّة؟ هل سأواجه من جديد التّغيير والتّبديل، لعلّكم في هذه المرة ستزرعون دماغي المجنون الذي وافقكم على هذه المهزلة الكبرى في جسد رجل آليّ، أو كائن فضائيّ مجنون، أو حيوان أرضيّ منقرض، إن كان الأمر كذلك، فأرغب بقوة في أن تزرعوا دماغي في جسد ذلك الحيوان المنقرض الذي اسمه الحمار، فأنا وفق أوصافه التي درسناها في مادة الأحياء المنقرضة والمتحوّرة أشبهه في غبائي وانقيادي لكم دون أدنى تفكير أو تروٍ أو تمهل أو حكمة.
تدخّل الطّبيب المساعد الآليّ بملامحه المعدنيّة الباردة، وقال له بنبرته الرّتيبة المتقطّعة الملفوظة بوتيرة واحدة تخلو من أيّ إحساس أو مشاعر أو انطباع شخصيّ: لن نفعل أيّاً من الأمور التي تقولها يا سيد باسل المُهريّ، وفق التّقارير التي بين أيدينا، فجسدك بالكاد يتقبّل دماغه الجديد، وأمامنا الكثير من التّحديات والعلاجات الخاصة لتكييف جسدك مع دماغه الجديد، وهي تعقيدات يطول الكلام عنها، كما يطول شرحها، ولكن يكفي القول إنّك في حاجة إلى علاجات جديدة وطويلة حتى تستعيد بعض قدراتك الجسديّة مثل الحركة والنّمو والعمليات البيولوجيّة الطبّيعيّة كالتّبوّل والتّبرّز والتّعرّق والكثير الكثير من التعّقيدات، حتى في حالة شفائك التّام ونجاح عمليتك مئة بالمئة، فلن نستطيع أن نعيد الكرّة من جديد؛ لنقل دماغك إلى جسد ذكوريّ مُنتقى قبل عامين على أقّل تقدير.
تدخّل مندوب المجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى، وقال وقد وجد فرصته أخيراً للحديث: أيّها السّادة لن يكون ذلك أبداً إلاّ بعد أخذ إذنٍ خاصٍ ورسميّ من المجلس، فالإذن الخاص العاجل والاستثنائيّ الذي حصلت عليه المخابرات المركزية للمجرّة بضغط خاص من جهات عسكريّة عليا من أجل إجراء عملية نقل دماغ عاجلة قد انتهتْ فعاليته، والآن بات من الواجب أن تخضع أيّ عمليّة تجريبيّة على بشر أو على أيّ حيوانات مستأنسة مستنسخة أو مهجّنة إلى رخصة خاصة وإذنٍ مفصّل، وبخلاف ذلك ستجدون أنفسكم جميعاً في ورطة عملاقة قد تصل بكم إلى حدّ السّجن والغرامات الكبيرة والنّفي المؤقّت أو الدّائم خارج الكوكب، ولا أظنّ أنّ أيّ أحد منكم يرغب في أن تتأزّم أوضاعه بهذا الشّكل الرّهيب.
حاول كبير الأطبّاء أن يردّ على ملاحظة المندوب، ولكنّ المساعد الآليّ سبقه بالقول: نحن الآن لسنا في صدد إجراء أيّ عمليات نقل دماغ جديدة، فلا يزال السيّد باسل المُهريّ في حاجة - كم ذكرت آنفاً - إلى مراحل طويلة من العلاج والمراقبة والتّهيئة الجّسديّة والفيزيائيّة والنّفسيّة، ونحن لن نخاطر بحياته، أو بنجاح عمليته بأيّ شكل من الأشكال.
قرع المندوب الطّاولة بحركة انسيابيّة من أصابع يده اليمنى، وقال برضا: إذن نحن متّفقون، هذه هي الأوراق الرّسميّة التي عليكم أن تملؤهـا الآن مـن أجـل أن أكـون همزة الوصل القانونيّة بينكم وبين الحكومة والمجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى، وهذا هو رقم قمري الصّناعيّ الخاص من أجل الاتّصال المرئي المباشر بي، أو من أجل تسجيل مكالمات في حالة غيابي.
انحنت الممرضة المرافقة له على يد الطّبيب بسرعة، وتناولت البطاقة من أجل حفظ معلوماتها في الملفّ الإلكترونيّ للعملّية ، وساد صمت متأرجح نزق في الغرفة، قطعه صوت باسل المترع بسخط محموم قائلاً: إذن سأبقى محبوساً في هذا الجسد اللّعين لسنوات بقرارٍ من الحكومة والقضاء والمخابرات؟
- ليس بالضّبط.ردّ مندوب المجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى.
- هي مسألة وقت لا أكثر. أضاف كبير الأطبّاء.
- وأين كانت الحكومة والمجلس القضائي الكوني الأعلى والمخابرات عندما كنتُ أحارب وأقاتل من أجل أمن المجرة وسلطتها واحترامها؟ أين كانوا جميعاً وأنا أفقد جسدي جزءاً جزءاً، وأندسّ مجبراً في جسد امرأة لا أعرفها، لأصبح في مهزلة كبرى اسمها السّيدة باسل المُهريّ؟ أين أنتم جميعاً وأنا وحيد وضعيف وتائه في هذه المعركة العجيبة مع جسدي الذي ليس جسدي؟
- نحن جميعاً معكَ.قالت الممرضة بتعاطف بارد مدروس، يشبه ترديد إرشادات طبيّة، في حين تمايلت الكثير من الرّؤوس إلى الأمام ثم اتّجهت نحو الذّقون مصادقة بإيماءاتها على المساندة والمؤازرة له.
- أنا وحدي في هذه التّجربة، نعم أنا وحدي، ليس معي أيّ عون أو قوة، وحده هذا الجسد الغريب الصّغير هو رفيقي في هذه التّجربة القاسية. تمتم باسل وهو يشعر بنحيب محموم يهدّ جريان دمه.
- ولذلك ستكون أنتَ وحدكَ من سيقرّر إن كانتْ هذه العمليّة ستتكرّر مع غيرك من البشر بعد نجاحها معكَ إن أوصيتَ بذلك؟ أم أنّك ستضع حدّاً لها بالإيقاف الجبريّ الدّائم، والإلغاء النّهائيّ لها في حين تثبّتَ من أنّها طريقة إنقاذ بشعة وغير مجدية، والموت خير منها.قال كبير الأطبّاء بحماس حقيقي وحزم بادٍ.
- ومن يعلم قد نستطيع حتى ذلك الوقت أنّ نحلّ معضلة الموت، وننهيه من قاموس البشريّة والوجود تماماً، نحن أحرزنا تقدّماً كبيراً في هذا الشّأن، قبل أسابيع فقط استطعنا أنّ نردّ الحياة لكائن تجارب لمدة ساعة من الزّمن بعد موته بساعتين، صدّقني يا سيد باسل سيأتي اليوم الذي يصبح فيه الموت مجرد حدث منقرض لا وجود له، وعندها ستنتهي الآلام والأحزان والمكابدات المتعلّقة به، سيعرف البشر والآليّون معنى الخلود الدّائم والحياة السّرمديّة التي لا تعرف نهاية، سيتاح لنا حينها أن نعمر الكثير من الكواكب بعدد سكاننا الكبير، وسيعرف الكون حضارة بشريّة عملاقة لم تخطر يوماً في خيال حالم، القادم الأجمل آتٍ، صدّقنا القادم هو الأجمل، ولذلك عليكَ أن تتعاون معنا،وأن تساعد نفسك بالقدر الذي تستطيعه، أنتَ لستَ وحيداً، البشريّة جمعاء تتطلّع إليكَ بتقدير ودعم، اخرج إلى الشّارع، وواجه جموع المحتشدين الغفيرة التي تحاصر المستشفى ليل نهار مقدّمة لكَ الدّعم كلّه، وهي فخورة بموقفك وتجربتك الاستثنائيّة. بصراحة عليكَ أن تكون ممتناً وفخوراً بهذه الفرصة الوحيدة والفريدة من نوعها في تاريخ البشريّة التي تتاح لك دون غيرك، وتعد بتسجيل اسمكَ في أسفار الخالدين والأبطال.قال الطّبيب المساعد الآليّ.
تحمّس مندوب المجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى، وهو يسمع هذا الكلام، وقال وهو يمدّ يده إلى باسل بوثيقة إلكترونيّة ممغنطة ومصورّة ومضغوطة: نعم أنت بطل كونيّ، جميعنا فخورون بكَ.
سأل باسل، وهو يطالع الوثيقة، فتقفز إلى عينيه صورتها، هاهي بشعرها الطّويل الأسود المخالف لنظام المجرة القاضي بقصّ الشّعر إلى ما قبل الكتفين، لابدّ أنّها كانت تدفع الكثير من الغرامات لقـاء الاحتفاظ بهذا الشّعر الأسود الطّويل المنسرح بتحدٍ والمندلـق على ظهرها وعلى كتفيها بجمال لم يعهد مثله، لأوّل مرّة يراها بنكهة الحياة، عيناها جميلتان غارقتان في خضرة نهريّة عجيبة، وتلك الابتسامة القرمزيّة الجميلة تعلو شفتيها هي ذات الابتسامة التي يحفظها من تلك الليّلة الرّهيبة.
أزاح نظره عن صورتها بعصبيّة نزقة مصنوعة بصعوبة، وسأل المندوب قائلاً: ما هذه؟
- هذا أرشيفكَ الكونيّ الجديد، وهذه وثيقتكَ الرّسمية الجديدة، أنتَ منذ الآن باسل المُهريّ يُبعث من جديد في جسد آخر.
سأل بحزن مداهم لا يعرف له معنى: وماذا عنها؟
- هي ماتتْ، وانتهى أمرها، وأُقفل ملفّها إلى الأبد، أنتَ وحدك الباقي الآن. أجاب المندوب بتقريريّة عالية تحمل نكهة الأمر الخفيّ.
- أليس هذا الشّكل الأنثويّ متناقضاً مع اسمي وعملي وحياتي بل وذاكرتي؟
- الأمور كلّها ستحلّ في حينها، الحلول كلّها مؤقّتة الآن، وفيما بعد سوف نرتّب لكَ جسداً ذكوريّاً خاصّاً بكَ بشكل قانونيّ، لا تقلق، الأمور كلّها تحت السّيطرة، وتسير لصالحكَ، ولصالحنا جميعاً، وحكومة المجرّة لا تنسى جنودها البررة الصّالحين.
- وأنا؟
- لم أفهم، عمّ تسأل بالضّبط؟
لم يجب باسل، وغرق في ضياع سحيق في روحه، كاد يمسّد بحركة لا إراديّة على مرضه الحمل، ولكنّه استدرك على نفسه في اللّحظة الأخيرة، فاكتفى بأن غرز ناظريه بتفرّس مشوب بالاستسلام في بطنه المنتفخ، وانزلق بغير تدريج إلى قدميه الصّغيرتين، كم هما صغيرتان ونحيلاتان وهما تشفّان عن عروق صغيرة متوارية تحت جلد رقيق ناعم.تساءل في نفسه: يا ترى كم هو مقاس حذائي الآن؟
من جديد كرّر المندوب سؤاله العالق في المكان، وقال: عفواً سيّد باسل، لم أفهم سؤالك بالضّبط، من واجبي أن أردّ على أيّ استفسار لك أيّاً كان.
ابتسم باسل بميكانيكيّة متقنة، واجتاحته رغبة ملعونة في أن يلكم المندوب ليكسّر له أسنانه اللامعة وفكه المستطيل، ليخلّصه من ذلك التقعّر الجميل المصنوع ببراعة في وسط ذقنه، لكنّه قدّر أنّ هذا الجسد الصّغير النّحيل بهذا المرض الحمل المتكوّر بخبث مستفزّ لن يهبه القوّة واللّكمة المناسبة، ولاسيما أنّه سجين في قامة قصيرة لا تبلغ طول قامة المندوب ولا تتسلّق في العلياء كما كان جسده الماضي الذي يبزّ الطّوال طولاً، والأقوياء شموخاً وامتداداً.
من جديد عاد مسوقاً إلى أسئلة لا يعرف لها ضرورة أو هدفاً أو غاية، اتّسعت ابتسامته مساحة وسخطاً، وبحركة شبة انفعاليّة داعب شعره الممتدّ حتى أذنيه، فألفاه ناعماً أكثر مما يجب، ومنزلقاً دون رقبته بحنان دبق خجول، لابدّ من أنّهم حلقوا شَعْرها عندما كانت في المعتقل، ليلة قابلها جسداً مسجىً كانت بلا شعر، كانت صلعاء مقيتة السّحنة، لابدّ أنّهم عذّبوها بحرمانها حتى من شَعْرها الذي يبدو أنّها كانت تحبّه، وتقايضه بدفع غرامات كثيرة، لتبدو به امرأةً مختلفةً خارجةً بسلام على قوانين حكومة المجرّة التي تتكاثف جميعاً وبإصرار على توحيد الشّكل الخارجيّ للجميع من حيث الأوزان المسموح بها وطول الشّعر وموضات الملابس وتقنين حدود الاختلاف، فالإنسان الكونيّ المعاصر عامل منتظم وفق جدول إلكترونيّ مرسوم له منذ أن كان مجرد جينات مختارة بدقّة وفق منظومة كروموسومات في بويضة مخصّبة، ولذلك فلا مجال في هذا العالم الجديد للفرديّة المزعجة والذّاتيّة المغرقة في أسئلة تعطّل ركب العمل والإنجاز والانتظام والخطط الكونيّة القادمة، ومن يفكّر في الخروج عن هذا النسّق سيكون مصيره -بلا شكّ- مصيرها هي.
كرّر من جديد مداعبته لشعره الذي نما خلال غيبوبته الطّويلة، أحسّ بألفة جامحةٍ نحوه، أدار في المكان نظرة غير آبه بمن حوله، ضارباً صفحاً عن نظرات المندوب التي تطالبه بسؤال ولو كان مكروراً كي يهبه بسخاء إجابات مدروسة واجبة العمل بمقتضاها، تجاهله دون اكتراث، فهو يعلم أنّه لن يملك أن يجيبه عن سؤال: ماذا عنّي أنا؟ فالمجهول وحده يعلم ماذا عنه هو؟ أو عن بعضه.
تكاد الأمور تكون مختلطة تماماً في نفسه، فهو لا يعلم إن كان هو هي، أم هي هو، أم كلاهما هما، أم كلاهما ليسا هما، يحتاج الأمر إلى طول تفكير وتدبّر وتنظيم ليعدّ سؤالاً يتقن اللّعب على ضميري هو وهي، ويجيد التّفريق بينهما، فهو ما عاد قادراً على ذلك بأيّ شكل من الأشكال.
يطالع باسل وجه كبير الأطبّاء، يكاد يتنزّى من بين شفتيه سؤال يقول: متى بالتّحديد سأشفى من مرض الحمل؟ لكنّه يمتصّ سؤاله بقلق لا يفهمه، وعزيمة غير قادرة على انتظار أيّ إجابات أو وعود، فيتلاشى السّؤال، وتضيع حروفه وأصواته، ويبتلعه من جديد، يشيح برأسه نحو الممرضة ذات الابتسامة الوظيفيّة المتقنة، ويقول لها بنبرة يخفق في أن تكون آمرة، بل تخلص بقوة للتّوسّل والتمنّي: أريد مرآة، أريد أن أرى كيف يبدو وجهي الجديد.



توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:44 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




الفصل الرّابع
(البُعد الرّابع: العرض،لا تتجاوز مساحة الكون عرض أحزاني)


الفصل الرّابع
(البُعد الرّابع: العرض، لا تتجاوز مساحة
الكون عرض أحزاني)
لم أعد أراني، فقط هي الحاضرة في هذا العدم الممتلئ، هي من تسكن مجال الرّؤية والحقيقة والوجود، هي من تعترف بها قوانين الطّبيعة والوجود والفيزياء كلّها، هي من تكرّس بحضورها غيابي، وهي من يكرّس حضوري حضورها، ولا شيء غير حضورها الذي يصفع ضعفي ووحدتي وحضوري الغائب المشظّى، أستطيع أن أدّعي أنّها ميّتة، الأوراق الرّسميّة والحكومة والمخابرات والأطبّاء والصّحافة وذاكرة الموت جميعهم يقولون ذلك بصراحة، ولكنّني وحدي أعلم أنّها موجودة، وأنّني الغائب الحق، هي الكأس، وأنا المدام المراق، وما قيمة مدام مهدور أمام حقيقة وجود الكأس؟!
في حضرة جسدها أشعر بكامل الغربة والتّطفّل، ولذلك اعتدتُ منذ أسابيع على أن أجلس في الظّلام كي لا أراه، ولا يراني، فقد بتّ أكره طقوس الاستئذان التي ألزم نفسي بها تجاهه، أخجل كلّما حمّمته، انزعج عندما أعرّيه لحاجة أو علاج، أعاند طاقته دون رحمة قبل أن أستسلم له، فأحكّه في منطقة فرج أو ثدي أو فخذ، أو أكشـف عورتـه مـن أجـل تبـرّز أو تبـوّل، وعندما يُخرج ريحاً – رغماً عنيّ- أبالغ بالتّقزّز منه، وأمنّي النّفس وأعّللها بأن أغادره في يوم قريب.
هو متسع لي، ولكنّني على الرّغم من ذلك أشعر بأنّه ضيق عليّ حدّ الاختناق، وكثيراً ما يخون حركاتي، فهو أضعف من ذاكرة القدرة عندي، أقصر من جسدي السّابق، أنحف منه، أضعف منه، لا يملك أيّاً من مرونته أو قوة عضلاته أو حِرَفيّة حركاته، ناهيك عن رقّة جلده، وتراخي بعض عضلاته، وهذه البروزات المقزّزة في الثّديين والبطن هي محركات دائمة لبؤسي، عندما أنظر مباشرة بنظرة عاموديّة منحدرة من العينين إلى أسفل فالأنف فالذّقن تحجب هضبتا الثّديين وجبل البطن رؤية تجويف مابين الفخذين والأقدام، بل تحجبان رؤية موطئ قدمي، فأصاب بكآبة حقيقيّة، هذا أمر مقرف.
تخلّيت تماماً بفعل المرض والتّحذيرات الطّبيّة وجسدي المسروق عن رياضاتي الأثيرة كلّها وحركاتي ذات العنفوان الذّكوريّ المدجّج بقوة البنية ومراس التّدريب العسكريّ الطّويل والمنتظم.أنا الآن باختصار جسدها، ولاشيء غير ذلك، ولأنّني جسدها بتُّ أتوارى في الظّلام لأمارس عادة التخيّل والاسترجاع والعودة إلى الزّمن المسروق حيث كنتُ رجلاً حقيقيّاً، أمّا الآن فأنا جسدها، والمُعذّب رغم أنفها وأنفي بمرضها الحمل السّخيف، لم تتـح لي بعد فرصة دراسة هذا المرض، والقراءة حول تاريخه وأسبابه وعلاجاته، أنا أثق الآن مرغماً في أطبائي، وأسلمهم أمر علاج هذا المرض، والحقيقة هي أنّ تكالب الأمراض والعلل عليّ جعلتني ضعيفاً في حق نفسي في الدّفاع عنها إزاء هذا المرض، وليس كذباً أو مبالغة أو شططاً إن قلت إنّني أجد متعة غريبة في نفسي في الاحتفاظ بأكبر عدد من العلل والمشاكل الصّحيّة والتّوعكات انتقاماً منها ومن جسدها، ومن شيء آخر لا أعرف له اسماً، لعلّي أريد أن أنتقم بشكل سرّي من هذه التّجربة السّخيفة التي حولّتني إلى شبه إنسان، وشبه جسد، وشبه عقل، وشبه حالة، قد يكون من الأجدر أن أُحسن الانتقام من جلاديّ الأطبّاء والمخابرات والمجلس القضائي الكونيّ الأعلى والمهتميّن والإعلاميين وكلّ من لا أعرف ولا يعرفني من بشر فضلاً عن الذين أعرفهم أجمعين، فأنتحر، وأحبط لهم مخطّطاتهم جميعها، وأهزم للأبد هذه التّجربة المؤلمة المهزلة، هذه فكرة جريئة واقتراح موغل في الشّجاعة، ولكن من قال إنّني أملك الشّجاعة العمليّة الكاملة لأنفّذ هذا الانتحار؟! ما زالتْ نفسي تتمرّد على تمردّي، وتهزأ من نوبات كبريائي وألمي وندمي، وتدير لي ظهرها، وتطير بخفة وزهو نحو شمس يوم جديد، لا تزال آمال النّفس تكبر باطراد وصمت وانتظار المجهول مثل هذا المـرض العجيب الذي يكبر يوماً بعد يوم كجرم سماويّ متوحّش، فيدفع بطني إلى الأمام، خارجاً على رفضي له، ومعتدّاً بنشاطه وحركته.
وحده جسدها هو مَنْ استطاع أن يهزمني، ووحده مَنْ استطعتُ أن أذلّه، بل أن أكرّس له كلّ وقتي وجهدي من أجل أن أهزمه، منذ أيام لم أحمّمه، رائحة أنثويّة طاغية تشتمله، منذ أيام وعندي دفق من سائل أبيض لزج يتنزّى منه مرافقاً لألم وتشنّجات في البطن والظّهر، فأهمله، ولا أحدّث الأطبّاء عنه؛كي أعذّبه بقوة، لم ير الشّمس منذ أيام، وقليل من الطّعام والشّراب كان نصيبه، فضعف المراقبة الطّبية عليّ جعلني أتفرّغ تماماً لقهره ولإذلاله وللتجبّر على هزيمته المزعومة أمامي، الشّعر الجّميل اللّزج يعاني من تشابكات مريرة من قلة تمشيطه وتسريحه، والفخذان وجلد ما تحت الثّديين يعانيان من تقرحّات شديدة ومؤلمة من طول الاحتكاك وملوحة التّعرّق، وأنا لا أبالي به على الرّغم من ألمه الرّهيب الذي يضرب في رأسي، ويلكز أعصابي كلّها دون رحمة، ولكنّني لن أستسلم له، سأعذّبه حتى يستسلم لي، وأنتصر عليه، فأعرف على مهل جارح ما هي مظاهر استسلامه، وما هي مطالبي للنّصر، ولكنّني مصمّم على موقفي، وهذا قراري المصيريّ الذي لن أتراجع عنه أبداً.
جسدها لي، وأنا مَنْ له أن يمسك بخيوط اللّعبة كلّها في هذه اللّحظة، ولن أخسر مهما كلّف الأمر، هذا الجسد بات لي، ولم يعد لها، قريباً سأطردها حتى من جسدها، سأجري عمليات تجميل، لأحوّل هذا الجسد الأنثويّ إلى آخر يضجّ بالرّجولة، سأخضع لعملية إزالة لورم الحمل، وسأحلق شعر رأسها من جديد، فأنا أكره شعرها الجّميل؛لأنّها تحبّه، وإن تأكّدت بطريقة ما من أنّها لا تحبّه، فسوف أربّيه مديداً نكاية بها ولو كبّدني ذلكَ دفع غرامة ماليّة لحكومة المجرّة،وفي اللّحظة المناسبة سأهجر هذا الجسد، وأرحل إلى جسد آخر، وأهبه للخراب والموت الذي كان قدره حتى ظهرت في حياته، نعم سأنتصر عليها بها، سأكسرها فيّ، لن أفكر فيها أبداً، حتى اسمها لن أحاول أن أعرفه، لا أريد أن أعرف عنها أيّ شيء، ومن يحتاج إلى معرفة ذلك، مهمتي الآن هي استرجاع باسل المُهريّ، ولاشيء غيره، ولتذهب ابتسامتها الورديّة إلى الجحيم الكونيّ، ولتغرق المحيطات جميعاً -بلا رحمة- خضرة عينيها المائيتين، أريدها أن تكون نورساً مكسور الجناحين، قدره أن تنهشه أمواج البحر، وأن تسحقه لعبة المدّ والجزر، فيصبح منارة مهجورة متأبّدة لا يقصدها ضالٌ في أيّ حال.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:46 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




الفصل الخامس
(البُعد الخامس: بالحبّ وحده
تتغيّر حقائق الأشياء وقوانين الطّبيعة)


الفصل الخامس
(البُعد الخامس: بالحبّ وحده تتغيّر به
حقائق الأشياء وقوانين الطّبيعة)
الآن بتُّ حبيس الأشياء كلّها، فلماذا عليّ أن أحقد على جسدها دون الأشياء الأخرى اللّعينة واللّئيمة دون ذنب اقترفته أو حدّثت نفسي باقترافه؟ أأحقد على جسدها لأنّه الأضعف؟ أم لأنّه الأجمل؟ أو ربما لأنّه الأكثر حناناً عليّ ورفقاً بسخطي الطّفوليّ المتعاظم على فقده، جسدها يكرّس معنى الفقد في روحي، وكلّ ما حولي يكرّس معاني الخواء كلّها في ذاتي.
الآن أنا حبيس إجازة إجباريّة وطويلة من العمل بسبب ظروفي الطّارئة والاستثنائيّة وحبيس لائحة عملاقة من الإرشادات الطّبيّة والأدوية والجلسات العلاجيّة والمراجعات الدّوريّة الملحّة، وأسير أحلام موقوفة عن التّحقّق، ومعلّق في رفض زوجتي وأبنائي لي بسحنتي الجديدة ورفضي لهم، ومخلوع عن الدّنيا والخلق والآلات أجمعين، وجسدها الوحيد هو من يخلص لي في هذه اللّحظات، لم أعد أملك غيره لأكونني، وعليّ أن أقتلها فيه من جديد لأظفر بالحياة الحقيقيّة مرة أخرى، عليّ أن أحاصر شبحها فيه، عليّ أن أقرأ عليها تعاويذ الجاهلين والمنقرضين من السّحـرة والمشعوذين والمجاديب والدّراويش والصّوفيين والصّالحين والمؤمنين الغابرين في الأزمان السّحيقة كي تخرج من جسدنا، فيخلو لي دونها، سلكتُ الطّرق كلّها في سبيل ذلك دون فائدة، واكتشفت أنّ أفضل طريقة للهروب منها هو الهروب إليها، ولو لبعض الزّمن، وقررتُ أن أهادنها حتى أستطيع أن أصالحها ثم أفاوضها بدهاء ولؤم؛ لأخلعها من جسدها في نهاية المطاف، وكي أعرفني عليّ أن أعرفها تماماً.
عندي عشرات الطّرق كي أعرف أيّ النّساء هي، وكان من الممكن أن أسلك هذه الطّرق كلّها، ولاسيما بعد أن تحسّنت صّحتي، وأصبحتْ إقامتي في المستشفى إقامة اضطراريّة من جهتي في ضوء لفظ عالمي لي، وتصميمي على أن لا أفرض نفسي على أحد، ولو كان هذا الأحد هو زوجتي وأبنائي وأصدقائي في العمل ومساعديّ وزملائي من رجال آليين.
سلكتُ نحوها الكثير من الطّرق السّريعة والمختصرة عبر استغلال التّكنولوجيا المتقدّمة، وما كان هذا بالأمر الصّعب، فقد اكتشفتُ أنّها أكثر شهرة من جهلي بها، وأنّ الوصول إلى معلومات عنها هو أسهل من معرفة طريق إحدى المحطات الأرضيّة عبر جهاز الحاسوب الشّخصيّ عبر المركبة الفضائيّة الشّخصيّة، أو ساعة الزّمن أو منبهـات الخرائـط الإلكترونيّـة العامـة للأرض ولمسالك الفضاء، وعلمت أنّ لها مريدين وأتباعاً وقرّاء ومشجعين، وعلمت أنّ الدنيا قامت ولم تقعد على إثر قتلها في المعتقل، وأنّ الحكومة واجهت حروباً شعواء من المعارضة على أثر ذلك، وأنّ قضية اختفاء جسدها بعد إعلان خبر موتها، وعدم تسليمه لحزبها من قبل الحكومة لا يزال يشكّل أزمة ثقة متجدّدة مع الرّأي العام، ومادة غنية لهجوم الإعلام على الحكومة، ومثالاً واضحاً للتشّكيك بنزاهتها وديمقراطيتها والتزامها بالقانون وبحقوق المواطن، ومطيّة لكثير من أصحاب الأغراض المتعدّدة كي يرفعوا قضايا عامّة ضدّ الدّولة مطالبين لشتّى لأسباب بفتح تحقيق في ملابسات اعتقالها وتعذيبها وقتلها، ومن ثم اختفاء جثتها.
هذا الصّخب والتّطاحن كلّه قد حدث وأنا غارق في غيبوبة طويلة في المستشفى مع مرض خبيث ينمو في بطني آمناً حرّاً طليقاً بأسري، لي الآن أن أسعد؛لأنّني الرّابح الوحيد في هذه المعارك المتوالدة كلّها على الرّغم من حرائقي جميعها؛فأنا دون غيري مَنْ كسب رهان الحياة من العدم والموت، وأنا من آل إليه جسدها وحملها اللّعين وألغازها المعلّقة كلّها، وأنا من عليّه أن يعضّ على هذا السّر بإصرار وحذر، فهو يوازي حياتي، بل هو حياتي بكلّ ما تعني الكلمة، ليسعَ الجميع في البحث عنها لشتّى الأسباب، ولأسْعَ في البحث عنها؛لأجد نفسي أو بعضَها.
المخابرات المركزيّة للمجرّة هي المصدر الأصعب للحصول على المعلومات عن صاحبة جسدي، ولولا العلاقات القديمة وظلال بعض المصالح المشتركة والكثير من الفضائح والتّجاوزات المسكوت عنها بشروط ووجود الكثير من الإدارات البشريّة الفاسدة في إزاء إدارات آليّة صعبة المراس و صعبة الانقياد للانحراف، ومن شبه المستحيل زحزحتها عن مواقفها وقراراتها، لما كنتُ حصلتُ على الكثير من المعلومات الحزبيّة والسياسيّة والفكريّة عنها، ولكنّها كانت جميعاً معلومات شبه معروفة لي عبر بحثي القريب والموسّع عنها، خلا بعض التّفاصيل الفرعيّة التي ما كانت لتعينني بشكل جاد في بحثي عنها.
الحق أنّني لا أدرك ماذا أريد أن أعرف عنها بالضّبط، فأنا قد بتُّ أعرف عنها كلّ شيء تقريباً، ولكنّني لا أزال أشعر بأنّني لا أعرفها، عليّ أن أحدّد بدقّة ماذا أريد أن أعرف عنها، لعلّي سأجد ما يجب أن أجد لأعرف ماذا أريد منها أو عنها في هذه الحزمة الضّوئية المكتوبة، وهي الباقي الوحيد منها في ملفّها في المخابرات إلى جانب بعض المعلومات التي لا تعنيني عنها.
كان من الصّعب الحصول على هذه الحزمة الضّوئيّة المكتوبة التي قيل لي إنّها آخر ما كتبتْ، ولكن بفضل موتها وتحوّلها إلى نسيّ منسيّ، لا قلـق أو شـرّ يأتي منه على الرّغم من الفوضى الإعلاميّة التي رافقت ولا تزال قضية اعتقالها وتعذيبها وعدم احتوائها علي أيّ معلومات خطيرة في نظر المخابرات والحكومة، و بفضل إصراري العجيب على الحصول عليها وتأكيدي بضمانات مصدّقة على أنّني سأعيد الحزمة إلى الملف في حين انتهائي من قراءتها وصداقتي الشّخصية مع آمر الوثائق الإلكترونيّة في المخابرات أو لنقل حساسيّة موقفه معي؛بسبب مصالح له معلّقة بي، فقد حصلتُ على الحزمة الضّوئيّة أخيراً، وللهف نفسي ضممتها إلى جسدي وأنا أقبض عليها في جيب معطفي الخريفيّ، وأشدّها باتجاه فخذي، وكأنّني أخشى أن أخسرها بعد أن حصلت عليها بشقّ الأنفس، وهي دربي الأخير المحتمل إليها وإليّ، تنفّستُ الصّعداء، وأخذت نفساً خريفيّاً عميقاً، وانسربتُ نحو البعيد لا ألوي على شيء خلفي.
* * * *
تناولتُ عشائي الذي كان في انتظاري على عجل، أخذتُ حماماً بارداً في جوّ باتَ يحتاج إلى حمام دافىء، لبستُ ملابسي اللّيليّة بعد أن علّقتُ بنطالي وقميصي ومعطفي على المشجب الأبيض القصير، فلا أزالُ ألبس ملابس الرّجال، وأنا بجسم امرأة إكراماً للماضـي ونكايـة بالحاضـر وتماشيـاً مـع وقعـي النّفسي الدّاخلي ومحاكاة لعاداتي الطّبيعيّة، فأبدو للرّائي لي على عجل أو من بعيد- في كثير من الأحيان- صبيّاً لم تغادره ملامح الطّفولة يحاول أن يدسّ نفسه في صفوف البالغين، أو رجلاً نحيلاً متصابياًّ، أو امرأة مسترجلة في أسوأ التّخمينات، وإنْ كنتُ أساساً لا أملك موقفاً معادياً أو متحفّظاً من قضية التّخنيث أو الجنس الثالث الذين ينتشرون بكثرة في المجرّة، وحاصلون على كامل حقوقهم المدنيّة والإنسانيّة والاعتباريّة؛فهم يمثلون تطوّراً جندريّاً معلّلاً ومقبولاً، مادام لا يتعارض مع المصالح الكبرى لحكومة المجرّة، ولا يمسّ خطوطها الحمراء، ولا يصطدم بآليات التّكاثر والازدياد والاقتران الرّسميّة والقانونيّة وإعادة توزيع الملكيات والمواريث والثّروات.
جلستُ في سريري المفعم ببياض باهت، تربّعتُ بصعوبة في نصفه، وبطني يتدلّى في حضني، فيدفن أعلى فخذيّ في كثير من الأحيان، تنهّدت بعمق منتظراً الخلاص القريب منه، قبل أن يتمّ شهره الثّامن، فقد صارحني الأطبّاء أخيراً بحقيقة مرضي، وأخبروني متأخّرين بالحقيقة، وهم لا يدرون أنّني اكتشفتها قبلهم بمساعدة صديقي الآليّ الذي بحث لي دون توقّف حتى كاد شحنه ينفد في الشّارع العموميّ الضّوئيّ السّريع في المكتبات الإلكترونيّة، والمتحف الكونيّ المتحرّك والقوائم التّراثيّة الممغنطة والحزم المعلوماتيّـة السّريّـة والمنتديـات التّراثيّـة الإشعاعيّـة عن حقيقة هذا المرض الذي كنتُ أخاله خطيراً، ليفضح لي حقيقته، ويكتشف أنّه حالة منقرضة للشّكل التّّقليديّ السّائد في الألفيات الماضية للتّناسل عند البشر.
كم كان النّاس حمقى ومغفلين بركونهم إلى هذه الطّريقة السّخيفة والمقرفة للمتعة وللتّواصل طوال آلاف السّنين! فاتهم أن يعرفوا معنى المتعة المضغوطة في أقراص انفعاليّة تُستخدم وفق برنامج مقنّن للإشباع الجنسيّ تحدّده مؤسّسات العمل لموظفيها اعتماداً على لحظات أوجهم ومناسيب أمزجتهم وعطلهم الرّسميّة، وفاتهم أن يحصلوا على أبناء معدّلين وراثيا ًوفق أدقّ طلبات الزّوجين ورغباتهم، وفاتهم كذلك أن يذوقوا معنى التّآلف الإلكترونيّ والزّواج الآليّ الذي لا يكون إلاّ بعد تقديم طلبات خاصّة في نماذج رسميّة، إذ تتكفّل الحكومة بتوفير الشّركاء المناسبين للرّاغبين في الزّواج اعتماداً على رؤيتها في هذا الصّدد مع الأخذ ما أمكن برغبة المتقدّمين بطلبات الزّواج، لتحدّد لهم بشكل إجباريّ شركاءهم المستقبليين ومواعيد الزّواج الرّسميّة وعناوين شققهم التي تُوهب للمتزوجين الجدد بإيجار مقتطع من الرّاتب بشكل دوريّ، وتكون غالباً في أماكن جديدة تُستأنس لكي تُؤهل أو على طريق المواصلات الأثيريّة فيّ السّماء،أو في بعض الكواكب المأهولة حديثاً بالسّكان في أسوء الحالات.
على كلّ حال المشكلة في مراحلها الأخيرة، في القريب سُتجرى له عملية إجهاض، وسيتخلّص من هذا الجنين الكريه الذي يسكن أحشاءه بموافقة أمنية خاصة وشبه عاجلة من المجلس الأعلى للمخابرات و المجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى وإدارة الأبحاث الطّبيّة ومنظّمة الأطبّاء الرّواد التي أجرت عملية نقل دماغه إلى جسدها، ولكن سيكون عليه حينها أن يدفع مخالفة ماليّة عملاقة قد تنسف ثلث تقاعده وربع تعويضه الماليّ عن إصابته في أثناء تأديته لمهام عمله للدّولة نظير قيامه بمخالفة خطيرة لقوانين المتعة والزّواج والإنجاب كلّها في الدّولة، وسيكون عليه في الوقت نفسه أن يخضع لجلسات قضائية معقدّة حتى يشرح للمجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى بمساندة الأوراق الرّسميّة التي يملكها وشهادة أطبائه كيفيّة تورّطه في هذا الحمل الغريب وفي هذه المخالفة الشّائنة، لابدّ من أنّ تلك الشّقية المسمّاة بالنّبيّة كانت مولعة بالمخالفات والسّلوكيّات الغريبة والأفعال الاستفزازيّة، وهاهي تورّطه في مخالفاتها حتى وهي متوارية في العدم.
يشعر بجنينه يرفسه أسفل خاصرته اليمنى، يضحك متوعداً إيّاه بعقاب شديد، وهو من بات يعرف معنى هذا الرّفس والقرع واللّكز، وكان يظّنه في الماضي عوارض مرافقة لمرضه الحمل، أمّا الآن فيعـرف أنّه حركـة طبيعيّة لجنينه الذّكر في أحشائه، الأطبّاء أخبروه بجنس جنينه، وإن كان سيقدّر أنّه ذكر ولو لم يعلموه بذلك؛ لصلابة ركلاته ولإصراره العنيد على رفسه كيفما اتفق، وهو الوارث الطّبيعيّ- على ما يبدو- لكلّ عناد أمه وإصرارها، أتراه ورث صعوبة المراس من والده أيضاً؟ أراهنُ على أن لا أحداً يعرف الإجابة، فقد يكون والده مجهولاً في غياهب الأرقام، ولا يتجاوز أن يكون متبرعاً بمنيّ لبنك التّخصيب الكونيّ مقابل راتب ثابت وحوافز إضافيّة لصعوبة العمل وخصوصيته، لعلّها لا تعرف من يكون والد جنينها، وقد لا يجديها نفعاً أن تعرف؛فكلّ ما يغريها- على ما يبدو- هو التّمرّد والعصيان وتثوير المواطنين ودفع الغرامات، هذا هو ملخّص ما قرأتُه عن شخصيتها، وتركيبتها النّفسيّة من ملفّها في المخابرات المركزيّة للمجرّة، لقد صاغ هذا التّحليل النّفسيّ والتّصوّر الذّهنيّ والسّيكولوجيّ عنها كبار أطباء علم النّفس المجنّدين في المخابرات والمشرفين مباشرة على حالتها طوال فترة اعتقالها.
يسبّها بصوت منخفض، فتأتيه –من جديد-رفسة شديدة من جنينه الشّقي في المكان الأوّل ذاته، يقهقه ضاحكاً؛إذ يخمّن أنّ جنينه غاضب منه؛ فهو على ما يبدو لا يتحمّل أن يسبّ أحدهم أمّه مهما كانت الأسباب.
يمدّ رجليه ليتيح مساحة أكبر لبطنه للتّمدّد، ولجنينه بالسّباحة في رحمه بعيداً عن خاصرته التي أوهاها لكزاً ورفساً، وربما يعضّها بعد قليل إن استمرّ الحال على ما هو عليه الآن.
يعدّل ضجعته بوسائد إضافية، ويضرب صفحاً عن منظر ثدييه المتضخّمين باطراد منذ أسابيع، يدرك الآن علاقة هذا التّضخم بالحمل وبسلوك هرمونات الجسد في حالة الحمل، يتأفّف متوعّداً الثّديين بالاستئصال في القريب في عملية تعديل جنس مُتفَق عليها مع الأطبّاء، يأخذ شهيقاً طويلاً مثل من يستعد للغوص في بحيرة أسطوريّة تسكنها مخلوقات متوحّشة، ويفتح الحزمة الضّوئيّة المكتوبة بعد أن يدخل الرّقم السّريّ لها شاكراً ذاكرته التي لم تخنه في حفظ الرّقم السّريّ الذي أخذه على عجل من آمر الوثائق الإلكترونيّة في المخابرات.
يقرأ بنفس عميق في الصّفحة الأولى على عجالة، لم تكتب فيها إلاّ فقرة واحدة تقول:
"وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق، أنا لستُ ضدّ أبعاد الطّول والعرض والارتفاع والزّمان، ولستُ معنية بتفكيك نظرية أينشتاين التي يدركها ، ويفهمها جيداً حتى أكثر الطلبة تواضعاً في الذّكاء والاجتهاد في أيّ مدرسة من مدارس هذا الكوكب الصّغير، ولكنّني أعلم علم اليقين والمؤمنين والعالمين والعارفين والدارين وورثة المتصوّفة والعشّاق المنقرضين منذ آلاف السّنين أنّ الحبّ هو البُعد الخامس الأهم في تشكيل معالم وجودنا، وحده الحبّ هو الكفيل بإحياء هذا الموات، وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكترونيّ البشع، وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب، وفلسفة انعتاق لحظة، أنا كافرة بالأبعاد كلّها خلا هذا البعد الخامس الجميل، أنا نبيّة هذا العصر الإلكترونيّ المقيت، فهل من مؤمنين؟ لأكون وخالد وجنينا القادم المؤمنين الشّجعان في هذا البعد الجميل. خالد أنا أحبّكَ، وأحبّ جنينا كما ينبغي لنبيّة عاشقة أن تحبّ..."
يعجب من هذا الكلام الذي يكاد لا يفهمه أبداً، أتراه كلام يحمل شيفرات سريّة، لعلّها تتحدّث عن اختراع جديد، أو عن اكتشاف فيزيائيّ خطير، هل كانت عالمة؟ أم كانت مطّلعة على أسرار علميّة واكتشافات كونيّة خطيرة؟ ماذا تعني بالبُعد الخامس؟ هل هذه نظريّة جديدة تستدرك على النّظرية النّسبية لأينشتاين؟ فتنسفها، وتعيد تأويل حقائق العالم من جديد؟ هل ستُحدث نظرية البُعد الخامس دمارًا جديدًا في الكون وحروباً طاحنة وتسابقاً في التسلّح الرّهيب الجديد كما فعلت النّظرية النّسبية إبّان تصنيع القنبلة النّوويّة في الألفيّة الماضية؟ ونظرية ما بعد النّسبيّة التي كانت السّبـب فـي تصنيـع القنبلـة الهيدروجينيّة في مطلع الألفيّة الميلاديّة الثالثة مخلّفة دماراً بيئياًّ لا علاجاً أو حلاً له في كوكب الأرض وفي الكواكب المجاورة.
يبدو أنّ هذه المرأة أخطر ممّا توقعّتُ، وعلي أن أنزلها في مكانها الصّحيح في تقديري، وعليّ أن آخذ منها كامل الحيطة و وموفور الحذر، وأن أقرأ كلّ ما كتبتْ، هذا في حال كفّ جنيني اللّعين، أعني جنينها اللّعين، عن رفسي بلا رحمة، أتراه معجوناً بمنشّطات حيويّة؟ أم هو شقيّ ومتمرّد ومتعب مثل أمّه؟
يعدّل ضجعته من جديد، ويحرّك ثدييه بتؤدة، فهما محتقنان بألم شديد، ينتقل عبر الآمر الإلكترونيّ إلى صفحة ضوئيّة جديدة، يجد زهرة بريّة مجفّفة مجهولة الفصيلة، يداعبها برقّة خوفاً من أن تسقط بتلاتها نتفاً بين يديه، منذ زمن طويل لم يرَ زهرة أو شجرة حقيقيّة، يحتاج إلى أن يذهب إلى متحف زراعيّ أو إلى محميّة طبيعيّة من يريد أن يرى شجرة حقيقية أو زهرة غير صناعيّة، فقد انقرض الغطاء النّباتي منذ مئات السّنين من كوكب الأرض، ولولا عمليات الاستنساخ الطّويلة لما عادتْ كلمة شجرة إلى قاموس البشريّة المعاصرة، فالإنسان دمّر هذا المفهوم عن بكرة أبيه منذ قرون بسبب تعدّيه الجائر على الطّبيعة واستنزافها عبر الاستهلاك غير المدروس والحروب والحرائق والكوارث البيئيّة المتلاحقة.
قرّب الزّهرة من أنفه، وشمّها بتمهّل واستمتاع قادم إلى نفسه على جرعات، لا تزال تملك بعضاً من شذاها الطّبيعيّ المُسكر، قال في نفسه: من أين لها بهذه الزّهرة الجميلة؟ هل قطفتها من محميّة ما؟ ألا تعرف أنّ هذا سلوك جرميّ، ويعاقب عليه القانون بغرامة كبيرة؟! يبدو أنّها مولعة بحق بالمخالفات وبالغرامات وبالجُنح القانونيّة.
قلّبّ الصّفحات الضّوئيّة على عجل حتى وصل إلى الصّفحة الأخيرة منه، ومن جديد عاد يتصفحّه بشكل عشوائيّ، استعرض نظام الصّفحات، جميعها مدوّنة بطريقة النّابض اليدويّ، كم هي طريقة قديمة! كيف وصلتْ هذه المرأة العفريت إلى هذه الطّريقة في الكتابة؟ ولماذا تُكتب بهذه الطرّيقة شبه المنقرضة والمضنية التي تحتاج إلى أوقات طويلة؟ المجرّة كلّها تعلّم أبناءها الكتابة بطريقة النّابض الذّريّ، وتكتبُ بهذه الطرّيقة، وتتعاملُ بها، وهي لا تزال غارقة في الماضي، لابدّ أنّ لها اطلاعاً كبيراً على الماضي وعلى تقنياته، وإلاّ لما أُتيح لها أن تعرف الكتابة بهذه الطّريقة البدائيّة، ولولا التحاقي بمنظومة الدّفاع العسكريّة للمجرّة، وأخذي دروساً عسكريّة وثقافيّة وأمنيّة عن طُرق القتال والتعلّم والتجسّس في الماضي، لما كان أُتيح لي أن أقرأ هذه الحزّمة الضّوئيّة العملاقة في ضوء توثيقها بهذا النّوع شبه المنقرض من الكتابة.
لماذا تستخدم هذه المرأة اللّغز طريقة الكتابة بالنّابض اليدويّ؟ فتلزم نفسها بهذا الجهد كلّه من نقل الحروف إلى الورق الضّوئي، وإعادة تشكيل الأفكار وتصحيح الكتابة وضبط النسّق والترتيب؟ وهي تستطيع بكلّ بساطة أن تركن إلى طريقة الكتابة الشّائعة والعصريّة، وهي طريقة النّابض الذّريّ، كلّ ما عليها حينئذٍ هو أن تثبّت شريط النّابض الذّريّ على مؤخرة رأسها حيث الدّماغ، وتكفّ عن الكلام، وتخلص في استجماع الفكرة في ذاكرتها، فتتحوّل طاقة حركة المعلومة في النّواقل العصبيّة في الدّماغ إلى نبضات كهربائيّة، يحّولها النّابض بكلّ سهولة ويسر إلى حروف تسجّل على الحزم الضّوئيّة خالية من أيّ أخطاء إملائيّة أو لغويّة أو أسلوبيّة، ومنظّمة في فقرات وصفحات قابلة لإعادة ضبط حجمها وعدد صفحاتها والحذف منها وفق الحاجة والقدرة على البوح والتّصريح بصدق دون خوف أو محاذير.
كلّ شيء يتعلّق بهذه المرأة هو محض أسئلة معلّقة في عالمي الصّمت والإلغاز، ولا إجابة شافية لها، وأنا وحدي المعنيّ بالإجابات المولودة من رحم أسئلة تتكاثر بنشاطٍ ذرّي في ذهني، أريد أن أجد الإجابات لعليّ أجدني، أريد أن أفهمها لعلّي أفهمني، وحدها هي من تسرقني، ومهمتي في الحياة باتت تنحصر في أن أطاردها في كلّ شبر من الكون حتى أستردّني.في يوم قريب سأخلعها جسداً وحكاية وذاكرة، سأفعل ذلك بمحض إرادتي، تماماً كما لبستها بكامل قراري وبموافقتي كاملة، ولكن حتى ذلك الوقت سأعرفها كما ينبغي أن تكون المعرفة.
يعود إلى تقليب صفحات الحزّمة الضّوئيّة الواحدة تلو أخرى بتوقّف غير قصير عند كلّ صفحة، ثم يعاود تصفّح التّالي من المكتوب، يصل إلى منتصف الحزّمة، يرفسه جنينه من جديد،لا يستطيع أن يكتم ابتسامة تندّتْ منه دون رغبة محدّدة، من جديد يرفسه رفسة أقوى من الأخيرة، فيمتعض، ثم ثالثة، فيردّها إليه عبر لكمة قوية موجّهة مباشرة إلى رأسه الذي يدفع بطنه إلى الخارج، يشعر بألم عظيم في بطنه، ولكن لا يبالي مادام ذلك الجنين قد تعلّم الأدب، يكفّ الجنين عن الحركة لثوانٍ، ثم يعود من جديد إلى الرّفس والنّقر بقوة، وعلى المكان نفسه من البطن، يقول له بصوت مرتفع مُغتاظ: أنتَ عنيد مثل أمّك، اللّعنة عليكما.
من جديد يعود إلى الصّفحة الأولى من الحزمة، يقرأ بصوت خفيض الفقرة الوحيدة الموجودة في تلك الصّفحة مرة ومرتين وثلاثاً، كلّما رفع الصّوت أكثر كفّ الجنين عن رفسه، يجزم بأنّ جنينه منخرطٌ في السّماع بفضول لما يقرأ في حزمة أمّه، يقول له وقد قرّب رأسه من بطنه، وكأنّه يهمس له: اسمع أيّها الجنين المزعج، لماذا لا نعقد حلفاً، ولنسمّيه حلف الرّجال، فكلانا رجل، والرّجـل لا يفهمه إلاّ رجل مثله، أنا أعدكَ بأن أقرأ لكَ من حزمة أمكَ على أن تكفّ عن إزعاجي ورفسي حتى نحظى بحلٍّ نهائيّ لهذه المعضلة الطّارئة في حياتي. ما رأيك؟ تبدو موافقاً على هذه التّسوية، ولاسيما أنّك ستحظى بالتّسلية المناسبة، وأنا سأهبكَ اهتمامي الصّادق وقراءتي المتأنّية مادمت تلتزم بشروط الهدنة، إذن اتفقنا؟
لا يحظى بأيّ حركة من جنينه، فيخمّن أنّه قد نال مبتغاه أخيراً، وحصل على اتفاقية استثنائيّة مع خصمه العنيد الذي يسكن بطنه، ويعيش على معاشه، ويجبره على حمله، ويشاركه في كلّ شيء دون موافقته أو رضاه أو رغبته أو حتى تقبّله، يفكّر في أن يمسّد عليه عبر جلد بطنه رضا عنه، وتشجيعاً له على الطّاعة، ولكّنه يتراجع سريعاً عن الفكرة، ويمضي يقرأ له الفقرة اليتيمة في الصّفحة الأولى من جديد، ويتوقّف طويلاً عند الجملة الأخيرة التي تذيّل الصّفحة، يقرأها من جديد، يُدهش؛لأنّه لم يدرك معناها في قراءته السّابقة، مرة ثالثة يقرأ جملتها:" من يوميّات امرأة عاشقة في مجرّة درب التبّانة".
إذن فما سيقرؤه هنا لا يعدو أن يكون يوميّات شخصيّة لها، يا لخيبة أملي! إذن لن أجد أيّ أسرار، بل يوميّات، ولاشيء سوى يوميّات، يا للعجب العجاب، أما زال هناك بشر يفكرون في كتابة سيرهم الشّخصية ويومياتهم؟! ولمن يكتبونها؟ ولماذا؟ أكاد لا أصدّق أنّ هذه المـرأة اللّغـز أحرقـت الكثيـر من وقتهـا وجهدها من أجل هذه اليوميّات، أخال أنّها آخر شخص في هذا القرن يفكّر في هذا الأمر، فلا وقت عند البشر لمثل هذه الترّهات، وحدها الدّولة عبر نظامها الإلكترونيّ الذّريّ المرتبط بمناحي الحياة ونشاطاتها وفعالياتها و ووقائعها كلّها هي المعنية بمثل هذا التّدوين لغايات التّنظيم والتّرتيب والضّبط والتجسّس.
أمّا البشر فقد غادروا هذه الهواية أو غادرتهم منذ غدوا أرقاماً في مجرة عملاقة كلّ شأنهم فيها أن يعملوا دون توقّف، وأن يتمتّعوا بإجازاتهم القصيرة بالتّرف المبالغ فيه، وأن يسندوا الكثير من مهامهم إلى مساعديهم وخدمهم من رجال آليين ونساء آليات، ويتركوا كلّ شيء بعد ذلك إلى الدّولة تنظّمه لهم وفق ترسانة أسطورّية من المعلومات والتّكنولوجيا التي سبقت الخيال في التطّور الماديّ، لتختار لهم حقول أعمالهم ومجالات تخصّصاتهم وشركائهم في الحياة، وترّبي لهم أبناءهم، وتهبهم بيوتهم، وتردّهم دون أن يشعروا بألم أو بإهانة أو بإساءة إلى البيئة الكونيّة بعد أن تحوّلهم إلى مواد عضويّة مفيدة في حالة موتهم، ثم تذر الباقي القليل غير المفيد من رفاتهم في الفراغ الكونيّ مقابل أن يكونوا جنوداً عاملين ومطيعين في دولة الإنسان الأولى الموّحدة للبشريّة كلّها بقوة السّلاح والمصلحة والعابرة للكواكب في مجرّة التّبانة.
أمّا هي، فتنصرف إلى كتابة يومياتها ضاربة بعادات سكّان المجرّة وأولوياتهم وأنماط حيواتهم عرض الحائط ملتفتة بجلّها إلى كتابة شيء ربما يكون ذاتها، وهذا هو مبتغاي بالتّحديد، ففي هذه الحزمة الضّوئيّة سأجدها فأجدني، سألمسها، فألمسني، سأكونها، فتكونني، أنا مستعد لكلّ شيء منها، فهل ستهبني الحقيقة كلّها التي ما أدري أيّ لبوسٍ عليها أن تلبس لتكون حقيقتي دون سائر حقائقي المخادعة في هذه الحياة اللّغز؟ لعلّها تكون كريمة علي كما كانت حتف أنفها، فوهبتني هذا الجسد الغريب في حين بخلّت الأجساد كلّها بصفاتها الجينيّة عليّ لتهبني ذاتها عندما أصرّت على أن تكون بصفات جينيّة وأنسجة تتطابق تماماً مع أنسجة جسدي البائد، وقد كانتْ أشدّ سخاء وبهاء ورحمة عندما احتضنتْ بجسدها الضّعيف دماغي المهاجر إليها دون الأجساد كلّها، فتعاطفتْ معه، وتقبّلته غريباً غازياً بأريج ودفء، وانصهرتْ معه، لتغدو به حقيقة جديدة، اسمها أنا وهي.
لا أؤمن كثيراً بالحبّ، هذا الأكسيد الغريب للشِّعر شبه المنقرض والآلام الاختياريّة والنّهايات الحزينة، أنا أفهم الحبّ بطرق أكثر ماديّة ممّا كتبتْ في هذه الصّفحة الأولى من يومياتها، ولكّنني في هذه اللّحظات مستعد بقبول منقطع النّظير للاستماع إليها بكلّ آذان صاغية حتى أخرج من هذه المتاهة العجيبة التي اسمها جسدنا.
تنتابني رهبة غريبة تجعلني أكاد أقسم بجنينها أنّني قد أؤمن بنبوّتها شأن الآخرين من أتباعها ومريديها إن هي فكّتْ لي لغز ذاتي، وخرجتْ من جسدنا بسلام؛ليكونني حتى أرحل عنه في أقرب فرصة يحدّدها لي الأطبّاء موعداً لنقل دماغي إلى جسد ذكوريّ آخر.
يتابع تقليب الصّفحات الضّوئيّة مستعرضاً نظام اليوميّات، الصّفحات كلّها تبدأ بتأريخ اليوم والشّهر والسّنة، جميعها ممتدّة بتتابع في أقل من شهر، هذه مدّة قصيرة للشّروع في كتابة اليوميّات، يبدو أنّها لم تكن من هواة كتابة اليوميّات، ولكن طارئاً ما هو من سار بها في هذا الاتجاه، وجعلها تكتب هذه اليوميّات على عجل، وبهمة لا تفتر،لا يوجد يوم دون تدوين وكتابة، اليوم الأخير من هذه اليوميّات هو المنقوص، وغير كامل خلا التّاريخ وبعض الجمل، لعلّها تراجعت عن غواية الكتابة فجأة دون مقدمات، كما شرعتْ فيها فجأة دون أسباب ظاهرة للعيان، أو لعلّ الظّروف هي من أعاقتها عن أن تكمل ما بدأت فيه، فتاريخ الصّفحة الأخيرة يقع في دائرة الفترة الزّمنية التي أُعتقلت فيها، وهي من بعد ما عادتْْ تستطيع أن تكمل ما بدأتْْ في كتابته، ففي معتقل المخابرات المركزيّة لحكومة المجرّة تُحرم من كلّ شيء حتى من ذاكرتكَ.
إذن عمر هذه الحزمة الضّوئية في مجمله إن أضفنا إليه الأشهر التي أمضاها حبيساً في قسم الحرائز في مخابرات المجرّة تسعة أشهر، إذن هي يوميّات جديدة، تأتي بعد فترة من تحليق نجمها في عالم النّبوة وبداية ولادة معضلاتها مع الدّولة وفق المعلومات التي جمعها عنها ومساعده الآليّ.
كلّ صفحة من صفحات اليوميّات تبدأ وتنتهي بقطعة نثريّة مكتوبة بالأحمر الفوّاح بنكهة الفراولة المصنّعة، فهذه الحزمة الضّوئية من فئة الحزم الضّوئية الفاخرة المزوّدة بروائح لونيّة ملازمة، وهي جميعها ممهورة باسم خالد ومنتهيةٍ بقفلة لازمة هي أشتهيك، أمّا القطاع الأكبر من اليوميّات فمكتوب باللّون الأزرق بنكهة الياسمين المصنّعة.هل كان خالد هذا بطعم الفراولة المصنّعة؟ أراهن على ذلك، لأنّها بلا شكّ كانت بطعم الياسمين وبرائحته، الآن أدركتُ ما حقيقة هذه الرّائحة الطّبيعيّة الجّميلة التي تسكن جسدنا، هي رائحة الياسمين، كم أنا أحمق لأحتاج إلى هذه الفترة كلّها لأدرك أنّني عالق في جسد برائحة الياسمين! كي لا أكون جحوداً وبعيداً عن الذّاتية علي أن أعترف بأنّ جسداً برائحة الياسمين وبرقته هو أحلى الأقدار، ولكن في ظروفٍ غير ظروفي الحاليّة.
النّصوص الخالديّة كلّها في اليوميّات تعود إلى تواريخ متعدّدة وممتدّة إلى أكثر من ثلاث سنوات تقريباً،وهي مقرونة بنصّها الأحمر اللّون الفراوليّ الرّائحة دون تقيّد بترتيبٍ وفق التّاريخ، لابدّ من أنّها نسخ عن رسائل حقيقيّة موجّهة إليها من خالد، ويبدو أنّها كانت على عجالة، فأثبتتها في صفحات الحزمة الضّوئيّة دون مراعاة ترتيبها الزّمنيّ، أو لعلّ هناك سرّاً ينتظم هذه الرّسائل في تواريخها العشوائيّة،وهو سرّ تدركه هي دون غيرها، ولكن كيف سأفهم مرادها من هذا كلّه؟ألم يكن من الواجب أن تكتب بنظام وترتيب لأدرك كنه ما تبغي؟ اللّعنة، هي في الأحوال كلّها ما كانتْ لتعرف أنّ ما كتبتْ سيؤول إليّ في زمن احتضاري ومحنتي بها وبي، لأبحث فيه وبه عن شيء لا أعرف ما هو، وأبغي أن يكونني بكلّ عناد الحمقى وسكرات المخبولين.
في نهاية يوميّات كلّ يوم هناك قصة قصيرة، أكانتْ تكتبُ يوميّات أم مجموعة قصص قصيرة! أم أنّ هذه القصص هي امتداد بمعنى مُلغز ليومياتها؟ هذه المرأة محيّرة بحق، والرّكض خلف جموحها يشبه الجري في متاهة كونيّة تنتهي بثقب أسود يبتلع الحقائق والألغاز والموجودات كلّها، ويورثها للعدم. ولكن سيكون من المسلّي لي أن أجـد فـي انتظاري في نهاية كلّ يوم من يومياتها قصة تسكّـن قلقي وبحثي، وتعزّي لهاثي الشّوكيّ خلف نبضها الخافت فيها العاصف في روحي ومداركي .
هناك متسع في روحي النّزقة المأسورة في جسدها الصّغير الضّيق على ذاكرتي كي أقرأها دون ملل أو كلل حتى أعرف من أنا؛ فهي فقط من تملك أن تخبرني بهذه الحقيقية الوجوديّة الجافية المناقضة لمعطيات قلقي كلّها.أنا على أتمّ الاستعداد لتحمّل جنينها وخالدها ويومياتها وتواريخها البائدة وقصصها الختاميّة من أجل ذلك المأمول الذي يستلقي بصفاقة في روحي، ويحرمني لحظة سعادة أو رضا مع جسدي، أعني جسدها، أقصد جسدنا.
يأخذُ شربة ماء من كأس زجاجيّ مهجور منذ ساعتين فوق منضدة قريبة من سريره ذي الأغطية البيضاء المحايدة الملمس، يتنفّس الصّعداء، ومن جديد، يعود إلى الصّفحة الأولى، لا يقرأ ما فيها، بل يقلّبها، ليتوقّف بهدوء غادره منذ زمن عند الصّفحة التالية، ويشرع يقرأ...











توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:53 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




الفصل السّادس
(النظرية: نظرية طاقة البُعد الخامس)



الفصل السّادس
(النّظرية: نظرية طاقة البُعد الخامس)
(1)
اليوم: 3 شهرالنّور عام 3010م
" يا نفحة من روح الإله، يا نبيّة الكلمة، يا نبيتي، أتمنّى أن تكوني مستعدة لاستقبالي هذا المساء، لقد جئتكِ خفية، وانزويتُ إلى زاوية في غرفتكِ أتأمل جلستكِ، يبدو لي أنّكِ تلبسين ثوباً شفافاً أسود، ما أجمل الأسود والسّواد؛ إنّه لون النّبالة والشّرفاء والصّدق، راقتني الطريقة التي تداعبين بها لوحة المفاتيح، لقد أُفتتنتُ بأناملكِ، أمّا الذي يشتّتني فابتسامتكِ ونظراتكِ الغارقة.أنتِ أذكى امرأة عرفتها في حياتي؛ لأنّك أكثر صفاء وحركة وكلاماً وأنوثة، عشقتك لأنّ شيئا من روحكِ يذكرني بالإله، عشقكِ لأنَك ملأت قلبي في لحظات كان فيه الفراغ يملأ جغرافيتي "أشتهيكِ: خالد( )
حبيبتي ورد، اليوم فقط عرفتُ أنّكِ أصبحت حقيقة في عالم الوجود، بكيتُ كثيراً فرحاً بحضوركِ البهي؛ فقد جئتِ في زمن الفقد لتقولي لي إنّني حقيقة، ولستُ كذبة، وأنّ عشقي لخالد هو البُعد الخامس الجبّار الذي يمكنه أن يلد المستحيل، ويعيد تشكيل خرائط السّعادة والعطاء والتمرّد في هذا الكون، لولا أنّكِ وفيتِ بالأمل وحضرتِ، لكنتُ رحلتُ عن الحياة مكسورة وحيدة كما رحل خالد، وصمتَ إلى الأبد، ولما قلتُ مرحى للبُعد الخامس، ولكن بحضوركِ ستكون الأشياء مختلفة، وسُيولد التمرّد.
قال لي الطّبيب الآليّ إنّكِ الآن نطفة جميلة في رحمي المعطّل منذ أبدٍ قدره أكثر من ألف عام من عمر البشرية الحديثة، عمركِ الآن أسبوعان مزهران بألف قبلة من خالد، فوحده خالد من يستطيع أن يخلق عالماً وبشراً وأقداراً وسعادة من قُبل شهيّة، فهو آخر ذكر يملك مثل هذه القُبل في هذه المجرّة.
الطّبيب لا يستطيع أن يحدّد ما هو جنسكِ قبل أن تكملي الشّهر الأوّل من عمرك النّامي في أحشائي، ولكّنني أعرف أنّكِ أنثى، هذا ما خططنا له، وهكذا شئنا أن تكوني، خالد أراد دائماً أنثى سليلة مائه ومائي، أراد أن يعيد بها التّاريخ من جديد، أراد أن يحيي بها سائر ملاحم التّاريخ المنقرض وحروب البشر ورغباتهم، لذلك أنتِ بالتأكيد أنثى؛ لأنّ خالد يريد هذا، وأنا لا أريد سوى ما يريده، خالد الذي يقول إنّ رحم المرأة هو حقيقة الخلود والخلق، وإنّ جسدها هو المعبر المقدّس نحو الأزمان كلّها، وبكِ يا ورد ستعبر البشريّة إلى زمن آخر وبُعد خامس، هو بُعد الحبّ والسّعادة وجنّة الله على الأرض.
أنا متأكدة من أنّك ستكونين مزيجاً عجيباً من خالد ومني، وستخلصين لنا بصفاتكِ وملامحكِ وجيناتكِ كلّها، وستتجاهلين الكون كلّه خلانا، ليتك ترثين عن خالد كلّ ملامحه وصفاته وأحاسيسه وذكائه وكآبته الجميلة في إزاء كلّ قبح يرفضه في هذا الكون، وليتك ترثين مني حبّي لخالد وإيماني الرّاسخ بنظريتنا التي ستهب الطّاقة الحلم للإنسان كي يتجاوز معاني العدم والفقد والنّهايات المفجعة كلّها.
نسيتُ أن أقول لك من أنا يا ورد، اعذريني يا غاليتي؛ فأنا أدرك كم هو الوقت ضيّق أمامي الآن، في أيّ لحظة أنا مهدّدة بالاعتقال أو الاغتيال أو النّفي، وتلك قصة أخرى أخبركِ بها لاحقاً، لكن تأكّدي من أنّ أمّك امرأة خيّرة لا شريرة، لا تقلقي حبيبتي أنتِ في مأمن في داخلي، لا أحد يستطيع أن يفكّر في إيذائكِ؛ فلا أحد يعرف بوجودكِ خلا روح خالد وأجمل ليالينا ولقاءاتنا التي خلقتكِ، أنتِ مخلوقة من الحبّ، ولاشيء غير الحبّ، وعليك أن تكوني فخورة بذلك.
نسيتُ أن أقول لكِ إنّ خالد رامي الأشهب هو أبوك البيولوجيّ والرّوحيّ والحقيقيّ، وأنا أمّكِ (شمس) النّبيّة التي حاربت المجرّة لتكوني، لا تستعجلي، ولا تخافي، ولا تضيقي ذرعاً بكلامي المختصر، سأحدّثك عن كلّ شيء ريثما تعرفين الحقائق كلّها، فأنتِ حالة استثنائيّة في الوجود، وعليكِ أن تعرفي ابتداء ما ينتظركِ، أخشى أن تموت الحقيقة ريثما تولدين، وتأتين أنثىً مكتملة الخلق إلى هذه الحياة الماديّة الضّنكة،ولذلك عليكِ أن تقرئي كلّ كلمة كتبتها لك في هذه الحزمة الضّوئية، وأن تكوني مقدّرة للإرث العملاق الذي نتركه لكِ أنا وخالد.
أمّا أنتِ، فتكونين جنيناً أنثى عمره- في هذه اللّحظة- أسبوعان فقط ليس غير، أنتِ الآن تعيشين في رحمي، وبعد تسعة أشهر ستكونين مكتملة الوجود، وتشّقين طريقك إلى خارج جسدي نحو قدركِ الجّميل.
اسمكِ سيكون ورد، هذا الاسم اختاره لكِ خالد، منذ الآن أكاد أشمّ رائحتكِ الورديّة تنبض في أمومتي الوليدة، الورد يا حبيبتي الصّغيرة هو جمع كلمة وردة، والوردة نبات جميل له روائح زكية، وملمس مخمليّ وألوان جميلة، هذا الكائن النّباتيّ انقرض منذ زمن طويل، قيل إنّه كان في الماضي يغمر الأرض خبط عشواء، وبسخاء إلهيّ بهيّ، أمّا بعد الحروب الهيدروجينيّة الكونيّة في نهاية الألفيّة الماضية، فقد انقرض هذا النّبات الجميل، كما انقرض الغطاء النّباتيّ الأرضي كلّه، وما بقي منه إلاّ عينات مستنسخة ومعدّلة الصّفات الجينيّة، وهي معروضة للزوّار في محميّات خاصّة ومتاحف نادرة الوجود، على كلّ حال أنا أترك لك في طي هذه الحزمة وردة نادرة، عمرها أكثر من ألف عام، هي هدية من والدك، احتفظي بها للقادم من سلالتك البشريّة. والورد كذلك اسم لحيوان منقرض ينتمي إلى زمن ما قبل الألفيّة الرّابعة، اسمه الأسد أيضاً، وهو حيوان مفترس ومتوحش وقوي، ونبيل كذلك، يعيش بكبرياء، ويموت بكبرياء، ويرفض الجيف، ويعتزّ بقوته، ولذلك أسميناكِ ورداً لتكوني منذورة للجمال والقوة ولحبّنا.
وردي الصّغيرة، احفظي كلّ كلمة كتبتها لكِ في هذه الحزمة عن ظهر قلب، أنتِ ورد، وأبوكِ خالد، وأنا أمّكِ النّبيّة، وأنتِ الجنين الأوّل من نوعه وبطريقة تكوينه منذ أكثر من ألف عام في تاريخ الكون، بعد تسعة أشهر سوف تغادرين رحمي، وتحملين للعالم رسالة الحبّ الجديدة، أنت فقط من ستعيدين الجنس إلى قاموس البشريّة، وسوف تردّين الاعتبار والوجود لمعنى التّناسل الإنسانيّ، والحفاظ على الصّفات الوراثية والشّفرة الجينيّة بعد أن أصبح البشر أبناء التّعديل الوراثي والمعامل وبنوك المنيّ والصّفات المشتراة، لا أبناء آبائهم وأمهاتهم المنسوبين إليهم وفق الأوراق الرّسميّة والمستندات الحكوميّة.
حبيبتي افخري؛ فأنتِ ابنة أبيكِ وأمّكِ بحق، أنتِ لحظتهما، وثالوثهما المقدّس، ووليدة فعلهما الجنسيّ وعشقهما الرّوحي.إيّاك أن تقبلي بأن تنتسبي في يوم إلى غير خالد، قد تنتسبين من باب حلّ مشكلة قانونيّة إلى زوجي، ولكنّه ليس والدك، تذكري دائماً أنتِ لستِ إلاّ امتداداً لخالد ولي وللبُعد الخامس للوجود.
الوقت ضيّق أمامي، وآلام الوحام تداهمني، هل تعرفين ما معنى آلام الوحام يا حبيبتي؟ هي تعني تلك المظاهر الجسديّة التي تربك الجسد لتخبره بوجودكِ السّعيد.البارحة فقط كنتُ أعتقد أنّني مريضة، واليوم أدركتُ أنّ جسدي معنيٌّ بالاحتفال بوجودكِ، وما عليّ إلاّ الصّبر على هذا الدّوار، وهذا القيء المتقطّع والمفاجئ كي أحظى بكِ، وأسعد باحتضانك، أنا متعبة، وذهني مشوّش إلى حدّ كبير، لذلك اعذريني، لن أجد الوقت الكافي كي أرتّب كلّ رسائل والدكِ إليّ، سأرصدها بعشوائيّة في هذه الحزمة، وعندما يأتي الوقت المناسب سنعيد ترتيبها معاً، هذه الرسائل الذّريّة هي ثروتي من والدك، اقرئيها باهتمام، ففيها ستجدين خالداً، وبها ستعرفينه، وتدركين كم كانت أمّك ذكية ومحظوظة عندما صنعتكِ بشراكة مع هذا الرّجل الفاتن.
هل تعرفين يا حبيبتي ما معنى رجل؟ سأحدّثكِ غداً عن هذا الكائن البديع، وحتى ذلك الوقت عليكِ أن تعرفي أنّه أجمل طريقة لتكتشف المرأة ذاتها، ستسألينني طبعاً ما هي المرأة؟ غداً أخبرك ماذا تكون المرأة، لكي تدركي ذاتكِ كما ينبغي.
وردي، رتّلي في كلّ ليلة كلمات والدكِ؛ فهي تميمة ضدّ الموت، سأهديك في كلّ ليلة قصّة المساء، أنا مخلوقة للحكاية والقصّ، ولكن هذه ليستْ قصصي، بل إرث من والدكِ، هو من اعتاد أن يحكي لي قصة في كلّ ليلة، وأنا أغفو على صدره، وهاأنذا أهديكِ هداياه الكلمات.
تقول حكاية النّوم يا ورد الجميلة:
كانت الأرض في بداية التّاريخ والخلق جميلة؛ ببحار زرقاء هادئة، وأشجارٍ خضراء باسقة، وسماء عليلة، وحيوانات مسالمة، لكنّ البشر أفسدوا كلّ شيء بشرورهم، وحروبهم، وتطاحنهم، الدّماء الحمراء أغرقت الأماكن كلّها، وأفسدتْ الألوان جميعها، الآلهة ضاقتْ ذرعاً بهم، وأرسلتْ عليهم أمطاراً لا تتوقّف كي تغرقهم أجمعين، وجعلتْ تميمة الخلاص في فعل خير، ولكن البشر بقوا في شرورهم، ولم يدركوا الحلّ، حتى كانتْ قُبْلة عاشق وعاشقـة، كانـتْ قُبْلـة وداع قبـل المـوت غرقـاً، ولكّنهـا كانـتْ جميلة وصادقة وخيّرة، ففرحت السّماء بها، وهلّلت الآلهة سحرها، فتوقّفتْ أمطار السّماء المتدفّقة دون نهاية إكراماً للقُبْلة التي أنقذت البشريّة من الهلاك".
من رسائل خالد:
" هل تعلمين لماذا أكرّر كلمة أحبّكِ ألف مرة، لأنّها تختزل تجربة الإنسانيّة كلّها في ممارسة الحبّ والجنس، أنا مستعد أن أملأها باسمكِ وحدك، بحبّي لكِ وحدكِ بجسدكِ وفتوّتكِ وبهائكِ ورائحتكِ ونظراتكِ وعناقاتكِ يا شمس، أشتهيكِ كما اشتهى الفلاسفة نهاياتهم، أريد أن أنتهي على أعتابكِ وأنا أتوسّد حدائقكِ، وأحترق بحرائقكِ يا نبيّتي، أحبّكِ وأحبّ أن أقبّلكِ قُبلة بشفاهي وأصابعي وجسدي، وأن أرسم في كلّ حيز من جسدكِ صمتاً مقدساً يغري العالم بأن ينتفض ضدّ تاريخ العالمين: القديم والحديث".أشتهيكِ: خالد.
يا لها من امرأة!! يقول وهو يغلق الحزمة الضّوئيّة بإدخال الأرقام السّريّة من جديد في حافظتها الإلكترونيّة، يشعر ببحّة في صوته وقد قطع ليلته يقرأ بصوت مرتفع لجنينه، يبتسم بشماتةٍ لا تسعـده بالقـدر الـذي يريـده؛ لأنّ جنينه ذكر لا أنثى كما راهنتْ عليه وخالد، ولكنّه يتمنّى لو كان جنينه أنثى؛ لكان الآن يستمع إلى ما يقرأ بانتفاع أكبر، وإن كان يعلم أنّه لن يستفيد أبداً من معلومات أمّه، فهو سوف يلفظ أنفاسه في القريب على حدّ مشرط في يديّ طبيب عندما يجهضه، عندها لن يرى أبداً الحياة التي وهبتها له أمّه ربما لقاء حياتها.
هذا كلّه لا يعنيه، معركته الآن مع جسدها لصالح نفسه، لا لصالح جنينها المجهول، يتساءل لماذا كفّ الجنين عن الرّفس بل وعن الحركة تماماً؟أهذا التزام صارم منه بحلفه معه؟ أم هو صمت في محراب كلمات أمه التي لا يستطيع أن ينكر تأثّره بها؟أم غلبه النّوم، فلم يسمع شيئاً ممّا قرأه له؟ يقرع بطنه بطرف سبابته، ويقول: أنتَ أيّها الجنين، هل لا تزال مستيقظاً؟ لا يحظى بإجابة، يضع الحزمة جانباً، ويحسن الاستلقاء في سريره، يغيّر من معدّل الحرارة والضغط والإضاءة والأوكسجين في الغرفة بضغطة زرّ على مكيّف الطّقس الدّاخليّ في الغرفة، ويستسلم لنوم مريح رحب يتسع لحلم شهي بشمس.
(2)
اليوم 4 شهر النّور عام 3010م
"هل تعرفين أنّ ما يربطني بكِ الآن هو لغة روح مطلقة؟ لا الجنس يفهما ولا الجسد يشفي معناها ولا العراء يقرب دلالاتها، وحده اللّقاء في مكان صامت، لنفعل ما لم يفعله العالم من قبلِ، ولن يفعله من بعد قد يفسّر معنى الأشياء.قد نستعمل جسدينا أداة لتحقيق ذلك، ولكن هذا لن يجعلني أكتفي بكِ جسداً، بل إنّك كلٌّ مطلق يسكنني.سأرتّب المستقبل كي أرسم خرائط لفهم أسرار جسدكِ، وأصنع مفاتيح لتحريره من كلّ القيود".أشتهيكِ: خالد
حبيبتي ورد، البشر أنواع، جلّهم مخلوق من خليط الشّر والخير، وقليل فقط مخلوقون من الحروف والكلمات، أيّ أنّهم كائنات لغويّة، خالد وأنا مخلوقان من الكلمة، لا يمكن أن تفهمينا أو أن تكونيننا أو تغادرينا دون الكلمة، كلانا يقدّس الكلمة، ومن هنا جاء تقديسنا لله وللحياة والبشرية ولذواتنا، ولهذا السّبب ذاته صنعناكِ، وبهذه المعرفة اكتشفنا الكون، وصُغنا وجوده في نظريتنا في البُعد الخامس.
لا تعتقدي يا حبيبتي أنّني ووالدك عالما ذرة خارقان، ولسنا أيضاً متخّصصين في علوم الجزئيات والأشعة وسلوك الذرّات والتّواصل الفضائي والهندسة الجينية والفيزياء الشّمسيّة والكيمياء الكوكبيّة والزّمن المنكسر والمرتدّ والثّقوب السّوداء والانفجار الكونيّ والموت الكونيّ والولادة النّجميّة، وغيرها من التّخصّصات الخطيرة والمعقّدة التي من الصّعب أن يستوعبها الآن عقلكِ الصّغير الحالم.
لكنّنا بارعان في فهم جمال القلب، وأوّل عاشقين في هذه الألفيّة، نحن من أعدنا زمن العشق الجميل إلى ذاكرة البشريّة، ونحن من أثبتنا أنّ البُعد الخامس قادر على تغيير سلوك الجزيئات، وتفجير طاقة عملاقة من هذه الحركة إن كانت تسير ضمن منظومة لولبيّة تتقاطع مع خطوط العرض والطّول، وتراعي حركة الأيض، وتدفّق الطّاقة الكونيّة في المجالات المغنطيسيّة والكهربائيّة، ولا تتعارض مع كهرباء أو ضوء سلبيّ منبعه الأفكار السّلبية أو المشاعر الشّريرة أو الأفعال الآثمة التي تخفّض مستويات الطّاقة إلى أخفض حدودها، وتعيق تحرّك الذّرات وانبعاث الطّاقة الكونية الكامنة في الأبعاد الأربعة الطّبيعيّة بسقوط الأشياء عاموديّاً على محورها أو تقاطعها بزاوية حادة مع ظلّ الأبعاد الثلاثة الأولى ومحور البُعد الرّابع.
أعرف أنّ ما أقوله الآن يا ورد هو أكبر من استيعابك، ولكن سيأتي الوقت الذي تفهمين فيه هذه المعادلات الخطيرة، لقد اكتشف والدكِ معادلة الطّاقة الكونيّة الكامنة في البُعد الخامس للمادة، وبهذه الطّاقة سنغيّر الكون، ونعيد بهاءه إليه، الكون الآن غارق في المادة والرّفاه الاستهلاكيّ، وهو خليط عجيب من بشر آليين وآليين أشباه بشر، يبدو الكون في هذه اللّحظة عادلاً ومنظّماً ومريحاً، ولكّنه في الحقيقة فراغ متسع من الخواء، كلّه برود واضطهاد وظلم، ويعجّ بالإسمنت والزّجاج والمعدن، وتخنقه المسافات الشّاسعة التي قرّبتها وسائل الاتّصال، وجعلت الإنسان فيه عبداً للتحّكم الإلكترونيّ المبرمج حيث لا مكان للهرب أو الفرديّة أو الإبداع الشّخصيّ أو المشاعر أو الانعتاق أو الاستقلاليّة، ويقف على شفا حربٍ كونية أخيرة قد تمسح الوجود البشريّ من التّاريخ الكونيّ بعد أن هدر كثيراً من الفرص في سبيل إنقاذ إنسانيته، ودمّر كوكب الأرض، وأباد الكثير من بني جنسه وسلالات أعراقه، وأحرق الغطاء النّباتي، وخرق السّلسلة الحيوانيّة، وهتك الغلاف الجّوي الحامي، وغيّر من جغرافيا الأرض، فباتَ أسير التّصنيع الكهروذريّ للهواء، وتحت رحمة الغلاف البلّوريّ الصّناعي البديل للأرض، وكائن تجارب لكلّ محاولة جديدة من أجل إعمار الكون والسّكنى في كواكب مجاورة محتملـة مثـل القمر وزحل وعطارة والزّهرة، وفي خواء هذا الخـراب البشع المزدحم بالقبح المتوالد لازالت قوى الظّلام والشّر تهدّد من حين إلى آخر بحروب كونيّة دامية بأعتى وسائل الفتك والإبادة، ولو عنى ذلك الفناء للجميع.
البشرية جمعاء باتت خانات لأرقام عملاقة، تتعلّق بها شبكة خرافيّة عابرة للمجرّة من أرقام وأنظمة مراقبة وبرمجة وحوسبة وتأريخ وأرشفة، حتى أنا لي رقم يختزلني، وعبره أراجع قضاياي الرّسمية وغير الرّسمية جميعها، لا أحد يذكرني باسمي في عمل أو مراقبة أو خرق بل يذكرونني برقمي، ووالدك له رقم متسلسل كذلك، أنتِ وحدكِ من ستولدين باسم دون رقم جهنميّ يهبط بكِ إلى منزلة الآلات.
يوماً ما ستفخرين بوالدك وبي، وستواصلين المسيرة في سبيل إسعاد البشريّة ذات الطّباع الغريبة؛ فكلّما اكتشف البشر المزيد من أسباب الحياة والسّعادة، سارعوا إلى البحث عن قتل هذه السّعادة، ولذلك حرص خالد على أن تبقى معادلة طاقة هذا البعد طيّ الكتمان، لا أحد في الكون يعرف المعادلة غيري وغيره، هو يحفظ نصفها، وأنا أحفظ نصفها الثاني، ودون اجتماعنا معاً لا يمكن أبداً معرفة هذه المعادلة الخطيرة.
نحن نخشى حكومة المجرّة ومخابراتها يا ورد، ونكاد نجزم بأنّهم سيصلون إلى خبر عن هذه المعادلة، وسيقهروننا بالطّرق جميعها من أجل الحصول عليها، ولو عبر تصفّح ذاكرتينا بالماسح الذّريّ أو تحليل أحلامنا بالسّابر الكهرومغناطيسيّ، فالعلم جعل الطّريق سهلة أمام الكشف والمعرفة، ولذلك فقد خضعت ووالدكِ لعلمية إعتام مؤقت لذاكرتي التّوتر عندنا، وبذلك لن تستطيع أيّ قوة أن تقرأ المعادلة من خلايا ذاكرتينا، بل أنا وهو لا نستطيع تذكرها فرادى، لا نستطيع تذكرها إلاّ بفعل ثنائيّ اشتراطيّ مسبق، وقد برمجنا هذا الفعل في ممارسة الجنس، لا نستطيع أن نتذكّر المعادلة إلاّ إذا مارسنا الجنس بطريقته الطّبيعية البائدة، حتى مساعد خالد الآليّ قد أعاد برمجته لينسى كلّ شيء عن هذه المعادلة، كلّ شيء قد حُسب حسابه، وأُحسن إعداده من أجل أن تقومي أنتِ بإكمال المهمة، وتسير هذه الطّاقة في وجوه الخير والنّماء، فهذه الطّاقة مصنوعة ومتولّدة أصلاً من قوى الخير، ولذلك لن تنطلق أبداً علي يدي شرير، لابدّ من أن يكون عاشقاً متفرّداً هو من يطلق هذه الطّاقة.
لقد جرّبنا إطلاق هذه الطّاقة لمرة واحدة فقط يا وردي، كان ذلك في ليلة صناعتكِ، ليلتها كان الحبّ في أعلى مستوياته في جسـدي وجسـد خالـد، وكانـت روحـانـا معلقتيـن فـي عـرش السّرمديّة، ومتواصلتين مع قوى الكون كلّها، كانت لحظة انفجار الطّاقة الكونيّة، لقد كانت طاقة رهيبة وعملاقة حرفت كوكب القمر عن مساره الأبديّ الخالديّ بمقدار متر كامل، وسببتْ خللاً كونيّاً أبديّاً، ولو خرجت الطّاقة المنبعثة عن المقدار المتوقّع لها بمقدار أكبر لتفجّر القمر بنا وبليلتنا الخالدة وبمواطنيه كلّهم من العالم الجديد.
طاقة البعد الخامس مرتبطة بطاقة الحبّ، وبدائرة الجنس الخالدة المقدّسة التي تحتوي الوجود كلّه، لعلّك تسألين ما معنى الجنس؟ ولكِ حق في هذا السّؤال.الجنس يا صغيرتي هو قوة تختزل النّماء والاستمرار والحياة، وتكفل موثوقيّة المحافظة على العِرق البشري بصفاته ومميزاته وحوامله ومحدّداتها كلّها، وهو فعل تتكاثف فيه أدوات الجسد والروح والنّفس من أجل خلق تعبير عن الحبّ والحياة والاستمرار والتّعبير عن الفعل الجمعي بذاتيّة خاصّة، وبأدوات خاصّة،البشر جميعهم يملكون أدوات الجنس وآلاته الطّبيعيّة، وفي هذه الأعضاء تسكن اللّذة والسّعادة والاحتواء كلهّا.
لا قيمة للحياة دون الجنس، ولا جدوى للذكورة والأنوثة دون فعل التّواصل الجنسيّ الكامل، يقول خالد إنّ الجنس كان الطّريق الوحيد للحبّ والتّواصل بين الذّكر والأنثى في الألفيّات الماضية، ولكن بعد انتصار المادّيّات، وانحصار القوى الرّوحيّة، واتخاذ الإلحاد ديناً، والكفـر بالله، ورحيل الأنبياء، واندثار العبادات والرّموز الدينية، واستفحال الأمراض الجنسية المعدية، وتشوّه المخيال الإنسانيّ، وانتشار العنّة، وشيوع تشوّهات الفروج والقضبان بسبب الحروب الذّريّة الدامية، واستفحال التّلوثات البيئيّة والكيميائيّة والبيولوجيّة، فقد انقرض الجنس، بعد أن تذبذب في سنين من التّجريم والمطاردة والتّحريم من حكومة المجرّة، ثم نُسي تماماً، بل نُسختْ ذكرى انقراضه، وما عاد له ذاكر حتى ولو في ركن تعليميّ في متحف أو مركز أبحاث، وغدا القليل فقط من العلماء والمتابعين لقضايا التّاريخ الإنثروبولوجيّ والفضوليين والمالكين لبعض نفائس المخطوطات والرّقع الإلكترونيّة والذّاكرات الممغنطة التي تشير للجنس وتملك صوراً نادرة لبعض ممارساته هم العارفون به وبحكايته الطّويلة مع الإنسانيّة.
والدكِ من أولئك الباحثين القلّة العارفين بسرّ سعادة الجسد، ومعنى آلاته، وغرض وجود أعضائه الجنسيّة، ومن هنا كانت البداية، وكان حبّه لي، وعشقي له، وقد جمعتنا الكلمة في هذا الشّعور المسمّى العشق، ألم أقل لك إنّني ووالدك كائنان لغويّان.
حبيبتي لقد تعبتُ بحق، يجب أن أرتاح، وأن آكل قليلاً قبل أن أنام، فأنتِ في حاجة إلى الطّعام المغذّي، وأنا من عليها أن تأكله، وتهضمه، وترسله إليكِ عبر توليفة معقدة من الوشائج وحبل سرّي مدهش يصل بين نبضي ونبضكِ.
تقول حكاية النّوم يا ورد الجميلة:
" الشّعاع الضّوئيّ الصّغير المولود حديثاً كان سعيداً بقوته، مغترّاً ببريقه وشفافيته المدهشة.قام بالمغامرات كلّها.انكسر في الماء، امتدّ في المساحات، تسلّل في الأزقّة، قطع أشّعة أخرى أقلّ نشاطاً وزهواً منه، ارتدّ عن الأسطح،وانكسر دون عناد في الماء،لكن عندما عجز عن أن يخترق نفسه عرف معنى الهزيمة والحزن، وأصبح حكيماً كغيمة عجوز".
من رسائل خالد:
"كيف أصبحتِ يا وجه الله في روحي؟إنّ العطش وحده يعلمنا لذّة الماء، والحرارة وحدها تعلّمنا لذّة البرد ومعنى الشتاء ولياليه الباردة، هي ذا الحكمة التي لم أتوقّف عن تعلّمها من هذه الحياة التي كلّما كرهتها ازددتُ حبّاً بها،وتعلقًا بها،والحلم هو طريقي الجميل إليكِ، نعم لطالما قادتني الأحلام إلي بنيانكِ المرمريّ، إلى جسدكِ الذي اشتهيته لذة وشهوة، هل تعلمين ما الذي يحدث الآن في دواخلي؟أنا أحلمكِ، وأحلم بكِ يا وجه الحقيقة، أريد أن نلد طفلة نسمّيها بما يشهد به الحبّ الذي أكنّه لكِ، سأبحـث فـي الأساطيـر جمعاء حتى أجد المعنى الذي يحمله هـذا الحبّ الذي تحوّل إلى قنطرة تصل بين القلب والروح والجسد، أريد أن أقبّلكِ بلا حدود كي أنقذ روحي من الهلاك، أريد منكِ أنثى كي تملأ الأرض خصباً، فصحرائي التي تمتدّ بين أضلعي لم تعد تتحملّ هذا العطش كلّه، أريد أن نطلق على ابنتا اسم ورد، لهذا الاسم قصة طويلة تشبه جمالكِ، أقسم أنّنا سننجب هذه المخلوقة الخالدة الجميلة، أراهن على ذلك، أريد أن أسقيكِ كي أُسقى، أريد أن أبلل حدائقك بمائي الذي حملته وخبأته في بئري منذ أربعين عاماً ومنذ الأزل، بل قبل ولادة العالم، إنّه ماء الأنثى، ماء الأمل، ماؤنا، ماؤكِ يا نبيّتي القادمة من غياهب الروح.أحبّكِ يا ملاكي".أشتهيكِ: خالد
* * * *
هذه الصّفحات انتهتْ سريعاً، ما كاد يدلف إليها حتى انزلق خارجاً منها، كان سيسعده أن يكتشف سرّ معادلة طاقة البُعد الخامس، ولكّنها قد أحسنتْ وحبيبها في إخفاء سرّهما، هي قد ماتتْ دون سرّها، فماذا كان مصيره هو؟ لعلّه مات أيضاً، أو لعلّه متسربل الآن في أحزان لا تعرف نهاية بعد رحيل من أحبّ، أتراه يعرف أنّها رحلت، وتركت له جنيناً مخبوءاً في جسده؟ لو عرف بذلك، ما تراه سيفعل؟ لا أستطيع أن أتنبّأ بردّةّ فعله، يبدو أنّ للعاشقيـن سيـراً خـاصّـة وأفعـالاً مختلفـة وإرادات حديـديّــة قد تصل بهم إلى حدّ الموت دون إفشاء أسرارهم العاطفيّة، الآن فهمت كيف يمكن أن تموت تلك المرأة العاشقة العنيدة مشبوحة على دكّة التّعذيب أو مجذوبة إلى كرسي الاعتراف دون أن تنطق ببنت شفة.
أيكون إصرارها على كتمان سرّها هو سرّ ابتسامتها القرمزيّة في تلك اللّيلة التي قابلتها فيها جثّة عارية من كلّ شيء في غرفة العمليات؟ أم أنّها كانت تهزأ من جلاديها الذين سلبوا روحها، وما استطاعوا أن يسلبوا روح جنينها الرّاسية في قرار مكين من جسدها وروحها وذاكرتها؟ لعلّ ابتسامة الأم المشفقة على وحدة جنينها هي من كانت تملكها في تلك اللّيلة، إذن هي لم تكن تبتسم له أو منه، هو كان ذاتاً مكلومة ممزّقة تنحصر اهتماماتها في سلب جسدها، وهي كانتْ طاقة كونيّة تسلّم راية الحياة بصمت إلى جنينها، وتحلّق بعيداً نحو العشق الدّائم وحضن خالد.
كم كنتُ صغيراً في تلك اللّحظات!ولصّاً حقيراً أيضاً! يؤنّب نفسه بصوت مرتفع، ويربتُ على بطنه لأوّل مرة، ويقول بنبرة حُبلى بالرّجاء: وأنتَ أيّها الجنين، لماذا أنتَ صامت؟لماذا لا تكفّ عن هدوئكَ الذي بات يغيظني؟قل لي شيئاً حول كلّ ما قرأت لكَ، أنا أقرأ لكَ عن أمّكَ، فما رأيكَ؟ لابدّ أنّك محظوظ؛ لأنّك تملك أمّاً تقرأ لكَ وهي بهذا الجمال وهذا الحبّ كلّه ، وتحدّثكَ، وتقصّ عليكَ أجمل القصص، يا لكَ من منكود محظوظ! أنتَ تحبّها بكلّ تأكيد، ومن له أن يملك أن لا يحبّها؟ أليست سيدة المحبّة، لابدّ من أنّني محظوظ لأحظى بجسد سكنته روحها الطّاهرة، أقول لكَ شيئاً أيّها الصّامت صمتاً يكاد يقتلني؟ أنا أشعر أنّ روح أمّك لا تزال تسكن جسدي، وتزحمه عليّ، ولكن لا بأس، مادامت تزحمه بجمالها وحبّها وقصصها الجميلة، وطاقتها الكامنة المدهشة.لماذا لا تقول شيئاً؟ تكلّم، تحرّك، ارفسني لو شئت، المهم أن تقول لي شيئاً ما.
ينقر الجنين جدار بطنه بحركة نابضة تدفعه باتجاه كفّ يده المبسوطة على أعلى تكوّر البطن، يدرك أنّ جنينه الصّغير يتعاطف مع مشاعره الجيّاشة في هذه اللّيلة الماطرة الباردة، يمسّد عليه من جديد، ويغتنم فرصة صفاء نفسه ليبكي وينتحب، مؤثراً طعم دموعه على أن يظفر بمعرفة معادلة طاقة البعد الخامس، وعلى أن يعرف أكثر عن طاقة الجنس التي يفارق دبيبها النّابض نفسه بعرق يتنزّى سخيّاً من أعلى جبهته، وينحدر سخيناً ليختلط بماء دموعه المالحة.

(1) لعلّ هذه الرسائل من رجل حقيقي اسمه خالد ينتمي إلى زمن مفترض، وليست نصوصاً إبداعيّة للمؤلّفة.خالد وحده يعرف الحقيقة في زمن الكذب، وأنا لا أملك حقّ البوح حين يصمت خالد! ولكن يستحيل أن يكون خالد من بنات أفكاري،بل هو حقيقة بمعنى ما،بل هو الحقيقة بالمعاني جميعها.سأعترف من يكون عندما يسمح لي بذلك.



توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 11:55 am رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




(3)
اليوم: 5 شهر النّور عام 3010م
"لي وجه لا أعرفه، وكنتُ عرفتُ وجهاً منه لا يشبه وجهي، حيّرني هذا الكائن الذي ألمّ بي منذ القديم، وصرخُت في وجهي حتى انفجرتُ، وتشظّيتُ، وصرتُ ألماً يطرق قلوبي التي حملتها ووجوهي المضاعفة، ما هذه الذّوات التي عبرتني، وعبرت بي الأعمار، وطافت بي متاهات الزّمن كلّها؟ما معنى أنّني عدتُ إليك أيتها الأرض بعد أن غبت عنكِ، وتركتكِ حبلى بالموت والآلام؟ قولي لي أيّتها السّاكنة جسدي، هل تموت الرّوح حين تفارق مسكنها؟ هل ينتهي الجسد بنهاية الجسد؟ !قل لي أيّها الوجه الذي عرفت به الله ماذا سأفعل بعد دقيقة واحدة من انتزاع الذكرى من محار تركته على سطح بيت جدتي؟! قولي لي يا شمس هل يمكن أن تكوني كاذبة مثل أيّ بشرٍ فانٍ!؟ماذا أفعل الآن هنا؟ أليست الطّرق كلّها تتعب من الطّرق والأقدام؟ ماذا فعلتِ هناك؟ أليست البحار كلّها تتعب من وجه السّماء، فتحار بين الأزرق وحمرة المساء؟!
ماذا نسمي وجوهنا حين تغيب عنا؟ لاشيء سوى العدم، لاشيء سوى ضروب من الفراغ واللامعنى، سوى سحر أغنية فاضتْ من كأسٍ، فسال الوقت وفاض العمر، وصرنا صوراً بلا مصير.
مثل شراب الصّباح كنتُ أسير تحت سيول الخريف، وأنا ألعب بالكلمات وأغني الحياة، مثل جلسة على مائدة مستديرة كنتُ أخطّ الكلمات، وأقضم صور الطّفولة وأنا أرشف مع كلّ هبة ريح بقايا حبّ قديم.ما الحبّ يا قلبي؟ ما الشّوق يا صدري؟ ما الفراق حين يختلط الصّمت بسكون الليل، وعجوز تشتهي الموت ولا تتحدّث إلا عن طفولتها؟ ! ما العيون حين تشتهي منها النّظر، فتخونكَ برمشة أو انحناءة ومراود الكحل ترسم الخط الفاصل بين الضّفتين، والشّفتان تتلمّضان بقايا كأس أو قُبْلة على إحدى الممرات؟ ما الحبّ يا حبّي الذي غرّب بي وشرّق بي ورمى بي في المجهول؟!
لا معنى لي بعد هذا العبور كلّه إلى ضفاف الخريف. روحي شتاء يأتي قبل الخريف.وخريفي صيف يأتي بلا فصول، ووجهي قطعة أرض شوهتها أيادي البشر المأفونين.ما الحبّ يا قلبي؟ ما الشّوق يا صدري؟ ما المسافة والمواسم والأنثى والصحراء وقطر الماء حين يتلوّن الوجه، ويلبس الجسد درع النّهاية؟!
أنا الحائر الذّاهب الآتي العائد القادم المذبوح اليقظ، شاخ جسدي، وأعيت السّنون وجهي. بينما حبّك يلهو بي كقطعة قماش وهو يطلق قهقهاته التي أربكتّ ما تبقى من المسير.أنا الموت المنقـوش على لوح الرّوح، أقول لكِ يا طلوع الأفلاك إنّ قبري يتسلّل إلي بين الموتى كي يخبرني بأسرار المحار واعوجاج مخابئ ساكنه.
أنا الموت الذي انفضح الجرح أمام عينيه، وتقاطرتْ مصائر القادم على وجنتيه، فاخترت أن أكون شيئا آخر إلاّ أنا، لا أستطيع أن أكون إلاّ حبّكِ.
خسرتُ اليقين، وخسرتُ الجرح والبحر، وما تبقى كان فقداناً، أو إن شئتِ مجرد ليلة لم أنم فيها، فغطى الحلم يقظتي، وانصرف تاركاً هلوسات وجنوناً يشبهني، وهو يلبس ملامحي كلّها ونغمات روحي.خسرتُ زمناً كاملاً بين الفهم والحيرة، بين اليمين واليسار، بين الشّمال والجنوب، بين الحبّ والخيانة وصور الموتى.
ما الحبّ يا قلبي؟ أيُسمح لي بأن أحبّ بعد كلّ هذا التاريخ المسروق من البشرية الحمقاء؟ ما الخيانة يا صدري؟ أليس كلّ حبّ هو وجه من وجوه الخيانة؟ أنا عاشق الموت، خائن الخيانة الذي لا يوجد إلا في أقصى شمال الخريف حيث الموت مجرد محاولة لنسيان معنى الفقدان. ما الحبّ يا حبي؟ ألست يا شمس كذبة سجّلتها في صدري يوم تعلّمتُ السّير في المتاهات؟" أشتهيكِ: خالد.
هذا الصّباح وجدتُ نفسي محاصرة بكِ يا غاليتي الحبيبة، أنتِ الآن تحتلّين المسافات كلّها،وتقاربين الرّوح، فتكونين قوانين طبيعتـي كلّها، تسكنيـن أحشائـي،وتملين رغباتكِ على جسدي، حاولتُ أن أشرب مشروبي الصّباحيّ، وأن أتناول فطوري المعتاد، وأن أتجرّع دوائي المقوّي، لكّنك رفضتِ ذلك بعناد طفوليّ بأبّهة سلطويّة نافذة، ترفضين ما آكل، تملين عليّ أن أتقيّأ ما يصل إلى معدتي، وأن أنفر من كلّ رائحة طعام أو شراب أو بشر، حتى عطري المفضّل بتُّ أنفر منه، ولا أطيق بقايا رائحته على ملابسي، تهبينني دوخة لذيذة، ورغبة دائمة في البكاء دون سبب أعرفه،يا لحلولك فيّ ما أشدّ صعوبته!! أُكلُّ الحمل البشريّ بهذه الصّعوبة أم الحمل بك أنت بهذه الصّعوبة المقلقة؟ ليس هناك نساء غيري في الكون منذ ألف عام حملن بالشّكل الطّبيعيّ لأسألهنّ وأستشيرهنّ في شأن الحمل، فالحمل الكونيّ الحديث يتلخّص في اختيار الصّفات والكروموسومات والشّكل ودفع قيمة الجنين وتركه لينمو في حاضنات آلية إلى أن يبلغ نضوجه، ويخرج من شرنقته، فيستلمه والداه مع شهادة ميلاده وخريطة رسميةّ موثّقة بخطوط دراسته واحتمالات عمله ومحاور مهاراته وقدراته ومواهبه وفق خارطته الجينيّة المصمّمة من أجله، الحصول على طفل في هذا العالم لا يختلف كثيراً عن التسوّق الأسبوعيّ من أجل حفل عشاء رسميّ، أو دفع مخالفة مالّية لجهة ما.
وتكرار اللّجوء إلى أطباء فيه الكثير من المخاطرة، فهذا سيعجّل في افتضاح أمري، وكشف حقيقة سبب غيابي عن العمل واعتذاري عن الكثير من الأعمال الكتابيّة والمقابلات المتلفزة الأثيريّة، وسيسارع بكلّ تأكيد في تفجير المزيد من المشاكل مع حكومة المجرّة، وقد يتطوّر أمر حملي إلى جريمة أو سجن أو غرامة، أو استياء شعبيّ من سلوكي، فلا أحد يرغب في أن يساند قضيّة امرأة يصل بها التّمرّد على الحكومة إلى حدّ إنتاج طفلها بطريقتها الخاصّة، واتخاذ منافذ الجّسد البيولوجيّة من أجل هذا الإنتاج، فلا أحد تقريباً بات يظنّ أنّ المتعة والحياة والمحبّة والنّسل تسكن في جغرافية البول والبراز واحتقان روائح الجسد ذاتها، ولكّنها السّبيل إلى نعيم الجسد، وأنا قد سلكتها.
وقد يخشى الجميع منكِ يا ورد، ويعتقدون أنّني سألد لهم كائناً فضائيّاً متوحّشاً مثل تلك المخلوقات التي يزعمون وجودها في عوالم فضائيّة لم يصل إليها إنسان، أو عاد منها أثر ضوء يحمل خبراً أو علماً أو رسالة أو صورة، كيف سأفهم الجميع أنّك ستكونين أجمل صورة مختزلة لي ولخالد؟ هذا أمر بعيد عن الإقناع السّهل، إذن عليّ بالتحلّي بالصّبر والصّمت إلى حين اتضاح الصّورة، لو كان خالد هنـا لدعمنـي، ولأمدّنـي بالكثيـر من المعلومــات عن الحمل،ولكنّه الغائب الحاضر الآن، وبذرته في رحمي تعاين التّمرد والحياة بطريقتها الخاصّة.
لا تحزني يا حبيبتي؛ لأنّ أمّكِ ستواجه الكثير من الصّعوبات بسببك، أنا مستعدّة لذلك مادام الحصول عليك هو الثّمن، ستحظين بالكثير من المعطيات الخاصّة؛ فأنتِ أوّل طفل يولد بهذه الطّريقة قي المجرّة منذ ألف عام، وأنتِ أوّل ابن حقيقي لوالديه بالمعنى البيولوجيّ الحقيقيّ، ولذلك ستحظين بولادة من نوع خاص، وستحظين بحمل طويلة يبلغ تسعة أشهر، وقد تضطلعين بخصائص أخرى وظروف طارئة وصفات وملكات غير متوقّعة؛ فأنتِ قد تعرّضت لمجال طاقة البُعد الخامس يوم زرعكِ خالدٌ في رحمي، ولا أحد يستطيع أن يجزم بأثر هذه الطّاقة عليكِ، المستقبل فقط هو من سيعرّفنا بذلك.
لقد بذلت من أجلكِ كلّ ما استطعت من حذر وحيطة وتكتّم، وحده الله من يستطيع أن يهبني وإيّاك الخلاص، أتعرفين من هو الله يا ورد؟ إنّه تلك القوة التي تملأ عليك الظّلمات نوراً، وتشعركِ بأنّ هناك قوة خفيّة ترعاكِ، وتدعمكِ، فتأنسين بها من وحشة العالم.سأحدّثكِ طويلاً عن الله في الأيام المقبلة، أمّا الآن فعليّ أن أستريح قليلاً، وقد آخذ قسطـاً مـن النّوم مادمتِ تحرمينني من الطّعام والشّراب والرّوائح، وتفرضين عليّ إقامة جبريّة في سريري هروباً من دواري اللّذيذ.
تقول حكاية النّوم ياورد الجميلة:
الأم الطّيبة كانت أكثر نساء الدّنيا حزناً وألماً؛ فقد وُلد توأماها الجميلان بزوجي عيون دون نور، كانت عندهما عيون جميلة، ولكن معتمة لا ترى، لم يستطيعا أن يريا أسراب السّنونو في السّماء، وجري الخيول في الوديان، ورقصة السّنابل التي تداعبها الرّياح في الحقول، ونظرة العشق في العيون، ونظرة الحنان في عميق عينين أمّهما، تضرّعت الأم طويلاً للآلهة كي تهبهما نوراً لعينيهما بأيّ شكل من الأشكال، الآلهة كانتْ ثملة في تلك الليلة، وراغبة في تسلية جهنّمية، استجابت لضراعة الأم الطّيبة، وفي لحظة إرادة جبّارة أشاعت النّور في عينيهما، وأطفأته في عيني الأم.
توقّعت الآلهة أن تضحك كثيراً من هذه المهزلة الإنسانيّة المبكية، ولكّنها خجلت من نزوتها وحماقتها عندما غدت الأم ترى عبر عيون أولادها المسكونة بنور عينيها أسراب السّنونو في السّماء، وجري الخيول في الوديان، ورقصة السّنابل التي تداعبها الرّياح في الحقول، ونظرة العشق في العيون.
من رسائل خالد:
"سكون الليل في وجودي، بهاء الكتّابة ولوح طفولتي المقدسة؛ شمس هذا شهر "النّور الأحمر" العظيم، بخضرة العينين وفسحة القلب وشساعة الرّوح، وامتداد نظراتكِ. أهبكِ حبّي مقدساً لزمن امتلأني، وامتلأت روحي به، وكنتِ الحضور الدّائم منذ بداية عهد الحياة.إنّه حدث الحبّ وزمن القلب ولوعة المحبّ الذي عاش دهراً لم يكن خلاله غير باحث عن معنى كنتِ أنتِ فائضه ودليله في خرائط الكائن.في شهر" النّور الأحمر" أمتلئ حياة أو موتاً، وأشتعل ماءً وحرائق، وأكتبُ الموسيقى والألحان، وأرسم الصّور والأوثان، فأعبد صورة واحدة هي أنتِ، في شهر" النّور الأحمر" يغتسل قلبي، فأولد من جديد. هاأنذا أسرح في السّماء، في الهواء، في البعيد، في المدى، حيث الأفق يصبح ملهاة، ويصبح البعاد قُبْلة تنقذ العالم من الغرق. ها أنذا أعيد البحث عن لوحاتي التي رسمتها بريشة اللّحظات والعمر.فأرس وقتا استثنائياً هو أنتِ.
هل تعلمين حقيقة حبٍّ لا يتحقق إلا زمناً؟ إلا امتداداً أفقياً على قمة تلال الوقت والعمر والزّمن ؟! هل تعلمين أنّ الزّمن وحده يحقق أبعاد الحبّ التي لا يدركها العامة؟ أنا أيضاً من العامة، ولكنّني من عامة أزمنة لا تعرف هؤلاء الذين ملأوا الكون ، وأفسدوا الكلمات".أشتهيكِ: خالد
كان اليوم مضنياً لروحه، ساحقاً لآخر أفراحه المحتملة، لسوء حظّه أنّ له صكّ عهد ملزم مع الألم وخيبات الأمل منذ أن انزلق في جسدها، لو أُجريت له هذه الفحوصات منذ أيام، وحدّد له موعد الإجهاض قبل أن يصبح شريكاً إجباريّاً في مراقبة حلمها في وهب الحياة والحماية لورد، لهان الأمر، إذن لتخلّص من جنينها الذّكر العبء الذي تظّنه أنثى، ولهيّأ نفسه للمرحلة الثانّية من علاجه، ولنسيَ تماماً هذا الوضع الملبس الذي يعيشه، ولارتاح بشكل جذريّ من انتفاخ جسده وتعملق أطرافه وهذا الكمّ الكبير من احتباس الماء في جسده وتنفّخ قدميه واحتقان ثدييه وضيق أنفاسه واضطراب ضغطه واحتباس إخراجه وضعف مثانته واضطراب مزاجه ورغبته المحرجة والملحّة في اشتهاء أشياء مفقودة وامتصاص الموالح بجذوة يصعب إخفاؤها.
ولكّنه الآن عالق في أحلامها وفي مشاعرها وفي حبّها لورد، بالتّحديد عالق في حبّه لجنينهما مهما كان اسمه أو جنسه، كيف يستطيع أن يعدمه بمجرد اعتماد موافقته بتوقيع إلكترونيّ على ورقـة الإجهاض؟ كيف يمكن أن يهزأ من مشاعر شمس ومن انتظارها وخوفها وأمومتها؟ كيف يمكن أن يبيد إنساناً قادماً لسبب أنانيّ؟ أيفعل ذلك؟ ويحرم البشريّة من فرصة قادمة للنّجاة؟ لعلّ هذا الجنين هو نبيّ الإنسانيّة المخلّص المنتظر للألفية الثالثة، فكيف له أن يحمل وزر قتل نبي في أحشاء أمّه؟
لعلّه لا يكون نبيّاً، بل قد يأتي مسخاً مخيفاً يحمل الشّر والأذى كلّه، لكنّه لا يستطيع أن يجزم أبداً بذلك، ومن له أن يفعل؟ إذن ماذا عليه أن يفعل؟ عليه أن يكون بقدر كرم المرأة التي وهبته جسدها، وإن لم تُستشر في ذلك، فهذا أحرى به كي يقوم تجاهها بواجب التّعويض والوفاء والإخلاص، ومن أبسط أشكال الامتنان لها أن يحترم رغبتها الأخيرة والأكيدة في الاحتفاظ بهذا الجنين، وحمايته إلى أن يصل إلى برّ الأمان، فهذه الرّغبة هي من أطعمتها للموت بشكل أو بآخر، إذن فللجنين حقّ أصيل في أن يبقى في رحم أمّه إلى أن يستوفي زمنه الطّبيعيّ، ويغادره ناضجاً مؤهلاً للحياة خارجه.
قد يقول العالم كلّه والبشرية والأطبّاء والحكومة إنّ لا حقّ له في البقاء في هذا الرّحم، ولكنّني وحدي صاحب الحق في الكلمة الفصل في هذا الأمر، وعدالتي وصوت ضميري يقولان إنّ له الحق كلّه في البقاء في رحم أمّه حتى آخر لحظة قبل ولادته، فهو رحم أمّه، فما قيمة الآراء جميعها أمام صوت ضميري الذي يخز إنسانيتي دون رحمة.
أستطيع أن أحتمل آلام الحمل ومشاكله ومواجع الوضع، ولكنّني لا أستطيع أن أحرم شمس من حقّها الأموميّ في حماية جنينها، بتُّ أشعر بمشاعر الأمومة أكثر من مشاعر الأبوة التي عشتها زمناً طويلاً، ولم تصل يوماً إلى قلبي، ولم تتجاوز أن تكون التزامات رسميّة وقانونيّة واجتماعيّة وأدبيّة نحو كائنين مصنوعين في معامل الدّولة وفق رغباتي وطلباتي، ويُعدّان من صلبي، ويحملان اسمي، والحقيقة البيولوجيّة عكس ذلك تماماً.
الآن أنا لا أفتقدهما، بل لا أفتقد أمهما زوجتي التي تجاهلتْ وجودي، ونفرتْ من شكلي الأنثويّ الجديد، ونعتتني بالمخنّث، وانقطعتْ عن زيارتي وأنا في أمسّ الحاجة إلى دعمها ومشاعرها؛ لأنّني فقدت جسدي الذّكوريّ الذي تعشقه، وتسعد بالافتخار به أمام الصّديقات والقريبات، كما فقدتُ عملي العسكريّ الرّفيع الذي يوفّر لها الامتيازات الاجتماعيّة والأدبيّة الرّفيعة والرّحل المجانيّة السّنوية إلى كثير من الكواكب، ويدعم وجودها وترقياتها في عملها الذي تحبّ راتبه الكبير أكثر من التزامها بأدبياته الخطيرة ومهماته الحسّاسة.
هي الآن غائبة عن الرّوح والفضاء المكانيّ، قد كدتُ أنسى ملامحها الحلوة المناسبة لبرجوازيتها المصنوعة حديثاً على أكتاف وظيفتي الحسّاسة، وكدتُ أتنكّر كذلك لطفليها المصنوعين وفق سحنتها الجميلة الباردة كقالب ثلجٍ معتم، لابدّ أنّها ترفل الآن في الدّمقس والحرير بعد أن استلمت من الحكومة تعويضاً عن أضراري ، فوفق قانون الدّولة هي من كان لها أن تحصل عليه، وتطلق يديها في الإنفاق منه وفق ما تشتهي مادامت الوصيّ الشّرعي على ابنينا القاصرين في أثناء سقوطي في غيبوبة عميقة طولها ثمانية أشهر.
لتذهب هي بالمال والابنين وبسنين طويلة من الزّواج الباهت الممجوج، وليتذوّق مع جسد شمس تلك الغائبة الحاضرة حلاوة الأمومة، وليسعد بالجنين ولو إلى حين ، ولينتظر القادم بكلّ ما يحمل من صدف ومفاجآت، فهو على الأحوال كلّها لا يملك غير جسدها والجنين ليراهن عليهما، فالماضي كلّه ذهب مع جسده الفاني، والحاضر والمستقبل مرهونان بهذه السّعادة الصّغيرة التي تتسرّب إلى نفسه كلّما مسّد على بطنه، وقرأ لجنينه مذكرات أمّه، وشاركه في تلقّي حنانها، وتتبّع مراحل عشقها، واحتضن بجسده أحلامها وإرثها الوحيد، ورعاشات روحها واختلاجات قبلاتها، وسِفْر أشواقها لخالد.
سيحتفظ بهذا الجنين مهما كلّفه الأمر، وسيجعل من إدعاء الخوف من تكرار العمليات الغريبة والقلق على حياته وادّعاء حاجته إلى وقت إضافي كي يرمّم شروخه النّفسيّة درعاً واقياً لنفسه من الشّكوك في سبيل الاحتفاظ بهذا الجنين الذي يبيت في قلبه، وينبض بنبضه، ويحتمي بأحشائه من يتمه وخوفه وبشاعة هذا الكون الرّديء حيث لا حضن دافئ في انتظاره سواه.
(4)
اليوم: 6 شهر النّور عام 3010م
" أنا قلب لا يقرعه إلا القدر الجميل الذي حوّلني إلى حكاية حبّ يا شمس، لذلك عشقتكِ، أنتِ المطلق الذي يختزلني في مجرد عشق وعاشق، وأتمني أن أكون المعشوق يا ولهي، يا نبيّتي، يا طريقي إلى اللّه.
لا يمكن أن يكون هناك حبّ من دون ألم وحزن؛ فالحبّ الحق هو الذي يؤلم ويحزن ويجعل القلب دائم الخفقان، إذا لم يخفق القلب حزناً أو فرحاً فلمن يصلح يا نبيّة الكلمة؟ هل القلب آلة لضخ الدّماء فقط؟ من قال هذا؟ القلب كتلة من الألم والحزن وبينهما يسكن العشق والّلذة والحقيقة الوجوديّة العظمى، في ارتعاشة القلب وخفق جناحيه ينام العشق، وهو يحلم بقرع القدر الذي لا ينتهي إلا رائعاً وخالداً خلود ملامحكِ في تجلّياتي كلّها.
من أنا الآن لأقول لكِ إننّي أكثر حبّاً لكِ من المحبين جميعهم؟! من يكون هذا الكائن الهلامي الذي ضاع في طيّات حقائقكِ ؟! أسكرة موت أم قطعة من مسالكِ الحياة؟! أهبة عُمْر في هذا المدى الذي تزمَّنَ بالتّواريخ والأعمـار أم صـورة كائـن يحمل جمراً مشتعلاً في دواخله؟! لستُ أدري يا سعادة الله الذي لم يصنعكِ إلا في لحظة كان يحلم فيها بصناعة كائن فريد يرسم له الكون.
قولي لي يا شمس من أنا؟ فأنا أعرف أنّك القدر الذي طرق بابي يوم كنت جالس أتأمّل صنع الله للكون، واكتشفتُ أنّ هناك بُعداً خامساً يفسّر ألغازه كلّها، فكنتِ أنتِ وحبّك هذا البُعد الخامس". أشتهيكِ: خالد
لستُ اليوم أفضلُ حالاً، فأنا أعاني من وحدة عجيبة، وأشعر بأنّني خائفة كما لا ينبغي لنبيّة تحمل أسفار القادم، وتخفي في أحشائها طفلة المستقبل، وتعيش أجمل قصة عشق لأعظم رجل في هذه المجرّة، لو كان خالدٌ الآن معي لاختلف وجه الأشياء، ولكانتْ قسمات الحقائق أجمل، ومباسمها أبهج، وهي تستقبلني باحتفاء بعشق هذا الرّجل النّادر، لكّنه غائب الآن، ولذلك للخوف اللّئيم والوحدة الشّمطاء والقلق أن يتحالفوا جميعاً ضدّي، فتهصر سعادتي، وتغور نحو الجحيم.
أنا اليوم أكثر جوعاً، وقد أكون أكثر نحافة وأشدّ شحوباً؛ فمنذ يومين لم يثبت طعام في معدتي، حبيبتي أنتِ ترفضين بقوة أيّ طعام أرسله إليكِ، ألا يعجبك ما آكل؟ أم هو دلال متمادٍ منكِ؟ على الأحوال كلّها أنت أنيسة روحي، ولكِ أن تتدلّلي كما تشائين، ولي أن أطيـع وأرضـى وأسعـد بكـلّ مـا تفعليـن، ألستِ بعض خالـد وهديته الخالدة لي؟ إذن لكِ النّفس ملعباً لطفولتك وشقاوتك وأوامركِ، ولي أن أجوع، وأن أتوّحم حتى تطلب نفسكِ ما تشتهين،فآكله لكِ.
الانتظار هو كلّ ما أملك الآن،وليس لي غيره،أنا أنتظر ولادتكِ، وأنتظر عودة خالد من رحلته الغامضة، وأنتظر بلا قلق أن يلقي جنود الحكومة القبض عليّ، ويقودوني نحو المجهول.لستُ مجرمة، ولكنّني أعرف أنّ الأمور لن تمرّ على خير وسلام، وآرائي تملأ الدّنيا، وتحشد الأنصار الذين يطالبونني بأن أقود ثورة تصحيحيّة في المجرّة لأعيد الأمور إلى نصابها، وأكفّ أيدي الرّجال الآليين الذين غدوا قوة ضاربة في عمق الوحدة البشريّة وفتيلة انفجار يهدّد الجميع بمستقبل قاتم يستعبد الإنسان، ويحوّله إلى عبد لمولاه الآلة، قد أقود هذه الثّورة في أيّ لحظة، ولكنّني أنتظر عودة خالد من رحلته، فثورتنا تحتاج إلى كلينا وإلى طاقتنا العملاقة، وأنتِ يا ورد من ستكملين الطّريق من بعدنا، وأنتِ من ستحملين الرّاية، وتكتبين عليها: لا إله إلاّ الله.
حربك ليستْ سهلة؛ فهي حرب ضدّ البشر الشّريرين والآلات المتسلّطة والشّياطين.أتعرفين ما هو الشّيطان؟ إنّه كلّ قوة ضّالة تأمر بالأفعال الآثمة وبالطّغيان والتّظالم والتّحاسد والكره والقتل، وتنكر على الإنسان الإيمـان بربه. المجـرّة الآن تعجّ بالشياطين الآدميين والآليين، وتعجّ بالبشر التّائقين إلى نور الخالق وهديه، وأنتِ رهان الجميع على الطّريق إلى الخالق والنّور.
لا تخافي يا حبيبتي، ولا تخشي أحداً، بقوة الخالق وقوة طاقة البُعد الخامس وقوة عشقي وعشق خالد الذي صنعكِ من العدم سوف تكونين الأقوى، وحتى ذلك الوقت أنا أحميك من كلّ شيء، وأتستّر على وجودكِ حتى يعود والدكِ، وننتقل إلى العيش معه في إحدى مدن القمر أو في المدن الجديدة في واحدة من كواكب المجرّة، هناك سنجد الملجأ والعون والأنصار، أمّا هنا فأنا محاصرة بقوى الشّر كلّها وبمراقبة المخابرات التي تدركني في أيّ مكان أكون فيه، من الصّعب في هذا الزّمن أن نتهرّب من سلطة المجرة ومراقبتها، وهي من تراقبنا بالخفاء والجهراء في تفاصيل حياتنا كلّها عبر أحدث وسائل المراقبة والتجسّس، ألم أقل لكِ يا حبيبتي إنّنا مجرد أرقام في هذا العالم الرّقمي المخيف؟ ولذلك من العبث أن أهرب من بيتي، وأعرّضكِ للخطر، وأنا في الأحوال كلّها في متناول أيديهم.
لعلّهم يراقبون الآن ما أكتب لكِ، ولكنّني لا أبالي بذلك، فما أكتبه لكِ ليس سرّاً لا يعلمونه، ولكنّه غيب لا تعلمينه أنت، وأنا أخشى أن تأتي إلى الوجود، فلا تجديني وخالداً في انتظاركِ، فيغيب عنكِ وجه الحقيقة، ولذلك أكتبها لكِ، لتعرفي من أنتِ، وما اسمكِ، وما هي رسالتكِ، ومن هما أبواك، وأيّ عشق أنتِ مخلوقة منه، فأنتِ سليلة العشق الأبدي وامتداد دائرة عملاقة للجنس والعطاء والانصهار الكونيّ الذي ينتظم دائرة الوجود العملاقة، ويمنعها من التّرديّ في غياهب العدم.
أكتب لكِ بطريقة بدائيّة شبه منقرضة، اسمها طريقة النّابض الإلكترونيّ الذّريّ، لا أعرف كيف ستتوصلين إلى معرفة القراءة بها، ولكنّني أؤمن بقوى الخير كلّها التي ستساعدك في هذا الشّأن، هذه الطّريقة المثلى التي وجدتها من أجل أن أكتب لكِ كلاماً تستعصي قراءته على العوام والمخابرات، ولا يسرق من ذاكرتي ما لا أريد قوله كشأن النّابض الإلكترونيّ الذّريّ، فتصبح كلماتي لك خطراً على وجودكِ وعلى رسالتكِ.
حتى هذه اللّحظة لا يعرف بوجودكِ أحد غير الله، وطبيبي الآليّ، أعتقد أنّه ثقة ومؤتمن على سّرنا، ولكنّني أخشى المستقبل، وأنتظر عودة خالد بلهفة كي أخبره بتحقّق حلمنا وانبثاقكِ من العدم، سيحلّق عندها بجناحين من السّعادة والحبور، وقد يطير بي وبكِ نحو عنان المجرّة حيث السّكون السّرمديّ والبدايات الأبديّة،فأنتِ من تهبين معنىً للحظاتنا ، أنتِ من تحولين فعل الجّنس والمتعة إلى فعل نماء واستمرار وبقاء، أنتِ يا حبيبتي الغالية حصيلة عدد لا نهائي من القُبل والاشتهاءات والانصهارات والأصوات والانفعالات والارتعاشات ودفقات ماء الوجود.
وردي، أنا جائعة أكثر ممّا تتخيّلين، هل تسمحين لي بأن آكل؟ أكاد أنتفض برعشة برد شديدة من عضّات الجوع المنغرزة في جسدي النّحيل، اسمحي لي بأن آكل ولو بعض أقراص الغذاء المضغوط أو مراهم الفيتامينات أو سوائل الطّعام المصنّع والمهضوم والجاهز للامتصاص في ثوانٍ، لن أزعجك بروائح الطّعام الطّبيعيّة، ما رأيك؟ أعدك إن سمحتِ لي بالأكل بأن أقرأ لكِ عدداً كبيراً من رسائل خالد، وأن أحدّثكِ عن تفاصيل عشقنا، وعن كيفية صنعكِ وإثباتكِ في أحشائي، أعدكِ بأكثر من ذلك، ولكن اسمحي لي بأن آكل.
تقول حكاية النّوم يا ورد الجميلة:
الملك الطمّاع كان مولعاً بجمع الأشياء الجميلة، طوّف البلاد، وأرسل الفرسان إلى أصقاع الدّنيا جميعها؛ ليجمعوا له أجمل ما فيها من نساء وجوهر وتحف وريش وذهب وفضة وأحجار كريمة وقصص وحكايا وآوانٍ وزرابي ومرايا وسجّاد وآرائك، عادوا جميعاً يحملون أجمل ما وقعت عليه أعينهم الباحثة بنهم عن كلّ جميل، الملك استعرض بلا مبالاة كلّ ما وقعت عيناه عليه، صرفهم جميعاً بعد أن كافأهم بسخاء، وأمرّ بزجّ كلّ ما أحضروه في خزائنه المنيعة، وجلس إلى نافذة خفيضة يبكي بحرقة؛ لأنّه يبحث عن قلب جميل يحبّه بعيداً عن ملكه وسطوته وثرائه، فلا يجده!!
من رسائل خالد:
" لا تسأليني يا شمس بعد الآن من أيّ القارات أنا؟ أنا عاشقكِ وكفى، هويتي أنتِ، ووجودي لمسة روحكِ لي، وملامحي ملمح عينيكِ.هل تعلمين أنّي رجل خجول؟ومعروف عني أنّي لا أقول لا.وكم مرة ضحّيتُ بوقتي ومالي؛ لأنّي لا أعرف أن أقول كلمة لا، أبحث في سجلاتي عن الخجل، فأجده مرجعاً في طفولتي، لذلك نحن نخجل من بعضنا، وقد صرنا خجلاً، وما علينا إلا أن نسمّيه كي نلقي به في الطّرقات يا حبّي.ما معنى أن نخجل؟ قد أخجل من قول أحبّك، أمّا حين تخرج مني، فإنّها تكفي كي تحمل جغرافيات الحياة كلّه وخرائط الحياة، فيها الحياة والماء وأنتِ وأنتِ وأنتِ وأناكِ وأناي وأنانا.أتمنى لو أكون الملتصق الأبدي بجسدك الأسمر الجميل وبحنان صوتكِ وهو يعزفني أو يمرغني في تراب قلبكِ كي أنبتُ كوردة الصّيف.يا شمس، يا رحمة الله في صدري، اعلمي أنّي هلامي بروح تتغذّى بالصّوت، وندف الثلج وقطرات المطر، اعلمي أنّه لا يصلني العالم إلاّ عبركِ الآن، عبر مدائن روحكِ وحرارة قلبكِ.أتمنى أن تتاح لي الفرصة مرة أخرى كي أجول بكِ وأنتِ في أحضاني في شواطئ كوكب الأرض على مرمى حجر من الفضاء الكونيّ المجنون، أتمنّى أن نجلس على تلة حيث نكتشف معاً كيف يتحول الماء والملح زبداً، وكيف يتدفّـق المـاء غيباً في المدى، والأفـق روعة وزرقة وسماء وضياء، وأنتِ امرأة القلب، فطوبى لهذا الأفق الأزرق الذي يؤرّق عيني، ولكِ حبي وخيالي وقلبي وماء حياتي، لكِ كلّي وأناي وأنتِ والجزء فيّ منكِ.حبي:
قولي إنّي كائن كي أحقق كينونتي الكبرى يا امرأتي الرّائعة، أنا مواطن الكون، أنا مواطن بلد العشق، لستُ بشراً من الأرض، بل أنا المضمّخ بملح وماء وعطر، أنا السّائح الجوّال الذي اشتعل عشقاً وشوقاً بماء عينيك الغارقتين في خضرة الحياة.أعود إليكِ منكِ، آتي إليّ منكِ، ومن أساطير العدم انبثق طفلاً كنته وكائن إيّاه الآن، من مغارة المجهول اكتشفتُ سحر العالم، فيها وقفتُ أرقب انتحار الشّمس، منها رأيت كيف تحمرّ الشّمس ، وتسقط نزيفاً على الأفق يفصل البحر عن المحيط، أنا اللامنتمي الذي قدم من سهول ما تزال عالقة فيها رائحة الشّهوة وقُبل السّاحرات والجميلات، والوفاء يلطخ المكان، أقبّلك بخجلٍ، أعانقكِ بخجلٍ، أتعرّى وأعرّيكِ، أقف على أعتاب قلبكِ، وأبحر فيكِ حتى نهاية التّاريخ القادم.أحبّكِ".أشتهيكِ: خالد
* * * *
طوال البارحة لم أستطع النّوم، وهذا القلق العجيب ينهش لحظاتي دون توقّف، وأحداث اليوم تتوّزع بينها أفعالي وأقوالي ويقيني وحيرتي، كان عليّ أن أخضع للجان طبّية معقدّة لدراسة آفاق استمرار الحمل، واليوم فقط أدركتُ خطورة ما أنا مقدم عليه، شرحوا لي الطريقة الطّبيعية للولادة البشريّة المنقرضة، كم هذا الأمر مرعب ومؤلم ومخيف، ليس هناك بديل جراحيّ آخر في حالتي بسبب تضخّم الرّحم والتصاقه العجيب بالبطن والكثير من التّعقيدات التي قد تهدّد حياة الجنين بالخطر والموت المحقّق إن خرج إلى الكون بعملية جراحيّة، الخيار الوحيد أمامي هو أن ألده بشكل طبيعيّ عبر مخرج لم أتوقّعه أبداً، سيخرج من عميق جسدي، وسينزلق من تجويف أعضائي التناسليّة، ياللعجب!الأطبّاء قالوا إنّ جسدي عندها سيتسع عند منطقة الحوض، وأنّ عظامه ستتباعد في الأماكن المطلوبة لينزلق خارج الجسد، وأنّ قوى ضاغطة ستتولّد في الجسد بشكل تلقائيّ، وتدفع الجنين باطّراد إلى الخارج، وأنّ آلاماً رهيبة وتمزّقاً في الجلد والأنسجة واللحم سترافق هذا المخاض المخيف.
أمامي بديل واحد، وهو أن أجهض الجنين بأسرع وقت ممكن، وأن أنسى أمره إلى الأبد، وأتحاشى تعقيدات حمله ومشاكله، وأضع حدّاً للتكهّنات كلّها المرتبطـة بامتداد مدّة حمله أكثر من الطّبيعي، فالشّهـر التّاسع انصرم، وقد دخلنا في الشّهر العاشر، والجنين ساكن متربّص في رحمي، ولا يعطي أيّ بادرة تبشّر بخروج قريب، إلى متى سيستمر هذا الوضع المقلق؟ الطّب لا يملك جواباً، ويقف محتاراً أمام هذا الحالة العجيبة، وأنا أحمل بصبر سرّ جنيني الخارق الذي تعرّض لمجالات طاقة البعد الخامس، الأمر الذي يجعله أهلاً لكلّ سلوك خاصّ خارج عن الطّبيعيّ، وأنا لا أملك إلاّ الصّبر والانتظار، ولو حملتُ به إلى الأبد،فهو أمل المستقبل، والطّريق إلى الله والحياة والجمال والعشق، ولذلك لن أكون الشّيطان الآدميّ الذي يقتل هذا الأمل في سمائه المنبلجة عن أجمل محيّا.
سأكون الرّاعي له دون العالمين، وسأكون الأمين عليه وعلى سرّ أمّه حتى آخر لحظة من لحظات عمري، أعتقد أنّ الأقدار تضافرت جميعاً، ولعبت أغرب لعبة، وراهنت عليّ بالتّحديد من أجل أن يصل هذا الجنين إليّ، وأنا لن أخذل أقداري المحتملة، وسوف أكون من الزّمرة الخيّرة التي تنصره وتحميه حتى آخر لحظة، فأنا منذ هذه اللّحظة أبوه وأمّه ومعلّمه، فبه فقط سأغفر للمجهول كلّ ما حدث معي من معاناة، وسأبحث عن الوجه الآخر لحكمة هذه الجسد الأنثويّ الذي أكتشفُ به ذكورتي وأنوثة نساء الكون من جديد، أنا الآن من المؤمنين الجدد بألوهيّة الجسد الأنثويّ، وبعظمـة الخالـق الكونـيّ، أنا ثائـر في هـذه اللّحظة على كلّ بلادة الكون وإلحاده السّقيم وقوانينه الماديّة الجوفاء، أنا مؤمن ورب السّماء، أنا في بعثي الجديد بهذا الجسد الأنثويّ أصبحتُ من زمرة الثائرين الذين أفنيتُ عمري في محاربتهم، وعلى أيديهم أُغتلتُ في الماضي، وفقدتُ جسدي السّالف، يا لسخرية القدر! و يالجمال قدري الجديد! يا لجمال قدر يقودني إلى أن أعشقها!! أقصد أن أعشق جسدها، بل أن أعشق روحها وذاتها، من الصّعب أن أشرح لنفسي هذه القضية الملبسة، فأنا أعشق امرأة هي أنا في واقع الحقيقة الملموس، وأنا إيّاها في السّياق المنطقيّ نفسه، ولكنّ الحقيقة أنّني رجلّ يعشق امرأة في ظروف عجيبة، إذ هو ماديّاً مفقود، وهي روحانيّاً مفقودة، ولكن كلينا في هذه اللّحظة في ذات واحدة، هي إيّاها وإيّاي، إذن أنا أَعْشَقُني، ولذلك فأنا أعشقُها.
لابدّ أنّ هذه القضية أكبر من فهمكِ الصّغير يا ورد، يوماً ما ستكبر، وتفهم معنى ما يحدث، وستفهم دون غيركَ من البشر معنى كلمة أَعْشَقُني، أنا يا وردي أَعْشَقُني، أتعرف معنى ذلك؟معناه أنّني أعشق أمّكَ شمس بامتداد لا يعرف نهاية، فهل تغضب؟تستطيع أن تركلني بقدر ما تشاء إن كنتَ حانقاً علي، ولكن ذلك لن يغيّر شيئاً من حقيقة أنّني أَ...عْ...شَ...قُ..نِ...ي...















توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 340
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاحد مارس 12, 2017 12:02 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top





الفصل السّابع
المعادلة: معادلة نظريّة طاقة البُعد الخامس: (شَعْرِي+كلماتي +خالد = طاقة كونيّة غير متناهية)


الفصل السّابع
المعادلة: معادلة نظريّة طاقة البُعد الخامس:
(شَعْرِي+كلماتي +خالد = طاقة كونيّة غير متناهية)

(1)
اليوم: 7 شهر النّور عام 3010م
"لا صيف ولا شتاء ولا فصول عندنا في هذا الكوكب الغريب، لكن قلبي يحيا في حرارة تجعل الأمطار نهراً يبلّل شعيراتي التي أتخيلها حدائقكِ المزهرة، أقبّل شعركِ كلّه وشعيراتكِ جميعها، هل تعلمين لماذا؟لأن الشَّّعْر انسياب ينذر بغزارة الإيمان، ولأنّ الزّغب إيمان من نوع مختلف، ولأنّ زغب جسدكِ عشب مقدس، أتمنى أن أبلّله بماء نبعي.أحبّك". أشتهيكِ: خالد
حبيبتي ورد، اليوم أنا أفضل حالاً، لقد تعاطفتِ أخيراً مع حالي، وسمحتِ لي بأن آكل، وهذا مؤشر حقيقي على رقتكِ وحنان قلبكِ، لقد ورثتِ أجمل شيء من والدكِ، لقد ورثتِ قلبه الكبير الحنون، فطوبى لإرثكِ الجميل، أنا لا أعرف أيّ الظّروف والمعطيات تعيشين الآن داخل أحشائي، ولا أعلم كذلك لماذا تحرّضينني على الجوع والتقزّز من الرّوائح والدّوار والتّعب والخمول الشّديد، لعّلها أمور خارجة عن إرادتك الشّخصيّة، ومتعلّقة بطقوس الحمل الإنسانيّ وبملابساته، أيّاً كانت الإجابة، فأنا أحبّكِ، وأشعر بانتعاش مسعد بعد أن تناولت وجبة فطور كاملة، وأكلتُ بشهيّة منقطعة النّظير قرصين لحامض مكثّف، لا أعرف سبب هذه الرّغبة المداهمة عندي في أكل الحوامض، هل أنتِ السّبب في هذه الاشتهاء الجديد؟
سأستثمر نشاطي المفاجئ هذا الصّباح من أجل أن أحدّثكِ عن خالد ونبوّتي وأشياء أخرى جميلة، فأنا أشعر بأنّ الوقت يداهمني، وعليّ أن أخبركِ بما لن يخبركِ به بشرٌ غيري خلا خالد عندما يعود من رحلته، إن عاد حيّاً، وأسأل اللّه أن يعود من أجلي وأجلكِ وأجله.
الحكاية تبدأ من شَعْري وكلماتي وخالد، أمّا شَعْري، فهو ما جاء إلى الوجود قصر أنف والدي، لقد طلب والداي في استمارة إنجابي أن أكون بشَعْر برونزي مجعّد، فوقع لبس ما في كتابة الاستمارة أو في تنحية الكروموسومات الجينيّة المطلوبة، وحصلتُ للصّدفة المحضة على شعر أسود لامع لزج يتوق إلى الاسترسال والنّماء الطّويل والسّريع أكثر من جسدي القصير نسبيّاً، فغضبت والدتي غضباً مرعداً غير ممطر، وهدّد والدي برفع قضية على حكومة المجرّة لهذا الخطأ البيّن والتسيّب الواضح، ولكنّهما قبلا صاغرين في نهاية الأمر بشَعْري، وسعدتُ بهذا الخطأ الذي وهبني شَعْراً أحبّه أكثر من وجودي.
ومن هنا بالتّحديد بدأت مشاكلي مع نفسي ومع والديّ ومع المجتمع ومع الحكومة ومن ثم مع المخابرات وعملي وأصدقائي وعالمي كلّه، وبدأتُ سيرة التمرّد في حياتي في سبيل الاحتفاظ به طويلاً مسترسلاً، يتحرّك كما يهوى، ويطير أنّى شاء.
أستطيع أن أجمل لك هذه المشاكل كلّها في أنّ الحكومة تحرّم الشَّعْر الطّويل، وتدين تربيته، وتجرّم من يفعل ذلك، من باب فرض نمط شكليّ واحد على سكان المجرّة كلّهم لاعتبارات كثيرة يمكن اختزالها في ثقافة القبح والاستبداد وفرض النّمط الواحد ومحو خصائص الفرديّة والاختيار، ووالداي والمدرسة والعمل وكلّ من حولي يريدون أن أخضع للقانون من باب إغلاق منافذ المشاكل والمخالفات وغضب الحكومة، وأنا لا أبالي بإشراع النّوافذ كلّها على الجحيم مقابل الاحتفاظ بشَعْري الجّميل الذي يسعدني، ويكتنفني بحميميّة خاصة تفجّر في داخلي اعتزازاً عملاقاً بأنّني أنثى .
ولك أن تتخيّلي كم عُنّفتُ، وضُربتُ، وعُوقبتُ، وأُضطهدتُ، وغُرّمتُ، ثم جُرّمتُ أخيراً عندما بلغت سنّ الحادية والعشرين، وهو سنّ الرّشد في المجرّة، وأخيراً قادني شَعْري الطّويل الجامح كنجمةٍ إلى المحكمة بصفتي متمرّدة صغيرة، وعاصية حمقاء، ومواطنة عنيدة تتمسّك بمخالفة القانون، ومعاندة الدّولة من أجل شَعْر أسود طويل لا قيمة له، سوى ذلك الافتنان الجميل به والنّشوة الحلوة التي تسكن في نفس كلّ من يراه يتطاير بزهو في الهواء، ويتمايل بحركة غنجاء مائعة متهادية مع كلّ حركة أقوم بها.
وأُلقي بي في السّجن عندنا رفضتُ دفع الغرامة، وقُصّ شَعْري وفق القانون، وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحدّ لولا كلماتي التي كان لها الدّور الثاني في تغيير اتجاه حياتي، فقد شرعتُ أكتب رواية متمرّدة جميلة اسمها" سِيَر أصحاب الشّعر القصير"، ضمّنتها أجمل الأفكار التي قرأتها عبر مطالعاتي الطّويلة والمكثّفة لتاريخ البشر وسوسيولوجيا الأدب وأنطولوجيا المكان وتطوّر الفنون وتاريخ الإبداع الإنسانيّ في الألفيّة الماضية، واستفدتُ من معلوماتي عن قيم الجمال والحريّة في الألفية المنصرمة من أجل لمز قوى الاستبداد كلّها في حكومة المجرّة، ووظّفت أساطير الحبّ والجمال والخلق والوجود والنّهايات والجحيم والفردوس كلّها لأجل شحن هذه الرّواية بكلّ مثير وطريف ومقنع، وتثوير الشّعب ضدّ وجودهم المفرغ من الرّوح والسّعادة والذّاتيّة في عالم إلكترونيّ مبرمج وفق ما تقتضيه خارطة مصالح رجالات حكومة المجرّة.
نسيت أن أقول لكِ يا ورد إنّني متخصّصة في أدب الخيال العلميّ في أساطير الوجود والعدم والفناء إبّان عصر القنبلة الهيدروجينيّة، ولأنّ عندي موهبة في كتابة قصة الأطفال، فقد حظيتُ منذ تخرّجي من الأكاديمية الفضائيّة لفنون المعلوماتيّة الأدبيّة بوظيفة مؤلّفة قصص خيال علميّ للأطفال في أشهر مؤسّسة كتاب للطّفل في المجرّة، وسرعان ما حصلتُ على وظيفة مدير تحرير أوّل مسؤول عن مجلة الخيال العلميّ للأطفال التّابعة لهذه المؤسسة التي دأبت على إصدار هذه المجلّة المتخصّصة لأكثر من 250 عامٍ بشكل دوري شهريّ دون انقطاع، وقد كانت هذه السلسلة معنيّة بكلّ قصص الخيال العلميّ المهتمّة بالبُعد الرّابع، أعني بُعد الزّمن، وبفيزياء الشّمس بشكل خاص.
أعود وأقول لكِ إنّ رواية "سير أصحاب الشّعر القصير" هي من عرّفتْ سكّان المجرّة بي، ونقلتني من خانة الإجرام والعناد والطّيش إلى خانة التمّرد المعلّل والبطولة الكونيّة والقيادة الثوريّة والرّيادة الفكريّة التّحرّريّة من قوى الظّلم والاستبداد كلّها، وهي من كفلتْ لي جيشاً من المؤيدين والمتعاطفين والمدافعين معي بعد أن قرأوا روايتي تباعاً عبر تداولها السّريّ النّشط في البداية ثم العلنيّ الأكثر نشاطاً ورواجاً في وسائل التّواصل الإلكترونيّ كلّها، وعبر كلّ مواقع الأندية المفترضة على شبكة التّواصل الزّمنية المهدرجة.
وهكذا تحوّلت قضية شَعْري ومن ثم سجني إلى قضية كونيّة تثير جدلاً كبيراً في الأوساط كلّها، وغدت روايتي القصيرة نسبيّاً كتاباً مقدّساً للثورة والثّائرين، ووجدتُ نفسي في غضون شهور قليلة عضواً شرفيّاً في كثير من أحزاب العمّال وأندية العلماء والمفكرين ومحافل الأحرار بل وعلى القوائم السّريّة للمسجّلين خطر في أجندات الحكومة والمخابرات والدّوائر الأمنيّة تحت خانة الثوّار في كلّ مكان للأسباب كلّها، ولذلك كان من الطّبيعي أن تُعاد محاكمتي تحت ضغوطات قُوى الاحتجاج والمطالبين بحقوق الإنسان ولجان العدالة الجندريّة ومؤسّسات دعم المبدعين، وفي خضم استياء شعبيّ من سجني الطّويل بتهمة صغيرة كتهمتي، ظهر في حياتي بيرق نوفل العاتي، كان عندها محامياً جديداً وطموحاً في محاكم جرائم السّير وحوادث المركبات الفضائيّة، ولكنّه وجد في قضيتي بغيته في الشّهرة والنّجاح السّريع، ولذلك سارع للتبرّع للدّفاع عنّي إلى جانب المحامي الرّسميّ الذي تؤمّنه لي المحكمة فور توقيفي على ذمّة أيّ قضية مهما صغرتْ أو كبرتْ.
لقد أحسن في توظيف قضيتي في إعلاء نجمه، وفي لفت نظر المجتمع القانونيّ إليه، وحقّق مراده عندما حصل لي على حكم مخفّف موقوف التّنفيذ، وتوصّل بذكاء إلى اتفاق يُعدّ الأوّل من نوعه في تاريخ القضاء، إذ وافـق القاضـي على إخـلاء سبيلي دون قصّ شَعْري على أن ألتزم بجمعه تحت قبّعة في الأماكن الرّسميّة جميعها وفي أماكن العمل والتّجمّعات العامة، ولي حق إطلاقه في الأماكن الخاصّة والمغلقة فقط، والحق أنّ هذا الاتفاق كان مناسباً لي، وبه خرجت الأطراف جميعها منتصرة دون هدر ماء وجهها أو كسر مواقفها وليّ أياديها خلف ظهورها، وهو خرج الأكثر انتصاراً في هذه المعركة، فقد بات مشهوراً، وقِبْلة لأصحاب القضايا المعلّقة، ورمزاً من رموز الحق والفضيلة.
عندها كان من السّهل عليّ أن أقتنع بفكرة الزّواج به؛فقد كنتُ في حاجة إليه في بحري المتلاطم بأمواج الشّهرة والتحدّي وغضب حكومة المجرّة، بالقدر الذي كان يحتاج إليّ فيه كي يكّمل صورته البطوليّة في الأذهان، وقد وهبته ما أراد دون أن يهبني الحبّ والأمن اللذين كنتُ أحلم بهما في كنفه، فقد كان مشغولاً عنّي وعن حاجاتي بنجاحاته وبالمعضلات القانونيّة والمخالفات الأمنيّة للشّركات العملاقة العابرة لكواكب المجرّة حيث يعمل مستشاراً قانونيّاً لها جميعاً.
أمّا أنا فلم يبقَ لي عندها أنيسٌ غير الكلمة والكتابة وشَعْري الأسود الجميل وجيشي الكبير المتنامي من القرّاء بعدما شرعتُ أكتبُ في أكبر المجلات الكونيّة لحقوق الإنسان وقضايا السّاعة، ونزلت ضيفة على أشهر البرامج الجدليّة في أكثر من مدينة إعلاميّة فضائيّة في الأرض وفي كواكب أخرى في المجرّة، واستطعت أن أخفي بذكاء –ولو إلى حين- مواجع وحدتي وتوجّدات يُتمي بعد أن توفيّتْ والدتي بعد سنوات من الصّراع مع إدمان الدّخول في العوالم المفترضة في شبكة التّواصل الزّمنية المهدرجة، الأمر الذي أثّر على دماغها وعلى صحتها العامة، وأصابها بفقر تغذية حاد وإشعاعات خطيرة أصابتْ خلايا دماغها بالضّمور ثم الشّلل التّدريجيّ ثم الموت، في حين اختار والدي الهروب من واقعه الأليم المتمثّل في زوجة مدمنة وابنة شبه مجرمة عبر السّفر إلى مدن العالم الجديد في القمر، فانقطعتْ أخباره تماماً عنّي على الرّغم من سعي في سبيل ذلك حتى عرفتُ من خلال إجراءات إغلاق رقمه الكونيّ المتسلسل أنّه توفّي في ظروف مجهولة، وما عاد لي ذكرى منه سوى راتبه التّقاعدي الكبير نسبيّاً الذي ما كدتُ استثمره حتى حُرمته بعد زواجي وعودتي إلى العمل الذي صُرفت منه إبّان سجني.
أتصدّقين يا ورد؟ أنا لستُ حزينة الآن بسبب كلّ ما حدث معي في الماضي، فكلّه سخافات لا قيمة لها خلا شَعري وكلماتي إلى أن جاء خالد، فأصبح حقيقتي ووجودي الأكيد، فهما الحقيقتان الثابتتان وسط عالم من الأكاذيب، فأنا كنتُ مجرمة، ولستُ مجرمة، وبطلة ولست ببطلة، وثائرة ولست بثائرة، ويتيمة ولست يتيمة؛ فوالداي وفق ما هـو مذكـور في أوراقي الرّسميّة والثّبوتيّة في خانتي الأب والأم لم يكونا والديّ حقيقة، فأنا لا أحمل جيناتهما، ولستُ مخلوقة من كروموسوماتهما ولا من صلبهما، أنا شأني شأن كافة بني البشر في هذه الألفية أنتسب إلى النّاس كلّهم في حقيقة مفترضة، ولا أنتسب على وجه الحقيقة والتأكيد إلى من يدّعيان أنّهما والدي، فهما ليسا أكثر من مشترين لجسدي، ومختارين لصفاتي الجينيّة، كما هما أيضاً ليسا بأيّ شكل من الأشكال الأبناء البيولوجيين لوالديهما ووالداتهما، وفي الوقت نفسه أنا زوجة لبيرق نوفل الأشقر، ولكنّني لستُ زوجته، بل أنا صفقة من صفقاته النّاجحة التي يبرمها بكلّ ذكاء وحنكة مشهود له بها.
إذن لا عجب أن أخلع هذه الأوهام كلّها في لحظة تمرّد من لحظات تمردّي المعهودة، وأتوقّف عن أحزاني، وأهجر هذا الزّوج المقيت للأبد دون رجعة، ودون خلاص رسمي منه، فلا طلاق أبداً في قانون حكومة المجرّة؛ لأنّ أيّ طلاق سيفسد النّظام الثّنائيّ القانونيّ والماليّ والاستراتيجيّ الذي قام بفضل الزّواج الذي لا يُسمح بفكّه أبداً إلاّ بقوة الموت، فالزّواج في فكر الألفيّة الرّابعة هو توأمة قانونية ومالية واستراتيجيّة اختياريّة أبديّة لا انفصام لها، لا شراكة ودٍّ ومحبة ورحمة وبناء إنسانيّ طبيعيّ.
تقول حكاية النّوم يا ورد الجميلة:
أراد الأمير الشّاب الجميل أن يختار عروساً تملك قوة خارقة؛ إذ رغب في أن يضمّ قوة جديدة إلى ملكه، عرّافات القصر ووصيفاته أذكين العيون في شتّى أرجاء السّلطنة، وعرضن عليه النّساء كلّهنّ ذوات القوى الخارقة، بعضهن يملكن سحراً طاغياً، واحدة تملك حصاناً طائراً يسابق البرق، وأخرى تملك سيفاً بتّاراً ينصر كلّ من ضرب به، وثانية تملك ترانيم الفرح جميعاً،وثالثة عندها أقوى حيوان أسطوريّ لا يهزمه جيش من المصارعين، ورابعة تملك مغارة كاملة من الجوهر والنّفائس، وخامسة عندها وجه فاتن يسعد قلب العجوز، ويردّ إليه الشّباب والقوة الرّاحلة، وسادسة تملك ماء الحياة والخلود، لكّنها هي دون النّساء من تملك شعراً غابة، طوله يتجاوز طولهما، فيسعى وراءها على الأرض، عندما نام في حضنها التفّ شعرها على جسديهما، ووهبهما شرنقة عشق دافئة حريريّة، ليلتها أدرك أنّ صاحبة الشّعر الطّويل هي أقوى امرأة في مملكته، فتزوّجها من ساعتها، ونَعِم بفردوس شَعْرها.
رسائل خالد:
" سأرسم في قلبك وردة الحبّ والشّوق، وسأدرّب قلبكِ على مبادلة قلبي بلوعة الشّوق، أنا مشتاق إليكِ، أنتِ امرأة تختزل نساء العالم كلّهنّ، صرت فتنتي التي أختار الافتتان بها، في كلّ أنثى أراك أنتِ، في كلّ لحن أسمعه أستمتع بحبال صوتك الذي صار وحده كافياً كي يغويني، ويغريني، ويأسرني، ويبلّلني، البلل يا شمس هو أقصى حالات الحبّ، هو أعظم صور صنعها الله".
شمس وأنا أتأمّل الصّور، أحسستُ بأحاسيس اختلطت فيها كيمياء الحبّ والعشق والجنس، صدقيني وجدتني.سأكتبكِ كما أحسستُ بك".أشتهيكِ:خالد.
* * * *
زاد وزني إلى حدّ كبير، لعلّه تضاعف أيضاً، وبطني تغوّل حتى غدوت أخشى من أن يبتلعني، إلى متى سيستمر في هذا التّوسّع الجريء؟ مراقبة جسدي والتّمسيد عليه ودهنه بأجود أنواع المراهم الزيتية المرّطبة الكيميائيّة كي تساعد الجلد على تحمّل هذا التمدّد الكبير هي من أجمل هواياتي في هذه الأيام، أتعرّى لساعات أمام مرآتي ذات الأبعاد الثلاثّية، وأتفقّد كلّ جزء من أجزاء جسدها، أعني من جسدنـا، فيه نعومـة بهيّـة تستثيـر في نفسي أجمل اللّمسات، لابدّ أنّ هذا الجسد عرف أغرب المتع الجنسيّة والخبرات الرّوحيّة والمباهج الحسيّة والمعنويّة.
كم يحمل هذا الجسد الصّغير من أسرار الحياة والتّمرّد والتّعذيب والعشق والموت والبعث؟ لابدّ أنّه يحمل أكثر ممّا أتصوّر، كيف هان على أولئك الجلادين القُساة أن يعذّبوه دون رحمة؟ هو في تقديري أضعف من أن يحتمل العذاب، ولذلك سرعان ما استسلم، وفقد روحه، وانساح في دنيا العدم، شمس لم تصمد طويلاً أمام التّعذيب، ولفظت أنفاسها سريعاً دون أن تتاح لها الفرصة ليكتشف معذبوها حقيقة حملها، لعّلها فرّت من جسدها لتحافظ على جنينها، ولتعضّ للأبد على سرّ وجوده؟ كلّ شيء ممكن التوقّع من هذه المرأة ذات النّسيج المنفرد.
أمّا شَعْرها الزّلق الخجول بشهوة شبقيّة فقد آن له أن يعاود مسيرة نمائه وتمرّده، شعر الرّأس الأسود الجميل ينزلق بجموح إلى ما دون الكتفين، ويلقي بنفسه إلى أسفل الظّهر في انتحار مقدّس يقبّل مجرى عظام الظّهر دون توقّف، وشعر الإبطين وزغب العانة ينموان كيفما اتفق برقصة شوكيّة تستثير رائحتها الياسمينيّة، وتنثرها مع لآلئ العرق الشّتوي، وأنا أحظى بمتابعة هذا الكرنفال الصّاخب ليل نهار بفضول آثم موزّع بين هضبة الجنين الناتئة وأغوار الفرج وحكاياته الأسطورّية المقدّسة.
أحبّ شعرها كما هو، وأتعلّل بالمرض وبلزومي المستشفى للخضوع لعلاج طويل كي أتهرّب من قصّه نزولاً على قوانين حكومة المجرّة، ومادمت نزيل حجرة من حجرات المستشفى، فأنا في حِلّ من المخالفات والغرامات؛ لأنّني خارج المساءلة القانونيّة، حتى قاضي المحكمة الابتدائية في المجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى لم يسجّل تحفّظه على شَعْري، بل اكتفى بالصّمت طوال جلساتي في الأسبوع الماضي من أجل تصويب وضعي القانونيّ بما يخصّ حملي الجريمة، المخالف لكلّ قوانين حكومة المجرّة في الزّواج والتّناسل، وقد حظيتُ بأكثر من ثلاثين بند من الجرائم والجنح والمخالفات بسببه، تمخّضت عن إحدى عشرة عقوبة، وحكم طويل بالسّجن والغرامة والأعمال الشّاقة المفروضة جميعاً على جسدها، وبما أنّني مجرد مستفيد مؤقّت من جسدها، وأشبه ما يكون بمنتفع قانوني به لمدّة مؤقتة ومحدّدة، والأوراق الرّسمية تشهد بأنّ جسدي الأول كان في خدمة حكومة المجرّة، وقد فَنِيَ في واحدة من حروبها، وتقديراً لكلّ ملابسات هذه القضيّة الشائكة وبدعم مباشر من منظّمة الأطبّاء الرّواد المعنية باستمرار أبحاث نقل الدّماغ، وهي معنية بنجاح تجربتي بأيّ شكل من الأشكال، فقد سُجّلت الجرائم بأثر رجعيّ في ملف جسدها، وحُرمت على إثره من أيّ مستحقات ماليّـة أو تعويضيّـة مترتّبـة لها عن عملهـا أو عن عضويتها في مجلس إسكان المجرّة، وتحوّل تقاعدها الدّائم إلى خزينة أموال المجرّة، وحُرمت من رقمها الكونيّ المتسلسل، وبذلك ليس هناك حق لأيّ وارث لها من أيّ درجة كانت في أن يطالب بتملّك أيٍّ من أملاكها، وهي تُعامل من تلك اللحظة معاملة الذي لم يكن أو يعش أو يمرّ بكوكب الأرض قطّ، وتصبح تاريخاً منسيّاً لا يستطيع أحدٌ إثبات وجوده!
إذن هي في نظر القانون شيئاً لم يكن، ولكنّني أَعْشَقُني، أعني أعشقها، كيف تصبح المرأة التي أعشقها وهماً لم يكن؟ كيف يصبح جسدها غريباً عنها؟وكيف يصبح جنينها نباتاً شيطانيّاً يلهو في أحشائي دون هوية أو ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً؟ كيف لي أن أقول لها أعشقكِ دون أن أخجل من هذا القضاء ذي العدل الأعرج السّقيم؟! شمس، أنا أعشقكِ، أنا أَعْشَقُني؛ لأنّك إيّاي،أو أنا إيّاكِ، فهل تعشقينني؟
أمّا أنا فتبرّأ ساحتي من أيّ مسؤولية قانونية خلا الخضوع الإجباريّ والدّائم للتّنسيق القانونيّ مع الجهات القانونيّة من أجل ترخيص هذا الحمل، ومتابعة مستجدّاته مع قاضي السّكان الجدد في المجلس القضائيّ الكونيّ الأعلى من أجل التوصّل إلى صيغة قانونيّة مقبولة ومستحدثة لهذا السّاكن المتوقّع الجديد في المجرّة.
يا جنيني المسكين لم يعد لك في هذا الكون الفسيح المخيف إلاّ حبّي ودعمي ويوميات أمّك وانتظار خالد الذي يلفّه صمت الغياب، فقد حُرمتَ الآن من حق الانتساب إلى والدتكِ التي يعاملها القانون على أنّها لم تكن، وحُرمتَ كذلك من كافّة مستحقاتها الماليّة وإرثها، ستأتي إلى الحياة عارياً من كلّ شيء إلاّ من صدري الذي ينتظركَ بدفئه وحنانه وثورة حلمتيه المتحفزتين منذ الآن لإرضاعكَ، الحليب بدأ يتدفّق منهما منذ أيام، هل اقترب موعد حضورك؟ أتمنى ذلك، فأنا في انتظارك.أقرأ الآن كثيراً عن الرّضاعة الطّبيعيّة، وقد توصّلت إلى القليل من المعلومات عنها بصعوبة بفضل مساعدي الآليّ، هو آلة مدهشة وصديقة بحق، ستحبّه عندما تلقاه، عمره المعدنيّ متقدّم جداً، وهو من منظور استهلاكيّ وتكنولوجيّ قديم قليلاً، ولكنّني أحبّه، وأثق فيه، ولستُ مستعداً لخسارته بأيّ شكل من الأشكال؛ فهو الوحيد الذي وقف معي في محنتي هذه في حين تخلّى الجميع عنّي، ورفضوني بشكلي الجديد، لعلّ ذاكرته التّصويريّة القابلة للتّعديل وإعادة البرمجة أعانته على أن يبقى على إخلاصه وحبّه لي.على الأحوال كلّها الرّضاعة الطّبيعيّة والحليب اللّذيذ السّاخن في انتظاركَ يا جنيني الغالي.
* * * *
(2)
اليوم: 8 شهر النّور عام 3010م
"نبيّتي: أنا أحبّ الله قوة خالقة لهذا العالم؛ لأنّه وحده يجمعنا في هذه اللّحظات، ولأنّه وحده يصرّ على وجودنا بالقوة". أشتهيكِ: خالد.
صباح ماطر جديد يغرق المدينة في الأمطار الحامضيّة التي تنحت الجدران الزّجاجيّة بإصرار، وتفسد الملابس، وتجرف طلاء الأرصفة واللافتات. قطرات المطر هي ما يطلّ عليّ من نافذتي التي تهبني ضياء خافتاً يزيد من وقع كآبتي في هذا الصّباح، فما خُلق المطر إلاّ لاحتضان قُبْلة عاشقين، وفرحة جذلى لكفين منصهرين في لحظة لا تنتهي، المطر وحده يعرف حكمة الابتلال، وسرّ الأسرار فيه، إذا غاب خالد، فلا نزل المطر، ولا عرف القطرَ البشرُ.
تجتاحني رغبة البكاء، أتعرفين لماذا أريد أن أبكي يا ورد؟ لأنّني عاشقة، فوحده العشق هو ما يستحقّ نشوة البكاء وشهقاته ودواره وطعمه المالح الرّخو، العشق هو من يردّنا أطفالاً عاجزين لا نتقن غير حيلة البكاء التي تملك بامتياز أن تمسح الغبار عن إنسانيتنا المتخفّية خلف أقنعة الوجود.ومن غير خالد يستحق دموع العشق، وأنّات الفراق؟ دعينـي أضمّك إليّ أكثر، كي تكوني النّبض والشّريان والدّماء، فهذه منزلة خالد في وجودي، وأنت بعضه، بل بعضنا، فأصخي لشدو نبضي الذي يمدّك بالحياة في أحشائي، ويكفل لكِ وجيب النّماء، فما هو مترنمٌ إلاّ بعشقه.
هناك قلة من البشر في هذه الحياة لهم طقوس للقاء بهم،أو لنقل تعويذة لنحظى بلحظة البداية معهم، وخالد من هذا النّوع من البشر؛ إذا كان يجب أن يغسلني المطر، ويسرقني تسارع النّبض، ويعلوني زغب الانتظار، وتسلبني لحظات التمنّي العاجز المتكئ على مشيئة الأقدار صبري كلّه، وأحارب الدّنيا كلّها، كي أحتفظ له بجدائل شعري ليلفّه بحنان حتى أنزلق في زمن خالد؛ فهو كان لي الزّمن الافتراضي الموازي للأزمان جميعها، أيّ أنّه كان زمني المفترض الذي كان يمكن أن أعيش فيه، أو أن تعيشه شبيهتي الأنا في بُعد زمني آخر، وما كنتّ أحتاج إلاّ إلى قوة جبّارة لتنقلني إلى زمنه، فأعيش أزماني من جديد، وأسمّيها جميعاً خالد.
وجاء زمنه أخيراً، ولم أنتقل إلى عوالمه، بل هو من جاء إلى عالمي، ومن حسن حظّ العشق أنّه كان موجوداً حقيقة في عالمي الزّمنيّ المعيش، لا في زمن ماض أو مستقبل أو موازٍ، فكيف كنت سألقاه عندها؟ وشاءت أقدار العشق ومواسم الياسمين وفصول المحبّة أن ألقاه مضمّخة بماء الورد والبرد، كانت ليلة ماطرة يوم التقينا، كانت ليلـة مزيجـاً من البـرد والدّفء والتدفّق والنّور والظّل والإحجام والإقدام والأشياء المتناقضة جميعها التي لا تحضر دفعة واحدة إلاّ في قُبْلة عميقة لعاشقين تحت المطر.
كانت ليلة بمثل طقس هذه الليلة، ولذلك يغشاني ذهول الفراق في هذه اللّحظة، ويكسرني ذلّ الحاجة والبعاد، وتتنازع على افتراس روحي أشباح الخوف والقلق والوحدة، فأنا هنا وحيدة بكِ، وهو تائه في المجهول، لا منارة له نحو طريق العودة، ولكّنني في انتظاره مهما طال الزّمن.
اعذريني يا ورد أنا لستُ على ما يرام في هذه الليلة،لا أملك روحاً تقدر على الكتابة لك،فأنا أتساقط أنفساً مشغولة جميعاً بغياب خالد، وحشرجة البكاء تقطف عزيمتي، لن أحدّثكِ اللّيلة عن الله ونبوّتي وخالد، ولن أذوق معكِ شهوة شَعْْري وكلماتي، فما أنا هذه اللّيلة إلاّ امرأة عاشقة تنتظر من تحبّ، وتضرب صفحاً عن الأشياء كلّها، سأنام الآن، وواجبكِ أن تقرئي تراتيل العودة حتى الصّباح.
لا تنامي يا ورد، فواحدة منا يجب أن تبقى موصولة مع السّماء بالدّعاء لخالد بالعودة والسّلامة، أترك لك الكثير من رسائل خالد، اقرئيها برهبة العابد، وصبوة المعتكف، واخلعي أحزانك على بوابتها، فلا يُدخلُ على خالد إلاّ بأثواب الفرح؛ لأنّه رجل الفرح.
اكتشفي والدكِ عبر كلماته، ألم أقل لكِ من قبل إنّه كائن لغويّ، يفهم بالكلمة، ويُفهم بها،ويحسن أن يحوّل الكلمة إلى حالة والحالة إلى حقيقة، ولذلك هو أكثر رجل في الوجود قادر على إسعاد قلب أمّك، وأنا وربّ الكون الفسيح المترامي الحقائق سعيدة به حتّى النّخاع والأحشاء حيث تسكنين يا صنيعة عشقنا.
حبيبتي ورد هناك الكثير من رسائل خالد إليّ، سأنام بعد أن أروي لكِ حكاية ما قبل النّوم، ولكِ أن تقرئي في رسائل والدكِ حتى أستيقظ.
تقول حكاية النّوم يا ورد الجميلة:
قصة هذه الليلة الماطرة ستكون عن أبيكِ خالد يا وردي الجميلة، فمن غيره تتفاخر الحكايا به؟ احفظي قصصنا جيداً، وارويها في يومٍ ما للكون بأسره، ابحثي عن طريقة مناسبة من أجل ذلك.
وأنا صغيرة كنتُ طفلة مخلوقة من الأسئلة والأحلام الكبيرة، في كلّ عيد من أعياد ميلادي في طفولتي تمنّيتُ أن أحصل على الشّمس هدية عيد ميلاد، ولكنّني لم أحصل على ذلك، وبقي والداي يتجاهلان رغبتي، ويهدياني هدايا طفوليّة تقليديّة لا تحسن أن تُسعد قلبيّ المتوثّب للحصول على الشّمس.
في يوم ما كنتُ في حضن خالد، وحدّثته عن هذه الأمنية الصّغيرة الكبيرة التي تلاشت مع سنين الماضي المنصرم، عندها صمتَ كثيراً، وغرق في البعيد، في اليوم الثاني صمّم على أن نلتقي في مركبته الفضائيّة، أخبرني بأنّه يريد أن يصطحبني في رحلة فضائيّة قريبة لمعاينة ظاهرة نجميّة مثيرة عن قرب، ولكنّ الرّحلة كانتْ رحلة مغامرة جريئة إلى أقرب نقطة ممكنة في تاريخ البشريّة من الشّمس، درجة حرارة المركبة ارتفعتْ إلى حدّ الخطر، وفي فيض من خوفي وتعرّقنا، طبع على عنقي قبلة أكثر حرارة من نفحات الشّمس اللاهبة الصّاهرة، وطوّقني بقلادة جميلة على شكل شمس ذهبيّة عملاقة محفور عليها بخط صغير رائق: "اكتشفتُ أنّ الشّمس ليست سوى ملمح من ملامح عينيكِ".
طبع قبلة ثانية عميقة في أعماق روحي، وقال: لذلك كان يحزنني اليوم الذي لا تشرق فيه الشّمس،والآن تغيرت نظرتي للكون، وصارت إمبراطوريتنا لا تغيب الشّمس عنها، طلعت الشّمس أم غابت.سيان؛ فقلبي مضاء بنور طلعتكِ يا حارسة عالمي.كلّ عام وأنتِ حبيبتي.
- ولكنّ عيد ميلادي ليس اليوم.
- بأمر الحبّ أصبح عيد ميلادك اليوم. أشتهيكِ، أُقبّلكِ، قبّليني.
من رسائل خالد:
 قبّليني: 6 شهر مسقط القمر عام 3008م
"قلتُ لكِ أنا لا أحبّك، أنا مسكون بكِ. لستُ أعرف كيف يمكن للمحبّ أن يصف حبّه، وهو حبّ؟ وكيف يمكنه أن يصف محبوبه، وهو محبوب؟ أنا في لحظة التّيه العظيم، أنا لحظة تسكن زمناً اسمه شمس. فهل تقبّليني".أشتهيكِ: خالد
 حبّي لكِ: 28 شهر مسقط القمر عام 3008م
" حبّي لكِ صار يقضّ وجودي! هل هذه مشكلة؟ إنّها قضية كبرى ما دام قلبكِ متعلّقاً باسم آخر غيري، قدري فظيع، حتى حين آويتُ إلى قلب وجدته مسكوناً بصور أخرى."أشتهيكِ: خالد
 أغار عليك يا شمس، ارحميني: 22 شهر الشّمس عام 3008م
" بيننا فارق واضح، وهو أنّني أحبّك بقلب لا يطرق بابه غيرك، أمّا قلبك فطابور من الرّجال يطرقونه، وقد يكفي هذا الطّرق، دون أن أعرف الطّارق، كي أتبعثر كأوراق الخريف، كي أسقط متلاشياً على الأرض من غير أن أقوى على أن أحمل أضلعي الهاوية.أنا قلب لا تغويه زهرة ولا سنبلة ولا لون ولا ملامح ولا طقس".أشتهيكِ: خالد

 الكون هو أنتِ يا شمس: 23 شهر الشّمس عام 3008م
"أقول إنّ العالم امرأة، وتقولين إنّ الله مطلق الكون، فأحكي حكايتي للتّراب والماء، وأبقى صامتاً في البعيد، فتشتعل الأرض وروداً


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½