دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » رؤى     .::.     » أرض الحكايا: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » عالم سناء شعلان القصصيّ_ بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » ناسك الصومعة: هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.     » تقاسيم الفلسطيني:من أشهر المجموعات القصصية للأديبة د.سناء ال     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » رواية قافلة العطش - مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس     .::.     » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » رواية أعشقني---هي من أشهر الأعمال الإبداعيّة للأديبة د.سناء     .::.     » كتاب "السّير في الطّريق السّريع"للهنديّ رام بوكسان     .::.     » Sanaa Shalan Resume     .::.     » سناء شعلان في سطور     .::.     » ظلال     .::.     » سيدي البعيد 25     .::.     » فانتازيا سمير الجندي     .::.     » سيدي البعيد 24     .::.     » حين يهرم شهريار     .::.     » موسيقى آذار     .::.     » باب     .::.     » رفيق الليل     .::.     » لا تتوقف عن الحلم     .::.     » زهرة     .::.     » غرباء     .::.     » كان يفترض     .::.     » انت والريح     .::.     » ظل 2     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع موقع الكاتبة د.سناء شعلان

مؤلف رسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:52 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top






عالم سناء شعلان القصصيّ:

بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.


مصطفى الكيلاني/تونس



1- الأنوثة/الذُكورة:جَهْل تقريبيّ مُتبادَل.
تبدو صورة الرجل في مرآة النفس الخاصّة بالأنثى كابوسيّة،كالحلم الّذي لا يتحقّق،أو كالقطيعة في مجتمع أقاصيص الكابوس(1) بين الذكورة والأنوثة.وسببها الظاهر هو الرجل، تحديدًا،وقيم الذكورة المستبِدّة بحياةِ الكائن عامّةً،دون التخصيص بماهيّة الأنثى المُفرَدة أو الذكر،إذ صفة الخواء مشتركة بينهما،وعلى حدّ سواء.فثمّة غَبْن بَدْئيّ،لا شكّ،يُصيب المرأة على لسان الراوي-الأنثى،ومردُّه النظر التشييئيّ لشخصها تبعا لعقليّة الرجل العربيّ،والشرقيّ على وجه الخصوص.وكما يتمثّل الجسد الأُنثويّ موضوعا للمتعة فحسب،في نظر الرجل،فإنّ الذكورة تظلّ أقرب إلى الوجود الطيفيّ،في تصوّر المرأة،منه إلى واقع الوجود.وإذا رؤية السراب أو الطيف هي سيّدة الموقف في الاتّجاهين معًا(2).
فتتنقّل عين السارد من الضمير المُفرد المُذكّر إلى الضمير المُفرد المُؤنّث بتحويل مُتعَمَّد يُقابل بين ذاتَيْن مُختلفتيْن تشتركان في ماهيّة وجودٍ واحد يتعيّن،حسب الظاهر،بالفراغ،جهل كُلّ منهما للآخر،الرغبة في الانفتاح الّتي لا تتحقّق نتيجةَ مُعوّقات فرضتها تقاليد مجتمع قهريّ،كأن يستبدّ الكابوس بالحلم،ويتعاظم هذا الكابوس باحثا له عن أفق/آفاق بالحلم الّذي يظلّ في خاتمة المحكيّ المُتعدِّد مُجرّد إمكان للحلم.

2- لعبة الضمائر:محاولة الخروج من واقع الجهل التقريبيّ المُتبادَل.
فتتوالد الحركة السرديّة في بَدْء "الكابوس" من خلال فِعل التصريف اللّغويّ:هو، هي، هما، هم،أنا،تعريف بالتنكير(كابوس)،فنِقاط استفهام وتعجُّب في الأخير.
إنّ الواصل بين مختلف الضمائر وضع واحد مُشترك أجملتْه الذات الساردة في تسمية مُفْرَدةٍ هي الكابوس،مُرادف الملل الّذي يُصيب الجميع دون استثناء.وإذا قصّة "الكابوس" الّتي وَسَمَت المجموعة بأكملها تقليب لهذا اللفظ واستقراء لِمُختلف معانيه الظاهرة والخفيّة،وتوالُد حالات يتّصف مُجملُها بالحُبْسة،لانغلاق الأفق.
فتتلاشى العلامات الخاصّة بالفرد في مُطلق معنى الجماعة،كلفظ "القبيلة" يرد في خاتمة القصّة كي يُؤكّد،بما لا يدع مجالا للشكّ،على التصادم الحادّ الإشكاليّ بين الرغبة ونقائضها،بين مخصوص الذات الفرديّة وواحديّة القيمة في مجتمع تسوده أحكام ذهن بطركيّ جديد.
وكما تتماثل الأنوثة والذكورة في واقع خسارة الفرد وانحباس واقع الفرديّة يتعاظم ثِقَل مأساة الاستعباد الفرديّ عند تخصيص الرؤية في موقع الأنثى الراوية والمرويّة.
فلا غرابة،إذنْ،في أن تُختصر الاسميّة ضمْن مُجمل أقاصيص'الكابوس" في مُطلق الضمائر.
كذا الحلم-الكابوس دلالة والدة مرجعيّة في"عالم البلّورات الزجاجيّة" حيث الفشل هو سيّد المواقف،إذْ تتوالد الأحداث بَدْءًا منه وعَوْدًا إليه.فمسارّ التجربة المنوطة بذات الشخصيّة الأولى في القصّة مدفوع بالفشل بَدْءًا وانتهاءً.أمّا الموت فهو الحَدَث المتكرّر،كموت الجدّ والأب والأخت والتفوّق الدراسيّ الّذي سرعان ما انقضى بالانقطاع والتحوُّل إلى حياة الشُغل في فُرْن وعديد التفاصيل في حياة الشارع والمتجر حيث "عالم الأغنياء" والحُبّ من اتّجاهٍ واحد واستحالة التواصُل...
فيستبدّ الكابوس مرّةً أخرى بالحُلم،وينقطع مجرى المحكيّ بالموت كما يرد ذكره على ألسنة الآخرين،إذْ أجمع"الكُلّ على أنّه الآن في الطريق إلى العالم الآخر،لكنّهم لم يعلموا أنّه قد انزلق بعد عناء في عالم الأحلام الزجاجيّة"(3).

3- تعالُق الأسطورة والواقع بمُشترك حالٍ شِعريّة.
وفي "أودسيوس مرّة أخرى..." تتعالق الأسطورة والواقع بمُشترك حالٍ أُنْثوِيّة تستعيد عبر مُجمل التواريخ القديمة والحادثة وقائع الحرمان والقهر والظمإ الروحيّ والخواء المُستبِدّ بالكائن والكيان.وإذا الحلم-الكابوس وجه آخر لتعدُّد الأزمنة والأمكنة وتداخُلها،كأنْ يصل المكان في هذه القصّة بين جربة(الجزيرة الواقعة في الجنوب التونسيّ)بالجمع بين الماضي والحاضر،تبعا للزمن الأسطوريّ والزمن الواقعيّ الّذي هو مرجع لحظة التمثُّل السرديّ بالاستذكار والانتظار،بما كان ويكون وما يمكن أيضا أن يكون.
إنّ كتابة الطيف باعتماد الإبطان حيث زخم الحالات يستلزم بعضا من أسلوب التداعيات بالتوالُد حينا،وبالفسْخ وإعادة الإنشاء(métamorphose)أحيانا،كي يتحرّر السرد بذلك من الوثوق المحض ويندفع في مغامرة توصيف العديد من الحالات الغامضة واستثمار الوهم والإيهام(fantasme)مَعًا.لذلك يُغلّب الفعل السرديّ المُضمر على المُظهر عند البدء والدفين من الحالات على المُنكشف منها،و" نظام الفوضى" الناتج عن زخم هذه الحالات على "النظام" المستوي المُكتفي بظاهر النسق ورتيب حركة الاطّراد.
وبناءً على السالف فإنّ الكتابة القصصيّة بتوهُّج اندفاعاتها وارتداداتها تُقارب مواطن الشعر لِتُعيد النظر،عند القراءة،في المسألة الأجناسيّة،لما للسرد القصصيّ من توهُّج حال شعريّة،ولما للشعر المُصاغ سردًا من تأثير،وما للخواء الملل الانتظار الرغبة الجامحة الممكنة والمستحيلة معا من اقتدار عجيب على توليد المواقف بالتكرار-العَوْد(الاستدارة) والاختلاف(التمدُّد أو الانتشار).
ويتأكّد هذا المنحى المتفرّد في تمثّل الصلة بين شاعريّة السرد وسردية الشعر في"حكاية شجرة" باستخدام بعض من العجيب المستوحى من تدلال الحلم واستعارة لغة السرد الحادثة:"في أرض نصفها ثلج ونصفها الآخر وهج،في أرض نصفها في الشمال،ونصفها في الجنوب،في أرض نصفها في الماضي،ونصفها الآخر في الحاضر،في أرض نصفها هناء،ونصفها الآخر تعاسة،هناك في أرض الجفاف حيث ملتقى البحريْن(4).
وكأنّنا أمام توصيف الشجرة المتفرّدة عن غيرها من الأشجار التوائم نشهد كتابة أسطوريّة بلُغة حادثة،كـ"مسخ الكائنات"الأوفيديوسيّ يتحوّل من مظانّه الضاربة في القِدَمِ إلى سياق حكاية الأصل والأمّ الآثمة وشجرة الدموع المفردة الّتي ولدت في الماضي الأسطوريّ أدونيس وتداعيات المحْكيّ الأخرى.كما تستعير سناء شعلان،آن رسم الشجرة المُفْرَدة في مجال الغاب بأشجاره التوائم والأشجار العجوزة الحزينة على "الشجرة الوحيدة" البعض الكثير من مشهديّة اللوحة.
وإذا السرد في بنية"حكاية شجرة" يُطوّف في أقاصي المعنى المشترك بين الأسطورة الضمنيّة والواقعيّة الذاتيّة المُضمَرة ليُشارف المعنى الفلسفيّ حيث دلالة الأصل،والأصل الأنثويّ تحديدًا،والمرجع الكينونيّ البدائيّ ممثّلا في النبات.
إنّ الشجرة،بهذا المنظور،هي الحياة على بدئيّتها وبِدائيّتها مَعًا.فـ"أخضر الأوّل" أو"إيخُو"هو بمثابة الرحم الأوّل الّذي أنشأ علامات الوجود البدائيّ،بالمُفرد الّذي تراكم عبر ملايين السنين كي يُنشئ المزدوج(الذكورة والأنوثة)الّذي به كان التعدُّد والاختلاف.غير أنّ واحديّة الشجرة"إيخُو"لم تُثمِر في الأثناء إلاّ رُعب الشيخوخة لتنشأ المأساة بوعي الموت القادم لولا المُفاجأة عند حُدوث التزاوُج(5)الّذي لم يُعمّر طويلا نتيجة تدخّل يد الإنسان الآثمة والقطع الّذي حَدَث والتحوُّل المُزدوج،بعد التعالُق الحميم،إلى كمان وقوس في يد صانع آلات موسيقيّة عجوز.فتستمرّ القاصّة في اعتماد أسلوب التحويل بالإنشاء والإفناء وإعادة الإنشاء،بالحياة تتقادم لتنقضي وتتحوّل إلى حياة ثانية فثالثة،بحلقات سلسلة لا تتوقّف ولا تنقطع،كحكاية العجوز والزوجة الهالكة والقبر وانغراس الكمان والقوس والإزهار تتويجا لِحكاية الشجرة العاشقة،إذِ الأشجار،بلغة القاصّة،مثل البشر تملك هي الأخرى حكايات وسِيَرًا وملاحم وآمالا وانكسارات ونهايات،وتبقى مُقيمةً على عشقها، مخلصة لذِكراه"(6).
4- كتابة الوقائع الجُزئيّة أو أدبيّة السخرية.
وفي"حادث مؤسف سعيد جدّا" ينتقل فعل السرد القصصيّ من الحُلم والتمثُّل العجائبيّ للعالم والأشياء إلى كتابة الوقائع الجزئيّة الّتي تبدو بسيطة تافهة أحيانا في مسارّ الحياة الفرديّة والجمعيّة.إلاّ أنّ مزيجا من العبث والسخرية و"حكمة الجنون" والعين الرائية المُحتفية بالتفاصيل ودقائقها تكشف في الأثناء عن خواء هائل في نسيج الذات الراوية والمَرويّة،كمحمود فاقئ عين مصطفى،يتحوّل من الثأر إلى تأنيب الضمير،ومنه إلى الانتقام الذاتيّ بتجريب إغماض العيْنيْن لممارسة لعبة التردّد بين البصر والبصيرة،وبين معرفة الأشياء والحقائق وجهلها أو تجاهلها لتحقيق النقلة الكبرى في مسارّ التجربة،بأن استحالت إلى ذاتٍ قاتلة بعد أن كانت ضحيّة.
وبهذه القصّة نشهد لونًا سرديّا قصصيّا مختلفا عن سابقه بعد أن نزل المحكيّ من علياء الصُور المُتخيَّلة والاستعارات الواصلة بين ماضي الأسطورة وراهن الحُلم وتداعيات اللّغة الكاتبة إلى أسافل الوجود حيث جحيم الوضعيّة في مجتمع القهر الفرديّ والعذاب اليوميّ.وإذا السعادة لا يُمكن تحقيقها في مجتمع القصّة إلاّ بالانتحار المجازيّ عند تجريب العَمَى والتسليم بالأمر الواقع والتأقلم مع ماهو كائن والاستئثار أخيرًا بِدَوْر الجلاّد على دور الضحيّة.
وإذا استثنينا "بحيرة الساج" و"المُواطن الأخير" حيث الرجوع إلى عالم الغابة والأشجار في الأولى وكتابة البعض من الأسطورة والواقع الكارثيّ الآيل إلى الاندثار بسبب الحروب المُدمِّرة في الثانية فإنّ الأقاصيص الأخرى تُمثّل استمرارًا في النهج الواقعيّ الرافض لأسلوب المُطابقة اللاّئذ بعديد الوسائل الإيجابيّة دون الاقتصار على لون سرديّ واحد.
وإذا الكتابة القصصيّة لونان أساسيّان تتردّد بينهما مختلف الأساليب:الإبطان في اتّجاه طبع بناء القصّة بشاعريّة الحالات على شاكلة سرديّة،والإظهار آنَ الاحتفاء بعديد التفاصيل دون الانزلاق في توظيف المطابقة الصريحة.وبهذا الجمع بين اللّونين المذكورين تُثار القضيّة الأجناسيّة في تمثُّل الكتابة القصصيّة عامّةً،إذ هي السرد الّذي ينزع في اتّجاه الشعر وتوصيف البعض ممّا يتردّد في الداخل من حالات واستيهامات،وفي اتّجاه السرد الّذي يُباعد بين الذات الساردة والعمل السرديّ باعتماد تقنيات الوصف المُختلفة والدعابة و"السُخرية الجادّة" أو"الجدّ الساخر"و"العبث واللاّ-معقول والعجيب بمنظور واقعيّ في الأساس والمرجع المُضمريْن،كأن نقول واقعيّة الذات والوضعيّة وحقيقة الأنوثة في مجتمع الحظر والقهر.
كذا مأساة الكائن تعمق بفعل الإبطان وتنتشر حينما يتباعد موقع النظر بين السارد والمسرود ليتّخذ له الإضمار والتضمين والإخفاء أشكالا أخرى من الوصف الحكائيّ.
5- التجاذُب بين سرديّة الحال وسرديّة الحدث.
فيستأنف السرد بـ"بحيرة الساج" الحكاية الأسطوريّة المزحومة بعلامات الواقع ومختلف دلالاته،كالّذي تردّد في "حكاية شجرة"من مشاهد وصفيّة تُؤالف بين الكيان الإنسانيّ والكيان النباتيّ أداءً لمعنى صوفيّ يُداخل بين اللّه والإنسان والعالم ضِمن ثالوث الحُبّ الأزليّ الّذي يَمْثُل في عديد تفاصيل الوقائع والأشياء لتلهج بـ"الحُبّ الأعظم"والسعادة الأبديّة،وتستقدم إلى راهن المَحكيّ بعضا من ذاكرة العالم عَوْدًا إلى"نوح"و"كنعان"و"عوج"، ووصولاً إلى رمزيّة الطوفان والأمواج ومختلف علامات الفيْض وانفتاح الأنثى بعميم الرغبة والعشق على عوج-الذكر.
كما يتكثّف استخدام الإيحاء في "المُواطن الأخير" باستئناف المحكيّ الّذي يُخفي زحم الوقائع الحادثة خلف تداعيات اللّغة الأقرب إلى الشاعريّة وكتابة الحلم الّذي سُرعان ما انقلب في خاتمة المجموعة القصصيّة إلى كابوس مرعب:"لقد صدقت النبوءة...البشر أصبحوا وُحوشا،البشر أصبحوا وُحوشا..."(7).وهُنا تدّاخل العصور في زمن واحد مُشترك هو الزمن الكوكبيّ يصل بين"باخوس"و"حكماء القارّة" ومصير "أطلنطا" والنهاية الوشيكة لجميع البشر،بما سيحدث من كوارث منتظرة بعد الانهيار القيميّ والحروب المُروّعة والدمار الّذي أصاب المكان والكيان على حدّ سواء.
إنّ الاحتفاء بتفاصيل المحكيّ والتبعيد بين الواصف والموصوف السرديّيْن واعتماد النسج بالمُؤالفة والقطع والوصل والفصل معا هو في صميم اللون الأكثر انتشارًا في مجموعة "الكابوس" القصصيّة.إلاّ أنّ الميل إلى هذا اللون لا يعني المُطابقة المحض،كما أسلفنا،بل إنّ الإيحاء يتّخذ له سمات الإلماح الخافت واللقطات الوصفيّة الخاطفة والانتقال من موقف إلى آخر،كانكفاء البصر في "قصّة طويلة"،بأنْ يتحوّل السرد إلى موضوع لِقصّة،"مكان في المستحيل"داخل القصّة.وبذا أثمر الفراغ حكاية تواصُل سرعان ما أفضى إلى انقضاء بارد بانحباس الرؤية وانحسار الأفق،وكـ"صانع الأحلام"الّذي درس"الشعوذة والسحر في بلاد ما خلف البحر"(8) ليعود إلى أرض الوطن ويُعيَّن في "الدرجة السابعة بوظيفة صانع أحلام شعبيّة"(9)،وكالإدمان التلفزيونيّ في "آنسة قطّة"التي بها يستحيل فعل مشاهدة البرامج والمسلسلات التلفزيونيّة إلى مرض عُضال تغالب به فَتَاةٌ المللَ كي ينقلب الملل فيها بهذا الإدمان إلى خواء كينونيّ هائل بعد موت الأمّ وزواج الأختين وحياة العُزلة القاتلة وعديد الأوهام والاستيهامات في خاتمة هذه القصّة-المأساة،وكجحيم العزلة في "الضفّة الأخرى تُراوح بين بعضٍ من واقعيّة الذات الساردة ورمزيّة الكائن-الذكر يتوق إلى البُعد الآخر للحياة ليحدث الإبدال(10)،وكالجارة الغجريّة الشرسة بصُراخها وشتائمها الصباحيّة المزعجة الّتي لا تنقطع وسخط الرجل الجار عليها الّذي تحوّل إلى رغبة جامحة لا تتحقّق برحيلها وانتظاراته الّتي لا تنقطع(11)،وكظِلّ الكائن الّذي يمثّل عَدُوًّا لدُودًا يُحاول التخلّص منه مرارًا وتكرارًا في "القاتل" دون جدوى إلى أن حدث القتل،لينشأ عن ذلك حنين إلى زمن ما قبل النفي،وكقطيعة التباعُد المستفحلة في "صباح الخير...يا دكتور"بين الأنثى العرجاء والطبيب وحضور السياج الفاصل بين الداخل والخارج،وبين الممكن والمستحيل،بين انتظاره وانتظارها(12)،وكالحاجة إلى البوح بالكلام أو البُكاء في "صاحب الصوت الأجشّ" لينشأ حنين إلى صَوْتٍ ذكريّ سمعته أنثى لمرّة واحدة عبر الهاتف وظلّ صداه ماثلا بعشق مُرهف في الذاكرة المُعَنّاة.
6- التردّد المأساويّ الحادّ بين رغبة الحُريّة وتعطُّل إرادة التجاوُز.
كذا الكابوس(المجموعة القصصيّة) فيض من أحلام،بعضها واقعيّ أو يكاد،وبعضها الآخر بَدْء توغُّل في المواطن المحظورة حيث التخوم القصيّة لرغبة التحرّر من عديد القيود داخل وضعيّة الكائن-الأنثى والكائن الفرد عامّة في مجتمع سلطة الجماعة القبليّة أو شبه القبليّة على الفرد بمجمل إرثها القديم وقهرها الحادِث.
وبناءً على هذه المغامرة غير مأمونة العواقب في كتابة القصّة وتمثُّل مأساة الوجود الفرديّ الأنثويّ،على وجه الخصوص،تصطدم الأبنية السرديّة بضرب من التكرار الحَدثيّ المُضمر مُمثّلا في التمدّد الّذي سرعان ما يُضحي استدارة تنقضي عادةً بالتوقُّف/البتر وبالارتداد إلى مجال النفس المغلق المزحوم برغبة الانفتاح على الآخر الكينونيّ والامتداد المكانيّ معا المهووس بكوابيس اليقظة.إلاّ أنّ سلطة الماضي،كما تنجلي،تقريبا،في الاستذكار أو حُبْسة الحال تدفع غالبا إلى الانتظار وتفاقُم الملل في عالم الأنثى،كماهو الشأن في عالم الذكر،تبعا لتماثُل الوضع بالنسبة للشخصيّات القصصيّة رغم اختلاف أسمائها ومُسمّياتها ووظائفها.فثمّة مُشترك كينونيّ يقضي تغليب الطيف أو الظلّ على الشخص،والقناع على الوجه،والاسم على المُسمّى،ومجرّد الحال على مخصوصها في"الآن" و"الهُنا".
لذا تبدو"الكابوس"عالما قصصيّا يكتظّ بعلامات الأنوثة المُعذّبة ودلالات الرغبة الحبيسة ومأزق الوضعيّة الناتج عن التردُّد المأساويّ الحادّ بين رغبة الحُريّة وتعطُّل إرادة التجاوُز.وما ينكشف تمرُّدًا للفرد والأنثى-الفرد،على وجه الخصوص،يحمل في ذاته النقيض الّذي هو الإذعان لرقابة ذاتيّة تحلّ مَقامَ الرُقباء الآخرين.
فتتماهى الأنوثة والذكورة حينما يحمل فعل التمدُّد السرديّ حركة ارتداده بالاستدارة المذكورة آنفا،بالالتفاف السريع حول النواة الّتي تندفع بدْءًا نحو تجاوُز وهم المُوحَّد الثابت فيها بالتعدّد،ليتعاظم هذا الوهم بمختلف الاستيهامات تتناسل عن الرعب القديم الحادث،رعب الأنثى الّتي قد تدفع ثمن تمرّدها الكاتِب المؤقّت العارض باهظا،رعب شهرزاد الحفيدة الّتي استفادت من جيل شهرزاد الجدّة،وقد يُسفك دمها انتقاما منها ومن الجدَّات،بل كُلّ الجدّات في تاريخ الأقبية والمقاصير ومرايا العتمة.
وهل"قافلة العطش"،المجموعة القصصيّة الثانية لسناء شعلان(13)،استمرار في نهج هذا التردُّد المستفحل بين رغبة التمرّد على الموروث السائد وبين الإذعان القسريّ له أم هو الاندفاع بجهد كتابيّ حادث نحو ضفّة أخرى،لعلّها ضفّة النجاة من قهر العادة بالكتابة وفي الكتابة؟(14).
7- "السخرية الجادّة" وأفق الكتابة؟
فثمّة أسلوب قصصيّ متفرّد مختلف بَدَأ يتنامى في أقاصيص سناء شعلان،وهو الّذي يمثّل أفق انتظار،حسب قراءتنا،ويستدعي الاشتغال عليه بعد"الكابوس"،تلك"السخرية الجادّة" المتلبِّسة بعديد الأحداث والحالات،الدافعة إلى مُقاربة تخوم الكارثة بتبعيد فنّيّ شيّق بين الواصف والموصوف لحظة يتوارى الواصف خلف موصوفه ويُساوي بين أطراف النقيض في مُعتاد القراءة والتقبُّل،وآنَ زوال الحدود الفارقة بين المنطق والجنون عبر مسحة خافتة من حكمة الجنون أو جُنون الحكمة،وحيث ينتفي الفاصل النهائيّ بين الواقع والحلم،والذاكرة والمخيال،والتاريخ الفرديّ والتاريخ الجماعيّ،والمعتاد والعجيب،والمنتَظر والغريب،والوجه والطيف،وشاعريّة السرد وسرديّة الشعر،.هذا الّذي بَدَا مشروعًا يتشكّل في "الكابوس" وازداد تراكُما موقعيّا في"قافلة العطش" في انتظار ترسيخ تجربة الكتابة القصصيّة المتفرّدة بمزيد من استخدامات السخرية الجادّة أو الجدّ الساخر،وبالمأساة والملهاة مَعًا،وبالحدث والحال،أو السرد وما وراء-السرد.
أليست "السخرية"،كما حدّها فلاديمير جانكلفيتش(Vladimir Jankélévitch) هي تلك الأكثر أخلاقيّة كي تكون فنيّة حقّا،والأشدّ شراسة لتؤدّي وظيفة الإضحاك بالفعل؟ أليست السخرية لَعِبًا في المناطق الخطِرَة،عِلْمًا بأنّ المغامرة أو المخاطرة هي صفة الكائن آنَ استجابته للكينونة باعتبارها مُرادف النُقصان بدءًا وانتهاءً وفي الأثناء،تقريبا؟(15).

*الهوامش:
1- سناء كامل شعلان،"الكابوس"،إصدارات دائرة الثقافة والإعلام،حكومة الشارقة، ط1، 2006.
2- "اعتادت أن تحضن الفراغ في حين يحضن غيرها قلوبا حانية عاشقة(...) الكُلّ يروي لها حلمه،ولكنْ لا أحد يُفكّر في أن يسمع حلمها الّذي سرعان ما مُسِخ في ذاتها،ليُصبح كابوسًا مُضنيا..."،السابق،ص13.
3- السابق،ص24.
4- السابق،ص31.
5- السابق،ص36.
6- السابق،ص39.
7- السابق،ص178.
8- السابق،ص117.
9- السابق،ص121.
10- "وجلس بانكسار على تخوم ضفّته الجديدة،وأخذ يُراقب الضفّة الأولى من جديد،حيث النساء من مرمر والرجال من عسجد،والأرض تفيض لبنا وعسلا،فكّر بأن يُصبح نبيّا مَرّةً أخرى،لكنّ الباقي من العمر كان لا يفي بذلك".السابق،ص154.
11- "اعتاد أن يجلس في مقعده الهزّاز قُبالة شرفة منزلها الّذي هجرته منذ زمن لينتظر إيّابها الّذي لم يحدث".السابق،ص154.
12- "ونزل المطر...وانتظرها على التلّة الموتورة بسياجها العجوز،ولم تأتِ.وانتظرتْه في غرفة العمليّات...ولم يأتِ".السابق،ص165.
13- سناء شعلان،"قافلة العطش"،الأردنّ:الورّاق وأمانة عمّان الكبرى،ط1، 2006.
14- إنّ "قافلة العطش" هي استمرار في نهج "كابوس"،ولكنْ بالمراهنة في الأساس والمرجع على الواقعيّة الّتي لا تخلو من إيحاء،وبضروب حادثة من التبعيد بين الذات الساردة والفعل السرديّ.ذلك ما يجعل القصّة أكثر حكائيّة وأرسخ حضورًا في موصوف الوقائع وألصق وجودًا بالدقائق والتفاصيل.
15-, ‘’L’ironie’’,France :Flammarion,1964 ,p9. Vladimir Jankélévitch


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:53 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

دراسة في قصة "نفس أمّارة بالعشق " * للأديبة د.سناء الشعلان

بقلم :راوية عاشور

تفتحت الكاتبة سناء الشعلان على روح مشاكسة تستفز السّكون،وتُجيد دائما روحها الجموح والتناقض بين الجموح والاستسلام المشروع للجمال.
وإنّ القارئ لهذه القصة يجد فيها جانب فني لفظي ومعنوي،وانعكاسا لروح مبدعتيها المداعبة لكلّ شيء غريب تعشقه,وتجد فيها جمال الحياة بكلّ انعكاساته واضطراباته .
فالقصة كما يقول بعض الدارسين لها ما هي إلا إفراز اجتماعي وبيئي ونفسي وحضاري،وإن كان الأمر كذلك،فهذه القصّة هي دليل تفتّح الوعي الثّقافي عند سناء شعلان التي أجادت التّعبير عن مكنوناتها الداخلية دون إحراج وخوف أو خجل لا مكان له.
ومن هنا أذكر بعض سمات قصّة" نفس أمارة بالعشق " في ضوء المنهج النّفسي,فمن العتبة الأولى للقصة بدأت سناء الشعلان بـ (لي) وانتهت بـ (أنا) وهذا يدل على تضخّم الذّات عندها؛ فـ(الّذات) في العرف الأدبي والنّفسي محاولة إثباتها لذاتها المتمردة على واقع معاش رغم رفضها له في بعض الأحيان وقبولها لهذا العشق في بعض الأحيان من خلال تكرارها لبعض العبارات التي تثبت استسلامها وقبولها له :" لي نفس أمارة بالعشق, ولي قلب لا يبرم بضعفه الآسر ..."(1)
وقد أشبعت سناء شعلان النّص بالعبارات السيّاسيّة التي نجدها في أغلب أوصافها وتعابيرها , فقد جعلت النّص كثيف بالمفردات االسّياسيّة والحربيّة , ومن تلك العبارات التي ذكرتها بشكل واضح وصريح من بداية النّص حتى نهايته التي أوردتها في قصتها :"شنّ حرباً دامية... والإعدامات والنفي... والمخلوعين ... والمسجونين... ورئيسة فخرية... ودم الأبرياء ..."(2)
بل إنّ الزّمن الذي برز في المقطع الأول بشكل مكثف عندها أرادت به أن تؤكد أنها تعيش الحالة ,ومستمرة على هذا العشق والثبوت عليه ,فهي خاضعة لهذا العشق اللاإرادي "أمّارة " بمعنى الأمر , فالأمر عندها ليس بيدها،والقلب هو الذي يفرض عليها أن تعشق ,وهي مستسلمة لأوامره ونبضاته:" ولي قلب لا يبرم بضعفه الآسر"(3)
كما اندمج مع قصتها وعشقها البعد الديني، وتشابك مع تصريحها بحقيقة هذا العشق وقدسيته،وهي عمدت إلى ربط مشاعرها بالأبعاد الدينيّة لتصبغ عشقها بنوع من القبول والشّرعية ،وهو يكمن في داخلها،وينبض فيها: " أنا القائمة بأمر الله في الأرض(4) و نبية الكلمة(5) أنا ورثية كلّ الافتقاد والاحتياج والجوع والشّهوة والارتواء والتنهّدات والخلجات والارتعاشات"(6)
وقد رمت الكاتبة بشباكها على استثمار الشّخوص القصصّية الشّهيرة،واستثمرتها في قصّتها؛ لتأكد أنّ هذا العشق موجود منذ الأزل القديم ,فهو معترف به ," فالأساطير مثل وعروس البحر و سندريلا " كلها مفردات وكلمات أكدّت على العشق القديم .
ولقد جاءت مفردتها الشّعبية في قصتها في حالة تناقض بين الأسطورة والواقع باستخدامها مفردات يومية حقيقية ملموسة "" شبشب برتقالي... و جبر أبو ريحة...وحسان الهبيلة ... وسلمان أبو بربور ..."(7)
والقصة تستعرض ثقافة سناء الشعلان الواسعة بشكل منصهر بذكاء في القصة؛ففي العلوم ذكرت :" كروموسومات ولغة الجسد والمخنث والأعور ولألثغ "،وفي التّاريخ قالت :" المؤرخين " وفي الجغرافيا قولها كلمات :" منحنيات وانزلاقات " .كذلك استعرضت بوضوح ثقافتها الجنسيّة عبر الكثير من العبارات ذات المدلول الجنسيّ:"مثل : " شهوة وارتعاشات وتنهدات وجموح الرجال والفتنة وقبل المقبلين ومشتهين ودوار لذيذ ولحظة اجتماع رجل وامرأة واشتهيت ..."
وهذا كلّه ينمّ عن تحرّر سناء شعلان الداخلي، وعدم وجود كبت داخلي، وهي متحررة من قيود الكبت والتعصب والقيود العمياء،وهي ترصد واقع معاش بحدود الواقع والمعقول .
وعكفت الكاتبة على استحضار الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه , وهي لم تبق في برجها العاجي أو لم ترد أن تكن فيه،بل أحضرت عالمها المعاش من خلال ذكرها: "القبيلة وأولاد الجيران والحارة القديمة والمخيم والأيتام والضرائر "
ويكشف التبّصر في النّص كيف أنّ سناء شعلان تعمدت سرد بعض أسماء الشّخصيات العظيمة التي ثار أصحابها على واقعهم , وحملوا أهدافاً قضايا تهمّ مجتمعاتهم ,فهم في نظرها أشخاص غير عاديين،بل أبطال سطرهم التاريخ والواقع،ليصبحوا قدوات يُحتذى بها مثل:" علي ولمبا وجيفارا وماو وصلاح الدّين وشجرة الدّر والحلاج وجميلة بوحيرد ومصطفى كامل وعلي الزيبق ومسرور السّياف ومعروف الإسكافي وجعفر الطّيار وابن عربي وديك الجن الحمصي وفارس عودة وجان دارك وهانبيال وإليسار والمتنبي وأبا العتاهية وهوميروس والظاهر بيبرس وفراس العجلوني والشّريف الرضي و نزار قباني وعمر أبو ريشة وفيكتور هيجو " (8)
وسناء شعلان لم تذكر أسماء هؤلاء عن عبث وفوضى، بل أرادت تأكيد أنّ عشقها عميق أكيد عريق بقدر عراقتهم وموثوقيّة وجودهم.
واللافت للنّظر عودة الكاتبة إلى نفس الأسلوب واستخدامها "لي وأنا " ضمير المتكلم والملكية الذي يوحي بمشاعر نفسية واضحة لاإرادية تكمن بداخلها،وهذا التضخّم في الذات يظهر دون وعي منها،وبطريقة عفويّة :"فغدا لي – كمسلة ... أنا في ".
ويبرز التناقض المقصود فنيّاً بشكل جلي في النّص،وهو تناقض يظهر بشكل واضح عند توصيفها لطفولتها لما تحبّ وما تكره:" خيوط الشّمس أولّ من عشقت وثورة البحار وصخب المحيطات " وهذا التّناقض تجلىّ أيضاً في ربطها بين مفاهيم الطّفولة المسالمة بمفاهيم الثّورة وهو تناقض عفوي, وهذا الجموح والاستسلام عبارة تناقض في ذات المبدعة :
وكذلك نلحظ تركيز المبدعة على الأحرف " س ش ح"، وغنى النّص بهذه الأحرف؛لأنّه يخدم الذّات، فحرف السّين يملك صدى في داخله،وهمسه الدّاخلي مثل " السكون والاحتياج والشّهوة والارتعاشات ".
وقد كشف النّص عن المبالغة في التّصوير،في محاولة للمبدعة لتكثيف المعنى، وتوصيل الشّعور المطلوب للمتلقي ,وهذا ما نلمسه عندما عزمت على وصف نفسها ذلك الوصف الدقيق :"أخذت الشعر لأجعد وأخذت الجسد الضئيل وأخذت العيون الحلزونية "(9)
ونلحظ تكرار كلمة "كلّ" بشكل كبير في النّص؛ لعلّ المبدعة أرادت من ذلك بروز العموميات والكليات , فالعشق تملكه كلّ القلوب النابضة على الرغم من إسقاط ذلك على ذاتها , فنجدها ذكرت كلمة" كلّ" كثيراً في قصتها:"في كلّ ليلة احترقت... وكلّ الثائرين... وكلّ الشّعراء... وكلّ محبوبات... وكلّ الفاعلين... وكلّ عشاقي...
وهي كذلك تراوح بين الذّات/ذاتها وذات الغير، وهو إسقاط لما يجول في مكنوناتها ودواخلها في مقارنة واقعها مع واقع الآخرين .
وبُني النّص على أساس الإكثار من الجمل الاسميّة وأشباه الجمل،ويبدو ذلك منذ أوّل جملة من القصة حيث تقول:" لي نفس أمّارة بالعشق"(10)
ودأبت الكاتبة على إعلان ما هو مضمر في لا وعيها من خلال تكرار الأفعال "أخذت" هذا التكرار صممت عليه لتوحي للمتلقي على أنها حصلت على ما تريد فهي عاشقة .
وتنتقل سناء شعلان بأفعالها من الماضي إلي الحاضر ثم إلى المستقبل؛فهي حالة إثبات واستمراريّة في حالة اللاوعي, مثل :كانت وكنت وأكون ولأكون".وهي أفعال ناسخة ناقصة على الرّغم من تنقّل الأزمان،ولكن الحالة واحدة،وهي النّقصان وعدم الكمال الذّاتي رغم التّضخم المزعوم،ولكنّه في حقيقة الأمر غير مكتمل في داخلها،ولكنّه مكتمل فقط على أوراق العشق وأوراقها وخيالها.
وغلب على نصها "ياء المتكلم " وكأنها بهذا تعزز الفردانية من خلال " لي وبلحظاتي وغلبني وهزمني.. " التي تسكنها فهي تعلنها بصراحة.
ويتضح كذلك التّناص بشكل واضح في قصتها؛ ولعلّها قد استعانت الكاتبة به لتثبت قدسية هذا العشق، فهي تتمنّى من العشاق أن لا يتوبوا عمّ ما حل بهم ،وفي هذا تناص واضح مع قول الشّاعر نزار قبّاني :
ما ثبت عن عشقي ولا استغفرته ما أسخف العشاق إن هم تابوا

الهوامش:
* نفس أمّارة بالعشق من مجموعة تراتيل الماء،د.سناء شعلان،ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنيّة،الأردن،عمان،2010،121-126.
1- نفسه: 121.
2-نفسه:121-126.
3-نفسه:121.
4- نفسه:121.
5- نفسه:121.
6- نفسه:121.
7-نفسه:123-124.
8-نفسه:123.
9-نفسه:121.
10- نفسه:121.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:54 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الفزّاعة لسناء الشعلان
ياسر عطية

الإحاطة بما ينشر من القصص ليس بالأمر السّهل،بيد أنّ حالتي التربّص والترقّب لمجسات القارئ كفيلتان باقتناص"النموذج" المطلوب ذلك الوعي الذي يتوفّر على عناصر الجمال والإبداع المشروطة على النّص،مثل قصّة الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان" الفزّاعة"(1) التي كتبت بعناية ودراية تضعانها في مصاف القراءات المهمة والممتعة.ومن أبوابها السّهلة الولوج في موضوعة" أنسنة" الأشياء المحايثة للإنسان والنفخ فيها من روحه وعواطفه،بغية استثمارها والإفادة من وجودها المتراكم والملازم لوجود الإنسان،إشراكها في مشاغله ومشكلاته والبحث عن الحلول والمعالجات الناجعة لها.
إنّ الرجل الذي صنعته المرأة "صنعته بيديها الناعمتين منذ أشهر طويلة،وقد قام بعمله على أتمّ وجه يرجى،أولاً؛لأنّه فزّاعة،وثانياً؛لأنّه يحبّها"(2).صنعته واتخذت منه"فزاعة" وبقلب قشّي،ولم تصنع امرأة،وكانت تركن إليه،وتجعل"الحياة تدبّ في أوصاله الخائرة وفي قلبه الميت فتحيه،وتهبه وجيباً لا ينضب"(3)
لقد تعاطفت المرأة مع رجلها الفزّاعة كثيراً حيث لم يرق لها ثوبه القديم،فصنعت له ثوباً جديداً يليق به،فشعر" بسعادة عظمى،وهو يغرق في كساء يحمل رائحة جسدها"(4)وقبل هذا وذاك كان صوتها أوّل من حرّك الحياة في ذاته.
تبدو العبارات المارة وكأنّها فواتير ديون ومستحقات للمرأة على ذلك"الكائن" قبل أن يصير رجلاً على يديها،يحبّ ويحرص على المرأة مثلما يراقب مزرعتها،ويسهر على حمايتها،وهنا تقترب من باب أخرى من أبواب النّص،ومفتاحاً آخر،وهو الرجل الحقيقي في القصة "ذلك الوسيم الذي أقلّته دراجة هوائية قبل دقائق،كان يحمل باقة من الفلّ البلدي،قبّلها،وطوّق خصرها بيديه"(5).لكن ما لم يستطع أن يفهمه الأوّل هو التغيير الذي حدث بعد ذلك،فقد تعالى صراخهما.
من الذي ارتكب الخطأ أولاً؟أو من ظلم منهما الآخر؟ الرجل الحقيقي أم حبيبته؟ إنّ وجود الرّجل الأوّل" الفزّاعة" قد يوحي بحذرٍ المرأة التاريخي وخشيتها من خيانة الرجل الواحد،فاحتاطت لنفسها بثانٍ صنعته بيديها،وكأنّها ارتبطت به مؤقتاً،وإن لم يكن إنساناً حيّاً مثلها.
هذه المقاربة-ربما- تضع النّص ضمن قائمة ما يسمّى بـ " الأدب النسوي" وفي القصة ما يذكّرنا بقصة كتبتها- على ما أظنّ- إيناس بدران،فعمدت فيها إلى أنسنة الذّئب الذي قدم إلى نافذة بيتها في الساعات الأولى من الصّباح،واتخذت منه محوراً مهماً لتدور عليه قصتها،فأصابت نجاحاً،وأبدعت ومذاقه لدى القارئ.
ومن دون حاجة إلى أن نسقط على النّص"الفزّاعة" سيلاً من النّظريات ذوات الإيّه،كالبنيوية والتفكيكية،جاءت القصة على قصرها وكثافتها،كبيرة بضوئها وامتداداتها الفنية الباهرة،لدرجة بدأ عنوانها صغيراً ينوء بثقلها،بالرّغم من كونه محوراً سردياً اشتغلت عليه الكاتبة ونجحت في توظيفه لإنجاز نصٍ من طرازٍ ممتعٍ جداً.

الهوامش:
1- سناء شعلان:قافلة العطش،ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من أمانة عمان الكبرى،عمان،الأردن،2006،ص25-31.
2-نفسه:ص25.
3-نفسه:ص26.
4-نفسه:ص27.
5-نفسه:ص29.



توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:55 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


"في القدس لا تشرق الشمس" للدكتورة سناء الشعلان

د. شوكت درويش
قال تعالى:"لا يقاتلونكم جميعاً إلاّ في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون،كمثل الذين من قبلهم قريباً ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم "صدق الله العظيم }الحشر59: 14-15 { عالج د. سناء الشعلان في قصتها بناء جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل على أراضي الصفة الغربية المحتلة؛لتتحصّن به من رجال المقاومة؛علّها تنعم بالأمن،وأنّى لها ذلك؟
ما أحلى أن يعيش الإنسان هانئاً في أرض وطنه يستمتع بدفء شمسها،ويتفيّأ ظلال أشجارها،ويأكل من خيرات أرضها"فتشمله الشّمس-الحريّة والطمأنينة وراحة البال-كما تشمل باقي البشر- الأحرار،الذين لهم أرضهم وخيراتها- دون الخوف من رصاصة غادرة- من عدو وطنه المحتل- أو هراوة ظالمة-من رجل أمن مزعوم،ودون حصار- من عدو غاشم لايعرف،ولا يعترف بحقوق الإنسان؛صاحب الأرض- أو حظر تجوّل- قيود وسجون-حسب مزاج المحتل- أو عيون غرباء- يتفرجون من علٍ على مأساة شعب فلسطين".(1)
كان يبحث عن الحريّة،ويتمنّى على الله أن يحقّق له ولهم النصر"إجلالاً لطفولته لمسروقة،وأمنياته المؤجلة"(2) في عيش كريم-فوق أرض فلسطين" وبالتحديد حوله في مدينة القدس"(3) سحر المكان،وارتباطاته التاريخية والدينية والثقافية في نفسه،والعزم على " البحث عن أمنية ضائعة تسمّى الشّمس- الحرية له وللقدس- أجال نظرة عجلى في المكان"(4) الذي " يسكن العدو-اليهودي- والحصار- المفروض من يهود- والموت الأسود- الذي يداهمهم به العدو- والظلّ- المرعب المخيف،الذي جعل المكان(القدس) "(5) بينما المحتلّ الصهيوني يستمتع بالقدس(المكان) خاصة،وفلسطين عامة"على مرأى من الإنسانية،وقال في نفسه:في القدس لا تشرق الشمس" (6)
بعد هذه التوطئة الشائقة،كان لا بدّ وأن تشتعل المقاومة،وهنا تبرز المقاومة،مقاومة أطفال الحجارة اللاهثين كرّاً وفرّاً "كان الجنود-جنود الاحتلال الصهيوني- يطاردون بعض صبية حيّه،عرفهم جميعاً،كانوا نوارس صغيرة-أطفال- تطاردها الوحوش-جنود الاحتلال الصهيوني المدججين بمختلف أنواع الأسلحة والواقيات.
ولم يخف المقاومون الصّغار الأبطال من بطش العدو،بل كانوا يهتفون،وهو يهتف معهم: الله أكبر،خيبر،خيبر يايهود،جيش محمد سوف يعود.وهنا لفتة ذكية للقاصة باستغلال الهتاف لإبراز العلو الكبير المرة الأولى،وكيف قضى عليهم العلو الكبير المرة الثانية. وشارك أحمد أطفال حيّه في المقاومة بإمكانياتهم البسيطة البدائية،وهم يخافون الحجارة،ويذكرون قصة طالوت وجالوت،وانتصار طالوت بحجر سيدنا داوود عليه السلام" وأخذ يرشقهم ببعض الحجارة،وولّى مع الصبية نحو البعيد،اختبأ في إحدى الأزقة مع صديق له من الصّف الخامس اسمه أحمد-كثير الحمد لله- وهو يكبره بعام- جيل المقاومة المتّصل- لكنّه يعرفه جيداً،كان يصلي معه الفجر- يقول رسول -الله صلى الله عليه وسلّم- " من صلّى البردين(8) دخل الجنّة"(9)،ومن يصلي الفجر دلالة على عدم التثاقل والنشاط،وهذا ربط ذكي بين صلاة الفجر والمقاومة،فكلاهما بحاجة إلى يقظة ونشاط- في المسجد الأقصى- يقول رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم:" لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد:مسجدي هذا والمسجد الحرام،والمسجد الأقصى".(10).
واختيار المسجد الأقصى دون مساجد القدس الأخرى لارتباط ديني بالمكان،ووحدة العالم الإسلامي،وما على المسلمين فعله تجاه المسجد الأقصى. وكان يصلي ورفيقه أحمد الفجر بحضرة المعلم رفيق- له من اسمه نصيب- فهو لين الجانب" ولكن كان ذلك في الماضي-استمرارية المقاومة- قبل أن يرحل معلمهم الطيب دون عودة،وقبل أن يعلو جدار الفصل،فيغلق الدروب دون المسجد",(12)
الجدار الذي شطر المدينة شطرين،نما أسرع من نمو ( محيي الدين)،وظلّ محيي الدين يبحث عن الحرية المنتظرة الموعودة،على الرغم من وجود الجدار الذي يظنه المحتلون حامياً لهم،يبحث عن الشمس= الحرية " إكراماً لمعلمه رفيق الذي علّمه الصلاة،وهو مايزال في الصف الأوّل-استعداداً وتهيئة لمقبل الأيام-يومها قال له ولزملائه في الصّف،ودفء الإيمان يعلو قسماته السمراء:يا أبنائي الشمس عادلة تغمر الجميع بنورها- الحريّة للجميع،ولا يحجبها ظلم،محتل أو غاصب".(13)
والتحق معلمه رفيق بركب الشهداء"يومها شقّ جموع المشيعين،وحدّق في جسد معلمه المسجّى بطمأنينة"طمأنينة الشهيد الذي لاقى ربّه مؤمناً صادقاً" يسكن القرآن صوته،تفرّس في لحيته الرقيقة"(14) وعاهده على المضي في دروب المقاومة،وظلّ يتنقّل- وهو ابن عشر سنوات- وأترابه من زقاق لزقاق،ومن زاوية لأخرى مطاردين العدو الصهيوني المحتل الغاشم في ملاحقات ومطاردات أقرب إلى الخيال،وما سلاحهم سوى حجارة،وكلما سقط منهم شهيد عاهدوه على الاستمرار والصمود" ويالعجب!! رأى شمساً منيرة- شمس المقاومة،تمتدّ في أرجاء الوطن العربي- لتكتسح البريق الآثم لآليات وسلاح العدو الذي يشهر في وجوه الأطفال والنساء والشيوخ والعزّل-فالرجال يقارعون العدو سلاحاً بسلاح،وعمليات استشهادية،وعبوات ناسفة- رأى بريقاً – من الأمل بقرب النّصر- يمتدّ ليضيء المقدسات،ليمحو الجدار،وليضع حدّاً لانتظار الأمهات الفلسطينيات إشفاقاً على آهاتهن- اللواتي يلدن أبناءهن وسط المعارك والنيران والحصار،يلدنهم للموت،ليعودوا إلى الحياة مرة أخرى- رأى شمساً تمتدّ كما طائر الفينيق الذي يولد في النّار،ولا يحترق،بل يتجدّد ويتجدّد".(15)
والشهيد فضله كبير،قال الله تعالى:" ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون،فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون،يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين" صدق الله العظيم} آل عمران3: 169-171 { .وعن النبي- صلّى الله عليه وسلّم- :"ما من أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا ،وأنّ له ما على الأرض من شيء غير الشهيد،فإنّه يتمنّى أن يرجع،فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة"(16)
كم كانت لديه شهية قوية لأن يقتل أحدهم- المحتلين- الذين كانوا ينظرون إليه ولرفاقه" بلا رحمة،رآه يقترب منه ومن الأصدقاء،كان جسداً اعزل أمام دبابة مدرّعة،أطلق قدميه للريح المسممة بالغاز المسيل للدموع،ودلف سريعاً إلى الحارة القديمة،كانت دوح الإسلام،وعمر بن الخطاب- الخليفة العادل فاتح القدس- وصلاح الدين- محرّر القدس من الغزاة الصليبيين،والوليد بن عبد الملك-باني قبة الصخرة المشرفة- وسليمان القانوني- باني سورها- تسكنها".(17)
وتبرز القاصّة أعمال الصهاينة المحتلين من مثل تغيير أسماء الأماكن والشوارع،علّها بذلك تنزع من ذاكرة الشعب الفلسطيني الارتباط بالأرض وبالمكان،وأنّى لهم ذلك،فهذا طفل الحجارة الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره تلتصق ذاكرته بالمكان "ذكرى الأصالة تفترعها،ولكن الشوارع المسمّاة بالعبرية والوجوه الغريبة التي كانت تطالعه من واجهات المحلات- التي استولى عليها العدو،وطرد أصحابها الأصليين- ذكّرته بلا رحمة بذلك الاحتلال الذي تفشّى حتى في أسماء الشوارع،واغتصب المحلات القديمة التي تنتشر على طول السوق القديم المرصوف بالحجارة القديمة".(18)
هذه القيمة المكانية وصفاتها من مميزات العمارة الإسلامية،وتنتشر في معظم العواصم العربية من المغرب العربي في فاس،إلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية إلى القاهرة ودمشق...إلخ.فهل يمكن لعدو غاصب أن يستلب من الذاكرة سحر المكان وجمالياته؟
والذاكرة الحيّة تربط المكان بالمقاومة المتصلة،ولذلك تذكّر عمّه صانع التحف الخشبية،الذي قطعت رجلاه من تعذيب الصهاينة له،وكيف أقسم على صناعة الأقدام الخشبية من أشجار الزيتون الرّومية المتجدّدة في حياتنا " وأقسم على أنّه سيستخدمها ليذهب سيراً للصلاة في المسجد الأقصى بعد تحريره- التصميم والإرادة- ولكنّه مات قبل أن يبرّ بقسمه الدامي".(19). وتذكّر(محيي الدين) لهذا الحدث الدّامي،يعني حمله لأمانة تحرير الأرض مهما طال الزّمن.
وحدث آخر يعيش في ذاكرته،ألا وهو سكنى المستوطنين الطابق العلوي من بيته،واحتلالهم لغرفته وغرفة أخيه نور الدين،وماكانوا يسببون من أذى،ولاسيما عندما ألقوا مادة حارقة على ساحة دارهم،فأصابت رقبة ابنة أخته الصغيرة.
حدث آخر جعله يصرّ على المقاومة،فاحتلال الصهاينة الغزاة للحارة القديمة،مما حدا به إلى أن يخرج بعيداً من بيته باحثاً عن الشّمس( الحرية)،وكان الجدار الفاصل قبالته،توقّف قبالته،توقّف للحظات شاخصاً فيه،وكان العدو يقترب منه،وهو مصمّم على مقاومته مع ثلة من أصدقائه الذين كانوا يردفونه بالحجارة،سلاحه الوحيد "مآذن الأقصى تدعوه بآذانها العذب إلى الاقتراب،وبدا له أنّ الجدار الفاصل أحقر من أن يوقفه،وبات العدو بكلّ جبروته وآلاته وموته أضعف من أن يسحق رغبة طفولته بالاقتراب من الجدار".(20)
خطى خطوات متتابعة صوب الجدار،ركل أحد أبوابه الحديدية،سارعت طلقات العدو إلى جسده" رأى يديّ معلمه(رفيق) تمتدان إليه لتقوداه إلى طريق النّور-طريق الجنّة والخلود والجزاء- الشّمس تسطع في دنيا رفيق...أخيراً آن له أن يتمطّى قبالة عين الشّمس،سمع دبيب زغاريد أمّه يتمطّى في البعيد... والجدار لن يمنع الشمس التي لم تشرق بعد في القدس... وأسلم عينيه للنّور- إلالهي- وغاب".(21) وهو مطمئن أنّه يسلم راية المقاومة لمن بعده،وأنّ اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنيين مصداقاً لقوله تعالى:" هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنّهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرّعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ".صدق الله العظيم }الحشر:2:59 {


الهوامش:
_______________________
(1) سناء الشعلان؛مقامات الاحتراق،مجموعة قصصية؛نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي- الدوحة-قطر-ط1،2006،ص44.
(2) نفسه،ص44.
(3) نفسه،ص44.
(4) نفسه،ص44.
(5) نفسه،ص44.
(6) نفسه،ص45.
(7) نفسه،ص45.
(8) البردين تثنية برد،وهي الصبح والعصر،لوقوعهما وقت برد الهواء وطيبه،وحثّ عليهما؛لأنّهما وقت اجتماع الحفظة،ولأنّ الصبح وقت التثاقل والكسل من النّوم،والعصر وقت انهماك النّاس في طلب المعيشة،فمن جاهد نفسه ودنياه،وحافظ عليهما كان على غيرهما احفظ،ودخل الجنّة بغير عذاب،لحديث مسلم وإبي داوود:لن يلج النّار أحد صلّى قبل طلوع الشمس،وقبل غروبها.
(9) الشيخ منصور علي ناصف من علماء الأزهر الشريف؛التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول-صلى الله عليه وسلّم-هدية مجانية من جريدة صوت الأزهر،الجزء الأول،ص 128. والحديث للشيخين.
(10) لأنّه قبلة الأنبياء والأمم السالفة.
(11) التّاج،مرجع سابق،ص224،رواه الخمسة.
(12) مقامات الاحتراق،مرجع سابق،ص45.
(13) نفسه،ص46.
(14) نفسه،ص46.
(15) نفسه،ص47.
(16) التّاج؛مرجع سابق،الجزء الرابع،ص333.
(17) مقامات الاحتراق،مرجع سابق،ص47.
(18) نفسه،ص47.
(19) نفسه،ص48.
(20) نفسه،ص ص 48-49.
(21) نفسه،ص49.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:55 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


بلاغة الماء عند سناء الشعلان *

د.راشد عيسى/ الأردن

يكاد يتفق دارسة نظرية الأدب على أنّ سيكولوجيّة الإبداع تؤكّد دور الزّمن النّفسي الطّفولي في استمرار إدارة الخيال النّشط في العمل الأردنيّ.فأعلى نسبة من فضاءات التخييل إنّما تكون في مرحلة الطّفولة.والأديب الحظيظ هو من يستطيع الاحتفاظ بمخيال طفولته حتى وقت متأخّر من العمر.
واحسب أنّ أغلب سرديات سناء الشّعلام تستند إلى فانتازيا من الطّفولة الحرّة في اجتراح غرائبيتها وفضاءاتها العجائبيّة متجهة نحو اللعب الفنّي السّاخر السّاعي إلى المغزى المفتوح على الإدهاش وتنشيط الحواس.
وفي سبع لوحات أدبيّة من تراتيل الماء (1) هي( ماء السّماء،وماء الأرض،وماء البحر،وماء البحيرة،وماء النّهر،وماء الينبوع،وماء الشّلال) تأخذنا الكاتبة إلى بطولة الماء بوصفه المطهّر والمخلّص والملاذ والمعبد والمنتصر الأكبر على بذاءات الإنسان أو قبائحه أو نقائضه.ففي( ماء السّماء) ينتصر بطل القصّة على واقعه الجسدانيّ العليل بأن أنهى حياته بالشّهادة من أجل وطنه المستلب،وكان مآله الدّفن في غيمة ممطرة. وفي هذه النّهاية تحقّق الكاتبة انزياحاً فنيّاً عمّا ألفناه من توكيد في أنّ الشهيد تصعد روحه إلى السّماء،ولا يتعفّن أبداً.
ويكمن الانزياح في أنّ الشّهيد ظلّ في السّماء الأولى(في غيمة) ليستمرّ حضوره في ذاكرة الأرض،بمعنى أنّه مستمرٌّ في النّضال أو شاهدٌ مازالت عيناه على وطنه السّليب رغم فناء جسده؛فالماء قبره الأخير.
وفي (ماء الأرض) لجأت البطلة وهي بغيٌّ جسورة إلى تطهير كينونتها باللجوء إلى الكعبة المشرّفة بحثاً عن خلاص عظيم.فتخلّصت من ماء الأرض الكدِر أيّ من الدّنيا القذرة بأن غسلتْ توبتها بماء الإيمان والغفران،فانعدل ماء الأرض عن دلالته المعروفة إلى دلالة مضادة.
وفي (ماء البحر) تعتمد الكاتبة على الصّفات المحرجة في البحر من غدر وقسوة وجبروت وتقلّب وغموض أسرار،لتشير بالتكنية النّاجحة إلى مثل هذه الصّفات في البطلين العاشقين،فالمرأة جاسوسة محترفة مكلّفة بقتل شخص آخر لم تكن تعرف أنّه جاسوس أيضاً،وفي أثناء تعالقها به عشقته وعندها كان لابدّ من تنفيذ مهمّة قتله بالسّم وضعت السّمّ له ولها في الكأسين،هي شربت فماتت،وكان هو حذراً فلم يشرب.لتنبئنا القصة في النّهاية عن غرابة وجدان الإنسان وغموض أحوال العشق تماماً كمن يحبّ البحر،فيسبح فيه،فيغرق.
وتقدّم الكاتبة صورة نفسيّة تشخصيّة ناجحة لكينونة(البحيرة) قي قصة(ماء البحيرة) لتعكس هذه الصّورة التشخصيّة حال البطل الذي قدّم إليها ليشفى من مرض الجذّام العالق به.وتنتهي القصة بقتله،وفي ذلك دلالة خفيّة إلى مايمكن وصفه بأنّ الإنسان في سعيه إلى نافذة خلاصه كأنّه يرمي نفسه منها إلى الموت،فالبحيرة انصاعت لطقوس الأجواء الماطرة المزمجرة حتى فقدت سيطرتها على سيماءاتها،ولم يفعل المجذوم( البطل) غير ذلك.فنفسه تشبه أخلاق البحيرة.وفي ماء(النّهر) يلعب النّهر دوراً تاريخيّاً حاسماً في إدارة حلم البطل الذي نجا من الموت غربيّ النّهر،ولكنّه لم ينجُ من الحلم،وهو في شرقيّه،وظلّ على علاقة وجدانيّة ثابته مع حلم العودة.ولعلّ النّهاية المفتوحة على داوم البطل السّباحة والتّجديف في النّهر إشارة بارعة إلى الواقع المعيش،إذ مايزال حلم العودة قائماً،ومازال النّهر شاهداً منتصراً على حزنه ومنحازاً للحالمين.
أمّا قصة(ماء الينبوع) فأحسبها الأجمل في هذه المنظومة المائيّة من الدّلالات،فالينبوع هنا هو حلم صغير كان منصاعاً للخرافات والتّمائم والتّعاويذ وخزعبلات أهل القرية،وقد ملّ استكشافه لهذه الأوهام وأشكال الصّمت،فجدّد قوّته الكامنة وتدفّق بقوة خارقة.وأكّد لأهل القرية أنّه لم يكن ينبوعاً صغيراً نحيلاً فيما مضى،وإنّما نهر خجول كان يعيد إنتاج صمته على مهل وحذر.ثمة دلالة إنسانيّة متقدّمة في هذه اللّوحة القصصيّة الشّفافة التي استخدمت أسلوب(القناع) في السّرد ودلالة المعنى الخفّي وفي تأكيد حكمة المطر.
أمّا قصة (ماء الشّلال) فتنعكس فيها أخلاق الشّلال على نفسيّة العاشق والعاشقة،فكلاهما كالشّلال متدفّق بجمال ومصداقيّة،ولكن بخطورة وعنف لا يؤمنان،كلاهما كالشّلال مكلوم بالغدر أو بالشّك أو النّوايا المريبة.فالبطل يحبّ البطلة وينوي في الوقت نفسه الغدر بها،لكنّها أيضاً كانت كالشّلال تبدو صادقة التّدفّق،لكنّها تعرف أنّها غير مطمئنة لهذا التدفّق المريب.
في هذه اللّوحات السّبع تجتهد الشّعلان في تجديد دلالات الماء عبر مسمّياته المعروفة في البحر والنّهر والبحيرة والشّلال والينبوع والمطر،فتعكس أخلاق هذه المسّميات على أخلاق البشر،لكأنّ الماء يشبه الحياة بحلوها ومرّها وعاداتها الظّاهرة والباطنة.فالماء هو الخلاص وهو الطّريق إلى الموت في آنٍ.
غير أنّ الكاتبة وهي تنتهي اللّوحات السّبع بلوحة(ماؤهما) إنّما تأتي على مبدأ الخلق الأوّل الذي كان سببه الماء،وتأتي على المعنى الحقيقي للنّطفة التي يُخلق منها الإنسان،إذ انحاز الرّجل الحداثيّ التّقدّميّ إلى موقفه الأصليّ من الأنوثة،وهو موقف الذّكورة المسيطرة على عالم الأنثى،وذلك عندما ضمّهما فراش واحد،فكان هاجس هذا العاشق الزّوج الطّليعيّ هو إنجاب ذكر شبيهه من خلال(أنثاه) التي أحبّته في الأصل لموقفه الجميل من المرأة.هنا إذن تفضح الكاتبة أكاذيب الذّكورة عندما تدّعي أنّها تنتصر للأنوثة.يبدو جمال القصّة في أنّها تشير إلى عبارات محذوفة(Cut Words) وهي ماعلق في ذهن الذّكر(الزّوج) من اعتقادات شعبيّة في أنّ ماء الرّجل إذا غلب ماء الأنثى أنجبت ذكراً.وبذلك تشير الكاتبة بإيماء ذكي شفيق إلى النّساء بأن لايصدقّن مزاعم الرّجل تجاه المرأة؛لأنّه في النّهاية سينتصر لفطرته الأولى النّزاعة إلى هيمنة رجوليّة وفخر بذكوريّة وهبتها له فطرة الخلق.
مايميّز هذه القصص هو شفافيتها في التّلميح والومض دون التّصريح والمباشرة،واستخدامها منظومة من أخلاق الماء لتدلّل على أخلاق البشر.وهنا أؤكد أنّ الكاتبة صاغت قصصها بمخيال طفوليّ أتاح لها تهريب أفكارها وآرائها في العشق والزّواج وفي كثير من زيف الرّجل أيضاً.فالماء مختبر فضّاح اتكأت عليه الكاتبة في قول ما تؤمن به إزاء جدليّة العلاقة بين الرّجل والمرأة.نعم المرأة التي تفوز بخسارتها المحتومة أمام فكرة الرّجل( الذّكورة الخائبة).وفي الختام أنحاز بإعجابي إلى قصة اليبنوع حيث الطّبيعة تلعب دور البطولة الخالصة في تعليم البشر كيف يسعون إلى الحرّية. أجل! لقد لعبت سناء بطفولة فنيّة ماكرة على مستويات كهانة الماء لتحقيق كهانة القصّ.
____________________________
* انظر: سناء شعلان:تراتيل الماء،ط1،دار الورّاق بدعم من وزارة الثقافة الأردنية،عمان،الأردن،2010.
1-نفسه:ص11-21.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:56 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الفزاعة .. بطولة مطلقة وفنطازيا حلمية ومتعة فنية في جسد لغوي يسبح في الزمان والمكان

محسن حسين عناد
عالم القصة القصيرة عالم جميل وصعب يعيد تشكيل العالم وتفسيره وتجديد رؤيته كونه بحثاً فنياً عن معنى الوجود وسعياً حثيثاً للامساك باللحظة المتعلقة وايقاف الذكريات والصور الهاربة وتخليدها. فالقصة واسعة بفضاء مواضيعها تتوزع بين الحب والكره والحياة والموت والحرية والهجرة لانها شكل من اشكال التعبير والتغيير معاً. فالكلمة فيها صورة والصورة مشروع حياة واحلام اذا ما واكبتها ارادة الرغبة والتحقيق اللذين يفتحان للخيال نوافذ عديدة تنتج عوامل جديدة وتشيع قيماً لان مهمتها تفجير المواقف السياسية والاجتماعية والنفسية. هذه الاجواء العديدة التي امتلكتها القصة وظفتها القاصة سناء شعلان من الاردن من خلال قصتها (الفزاعة) لخلق حراك فني للواقع الحياتي على وفق رؤية فنتازية قريبة من الواقع باسلوب ابداعي وتجربة متألقة. تتمحور قصة الفزاعة حول فكرة خيالية لفتاة تعيش وحيدة في كوخ مزروع وسط حقل واسع ولكي تحافظ على حقلها من الطيور والعصافير صنعت من ملابسها القديمة والرثة فزاعة ثبتتها وسط حقل الفراولة لا يبعد مكانه عن كوخها سوى امتار قليلة. انه يعيش في اجواء منعزلة فيها الوحشة والوحدة ان ما يميز هذه الشخصية الفنتازية الامتزاج بين الخيال الواسع والخصب والواقع المعيش بكل جزئياته وابعاده ضمن منهج يوحي بالاثارة رسمته القاصة لكي تفسح للشخصية زماناً ومكاناً يخدمان الحدث برؤية شاعرية حلمية تحقق نوعاً من المغادرة للذات. وبمرور الايام كبر صوت الحياة بداخل الفزاعة كلما سمع صوت الفتاة وهي تغني في الحقل لحظتها يشعر ان قلبه ينبض وان الحياة تدب في اوصاله الخائرة فتصلبها وتحيي قلبه الميت فتهبه وجيباً لا ينضب. انه اسير صوتها العذب. لا يكلمها لعدم معرفة اسمها لكنه يراقبها ليل نهار من دون ان يشعر بكلل اوملل. هذه اللقاءات العفوية التي تجمعهما لا تشكل عند الفتاة حقيقة تمس رؤاها او تخطر لها بل هي شكل اوجدته لتستكمل به حاجة يفرضه الوضع الحياتي. لقاء لم يكن بالحسبان لكن الظروف الفنية هي التي اوجدته لتخلق شخصية خيالية امدتها القاصة بالفعل والحركة لكي تصبح بمستوى الحدث يشدها مدى واسع من التأمل والكشف والمواجهة على وفق زمن ومكان يقفز بها لعالم الواقع المملوء بالفراغ والترقب والاقتحام لحياة الآخرين لان بداخله حلماً يبحث عن تحقيقه. ارادت القاصة سناء شعلان ان تحول الفزاعة لكيان له ما للانسان من مشاعر واحاسيس وفهم. فكان تماسك هذه الشخصية ودورها منوطاً بالصدق الفني الذي اسبغته على حراكه وتصرفاته وما سيؤول اليه مستقبلاً حين تشرع القاصة بتصوير البيئة كونها عنصراً مهماً في تعميق الاحساس بالفكرة مستعينة بالسردية الفنية التي تدفع لاجواء لغوية موحية تعتمد الهمس والحوار المتدفق بغزارة العاطفة مما يخلق ذلك مادة حية سريعة الحركة تتسم فيها الكلمة بفاعلية وقدرة على التصوير والايحاء اللذين يحققان صدق انتقاء المفردة والرمز وهذا يجر عالم الخيال الواسع لشفافية الواقع لكي يرسم فضاء يسبح فيه القارئ ويتابعه- هذا العمل يكشف عن مقدرة القاصة الفنية في عدم عزل ذاتها عن ذلك الكون المملوء بالحركة والاحلام والبعد عن الابتذال ضمن مقاييس الوعي والثقافة والاسلوب الفني فضلا عن الوجدان الذي يستوعب الحياة بموضوعية وشاعرية واضحة. لقد انعكست التحضيرات التي اعدتها الفتاة في كوخها للشاب الوسيم غرابة وغيرة الفزاعة مما جعله يترقب هذا الحراك الغريب. انه يأمل ايضا القرب منها عندما سمع صوتها الشجي المصاحب للبيانو. فكان مع صوتها يذوب في مسك كلماتها. فادرك ان اوتار قلبه ولاول مرة تعرف معنى الحزن والغيرة عندما رأى شاباً يشاركها العزف والغناء. ذلك لم يمنعه من ان يكون سعيداً لاجلها. يتمنى ان يغادر مكانه ليكون اكثر قرباً منها. لكنه لا يستطيع لانه مصنوع من القش والخشب. هذا الحراك الفني يسجل للقاصة لانها لم تقف متأملة لما يحيطها فقط انما تتفاعل برؤية وحيوية تصعد الثيمة كون القصة جنساً ادبياً وجسراً لغوياً يسبح في زمن ومكان محدودين يخلقان متعة التخيل الشبيهة بحلم اليقظة الذي يخلق تفاعل التجربة مع اعماق الذات لاضاءة لغة قصصية مستلة من الواقع الحياتي. فالفزاعة تحقيق لذات ضمن عالم الخيال وهو تلوين قصدته القاصة من اجل ايجاد رؤى وتصورات تقرب ما تصبو اليه. فالحيرة التي وقعت فيها هذه الشخصية وهي ترى الفتاة مع رجل غريب لم تألفه ولم تره سابقاً مما كون بداخلها اسئلة طوقها حصار زمني خال من المستقبل. فكان للقلق والتلهف اثر في تصرفها وسلوكها الذي دفعها للتمرد والتحرك وهذا لا يعني انعكاساً لخبث مشاعرها بل نتيجة الظرف الذي تعيشه وسط حالة الترقب الذي شاهدته في الكوخ مما اعطى للحدث امكانية تقريب الحاضر من الماضي وابعاد المستقبل لان المستقبل يحتاج الى قيم وافكار بعيدة عن هوس الماضي مما خلق مساحة كبيرة من التأملات التي اعانت الشخصية على الحراك. لكن ما لم يستطع الفزاعة فهمه هو التغير المفاجئ الذي حل بينهما أي بين الفتاة والشاب الوسيم. لقد تعالى صراخهما فظن ان ناراً تشتعل بينهما. هذا الحزن الذي خوفه والذي لم يستطع الفرار منه جعله يترجل من مكانه لم يقرع الباب فتحه ودخل عليها في الكوخ. هذه الفنتازية الجميلة والمعبرة نظمتها القاصة بشكل جميل وهادف فيها نبضات الحياة وتدفق الامل وهي حصيلة ذكية لمقدرة ادبية متميزة قربت للقارئ حقيقة ودور الفن القصصي في أيلاء وتحضير المجالات الحياتية التي يمكن ان توضح الهدف المدني بنت من خلاله علاقات انسانية ضمن رؤية فنتطازية رائعة. لقد كان الاحساس بالزمن في القصة يتنفس من اولها الى اخرها قد يكون أحساساً بتاريخ محدد لفترة معينة او يكون زمناً اجتماعياً او انسانياً عاماً وهذا يقرره احساس القاصة المتصل بالعمل. ان المعاناة الفردية للفزاعة جسد شخصية برزت من بقايا ملابس رثة ومن قدمين خشبيتين لا اذنين لها وقلبها من قش وجسدها مصلوب ليل نهار لكنها وعلى مدار القصة حصلت على البطولة المطلقة التي استمدتها من ديناميكية الحدث ونضجه لذلك لم نلمس مبالغة او استطراداً يسيء للبناء الفني بل كانت شخصية ممثلة لمستوى رفيع من الواقعية المتزنة ضمن اعتبارات تحرك النسغ وتأخذه للامتلاك وهذا يعد تخطياً للفترة السابقة وتأكيداً لذاته بان للحب سحراً وقوة في اخضاع وتشذيب ما علق بالروح من شيء. اذ البحث عن الثراء الروحي غاية حركت الفزاعة وجعلتها تفتش عن جديد فيه ديناميكية فنتازية ذات واقعية تعبر مساحتها بحذر ساعية لاثبات وجودها المادي ضمن علاقات صعبة وغريبة لان هذه الشخصية الغريبة لا يمكن ان تحتفظ بنفسها لفترة لانها تجهل ما يخبئه الزمن لها. اذ الغموض الذي اكتنف هيكلية الفزاعة قصدته سناء شعلان لتجعله سريع الاستجابة والتعبير عن الافعال والمردودات ضمن تجربة اعطت معنى وحدثاً كان في المحك الحقيقي لجوهر الشيء. فكان دور الفزاعة لا يقل حجماً وقدرة من اية شخصية اخرى في تحديد المسار وتفعيل الحراك لانه صار متمماً لصورة لا يمكن اغفالها او الانتقاص منها لانها مثلت الجزء المهم من ثيمة القصة.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:00 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

النزعة الإحيائية في قصص سناء شعلان


د. عبد المالك أشهبون
)المغرب(
على سبيل التقديم:
عادة ما ينصب اهتمام المبدعين على موضوع واحد رئيسٍ، فيما تأتي أعمالهم اللاحقة، استئنافاً مكملا، وتنويعاً على الموضوع المهيمن على تفكير المبدع. وربما تبدو هذه الرؤية الفنية متحققة إلى حد كبير في المجموعتين القصصيتين للقاصة الأردنية سناء شعلان التي جعلت من موضوع الحب، بمختلف تجلياته، وتمظهراته، وتمثلاته، العمود الفقري في مجموع قصصها، واعتبرته منجم الجمال الخالص الذي تغرف منه باستمرار...غير أن أهم ما يستوقفنا في هذا السياق المخصوص، ليس موضوع الحب في حد ذاته، وهو موضوع قديم/حديث، بل الأسلوب الفني المنزاح في تقديم هذه المادة الحكائية، وهنا مكمن الطرافة والتفرد والتميز في الطرح.
وإذا تأملنا هذا الأسلوب بإمعان دقيق، نجده يتحقق من خلال طريقتين أساسيتين هما: إضفاء الحياة على ما أصله جماد من جهة، وبعث شخصيات قصصية من الماضي، و"أسطرتها" من جهة ثانية...وهذا ما أدى إلى تبلور نزعة إحيائية مقصودة وبارزة في مجمل قصصها، عمادها الإسناد المجازي الذي يتم بموجبه إنزال الجماد منزلة الكائن الحي، والشجر والحجر والأشياء منزلة البشر. هذا الأسلوب الفني، أعطى للكاتبة أجنحة لاختراق مجاهل النفس، واستبار أغوارها، وبعث الحياة في موجودات الحياة: أحيائها وأمواتها وجماداتها. فحلقت بشخصياتها بعيداً عن عوالم الواقع الضيق الأفق، مستعيدة بذلك صخب كل ما يعتمل في الحياة سواء ما كان خفياً منه أو منزوياً، ببصيرة نافذة أضافت إلى تكوينات أحداث قصصها أبعادا جديدة لا تخطئها العين...
ومن منطلق هذه الرؤية الفنية المنزاحة عما هو مألوف، جاءت بعض شخصيات قصصها لتأخذ هيئات وأشكالاً وصوراً مختلفة ومفارقة، يتمازج فيها الخارق باليومي، الواقعي بالمتخيل، الأسطوري بالمعاصر...وكل هذه الثنائيات المتقابلة، توفقت القاصة لدى صهرها في نسيج النص القصصي، وفق وعي جمالي جديد، وهذا الصنيع الفني يشكّل، في رأينا، قيمة جمالية مضافة إلى ما هو موجود.
هذا التصور القصصي، من منظور الكاتبة، يوجَّه ـ بشكل مرسوم ومخطط له ـ في اتجاه تجريب أساليب إبداعية مغايرة، تستهدف ـ في الجوهر ـ إحداث رجات صادمة في مفهوم الكتابة القصصية من جهة، وطبيعة التلقي المألوف من جهة أخرى؛ فمنها ما يمَسُّ يقينيات الكتابة القصصية التقليدية العربية بصفة عامة، ومنها ما يطول خلخلة العلاقة التواصلية مع نموذج القارئ الذي استمرأ قصص التسلية والترفيه، في الوقت ذاته تشكل مثيرات محمسةً، ومشيرات محفزة للقارئ المتفاعل مع تلك القصص، من خلال دعوته للاحتفاء بها من منظور القراءة العاشقة، والتلقي التفاعلي الخلاق...

سناء شعلان
1 ـ «أَنْسَنَة» الشخصيات القصصية:
توظف القاصة أسلوب «الأَنْسَنَة» بتقنية عالية، وبكثير من التفنن والدراية والتمكن. ومعلوم أن هذا الأسلوب الأدبي يعمل على تنشيط مخيلة القاص، كما يعمل، كذلك، على توسيع آفاق القارئ على التوقع والتصور والإدراك. فـ«الأَنْسَنَة» ـ من منظور سناء شعلان ـ مرت عبر تاريخ توظيفها الطويل في الأدب الإنساني بتنوع غاياتها وأسبابها، وتطويعها أدواتٍ وفق الرؤية الفنية والإنسانية والفكرية.
وبخصوص جنوح الكاتبة إلى استثمار وتوظيف الأنسنة؛ فإنّما هو شكل من أشكال تعميم المأزق الإنساني المأزوم، وإشراك الجمادات فيه، وإزاحة المشاعر الإنسانية المحكومة والمرهونة بالتابوات، والرازحة تحت الخوف والقلق والاستلاب إلى الجمادات؛ لتشارك الإنسان بأزمته، وتحمل بعضاً من أعباء حياته، وتقول ما لم يستطع أن يقول، وتندّد بما أجبر على أن يرضخ له مغلوباً مقهوراً. كما أن هذا التوظيف الفني للأنسنة هو من جهة أخرى صورة للاستلاب الذي غدا قانون الحياة اليومية الحاضرة، فكما تستلب الحياة الإنسان المعاصر إرادته وأحلامه وأمانيه، كذلك تسلب الحياة قانون طبيعة الجمادات وصمتها وجمودها, وتدخلها في دائرة الصراع والألم والعذاب.
هكذا يجد القارئ المتفحص لقصص سناء شعلان، أمثلة كثيرة، تتمظهر فيها ملامح «أَنْسَنَة» الشخصيات...وذلك حينما تعمد إلى بث الروح في ما هو مادي جامد، وتجسيده في مشاهد حية نابضة بالحياة، لكي نلفي أنفسنا أمام جمادات تتحرك وتحس، تنفعل وتتفاعل، تتألم وتفرح، تكره وتحب، مع حرص الكاتبة الدؤوب على أعلى نسبة من التماسك الظاهري في بنية القصة من بدايتها إلى نهايتها...
ففي قصتها "امرأة استثنائية" نجد نموذج المرأة الموهوبة، القادرة على أن تحرر المأسورين من أسرهم، وأن تبعث الحياة في القلوب الميتة، وأن ترسم الارتعاش على الشفاه الميتة...فبموهبتها الخارقة، تجعل التمثال الصخري الذي يرقد وسط المدينة القديمة منذ سنوات عديدة، يتحول في لحظات إلى شاب وسيم من لحم ودم!...له كل مواصفات العاشق الولهان، واصفة إياه بهذا الوصف الرومانسي البديع: «انحنى التمثال الحي عند قدميها كمن يركع، وتناول جسدها الصغير بين يديه، ودار بها سعادة، وأخذ بتقبيلها»...وبعد لحظات حب استثنائية «عاد الرجل التمثال إلى حياته الصخرية، ودعته بحزن، كانت تعرف طقوس الألم تماماً؛ لأنها اعتادتها، للدقة لم تعتد غيرها، ومن جديد عادت إلى الوحدة»( )...
بهذا الإجراء الفني، تسعى القاصة إلى عدم تفريغ مضمون القصة من كثافتها التخييلية التي تعتبر نقطة قوتها بامتياز، بالنظر إلى ما هو مألوف من قصص العشق والغرام في أدبنا العربي، مما يجعل من تلك القصص المنزاحة قابلة للقراءة، وإعادة القراءة، وتجديد التأويل في كثير من الوقائع التي تحتاج إلى طاقة ذهنية مؤولة، أكثر من حاجتها إلى ذات قارئة قراءة محلقة ومستهلكة.
وسيراً على هذا المنوال، تتسع مساحات التشخيص في قصص سناء شعلان، لتشمل الشجر الذي غدا يمتلك قامة وقداً من جهة، وحركة وحياة من جهة أخرى، وهذا ما تجليه لنا بوضوح قصة "حكاية شجرة" التي عمدت القاصة فيها إلى المزاوجة ـ في أحيان كثيرة ـ بين التشخيص الذي يحاكي أجساما آدمية، وبين التجريد الذي يقوم على توظيف عناصر وأشكال وعلامات ترمز إلى الذكورة والأنوثة...وخلال سرد الوقائع والأحداث يتم الإيحاء إلى مجموعة من الممارسات والعادات والسلوكات البشرية التي تتصف بها الشجرة؛ لأن الأشجار ـ من منظور القاصة ـ مثل البشر، تملك هي الأخرى حكايات وسيرا وملاحم وآمالا وانكسارات ولم لا حياة عاطفية، فهي تحافظ على عشقها، وتخلص لمحبوبها مهما كان الثمن...
فلمدة سنين والشجرة المسكينة تعاني من الوحدة والغربة والعقم، إلى أن تحركت بذرتها الأم، واحتضنت شجرة أخرى، لتدفعها من رحمها باتجاه السماء؛ فكان المولود شجرة أنثى. حيث بدت هذه الشجرة طامحة كقارب صغير، أوراقها الصغيرة مثل نجمات في السماء، أغصانها الغضة الرقيقة أحيت القلب الأخضر الذي حصل على شجرته التوأم بفارق زمني جبار. وببزوغ شجرته التوأم إلى الحياة وتبرعمها وترعرعها، نسيت الشجرة الأولى كل شكوكها وتساؤلاتها، وذهبت بمجيئها كل أحزانها...
هكذا تخلَّقَتْ بين الشجرتين حكاية حب قوية، تذكرنا بقصص الحب المأثورة بين بني البشر. فقد كان احتفاء الشجرة/الذكر بوجود شريك لها، احتفاء ما له مثيل، بحيث ينزاح بأغصانه يسرة أو يمنة ليسمح للنسيم بمداعبة أوراق شريكته ووليفته، ينحني على قمتها، فيطوقها بأغصانه كما يطوق العاشق الولهان حبيبته؛ ليمنع أشعة الشمس من إذبال أوراقها... هكذا يستيقظ مع الجسد الواحد جسد آخر مشترك، يتناسل من صلبه، وتصحو معه الرقة والنعومة والإحساس بالآخر الشريك...
وككل نهايات قصص العشق والغرام؛ كانت نهاية قصة الشجرة التوأم مأساوية بكل المقاييس. فشكلهما الشاذ دون أشجار الغابة، أغرى النجار ببترهما بمنشاره الكهربائي، فصلهما دون رحمة عن الجذع، فهويا على الأرض.

وفي اعتقادنا الشخصي، أن هذا التصور لقضية الخلق في العالم النباتي، من منظور سناء شعلان، ليست له دلالة مجازية فحسب، بل هو هوية جوهرية في العديد من قصصها. ذلك أن القاصة تمتح هذه الرؤية من تصورين أساسين، تحيل عليهما بطريقة غير مباشرة:
ـ التصور السائد قبل الإسلام: كان الاعتقاد السائد قبل الإسلام أن المرأة «خُلقت من بعض أعضاء الرجل. فقد خلقت الشجرة/الأنثى من جذع الشجرة/الذكر بعد طول انتظار. وكما ورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين في العهد القديم: "فأوقع الربُّ سباتاً على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإلهُ الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم"»( ).
ـ التصور البدائي لرؤية الإنسان إلى المحيط حوله: وهنا تذكرنا هذه الشجرة «المُؤَنْسَنة» بقصة الشيخ المسن الذي انتفض في وجه الدركي، والذي جاء يبحث عن طفل كي يجبره على القيام ببعض الأعمال الصعبة، كان يفرضها البيض على سكان القبائل قائلاً: «أنظر لهذا الذراع، إنها من الماء». فالطفل في ظل هذا التصور البدائي يكون شبيها ببرعم الشجرة؛ يكون مائيا في البداية ثم يخشوشب، ويصبح صلبا مع الزمن»( ).
ففي بعض الحضارات، تستخدم الفظة الدالة على جسم الإنسان كي تشير إلى كل ما هو مادي ومعنوي، معقول ولامعقول، مرئي وخفي، عليه يغدو الحجر والشجر، وهنا لا يصبح للجسد نهاية. فلا حدود بين عوالم الأحياء والأموات؛ إذ إن الجسد لا ينتهي والمادة لا تفنى ولا تستحدث حتى قبل أن يقول العلم بها بطريقته الخاصة، والموت ليس شكلا للعدم بل حالة التحول والوجود الآخر، والمتوفي يمكن أن يحل في حيوان أو شجرة أو قطرة ماء أو إنسان آخر، ويمكن أن يعود إلى القرية أو المدينة بعد موته ويختلط بالأحياء والإنسان، لا يوجد من خلال حياته إلا من خلال علاقاته بالآخرين، وهو يستمد عمقه وقوته وقوامه إلا من مجموع صلاته بالآخرين.
فالكاتبة هنا تجد أكثر من مبرر لإدراكها الفني هذا، وذلك من خلال بعث الحياة في الشجرة، تماماً كما يستشعر الفلاح روح تلك الشجرة الحية في بذرة دفنها تحت التربة، لينتظر بعد ذلك لحظات الإخصاب والانفلاق، والتبرعم.
ولقد تسلل أسلوب «الأنسنة» عند القاصة إلى باقي قصصها، ليطول هذه المرة الأدوات والأشياء التي يستعملها الإنسان في حياته الخاصة والعامة...وهذا ما تفصح عنه قصة: "الفزاعة" التي صنعتها فتاة المزرعة من ملابس رثة، وقبعة قديمة، بقدمين خشبيتين، وجسده مصلوب؛ صنعته منذ أشهر طويلة وزرعته في هذا المكان من حقل الفراولة كي يفزع الطيور، ويمنعها من مداهمة الحقل وأكل الثمار، فإذا بهذا الكائن الخشبي يبدي الكثير من الرقة والعواطف الجياشة تجاه من صنعته.
ومن الجلي، أن قوة الأسلوب القصصي هنا يكمن في أن لا تكون تلك الفزاعة جماداً فحسب، بل موجودا من الموجودات المنغمسة في انتمائها إلى عالم الطبيعة الحية لا الميتة كما يعتقد عامة الناس. حيث يتم تركيب هذه القصة العجيبة في حبكة حكائية لها بداية كما لها نهاية؛ تبتدئ بصنع الفتاة الفلاحة فزاعة لإخافة الطيور من العبث بمحصول الفراولة الحمراء كعادة الفلاحين في كل بقاع المعمور. إلا أن المفارق للواقع، هو أن تبعث الحياة في الفزاعة لتتحول إلى ما يشبه كائنا بشريا، لا يخفي مظاهر إعجابه بالفتاة الفلاحة، إلى درجة الوقوع في شرك حبها إلى حد الوله. فكلما اقتربت الفلاحة من الفزاعة أبدت هذه الأخيرة الكثير من مظاهر الفرح والانبساط، وكلما نأت عنها ازداد شوقها لرؤيتها، أما إذا بكت الفتاة لمكروه أصابها، فذلك يولد لدى الفزاعة الكثير من الكآبة والحزن الشديدين، تعاطفا معها...
هكذا كان حال الفزاعة إلى حين حلول ضيف عزيز على فتاة في المزرعة. وهنا وقع المنعطف الكبير في قصة وسيرة هذا الحب الغريب والعجيب، حتى وإن كان حباً من طرف واحد...فبترقب شديد، وبانتظار ملؤه الغيرة الحرَّى، راحت الفزاعة تراقب أجواء علاقة الفتاة مع ضيفها الغريب، وهما يقضيان أمسية رومانسية جميلة هادئة...لكن الذي لم يفهم في نهاية هذا اللقاء، هو التغير الذي حدث بعد ذلك. حيث تعالى صراخهما، وبدا أن ناراً تشتعل بينهما، ثم غادر الضيف المكان غاضباً، وصك الباب بقوة كادت أن تخلعه، وارتمت حبيبته على أريكة قريبة من الباب، وأجهشت في البكاء...
وسط هذه الأجواء الملتبسة والملتهبة، قدّرت الفزاعة أن الفلاحة حزينة جدا، وفي الحاجة إلى قلب يحبها بشدة، لقلبه مثلاً، «كاد أن يناديها من مكانه ليسألها عن سبب حزنها، ولكنه تذكر انه لا يعرف اسمها، فهو لم يسمع أحداً يناديها باسمها من قبل، فكر قليلاً، ثم استجاب إلى وجيب قلبه، ترجل عن مكانه، وقطع الحقل الصغير، داس دون أن يقصد بعض حبات الفرولة الحمراء، لم يقرع الباب، فتحه دون انتظار، ودخل إلى الكوخ...» ( ).
وعلى إيقاع هذه الوقائع الميلودرامية، تنتهي القصة نهاية مفتوحة، لا علاقة لها بالنهايات الغرامية المألوفة في قصص العشاق والمغرمين؛ نهاية تفتح أكثر من أفق انتظار، وتحفز على أكثر من تأويل عن مصير علاقة عجيبة وغريبة، بين فزاعة/ جماد وفتاة المزرعة من لحم ودم وشعور...
وعلى غرار القصص السابقة، تمتد تقنية "الأنسنة" هذه لتشمل حتى اللباس) البنطال( الذي عادة ما يوصف بأنه الجلد الثاني للإنسان. فمن خلال عنوان القصة: "الجسد"، تركز القاصة اهتمامها هذه المرة حول موضوع «الجسد» في امتدادته الوجدانية والعاطفية، بكل ما يحمله هذا الجسد الموصوف من دلالات وتأويلات لا نهاية لها.
وإن كان جسد الإنسان هو مكان الانطلاقة الأولى للأمل والحياة والتفاؤل والتمكن والسيطرة والتقدم والمجاوزة والانتصار على كل مظاهر النقص والقصور، وإن كان، كذلك، مكان الانفعالات والأحلام والغرائز، وحالات الفرح والحزن والشيخوخة والموت؛ فإنه ـ لا محالة ـ سيغدو مع مر الوقت «مكان الخيال والتفكير والمنطق والتصورات والإبداع والفرح النهائي بالآخر الذي انفصل عنه والذي يحن إليه دائماً»( ).
وهذا ما دفع المجتمعات عامة، والمجتمع الاستهلاكي الغربي خاصة إلى إيلاء أهمية قصوى لفنون صناعة الجسد. حيث أصبح الحديث عن صناعة النجوم في السينما والمسرح والرياضة والغناء والموسيقى والتلفيزيون والحياة السياسية بشكل عام، إحدى الهموم الأساسية للإنسان المعاصر، وفي كل هذه الحالات، هناك تأكيد خاص على جماليات الجسد الجميل القوي المكتمل الخاص، ولو أنه ذلك الجسد الافتراضي البعيد والمنعزل والمنفصل الذي ينظر إليه الرائي من بعيد.
غير أن نموذج الأجساد الموصوفة في قصة سناء شعلان لا تشبه أجساد النجوم والمسرح والرياضة...إنها أجساد ملقاة على أرصفة العرض المزدراة: «أجساد متناثرة عليها بلا نظام، أجساد ملونة، أجساد موشومة، أجساد مشعوعرة، أخرى حلساء، أجساد بكل الأحجام (…)، وبعضها معيب بحرق، أو كسر أو خلع؛ لذا يعلن عن تخفيضات إضافية عليه»( ). إنها في النهاية، أجساد متعرقة، تكاد تتقدد من الحر، لا تغري أبدا الناظر بالنظر إليها، بقدر ما تثير الشفقة...
وعنصر المجاز هنا صريح وواضح، فالبنطال الأثير لدى صاحبه يحمل العديد من الذكريات. فهو بنطال خاض معارك غرامية تلو الأخرى، وعاد مهزوما المرة إثر المرة، ورضي كما يقولون بالإياب غنيمة، ومع ذلك ظل عاشقا للغة الأجساد التي أرهقته وأضنته، وما استطاع للغزها فكاً، ولا لعمقها سبراً، «فمنذ أن أحب [البنطال] ذلك الجسد الذي هجره شعر بأن جنباته قد تفتقت، وأن لونه قد أصبح كالحاً، أزراره تدلت، ولم تعد مشدودة موثقة في مكانها كما كانت، عروته العليا اهترأت، وخصره بات متهدلاً مرتخياً، ونسي تماماً الشموخ، وبات يعيش على ذكرى ذلك الخصر الأهيف الذي طالما خاصره بكبرياء وإثارة»( )..
إنه بنطال آثر أن يعيش على ذكرى الجسد الذي أحبه، يومها أقسم على أنه لن يعشق أي جسد، ولن يعطف على أي عار، وسيحبس نفسه وفضوله على نفسه ولا غير، ولكن روحه تتوسل إليه في سبيل الحصول على جسد، تبحث عن وعاء يحتويها، وهنا تتجلى أبرز مظاهر الصراع الداخلي الذي يعيشه البنطال بين مقاومة الجانب الجنسي المنحط فيه وبين تثبيت وترسيخ البعد الرومانسي المتعالي.
والملفت للنظر في هذه القصة، هو أن سناء شعلان ستعمد إلى تصوير البنطال في أوضاع قريبة جدا من أوضاع الإنسان العاشق. فهو بنطال يحدث نفسه، يتذكر الزمن الجميل، يئن تحت وطأة مواجع الحاضر، يتقلب شوقا إلى الجسد المشتهى، ويحن إلى الغائب الذي هجر. هكذا نلفي أنفسنا أمام بنطال يمتلك إحساساً عارماً، ورؤية جمالية، ولمسات فنية تميزه، حتى لنخاله كائنا إنسانيا حياً: يشعر ويحس، ويتمنى ويقارن...
ومن أنسنة الحجر إلى أنسنة الشجر، ومنها إلى أنسنة الأدوات)"الفزاعة"(، وهذه المرة ستبث الكاتبة الروح في"المانكان". ففي قصة)"عالم البلورات الزجاجية"( الطريفة، تحكي القاصة سيرة شخصية عطا التي أُجهِضت كل أحلامه وآماله في أن يدخل كلية الطب، نظرا لحالة الفقر والبؤس والفاقة التي يعيشها، وعوضا من أن يكون طبيبا أصبح فتى الفرن الذي ينقل الخبز إلى عالم وبيوت الأغنياء على دراجته الهوائية...
يصادف عطا موعد افتتاح متجر فخم في حي الأغنياء، ويبهر عطا بالمرأة البلاستيكية أيما انبهار. وبما أنه كان جد مهووس بالبلورات الزجاجية، فقد وجد ضالته في تلك المرأة التي يتأملها خلف الزجاج بكثير من العشق الخفي الملتاع. تتوطد بينهما عرى المحبة، ويتواصلان عن بعد بلغة العيون، ويتوق كل واحد منهما إلى معانقة الآخر، ليظل السؤال/الإشكال هو كالتالي: من منهما سيغادر عالمه ليلتحق بالآخر؟ وبما أن عطا كان أشد حماسة وانجذابا إلى المرأة البلاستيكية، فقد كان أكثر اندفاعا وجرأة وتهوراً. فلم يكن من سبيل أمام عطا، للارتماء في أحضان عشيقته، إلا اختراق واجهة المتجر الزجاجية في موقف بطولي مأساوي مجنون، يلقى بعدها عطا مصرعه من جراء هذا الفعل الجنوني الذي أقدم عليه، ليغدو موته حدثا مؤسفا لدى كل من عرف قصة حبه الغريبة والعجيبة مع المرأة البلاستيكية.
كما أن قصة "زاجر المطر"، تتماهى إلى حد كبير مع قصة عطا في "الكابوس"... حيث تنتخب القاصة شخصية عجيبة، كذلك، وسمتها بـ"زاجر المطر". فقد اعتاد هذا الشخص أن يراقب المانكان على باب المتجر كلما مر أمامها صباحا أو مساء في نوبات عمله... يركن الرجل دراجته بالقرب من المتجر ثم يجلس في مقعد خشبي مواجها تماما للواجهة التي تنتصب فيها المرأة البلاستيكية محدقة في البعيد...يحدثها عن كل شيء: عن فقره وعجزه وموهبته الخارقة في زجر الأمطار، وتحدثه من جهتها عن عالمها البلاستيكي، تسر له بأحلامها وأمنياتها؛ فتحنو عليه، يتمناها فتحلم به، يحبه ويحبها...وأمنياتهما في تنفيذ قرار زواجهما مهما كان الثمن. فقد كان العاشق الولهان يرسل إلى حبيبته باقة زهور، لكن عمال المتجر يرفضون إيصالها إليها، ويتهمونه بالخبل والجنون، «فأنى لرجل أن يعشق امرأة تمثالا؟ !»( )...
ومن المظاهر البارزة لحضور النزعة الإحيائية في هذا النص القصصي، حين تتحرك المرأة التمثال، وتخطو إلى الأمام، حيث ألصقت فمها بالواجهة الزجاجية، وطبعت للرجل العاشق قبلة على الحائط الزجاجي الذي يفصلهما...وتواعدا على أن يتزوجا، وأن يهبها مهرا لم تحصل عليه امرأة من قبل، سيهديها مطراً سيهطل مدراراً...
في المساء، كانت المدينة غارقة في أمطار غير متوقعة اجتاحتها في غير موسمها، وأفسدت كل شيء، ومنعت الجميع إلا قلة من حضور جنازة زاجر المطر الذي مات إثر حالة جنون مفاجئة، دفعته وفق تقرير الطبيب الشرعي إلى اختراق جدار زجاج المتجر، كما كان حال عطا في نهاية قصة "عالم البلورات الزجاجية".
وفي قصتها المشوقة :"آنسة قطة"، تتابع القاصة مشروعها الفني، وذلك من خلال اختلاق مواقف طريفة تجد شخصيات القصة نفسها فيها. فقد تعودت الموظفة )بطلة القصة( كل مساء، مشاهدة مسلسلها التليفزيوني المفضل الذي اعتادت أن تشاهده منذ أن كانت طفلة، لكن منذ أن كبرت، ومنذ أن توقف عرض حلقات مسلسلها، عمدت إلى شراء حلقاته الكرتونية كاملة، واعتادت أن تشاهدها حلقة إثر حلقة، حتى أصبحت تحفظ حلقات المسلسل الكرتوني عن ظهر قلب...
فقد دأبت أن تتابع بطل مسلسلها الوسيم الشهم الذي يشق أيام حياته، ويضني نفسه في مساعدة الآخرين، وفي ملاحقة الشرير الذي خطف حبيبته التي لم تعرض صورتها ولو مرة واحدة في كل حلقات المسلسل؛ والذي كان ينتهي دائما نهاية مأساوية تفطر قلبها. فبطلها الوسيم ينتهي صريعا أمام البرج الذي تسكنه حبيبته دون أن يراها، لتستغرق في بكائية حزينة اعتادتها، وكادت تدمنها.
كبرت هذه الفتاة/الموظفة، وتحققت معظم أحلامها إلا الحب، فقد كانت تعسة متعثرة فيه، فكلما أحبت رجلا زهد بها، ولم يحبها، وكلما أحبها رجل زهدت به ولم تحبه، وبذلك عرفت الحب العديد من المرات، ولم تجد الحبيب، وبقيت تحلم بالفتى الذي يتقن فنون الحب والفروسية.
في هذه الليلة الاستثنائية، ستشاهد المرأة الحلقة الأخيرة من مسلسلها المفضل. كم تشعر بالتوتر من النهاية المأساوية لبطلها الوسيم والشهم. لكن بطل حلقاتها الكرتونية هذه المرة «مزيج من رجل وسيم وقط أشهل، له وجه وقامة رجل، وعينا وأذنا قط، وذيل مشعوعر كثيف يطوح في الهواء»( )...
وهنا يتدخل خيال القاصة التي ستشخص بطل مسلسلها الكرتوني "نيمو الشجاع"، وهو يخوض علاقة غرامية مع المرأة المعجبة به حد الوله، يُجْرح نيمو الشجاع، وتتصور الموظفة المسكينة نفسها تلعق جرحه ويبرأ، ويتخلص بطل مسلسلها من براثن تلك النهاية المأساوية التي كانت تنتظره لولا تدخلها في أطوار المسلسل، وتخيلها قصة موازية على هامش القصة الأصل، وهنا يخاطبها قائلاً:«أنت من وهبتني الحياة من جديد...أنت قوتي السحرية»، وتجيبه «وأنا أحبك...أحبك..احبك...»...
هكذا ينتهي شريط الفيديو، حيث يبتلع السواد البطل، وتختفي كل الألوان، وتشعر الموظفة أنها تهوي من عل في سديم أسود، ثم تستيقظ في حالة هلع قصوى، بعد أن تحطمت كل أحلامها على صخرة الواقع الممانع لكل رغباتها الدفينة في الحب والعشق والغرام...
تفضي بنا هذه المعطيات النصية السابقة، إلى أن الرؤية التشخيصية والتجسيدية في قصص سناء شعلان( )امتزجت بالبعد الفلسفي الذي حضر جنباً إلى جنب مع البعد الجمالي أو الفني، وهذا ما جعل القاصة، بحق، تخلق لنا عشاقا من عينة مفارقة للواقع: التمثال العاشق، أو امرأة العرض البلاستيكية(المانكان)، أو الفزاعة العاشقة، البطل الكارتوني... كل هذه الشخصيات المتخيلة والمختلقة غدت تنطق بعبارات الجمال في رشاقة واتزان، برؤية فكرية ناضجة تنم عن المحمول الثقافي الذي تختزله بين طياتها، وفي سياق قصصي تغلب عليه عناصر التخييل المفارقة للواقع.
فعلى الرغم من طبيعة تلك الشخصيات الجامدة، غير أن خيال القاصة الجامح ساعدها على خلق علاقات شبه إنسانية ما بين هذه الخامات الصعبة التطويع، فطوعتها وطاوعتها، وسلمت لها مكامن القوة والضعف، الجمال والبشاعة، الحب والكره، وهذا هو الرهان الفني الصعب الذي راهنت القاصة على تحقيقه وهي تستثمر هذا الأسلوب الفني المتميز.
وهذا ما تؤكده القاصة حين تصرح، في معرض حديثها عن رهانات هذا الأسلوب القصصي من منظورها، قائلة: «أنا أراهن على استفزاز الإدراكات، والتنديد بصمتها من وراء هذا التوظيف، الذي يعير الجمادات مواقفنا وأحاسيسنا وغضبنا الإنساني، ويسمح لها بالتعبير عنها بكلّ صراحة وصدق يجرح صمتنا المتخاذل، ويعرّي استلابنا، وهو من جهة أخرى كذلك يلعب على تقنية فنية مفتوحة على الكثير من السرديات التي تجنح إلى التعمية والإبهام والإلغاز، وتتخطّى ضوابط الأبعاد الزمنية والمكانية المحكومة لقوانين الطبيعة الفيزيائية. وإخال إنّني في بحثي عن طريقة وأداة للتنديد بالصمت والاستلاب والتواري خوفاً من التابوات والهروب من المساءلة قد وقعت في شرك الاستلاب كذلك».

2 ـ "أسْطَرَةُ" الشخصيات القصصية:
رغبة منها في تأصيل تجربتها القصصية عن طريق استلهام نموذج حكايات "ألف ليلة وليلة"، وحرصا منها، كذلك، على امتلاك قارئ مفترض، منتسب وجدانيا إلى عوالم ومخزون الحكاية الشعبية، عمدت سناء شعلان إلى إضفاء الطابع الأسطوري على بعض شخصياتها القصصية...
فالقارئ العربي ـ كما نعلم جميعاـ شديد الإعجاب بقصص الخوارق التي ما فتئت تذكرنا بمخلوقات عجيبة، تغدي ذاكرتنا الشعبية منذ آلاف السنين، وتفجر خيال القصاصين في هذا الميدان إلى يومنا هذا، حيث ترسخ استثمار عوالم الجن والعفاريت، وتوظيف قصص السحر ومفعولاته على المسحور...
على هذا المنوال، تبدو قصة "الرصد" مستوحاة من حكايات ألف ليلة وليلة. وتحكي قصة الساحر اليهودي الذي قدم من آخر تخوم البحر هدفه رجل واحد هو عزوز، وجد اسمه وزمنه مكتوبين في كتاب السحر الأكبر. فقد ذكره اليهودي بأن على يديه سيفك الرصد المضروب على الكنز، وكانت المعادلة واضحة بين الطرفين: سيقرأ اليهودي طلاسمه، أما عزوز فعليه أن يلزم الصمت، وأن لا يتفوه بكلمة، لأنه إن تفوه بكلمة سيهلك الاثنان معاً، وسيغلق الكهف على الرصد لألف سنة أخرى....وفي حالة ما إذا وصلا إلى الكنز سيتقاسمانه؛ فيعود الأول إلى موطنه في آخر الدنيا، ويرى الثاني بعينه اليتيمة ما لم يره رجل من قبل بعينيه الاثنتين من غنى وجاه.
وحينما وصلا أخيرا إلى عين المكان، بدا اليهودي بترديد طلاسمه السحرية، فكانت ترانيمه باعثة للجنية الأفعى التي بدا وكأنها تستيقظ من سباتها الطويل...وفي لحظات، تفتق جلدها عن فتاة بجمال أردية القمر. انبهر عزوز لمارآها، كانت فتاة تستدعي بجمالها سنوات حرمانه، رأى في عينيها اشتهاء له لم تر عينه اليتيمة مثله طوال حياته، فعيون الجميلات ـ حسب تصوره البسيط ـ لا تلمح الرجال البسطاء الفقراء...
كانت الفتاة الجنية متدثرة بملابس شفافة، سرعان ما أخذت تلك الملابس تتطاير مع كل ترنيمة من ترنيمات اليهودي. كان في عينيها، كذلك، خوف ورعب وهي تصرخ: " يا عم استر علي، الله يستر عليك، يا عم كلماتك تعريني من ملابسي، استر علي الله يستر عليك". لم يلتفت اليهودي إلى صراخها
لأنه مدرك أشد الإدراك لخطورة ما سيحصل، أما عزوز فكان يحترق شوقاً لإنقاذ الجنية التي بدأت بالتوسل إليه قائلة: "انقدني يا عزوز، استر علي الله يستر عليك"، ومع ذلك صم عزوز أذنيه عن رجاءاتها ودموعها، حتى قالت له الجنية الأفعى: «عزوز أنا احبك، أنتظرك منذ ألف عام، أستر علي الله يستر عليك»...
لقد أفلحت الأفعى الجنية في إيجاد الكلمة ـ المفتاح لشخصية عزوز؛ إنها كلمة الحب التي كان وقع ترديدها برقة وحنان فوق ما تتحمله شخصيته المتعطشة دوما إلى هذه الكلمة، فلأول مرة يسمع امرأة تقول له أحبك. طوال تاريخ حياته المجيدة لم تحن عليه امرأة؟ وأي امرأة؟ امرأة الرصد. وفي هذا المقام الوجداني الملتهب، سينفجر عزوز في وجه اليهودي بانفعال: "كفاك...استر عليها أنا أحبها"؛ وفي لحظات كان اليهودي رمادا منثورا...
هكذا، نجا عزوز في اللحظات الأخيرة، وهو يستجيب لوجيب قلبه الخافق بنبض الوجد والعشق، وكادت لعنة الرصد تحيله إلى رماد كما وقع لليهودي، «لكن الجنية الأفعى عشقت في عين عزوز شيئاً لم تره من قبل في عين إنسي، مدت يدها العاجية إليه، واختطفته بعيداً حيث مملكة الجان، ومن جديد أقفل باب الكهف على الرصد»( ). أحبته الجنية الأفعى، وحملته معها إلى عوالم أخرى غير بشرية، فيما عاقبت اليهودي المهووس بالمال، بأن حولته رماداً منثوراً...
وفي هذا السياق القصصي المتسم بالغرابة والعجب، تنتقل بنا القاصة، في كشكولها القصصي هذا، لموضوع طريف ومألوف: إنه موضوع حب الجن للإنس والإنس للجن. فقد كان هذا النوع من الحكايات مصدر إغراء كبير في التراث الحكائي عند العرب وما يزال. وما لا شك فيه، كذلك، هو أن الجن في الثقافة العربية، كما تورد ذلك سهير القلماوي، «غير قادرة على الشر الكثير، وهي غالبا خيرة وعلاقتها بالإنسان حسنة، تكن عرفاناً بالجميل أحياناً، وحباً حينا آخر»( ).
ففي قصة "قطته العاشقة"، تروي الكاتبة حكاية الرجل الذي كان يربي في بيته قطة أليفة. سيتعرف الرجل لاحقاً على إحدى الفتيات، وسيقرر أن يتزوجها. فكان أول قرار لهذه الزوجة المنتظرة هو أن يتخلص زوجها من تلك القطة التي كان يربيها، ذلك ما فعل الرجل على مضض، وعلى كره منه...ويوم زفافه، ستتسلل قطته إلى غرفته بطريقة مفاجئة، «حاولت أن أداعبها، لكنني شعرت بنفور منها لم آلفه، حضنتها رغما عنها بين يدي، في عينيها رأيت دموعاً، وفجأة انهمرت دموعها، اختلطت الأمور علي، أنّى لقطة أن تبكي مثل البشر؟ ! كانت تلك الدموع بوابتها إلى البشرية، فقد انسلخ جسدها، وتفتق عن فتاة رائعة، قبلتني، وضمتني بشدة، كان منظرا مروعا لي، فقد حسبتها شيطاناً أو روحا شريرة، وهربت صارخا خارج البيت...» ( ).
وكان الزفاف بكل طقوسه المعروفة. وطوال أيام الخلوة مع زوجته لم يفارق طيفها الآدمي ناظره. إنها بالفعل امرأته الخرافية التي أفنى عمره في انتظارها..ولما عاد إلى البيت، وجد قطته ميتة ومتعفنة. ترتب عن هذا الفعل الشنيع، هجر الرجل زوجته وهجر البلدة، للتفرغ بعد ذلك لتربية مئات القطط فيما بعد. وطوال السنوات انتظر أن تبعث روح قطته الأثيرة في إحدى تلك القطط بدون جدوى، وتمنى أن يجدها لكي يقول لها كم هو هائم بحبها، ويخبرها بمدى عشقه لها...
ولعل من أهم مواصفات الشخصيات الخارقة والعجيبة، أنها مرئية وغير ومرئية في الآن ذاته، إنسية وجنية، وهذا ما يمكنها من أن تخرج وقتما يكون الإنسان في غنى عن ظهورها، وتظهر دائما فترتبك أحوال البطل من جراء هذا الظهور غير المرتقب. فهي قد تشق الحائط فتخيف، أو تكون حيوانا متنكرا مسحوراً فتصل إلى أغراضها؛ لأن الجنية لا ترضى عن زواج حبيبها الإنسي، وتريد أن يكون لها وحدها...كما أن ما هو معروف، هو أن الإنسي في التراث العربي القديم لا يحترم الجنية إلا إذا كانت محبة له، ورحيمة به...
ومن قصة تحول القطة إلى جنية، تعرج بنا القاصة على موضوع تحول الشخصية الحيوانية إلى شخصية إنسانية في قصتها الغريبة والعجيبة: "المستأنس". فبالعودة إلى تاريخ الآداب العالمية، نجد أن بعض النصوص القديمة عمد أصحابها إلى استثمار عنصر الغرابة من خلال تيمة «التحول»(أو كما يسميها البعض الآخر«المسخ»). ونستحضر في هذا المقام بالضبط نص: "حياة لاثاريو ديي تورميس"(مؤلفها مجهول)، ويعود إلى حوالي 1554. بالإضافة إلى "تحولات الجحش الذهبي""L’âne D’or ou les métamorphoses " للوكيوس أبوليوس Apuleé (القرن الثاني للميلاد).
أما في العصر الحديث، فإن ظاهرة التحول تبلورت بشكل جلي في لوحات السورياليين، وتيار العبث واللامعقول. كما مثلت أعمال فرانز كافكا نموذجاً رائداً في هذا المضمار الأدبي، خصوصاً في روايته المشهورة: "المسخ" " La Métamorphose " . وسيستوحي كتاب مسرح العبث واللامعقول في أوربا، كذلك، ما يشبه ذلك الانشغال الحثيث في إبداعاتهم. هكذا سيصف لنا أوجين يونسكو (Eugéne Ionesco) في مسرحيته الشهيرة: "الخرتيت" ""Rhinocéros(1985)، خروج جون(Jean) من الحمام وهو يصدر أصواتا حيوانية مرعبة، وفجأة يندفع خارج الحمام كما الخرتيت صوب صاحبه الذي يضطر إلى التنحي جانباً ليتفادى أن يدهسه صديقه/الخرتيت.
ولإن كان هؤلاء الكتاب ينطلقون من فكرة تحول الكائن الإنساني إلى حيوان، فإن سناء شعلان قلبت المعادلة، وهذا ما نجده في قصتها: "المستأنس" التي تحكي عن ذئب يتحول في كل ليلة اكتمال البدر إلى إنسان طيب، يحسن إلى كل الناس، ويخفق قلبه بالحب الطاهر، ويحيط كل معارفه بالرعاية. حيث تستمر دورة التحول على مستوى الكائن ابتداء من الشكل الخارجي إلى أن يذوب الشكل الأول(الحيوان) ويحل محله الشكل الثاني(الإنسان)...
وبالرجوع إلى ماضي هذه الشخصية الغريبة الأطوار، تذكرنا القاصة أن هذا الذئب كان قد أصيب من قبل بمرض حمى المستأنس المزمن الذي لم ينفع معه علاج؛ لأنه يقر في قرارة نفسه أنه يعد المستأنس أسطورة لا مكان لها في حياة الذئاب. غير أنه في بعض الحالات التي تنتابه لحظات استيقاظ الضمير، وترتفع لديه درجة التعاطف، وتتأزم مشاعره يشعر بأن فروه في تناقص واضح، وتقل لديه النزوع إلى الدم والقتل، ويميل إلى مساعدة الآخرين، ويدق قلبه بالحب...لكن لؤم الذئاب يتدخل ـ ولحسن الحظ ـ في الوقت المناسب، ليستعيد هذا الإنسان الذئبي كامل صحته، ووافر «ذئبيته» بمجرد اقترافه لخطيئة ما أو التستر على مذبحة مثيرة...
هكذا، تسرد علينا القاصة سيرة حياة هذا الذئب المريض، بأنه قد أقام قبل ذلك في مصحة راقية سرية في بلد ما، يعالج من مرضه الفظيع هذا، الذي كان إذا أصابته نوباته تحول إلى إنسان بطباع دمثة، وروح طيبة، وقلب يخفق بحب البشر، ولكنه سرعان ما يشفى من مرضه، وإن بقي عرضة للانفصام في أي لحظة..مع أنه يعلم علم اليقين«أن ذئبيته سوف تنتصر دون شك على انفصام المستأنسين الذي يهدد حياته، ويروع أمن مجتمع الذئاب...»( ).
إنها قصة عجيبة وغريبة كذلك؛ قصة كائن حيواني مصاب بمرض الانفصام، متعطش دوما إلى الدم على طريقة مصاصي الدماء. فحين تنتابه حالة التحول إلى إنسان لا يستطيع أن يقاوم نزوع الحيوان في أعماقه طويلا، إذ سرعان ما يتخلص من حالته الإنسانية ليتحول حيوانا شرسا لا يرحم. وشواهد وحشيته، وفظاعة سلوكاته كثيرة ومتعددة. فقد نهش لحم جاره السمين، وذبح أخاه، وفتك بأمه، وفي الأخير أطلق النار بمسدسه على حبيبته، وكانت الطلقة الأخيرة باتجاه رأسه محاولة منه للخلاص من هذا المرض الذي يقض مضجعه، ويحول دون ممارسته حياته الحيوانية المعتادة...
وإجمالاً، يمكن للقارئ المتفحص أن يستشف من تجربة سناء شعلان القصصية أنها تختزل جوانب غنية وثرية وعارمة من هوية الثقافة العربية والإسلامية بله الإنسانية، إذ تزاوج بين الثابت المتمثل في الوعي بأهمية التصحر العاطفي في حياتنا العربية من جهة، والمتحول الذي ينهض على أسلوب تقديم هذا الموضوع القديم/الجديد من منظور رؤية فنية ملؤها التجسيد والتشخيص من جهة أخرى، وذلك في أفق تجاوز طرق المعالجة القصصية التقليدية لهذا الموضوع. وبهذا التصور الفني المتميز، تعيدنا الكاتبة إلى التعريف السهل والممتنع لكتابة القصة: إنها تلك الرؤية الفنية الخلاقة التي تحول كل ما تراه العين، وما تستشعره الأحاسيس، وما يعلق بالمخيلة، إلى موضوع جديد للكتابة القصصية، وهنا تتجسد فكرة الإبداع القصصي، بكل ما للكلمة من معنى.


ـ سناء شعلان: "قافلة العطش"(مجموعة قصصية)، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، الأردن، ط: 1، 2006، ص:53.
ـ علي قاسمي: "مفاهيم العقل العربي" دار الثقافة، الدار البيضاء، ط:1، 2004، ص:120.
ـ شاكر عبد الحميد: "أنثربولوجيا الجسد والحداثة"، مجلة :"إبداع"(مصر)، العدد التاسع، سبتمبر 1997، ص:91.
ـ سناء شعلان: "قافلة العطش"، مرجع سابق، ص:30.
ـ شاكر عبد الحميد: "أنثربولوجيا الجسد والحداثة"، مرجع سابق، ص:98.
ـ سناء شعلان: "قافلة العطش"، مرجع سابق، ص:123
ـ المرجع نفسه، ص:121
ـ المرجع نفسه، ص:115.
ـ سناء شعلان: "الكابوس" دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة ، 2006، ص:128.
ـ من القصص الأخرى التي يتم فيها استثمار تقنية البعث والإحياء بشكل ملفت للنظر، نجد قصة قصة: "القاتل" التي تحكي عن شخص يحارب ظله الذي لا يفارقه، والذي يمنعه عادة من ارتكاب المعاصي والآثام... وأخيراً مات ظله، بل قتل ظله. هو من قتله، كان موته حزينا، وكلنه عاد وعزى نفسه قائلا:«ولكن موته كان ضروريا». فهنا تطول تقنية البعث لتطول حتى الظل الذي يصاحب الإنسان في حله وترحاله، ويتلبسه كضميره الذي يضمره، ولا يستطيع من سلطة فكاكاً...
سناء شعلان: "الكابوس"، مرجع سابق، ص:159.
ـ سناء شعلان: "قافلة العطش"، مرجع سابق، ص:48.
ـ سهير القلماوي: "ألف ليلة وليلة"، دار المعارف، القاهرة، 1959، ص:173.
ـ سناء شعلان: "قافلة العطش"، مرجع سابق، ص:100ـ 101.
ـ سناء شعلان: "الكابوس"، مرجع سابق، ص:85.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:01 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

إحقاق حق في زمن الغربة والضياع
" إليك دون غيرك... وكلمات لك فقط،مع خالص التقدير والمشاعر العذبة لك،سعادة الدكتورة سناء شعلان"
بقلم: عيسى أبو الراغب

يصعب على كثير من الكتاب سواء من الذين كلماتهم أم لم نتذوقها أن نجد بين كلماتهم قوة الروح والمحاكاة الرائعة وترابط الأفكار ، وأخذك إلى كلّ الأزمان وإيصال الفكرة بسلاسة وسهولة مثلما نجد في كتابات الدكتورة سناء شعلان من خلال مجموعاتها السابقة أو المجموعة القصصية التي نحن بصدد إبراز عبق السّحر فيها.
بدايةً يجب علينا ومن واجب الدكتورة سناء شعلان علينا بحكم معرفتنا فيها ، وبحكم من عرفها عن قرب أن يُعرف بتلك الأنثى العجيبة ، تلك الأنثى التي تحاكي جميع العصور وقادرة على جذب مختلف الأرواح لروحها والسّكن في صحبتها.
فهي بحق الأنثى العجيبة والكاتبة الموهوبة ، معشوقة كلّ من يلاصق كلماتها ، ويجد فيها دفء أنفاسها. هي الدكتورة سناء شعلان بعمر الزهر تسير ، بطيبة الطّفولة تعيش ، بمملكة الأنثى المثقفة تقف ، قـوة الرّوح التي تملك جمالها هي نقطة إبراز مهمة في كلّ كلمة تخطّها من كلماتها الكثير ، ولكنها تعطي أكثر. عيناها بحر ذو مكنون ، ليس كل ربان قادر على الخوض فيه ، من يجالسها تدخل قلبه ، نقطة مهمة في من يريد تذوق كلماتها ، إذا عرفت مكنون من يكتب عرفت أكثر قوة الكلمة وكلّ الجسور التي تقف عليها ، وتطبع تلك المعاني في داخلك ، وتأبى بعد ذاك الخروج ، وتصبح كلماتها ومعانيها نبراساً لك في حياتك.
" ناسك الصومعة " ، " الهروب إلى آخر الدنيا " ، " مقامات الاحتراق " ، أسماء اختارتها الكاتبة بعناية فائقة ، تجذبك قبل الدخول إلى عمق السطور. عرفت كيف تختار أسماء مجموعتها القصصية بجدارة وفن عميق.
أسماء تملك معاني عظيمة ، حروفها قصص إبداع ، داخلها جنة ونار ، محيطها مسك وروائح عطرة تجبرك وأنت تقرأ تلك العناوين على أن تصرّ على الدخول إلى عمق معانيها ، وأيّ معاني أنت داخلها ؟ تصبح فيها ذاك الطفل المدلل وذاك الشيخ الوقور وفي مرة أخرى العاشق المتيم وفي مرة أخرى مالك قلوب العذارى والملك والسّلطان والكببير والصغير. وتصبح وتقول أنا كل ذاك ، أنا ابن أوّل السطور وابن عمق المعاني وانا صاحب العبر ، هذا من عشقي الكبير.
والآن دعونا ندخل من أول بوابة ، ندق برفق على الباب ، ينادي حارس الكنز العظيم من أنتم نرد بلوعة وعطش مستميت. كلّ المسميات فينا. أسرع برجاء ، نقول قبل الموت ان يدركنا عطشى وجوعى وقلوبنا تدق بفرح وحزن ممتزجين وبدموع حارة من حارس الكنز يقول " أهلاً بكم مجتمعين ، وسلام عليكم داخلين ". بخطى كلها فرح ، نقف على باب الصومعة يطل الناسك وعيونه مغرورقة بالدموع. ويقول : ها أنتم أبنائي ؟؟ صومعتي بيتكم – ويأخذ بأيدينا.
خطواتنا الأولى إلى صومعة العشق :
حاولت الكاتبة في تلك الصومعة ان تبرز قيمة التمنيّ العظمى لدى ذاك الناسك في حبه لشهوة التزاوج وشهوة الاحتراق والتمنيّ ، وأن تقول صراحة ليس هناك من أحد معصوم.
نقترب من باب صومعة الشهادة تزكم أنوفنا تلك الرائحة الزكية رائحة المسك ، ودم الخلود ورائحة الجنة ، وكم للجنة من متمني ؟!! هكذا فهمنا من كاتبتنا قدر محتوم للشهيد والعاشق. نركض بشهوة مميتة للوصول إلى باقي غرف الصومعة يبهرنا ما نرى ، وما نشعر في تلك اللحظات ، نجد احتراف خيوط الروح والعشق والجسد لدينا تترابط بشكل غريب.
نمد أيدينا إلى داخل أنفسنا ، فنجد تلك الشمعة المضيئة ذات ألف لهب تنير حولها ، معنى الفضيلة ومعنى الحرمان ، ومعنى الجسد ، ولا يبقى للظلام مكان نقف متحلقين حولها وهي تخبو رويداً رويداً. نشعر في قرارة أنفسنا باقتراب الموت ، تخرج آخر الأنفاس وعيوننا تتبع الروح ، نشهق آخر الشهقات ونقول لنا لقاء.
حاولت الدكتورة سناء في جزء من تلك الصومعة أن تبرز معنى ، وترسخ ذاك في العمق الأزلي ، فحاكت معاني العشق والرجولة والموت والظلام والحرمان ، وحاولت بنجاح باهر أن تربط كلّ هذا وترسّخه في وجدان النفس الأصيلة ، وأن يكون شاهداً أبدياً لا يزول.
لا أدري أأكون ظالماً أم منصفاً لصاحبـة القلم المبهر في تلك الأسفار إذ حاولت بجهد كبير أن تظهر قيمة الجسـد والروح مع وضع عنوان عريض ، وهو الافتقاد أو الاحتياج الشديد ؟. ولا أعلم ان كان هذا يحاكي شيء في داخل نفس الكاتبة أم هو تمني أم استنهاض لروائع في داخل نفس القارئ ، ليجد محاكاة سليمة مع ذاته ونفسه.
مع ذلك يجب ان نخطّ شهادة عظيمة بحق الكاتبة وهي أن لها القدرة الفائقة على أن تعطي الخطوة العريضة بذلك الوضوح والمحاكـاة للنفس البشرية بدقة وإبداع. وتابعنا المسير بخوف ووجل ، خوفاً من الإصطدام بشيء لم نكن نضع له حساب. يا لتلك المعاناة !! دخلت المجاعة الأسوار ، حطمت الكثير من الزهور دخلت وحفرت الكثير من القبور. أمسكت الكاتبة قلمها ، وكتبت على تلك اللافتة الموضوعة على بوابة الصومعة ، كتبت بحروف تكاد تكون متشابهة متشابكة. " يحدث كلّ شيء في زمن المجاعة ". وطلبت من القاطنين في داخل الصومعة التوقيع ، فجـاء الموتى قائمين من قبورهم ، وكانوا أول الموقعين ، وكانت هناك غرابة ، حتى الأغنياء والملوك والسلاطين جاءوا وعيونهم دامعة ، فأمسكوا القلم ورسموا التوقيع رسماً على الجلود والأجساد الظامرة ، والأرواح التي تشهق.
مقامات الاحتراق :
من صلصال وحمئٍ مسنون وخلق ذاك الإنسان ، جعلت لذة الجسد مقامه العالي متوجاً بأكليل وتاج الروح. أدخلتنا الكاتبة إلى بدايات مقامات الاحتراق ، رسمت بتلك الفرشاة لوحة الجسد والاشتهاء ، امتلكتْ القدرة على أن تعطي للقارئ وهج اللقاء الجسدي.
نعم حاورتنا وأثارتنا ، وجعلتْ من الجسد اشتهاء عظيماً يقول : افتقدك معشوقتي ، وأشتاق إليك ، سأطاردك في كلّ الدروب حتى على أعتاب بيوت بائعات الهوى.
من النادر لنا أن نجد قلماً يحاكي ذاك الفن الجسدي كما صاغته الكاتبة الشعلان التي تدخلك في لحظات الشوق باستمرار ، تمر بك للموت على صدر المحبوبة تذيبك ، وريداً رويداً في لحظات الغياب ، وكم كانت مبدعة عندما خرجت " إن الحب مادة هلامية مطاطة ، تتأثر بالحرارة وعنصر مجهول غير محدد حتى الآن ، ونحن كقراء لتلك النتيجة نعلق بما هو آت.
إنّ الكاتبة حاولتْ جاهدة أن تناقش فكرة طالما سيطرت على عقول الكثير منا وحاولوا دوماً أن يفهموها ، فتنجح ولكن ليس كما هو المطلوب ، حاول صياغتها فباء بالفشل لأنه بشي أن يمسك جميع الخيوط بيده ، وبعدها وقف عاجزاً عن الأخذ والرد أو حتى العطاء ليقول في النهاية أن هناك في هذا الزمن وفي هذا المكان جسد يختبئ خلف أكف شريعة وستار ولكنه قابل للتعري ولكنه لا يعرف كيف إذا عرفت مقدار نفسك عرفت الكثير من الناس وما هم عليه هذا ما احتاجه إذن ، أن أعرف أنا ما أريد وكيف أحصل على ما أريد ". أدخلتنا الكاتبة بعد ذلك إلى سفر الجنون ، لتقول بالتأكيد أن الجنون نوع من التعقل. أحتاجك نصفي الأخير ، انتظرك بشوق لاذع – عشت حياتي نصفها بتعقل وها أنا الآن أعيشها النصف الثاني بجنون.
ودعونا إذن إلى القول بأن مقامات الاحتراق مشاركة فاقت الروعة في صياغتها فكرة الجسد ومعالم فكرة المشاركة النابعة من أصالة الكاتبة لقضيتها المجتمعية ، ثم عرجت بنا بعودة صغيرة إلى ذاك الارتباط الوثيق ما بين المرأة والرجل وكيفية التناغم بينهم وبعد ذلك أجادت الكاتبة في مزج ذاك وجعله في ترابط عظيم.
عندما ابدعت الكاتبـة في كتابة " الشيطان يعشق " ثم رفعت وتيرة الحب والعشق وكتبت " حادثة انتحار عصفوري حب " وأبرزت ما آل إليه الكثير من رجـال مجتمعنا فعنونت قصة بـِ " رأس الخنزير " في نهاية مقامات الاحتراق ، وحاولت جاهدة استنهاض ذاك العقل الانساني وعدم تعطيله وبعثه لتدارك الثقافة التي تزيد في الإبداع.
وهذا كان نتاج التواصل الالكتروني وتجميد القدرة العقلية لدى الانسان ، نعم سنقول أنها أحاطت بالكثير وأبرزت الأكثر وشاركت الناس وانتقدت السلبيات ، فكانت العاشقة والمعشوقة والموجهة والناقدة ، فأستحقت لقب كاتبة المشاعر من كل من يقرأ تلك الكلمات.
وبعد ذاك تحفزنا د. سناء الشعلان إلى الذهاب إلى آخر الدنيا لنتعرف إلى درر جديدة. تبدأ معنا الكاتبة بالهروب وخطانا وخطاها مترافقة ، وتبدأ بفلسفة عظيمة لا يصل إليها إلا من خبر الدنيا وفهم الواقع وأبدع في قراءة الكلمة وكتابتها.لذلك وقفت الشعلان على المنصة وقالت : ماذا يمكن أن يجد الهارب من نفسه إلى آخر الدنيا سوى نفسه المعذبة التائقة للأنعتاق.
أي امرأة تلك أي أنثى هذه ؟ من هي تلك التي تحاكي تلك الفلسفة العظيمة ، جدير بي وبكم في هذا المقام تقديم لغة احترام فائقة العذوبة والقوة للدكتورة سناء شعلان. فإليك أيتها المبدعة الأسطورة وإلى كلماتك المضيئة وإلى بوحك وسحرك وصفاتك العظيمة بكل ما فيك ، إليك أيتها الأميرة الساحرة النبيلة ؛ والفراشة الجميلة إليك أيتها الخرافة في زمن المستحيل حبنا وتقديرنا بشيء لا يوصف. ودعينا نقول : ليتنا كنا طلقاء في سجنك العظيم.
دخلت بنا الكاتبة سطور آخر الدنيا ، ووضعت السبورة أمامنا ، وبدأت في الدرس ، وكتبت في منتصف السبورة " الله هو الحب أثبتت بما لا يدعو للشك بالتجربة والبرهان والأدلة العلمية أن الله هو الحب ، حكيم وهبة قطبي التجربة والبرهان ، بعيني هبة رأى حكيم بعد أصابته بالعمى وبقلب حكيم سكنت هبة رفدؤها بعينيها وعرفته بقلبه ، فكتبت هبه " الله هنا في قلبي " فكتبت حكيم " إلى حبيبتي هبة ، عاشقك إلى الأبد حكيم ، فها هي دعوة للقراء للاطلاع على التجربة والبراهين لتتعرفوا على نتائج هذه الفلسفة إذن ادخلوا " لحظة العشق " بوابة الهروب إلى آخر الدنيا.
" سعادة الروائية " هي تلك القصة التي تأسرك بين كلماتها وقبل أن تأسرك أقول حقاً أن صاحبة القلم هي من تأسرك ، فدعيني أقول للتو سعادة الروائية د. سناء شعلان : إنني اعرف اني لست الوحيد الذي يهواك وهناك ألوف ينتظرون الود ذي اطلالة أو رد. أمسكت قلمك فخطتْ أناملك ، نعم قد إن كنت عشقتك فهذا من حقي ، فقـد عرفناك قبل أن نلقاك ، في كل الروايات هو أنت ولا أحد غيرك.
"دعوة للحياة " ، كانت دعوة قوية من كاتبتنا لنا لتدخل معها عمق شديد من الرومانسية وفي نفس الوقت الواقعية التي حاولت من خلال كلمات دعوة زفاف ان تبرز لنا فكرة طالما حاولنا التبجح فيها ، وهي عمق الحب للطرف الأخير ، ولكن في وقت يكن المحبوب رهين حبس مع آخر وعند انقضاء هذا الحبس نجلس قبالة انفسنا للتصارح أنفسنا بواقع أن للماضي أثر علينا ، يشاركنا أمور حياتنا ، لا نستطيع الفكاك منه ، هذا كان ابداع موفق جدا من كاتبتنا ، أظهرت لنا به صور عدة في صورة طالما تمر من أمامنا في لحظات كثيرة ولا ندري عنها.
سأخطّ صادقاً بقلمي هذه الكلمات وأقول : علّمينا معلمتي ، علّمينا ساحرتنا معنى الحب في أسمى معانيه علّمينا أنّ الحب هو العناية والاحتـرام ، علمينا أنه ليس لحظة جسد وعناق ، خذي بأيدينا ، أدخلينا تلك الفصول الدراسية في مدرستك ، فما زلنا في حاجة إلى أن نتعلم معنى الحب على يديك ، وبعدها سنكون في آخر الدنيا هذا قدرنا معك ولا قدر سواه.
" أنامل ذهبية " نعم كتبتها أنامل ذهبية لتعنون لنا عنوان واضح صريح ، الحب لا يعرف لغة ، الحب لا يعرف مكان ، الحب هو الحب أينما كان ، أحببناك كاتبتنا ؛ لأنك علّمتينا الحبّ بأرفع مقاماته.
نهاية أنّ أجادت واتقنت وارتفعت الدكتورة سناء شعلان في كل ما كتبت ، فقد علمتنا الجسد الملهم هو الجسد الجميل ، وعلمتنا الحب الرفيع ، وأثارت في نفوسنا أفراح وأحزان ، واستنهضت الهمة فينا للمشاركة في أحزان مجتمعنا ، وأمسكت جيمع الخيـوط بيديها ، وجعلتنا نبحر في عينيها الجميلتين – وأذاقتنا الشهد من قلمها.
نبارك دوماً للدكتورة سناء شعلان على ما أبدعت وأخرجت تلك القريحة الموهوبة بكل زمان ومكان وفي أي عنوان ، ونحن على أمل ان نعيش في فردوس الدكتورة في مجموعات قادمة التي تجبرنا إجباراً جميلاً على انتظارها بفارغ الصبر.
لك ودي وتقدير سعادة الدكتورة المبدعة سناء شعلان على هذه الإنجازات العظيمة بحق.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:02 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:03 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

الهدف الثقافي : د . عدنان الظاهر الأحد 20 أبريل 2008 00:46 GMT


(( بعض ُ قصص سناء كامل شعلان تلهمني ما تلهم ... شكراً للسناء ))

إختطفها إذ غاب زوجها ليلاً عنها ...
ما رآها قبل ساعة الإختطاف . رآها قبل ذلك مرّاتِ عدة ولكن ، محتواة في إطار من فضة مُلقى ً على منضدة زوجها طبيب الأسنان الوحيد في القرية النائية . لم يرَ في سجنها الفضي ذاك إلا عينيها تشعان فيخترق الشعاع معدن الفضة البارد . تسخن الفضة فتنتقل الحرارة إلى قلب الشاب الباحث في علم حشرات الفاكهة . يلتهب القلب ويتقد . يشتعل العصب في الجسد فتتوهج الرغبة العارمة فيه . غاب زوجها الغيور عنها لفترة قصيرة أتاحت للباحث في علم الحشرات فُرصة إختطافها بعد عذاب وصراع وجرعة قوية فوق العادة من مخدّر أدمن تعاطيه درءاً لآلام أسنانه المزمن . العشق قتال في بعض الأحايين وغريب النشأة والتفاصيل.
ألم الأضراس يقويه ويزيده غرابة ً ووحشية ً وإصراراً على نوال مَن سببته . ألم الجوى والحرمان منه لا يضاهيه إلا ألم الأسنان القاسي . الألم هو الألم ، وعصب السن واحد من أعصاب الجسد المسربل بالعشق المتوحش الضاري . إختطف معشوقته وأدخلها كوخه الصغير ليلاً . عرّاها وتعرّى . مارسها فإستمرأته . وجدته أكثر فتوة ً وشباباً وجبروتاً من زوجها العجوز الخالي العظم . نامت وقد إرتوت حباً وجنساً فلم يدعها عاشقها تواصل النوم . تذكَّر أنها أعرضت عنه مرة ً ، طردته وقد باح لها بحبه . عاودته فجأة آلام أسنانه . ألَمان متساويا الدرجة والعنف والسيطرة. ألم ذل الطرد وألم أسنانه . تسلل عاريا ً رويداً من فراش ضجعتها الأخيرة ... تناول الساطور الضخم الذي إستعاره من فلاح البساتين المجاورة المستخدم في قطع وتشذيب أطراف وفروع الشجرغير المرغوب فيها ولتكريب جذوع النخيل . أهوى به على رقبتها العاجية وكانت غارقة في أحلام النوم وهي مخدرة الجسد لكثرة ما مارست من جولات الجنس مع مَن سيذبحها بضربة ساطور معد ٍّ لا لقطع رؤوس البشر ولكن لقطع أغصان الشجر .
أما أنا ... (( أنا وقد لا أكون أنا )) ... فلقد رأيت عينيها في إطار من ذهب خالص عيار 24 قيراطاً . نادتني عيناها قبل أن أبادر للنداء . أشارت لي تعالَ فما مضيتُ . ظللتُ واقفا ً أنتظر (( وقوفا ً بها صحبي ... )) . ذاك لأني بطبعي أخشى العواقب غير المحسوبة أو غير المتوقعة . هل سيذبحني زوجها ؟ أهي متزوجة أم لم تزل عزباء في إنتظاره ؟ طال وقوفي وطال إنتظاري فمللت ولم أتشكَ . تقحّمت خوفي وإخترقت الجُدُر الزجاجية (( قصة زاجر المطر / كتاب قافلة العطش لسناء كامل )) وأُطر الذهب الخالص وحواجز الفضاء والزمان لألتقيها هناك في دارها . ما طردت أحداً قبلي . ألفيتها غير متزوجة ... إحدى حوريات الجنان ... لم يمسسها ولم يطمثها إنس ٌ ولا جان . لم تسأل أو تستوضح سبب زيارتي المفاجئة . قدّمت لي ـ كعادة قبائل الطوارق ـ الطعامَ ، وما كنتُ لأستطيع تحويل بصري وما فيه من هيام وعشق عن زمرّد عينيها وسحر جسدها وما إختارت من ملبس وألوان . خبيرة في اللون وتصاميم ملابسها . لم تتكلم كثيراً . كلامها بعيون الزمرّد والعقيق . أحياناً توظِّف أناملها في توضيح ما تود توضيحه . تتكلم بأصابع كفيها . تأمرها فتطيع وتستجيب . لم أكنْ جائعاً فأكلت أقل من القليل . رفعت الصحون وجاءتني بالشاي المهيّل والمخدّر بمسحوق القرفة ( الدارصيني ). قلت لها قد فقدت شهوتي للطعام وللشراب . سألت بعقيق محجريها لماذا ؟ أطرقتُ ولم أجبْ . أعادت السؤال بسبابة كفها اليمنى فلم أجب . أرسلت لي حزمة من موجات غامضة عاتبة تحمل لي ذات السؤال . شعرت برهبة حقيقية فوقعت تحت طغيان قوة روحها السحرية . قوة غريبة في سحرها ومفعولها . جثوتُ على ركبتي ووضعتُ رأسي في حضنها مقبِّلاً معتذراً . رفعت برقة ِ يد ملاك ٍ أو إله ٍ أسطوري ٍّ رأسي وطلبت مني أن أنهض . قالت لايليق هذا الوضع برجل مثلك . قلت كذا المحب ... هذا هو شأن مَن يعشق . لا تأخذك سيدتي الدهشة (( أردتُ لكني لم أجرؤ. أردتُ أن أقولَ لها : أهوى أن أقبِّلَ مزيج منصهر الذهب وعسل جنات الخلد في ثغركِ . في شفتيك . من بين شفتيك . مخلَّقا ً مع رضابك ... )) أفلم تقرأي قصة الباحث في علم حشرات أشجار الفاكهة وإلى أي مصير إنتهى به عشقه لزوج طبيب الأسنان العجوز ؟ قالت كان ذاك باحثا ً في علم الحشرات أمضى جُل َّ عمره يجمع ويدرس ويصنّف حيوانات صغيرة تُسمى حشرات ، لكنك باحث ٌ في علم الكيمياء والمعادن ... والبشر كما قد تعلم معادن شتى . ثم إنك لست حشاشا ً كذاك ولستَ مجنوناً . ثم إني إستقبلتك ضيفاً كريماً ولم أطردك . ثم إنَّ مَن أحبَّ صاحبُ الحشرات والحشرجات إنما أحب صورةً مؤطرة ً في إطار من فضة ، لكنك وجدتني في إطار من الذهب الإبريز والعسجد النقي الصافي من أعلى عيار وميزان ، والذهب غير الفضة . ذاك قد وقع في غرام إمرأة متزوجة وأما أنا فكما تراني لم أزل ْ في دار وعصمة أبي أنتظر الرجل الذي يستحقني وأستحق. قلتُ لها ـ وقد رفعتُ رأسي بضراعة ٍ نحوها ـ دونما إبطاء : ها إني أتيتُ إليك ماشياً على قدميِّ الجريحتين من أقصى أصقاع الدنيا ... إليك في دار أبيكِ فهل ترينني أستحقك وتستحقينني ؟ إبتعدتْ قليلاً عني مبتسمة ً في حياء فتاة بكر ٍ شرقية أصيلة سليلة أصائل . وضعت كفها على رأسي فشعرت بنشوة وقعت عليَّ من أعالي السماوات . غبتُ عني وعنها وحين عدتُ لنفسي وجدت كف َّ المرحومة جدتي لوالدتي العلوية فهيمة بنت ناصر ، أم خالي الوحيد رزوقي الذي سقط من شجرة السدر العملاقة التي تتوسط دارهم القديم ففارق على الفور الحياة ، وجدت ُ كفها المرتعش على رأسي تتعوّذ وتبسمل وتقرأ شيئاً من آي القرآن الكريم وتنقر بالكف الأخرى على أرض الغرفة نقرات ٍ متتتالية ً رتيبة الإيقاع . كان هذا دأبها معي ومع باقي إخوتي كلما شعرتُ بألم في رأسي زمان طفولتي . أحببت هذا الطقس حد َّ الإدمان حتى لقد كنتُ أفتعل صداع الرأس لتمارس المرحومة فهيمة معي ذات الطقوس الغامضة في أغلبها . تراتيل دينية وأدعية وشفرات شديدة الغموض ودفء حضن الجدّة وصمت الأهل خاشعين متضامنين مع هيبة العجوز الطاعنة في السن ومع طفلهم المتمارض الصغير . ما أن ْ وضعت عقيقية العينين ذهبية الإهاب والهيبة كفها فوق رأسي حتى عدتُ لطفولتي المبكرة محمولاً على بُراق لا يعرف حكم الزمن ... بُراق يطير بسرعة البرق ضد مسار الزمن . يقول الشعراء إنَّ الحب سُكر ٌ ومَن لا يسكرُ لا يعرف معنى الحب ولا يتذوق طعمه حلواً أكان الطعمُ أو مرّا ً . سكرتُ بالفعل بين يديها وغبت عن الوعي والزمن . لم أسال نفسي عن سبب وسر تجاوبها معي حتى تذكرتُ ما قالت لي قبل قليل : إنك كيميائي تتعامل والمعادن والبشر معادن . معها كل الحق . إنها فيلسوفة . الذي يتعامل مع المعادن يجيد التعامل مع البشر . ثم إنَّ الكيمياء سحر مُذ ْ عهود فراعنة مصر الأقدمين . هناك بدأت الكيمياء في معابد الفراعنة حيث أفلح كهّان هذه المعابد في تحضير مستلزمات التحنيط وكيمياويات حفظ الأجساد والأنسجة القطنية والصوفية والكتانية من التلف والرطوبة . فضلاً عن تحضير الألوان الثابتة التي تتحدى الزمن وتبقى محافظة ً على رونقها وبقيت لآلاف السنين . أنا كيميائي إذا ً حسبما قالت ساحرتي الفرعونية ورائحة الكافور ومسحوق القرنفل والمسك والحناء تفوح من بدلتها الكتانية الطويلة ومن بين خصلات شعرها المدلاة على كتفيها ومن خلل أناملها الدقيقة التكوين المطلية الأظافر بمزيج معجون الند والزعفران وخلاصة أندر الأزهار والورود . (( أنتَ كيميائي )) ... قالت ، والكيمياء سحر ... إذا ً سأسحرها أو أسحر لها فعسى ان تعشقني كما عشقتها ... عسى أن تحبني كما أحببتها ... وإلا فلسوف أطلب منها أن تقتلني ... أن تحز َّ رقبتي بساطور الحشاش خبير الحشرات . لم يقتل ذاك الخبير حشرةً لكنْ قتل بشراً ، قتل إمرأة ً حية ً من لحم وعظم ودم . فهل ترى أمسخ نفسي حشرة ً صغيرة ً لكي تقتلني بإصبعها صاحبتي الفرعونية الشديدة الرقة أو أن تدوس عليَّ ولو من باب السهو بأحد قدميها لأترك عليها تذكارا ً لحبي شيئا ً من دمي ، ودمي يحمل إسمي وجيناتي وتوقيعي الذي تعرف ؟ الموت تحت أقدام الحبيب أفضل وأهون من الموت بساطور تكريب جذوع النخيل ... لا ريبَ . ما أن فرغتُ من قول هذا الكلام حتى تناهي لمسمعي صوت ٌ قوي ٌّ جَهوري ٌّ أتاني من البرية صارخاً : كلا كلا ... سأعيرُ حبيبتك ومليكتك الفرعونية ساطورَ تكريب جذوع نخيل [ دقلة النور ] في واحة وصحراء [ توزر ] التونسية لكي تقصفَ به رقبتك لأنك جبان ٌ خانع ُ وذليل... ليس فيك شئ من رجولتي . لا تركع أمام مَن تحب . لا تطأطئ رأسك حتى لكف جدتك لأمك . كنتُ أشجعَ منك فحولة ً ورجولة ً وأشد َّمضاء ً . إختطفت التي أحببتُ ... قدتها كقطة ذليلة جائعة لكوخي عنوة ً ... عريتها ... مارستها دون حساب حتى خارت قوايَ وقواها فنامت كما لم تنم ْ من قبلُ ... ثم تعرف ما جرى بعد ذلك !! الحب مقتلة تنتهي في جولة واحدة ميدانها الفراش . تخرج منها إما قاتلاً أو مقتولاً . أفلم يقل الفيلسوف نيتشة إنَّ في الحب حقدا ً أسودَ وكرهاً لا حدودَ لهما ؟ أفلم يقلْ هذا الرجل ُ المعتوه إن َّ في الحروب والغزوات حباً وعشقاً مخفيين دفينين عميقاً في أعماق نفوس البشر منذ أزمنة وعصور الصيد ؟ من غير حب لا تستطيع أكل صيدك . تجري كأي عاشق حقيقي سريعاً وراء صيدك حتى تتمكنَ منه فتقتله لكي تتناوله طعاماً سائغاً نيئاً قبل إكتشاف النار أو مشوياً بعد إكتشافها ؟ الحرب قتل وفي القتل حب شاذ سادي ولكنه يبقى حباً رغم آناف البشر . توقف صوتُ أو صدى القاتل ِ حبيبته ِ فأصابني صُداع في رأسي وآلام ٌ مبرِّحة ٌ في أسناني : أحقاً ما قال هذا الرجل خبيرُ الحشرات الذي حذا حذو َ الشاعر ديك الجن الحمصي الشامي إذ قتل حبيبته غيرة ً عليها ثم َّ أحرق جثتها وجبل من رمادها قدحاً لخمرة سكره ؟ هل عرف هذا الشاعر أو قرأ عنه ؟ هل زار مدينة حمص أو واحةَ توزر حيث نخيل تمور دقلة النور ؟ هل كان سيقتل الصبية البربرية السمراء التي تحمل ويا للصدفة إسم ( دقلة النور ) لو كانت صدته وأعرضت عنه ولم تستجبْ لنداءات إغوائه وإغراءات ما عرض عليها من دولارات أمريكية ومما أغدق عليه شيوخ الخليج من أموال كي يسمسر َ لهم ويعرِّص ويزرعَ في رأسه شتلتي قرنين إثتين من قرون القوادين بدل َ فسيلتي نخيل ؟ هل كان سيحز رأسها كما يفعل الجزارون مع رؤوس الضأن والغنم والماشية ؟ أتاني صوت الصبية دقلة النور صافياً رقراقاً قوياً حيث قالت : لا تنسَ أيها العاشق النبيل أنَّ وجودَ شبح الشاعر أبي القاسم الشابي فوق التلة الترابية التي تشرف على ما نصب على مسطّح الرمال شيوخ الخليج من خيام وفساطيط هائلة وما نضدوا فيها من زرابي َ ونمارق ... مجرد ظهور هذا الشبح أذاب الشيوخ وخيامهم وسياراتهم الباذخة وسمسارهم ذا النظارة السوداء طويل القامة فتبخروا سوية ً مع تجار تهريب فسائل نخيل دقلة النور المشبوهين القادمين من ولاية كالفورنيا الأمريكية خصيصا ً لتهريب سيد الشجر النخيل والبشر المتواضع من فلاحي الواحات . إختفى صوت الصبية البربرية الشريفة العفيفة فأتاني صوتُ أبي العلاء المعرّي جهورياً يشق عنان صحراء توزر مادحاً ومبجلا ً النخيل في شعر يتذكر فيه إقامته في بغداد :

شربنا ماءَ دجلة َ خيرَ ماء ٍ
وزُرنا أشرفَ الشَجر ِ النخيلا

إشارة ً منه للنخلة التي ورد ذكرها مرتين في سورة مريم ، المرة الأولى في الآية [[ فأجاءها المخاض ُ إلى جذعِ النخلة ِ ... / الآية 23 ]] والثانية في الآية [[ وهُزّي إليكٍ بجذع ِ النخلة ِ تُساقط ْ عليكِ رُطباً جنيا / الآية 25 ]] .
أنتهى الفيلم المعروض أمامي على شاشة التلفزيون فصحوت من رقدتي وحلمي العميق << أنام عادةً أمام شاشة التلفزيون ونظارتي على عيني َّ والكتاب في حضني !! >> . فتحت عينيَّ المتعبتين الحمراوين باحثاً عن تفاصيل ما قد رأيتُ في حُلمي فلم أعثر على أي أثر ٍ منها سوى لوحة هائلة القياسات بدون إطار لصورة وجه لا أروعَ منه ولا أجمل تغطي أحد جدران شقتي كاملاً . تفحصت ُ وجه َ وعيني صاحبة الصورة فعدتُ لنومي مسحوراً بتعويذة ٍ سحرٍ مصرية ٍ فرعونية ٍ غيرَ مصدق ٍ ما ترى عيناي : صورة سناء كامل الشعلان كما رأيتها قبل يومين في موقع الصديق الفنان الناقد الجزائري محمد بوكرش . ركزتُ بصري فرأيت في أسفل الصورة إسمَ الفنان الغريق الذي رسم الصورة : طارق العسّاف !!
________________________________________
ملاحظة هامة : في هذه القصة الخيالية تفاصيل أخذتها بتصرف من قصص كتاب { أرض الحكايا / منشورات نادي الجسرة الثقافي الإجتماعي ، قطر ، 2007 } للدكتورة سناء كامل شعلان . القصص التي عنيت ُ هي حسب تسلسل ورودها هنا : الصورة / دقلة النور / اللوحة اليتيمة .


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:04 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

العالم القصصي عند الأديبة سناء الشعلان

بقلم : خالد الباتلي.

صدرت للأديبة الشابة المتألقة سناء الشعلان حتى الآن 8 مجموعات قصصية،نالت اهتمام النقاد، وحصت الكثير من الجوائز، والحقيقة العالم القصصي عن سناء االشعلان عالم كبير وغني ومثقل بالرموز والتمريرات والرؤى،ويحتاج إلى وقفات فاحصة، وهو ما يضيق عنه المقام في هذا المقام، ولكني حسبني أن نضيء زوابا وأركان في ذلك العالم الحافل امتنوع، ال\ي يعكس عوالم القاصة الشعلان،ويكرّس موهبتها الاستثنائية.

فالمجموعة القصصية "أرض الحكايا" تقع في 16 قصة قصيرة،وزهي مجموعة ذات قصص تلعب على ثيمات الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية، وتخلص منها إلى مزيج قصصي جريء ،يختزل اللاواقع ليقدّم الواقع بكلّ جزئياته الجميلة والقبيحة،ويرسم السعادة بأرقى معانيها،ويكرّس الحزن بكلّ بشاعته وآلامه.وهي مجموعة تتميّز بقدرتها على تقديم مساحات كبيرة من المشاعر الإنسانية والعواطف البشرية بعيداً عن التابوات دون الإسفاف أو الوقوع في شرك المغالطات أو التناقضات أو المبالغات العقيمة، وإن كانت المجموعة تدين بالكثير من تماسكها النصي وتقنياتها السردية للعبة المفارقة التي تجعل للحرمان سداسية،وتجعل البحر كاذباً،وتجعل ملك القلوب بلا قلب،وتحوّل جداراً من زجاجٍ إلى قوةٍ تحجر على مشاعر أبطال قصته،و تجعل الطيران ممكناً لعاشقٍ ولو كان عاشقاً منكوداً،وهي ذاتها من تجعل رجلاً تعيساً جداً محظوظاً جداً في ليلة وضحاها،وهي من تدفع بالناس على السقوط من السماء،وهي من تسوّغ بكاء الشيطان في عالمٍ يدين بالكثير للأحلام والتجاوزات.
والمجموعة في بعض قصصها تلعب على تقنية القصة الأم التي تلد قصصاً من ذاتها،فسداسية الحرمان تتكوّن من ست قصص،وهي: المتوحش،المارد، الخصي، إكليل العرس، فتى الزهور، الثورة. كذلك قصة أكاذيب البحر تتكوّن من مجموعة قصص: أكذوبة الجزر، أكذوبة اللؤلؤ،أكذوبة النوارس، أكذوبة الجزر، أكذوبة الأمواج، أكذوبة المدّ والمرجان، أكذوبة الأصداف. تجمعها وحدة عددية، وإن كانت تقوم على فوضى التشظّي والاسترجاع والاستشراف وتداخل الحوارات الداخلية والخارجية لأجل نقل الحالة الشعورية التي يعيشها أبطال القصة.
أمّا في مجموعة " الكابوس" الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وكانت قد حصلت المجموعة على الجائزة الأولى في القصة القصيرة للعام 2005، تتناول القصص مجموعة لقطات إن جاز التعبير ، فهي قصص أقرب ما تكون إلى صور فوتوغرافية عفوية في الظاهر ، لكنّها متعمدّة ومدروسة تمامًا عند التحديق بها ، ففي اللحظة الأولى هي كثير السّخرية وعدم الاهتمام واللامبالاة بل و الدعوة إلى الضحك لالتقاطها صورًا مهمّشة أو غير مفسّرة أو غير متناسقة ، لكن لحظات من التدقيق بها تقودنا إلى فجيعة الحقيقة وإلى تفاصيل الكابوس ، الذي يستولي على كلّ جزيئات حياتنا ، ويهصر سعادتنا ، ويحطّم يقينا وسلامنا المزعوم.
فمجموعة الكابوس هي التقاط لكلّ المسكوت عنه والمصادر يفعل قوى التابوات والمقدّسات وقوى الاستلاب ، وإبراز لملامح بشاعته ، وتنديد بمدى قسوته التي قد تصادر حقوق الإنسان حتى بالحلم والتمنّي والتوقّع والانتظار ، وتحاصره في زاوية الهزيمة حيث لا يوجد إلا الاستسلام واجترار الأحزان والانكسارات.
وهذا المسكوت عنه قد يطال كلّ مفردات الحياة وأشخاصها وقواها وأشكالها ، كما أنّه قد يحاصر كلّ الأشخاص وكلّ الطبقات في كلّ الأزمان والأماكن وفق ظروفهم ومعطيات حياتهم ، وتوافرهم على أسباب الحرمان أو العطاء المزعوم.
فالمجموعة لا تعد أبدًا بحلول ، ولا تخجل أبدًا من التصريح بخوف أبطال قصصها ، بل هي صرخة خوف حقيقية في وجه الخوف المسمّى ( الكابوس ) أيًّا كان شكله أو اسمه أو زمانه أو مكانه.
أمّا في مجموعة " الهروب إلى آخر الدنيا فنجد الحبّ بتجليات وجوده واختفائه والحاجة إليه هو الوحدة الموضوعية أو الثيمة الرئيسية في مجموعة قصص الهروب إلى آخر الدنيا التي يبلغ عددها اثني عشرة قصّة، والحبّ فيها يعرض عبر قصصٍ مختلفةٍ، وأحداث متباينة، وشرائح مختلفة، وأشكالٍ نادرة، فالحبّ أشكالٌ وألوانٌ كما يعتقد الكثير من النّاس والشعوب والمفكرون، لكنّه في النهاية في هذه المجموعة القصصية قوّة ثابتة للتغيير والخير والنماء والسّعادة، وهو العنصر الأساسي في أيّ تركيبة نجاحٍ أو سعادةٍ، ودونه تؤول الحياة إلى الفشل والتعاسة.
فالحبّ في هذه القصص يستولي على رصيدٍ لا يعرف نهاية من السّرد والأحداث، ويمتدّ أزماناً ساحقةً في القدم أو موغلةً في النفس الإنسانية، فيكشف العيوب، ويرسم حيرة النفس التّائقة للإنعتاق من أغلالها عبر مشاعر الحبّ، وهو بذلك يملك طاقةً متجدّدةً لا تفنى تجعله يتكرّر كلّ يوم وفي كلّ مكانٍ مشكلاً حالةً منفردة في كلّ مرّة، وتاركاً بصمته التي لا تتكرّر.
فالحبّ في هذه المجموعة تماماً كالولادة أو الموت، يتكرّر بلا نهاية، ولكنّه في كلّ مرّة حالةً خاصةً، لها محدّداتها وصفاتها واستثنائيتها، وكذلك هو في مجموعة سناء شعلان ،له أشكال وبصمات وحالات حبٍّ كلٌّ لها بصمتها وخصوصيتها.
ويبدو أنّ هذه المجموعة هي استكمال موضوعيّ لمجموعة "قافلة العطش "التي كانت قد صدرت للكاتبة في الأردن بدعم من أمانة عمّان الكبرى في مطلع عام 2006؛ إذ إنّ كلاهما تعرضان أنماطاً وأشكالاً للحبّ.
والجدير بالذكر أنّ الحبّ في هذه القصص له قوة سحريّة قادرة على أن تجعل القلوبَ تخفق، والدّماء تسري في الأوصال الميتة، والنّفوس تنتشي بالسعادة، والهمم الخاملة تستيقظ، والأنفس الشحيحة تجود، فهذه المجموعة تعدنا بالسّعادة بشرط أن نملك قوّة الحبّ ،وأن نخلص لها ،وأن نرعاها ،وأن نتولاها بالنّماء والزيادة، وهي تفتح تجاربنا على كثير من الأسئلة الانسانية الشائكة التي تطرح نفسها بقوةٍ على مشهدنا الفكري والإنساني، مثل: الموت، والحياة، والخلود، والسعادة، والإخفاق، والعطاء.
سناء الشعلان في هذه المجموعة تطرح الحبّ بديلاً لكلّ تجارب الإخفاق التي تكبّدتها البشرية في التّواصل والسّعادة والتعايش والتفاهم والانسجام.
وهذه المجموعة تحيلنا إلى سابقتها " قافلة العطش" التي تعرض بجرأة تنميطات وأشكال للحبّ، الذي يتجلّى في ثنائيات جدلية : كالوصل والحرمان، واللقاء والفراق، والتقارب والتباعد ،و الرضا والغضب، الحزن والسعادة، ويستولي في هذه المجموعات على حيز كبير من المفارقات والتجاوزات الواقعية.
فقصص المجموعة تدين بالكثير لاستيلاد مفردات التراث والفنتازيا والخرافات والأساطير. فنجد تراث الوأد حاضرًا في القصة، كذلك خرافات الكنوز الموقوفة لرصد خرافي، وفنتازيا مشاركة الجمادات في الأحداث ، فنجد القراءة واللعبة البلاستيكية والأرواح الراحلة عن أجساد أصحابها والقطط البيتية الأليفة والجنّيات تعشق ، وتكون لها تجربتها الخاصة مع الحبّ ، الذي يقدّم في هذه المجموعة على أنّه بديلٌ موضوعي للسعادة والهناء والسلام.
والقصص تجنح إلى طرح الحزن والفراق والهزيمة والفشل قرينًا شبه دائم للحبّ ، وكأنّه تجسيد للواقع الحياتي المهزوم والمسحوق الذي يعيشه أبطال القصص ، وتبقى القصص مفتوحة على التأويل والتجير والتفسير ، فهل الحبّ هو علاقة خاصة لها محدّداتها الخاصة ؟ أم هو صورة اجتماعية من صور المجتمع بكلّ ما في مشهده الإنساني من أحلام وأماني وتناقضات وأحزان وانكسارات ؟أم هو بحث عن صيغة جديدة للبحث عن الفردوس المفقود في هذه الحياة ؟


أمّا مجموعة " مذكرات رضيعة" فهي تحيلنا إلى عالم قصصي مختلف،
فهذه المجموعة القصصية كما تقول كاتبتها سناء شعلان في الصفحة الثالثة منها إنّها كُتبتْ بالدّم، وهي مجموعة قصصية تسجيلية لأحداث حقيقية تروي معاناة بعض ضحايا تفجيرات العاصمة الأردنية في 9/11/2005م،حيث فجّر أكثر من إرهابي أنفسهم في ثلاثة فنادق أردنية كبيرة،كان في إحداها عرس تحوّل إلى مذبحة شنيعة،سقط فيها الكثير من الضحايا.
والمجموعة تحتوي على 23 قصة قصيرة،تروي أحداثاً حقيقية،وتُسرد القصص بالأسماء الحقيقية لضحاياها،كما أنّها تُسرد بتقنيات سردية متعدّدة،تغطي مساحات زمنية كبيرة، تتجاوز ليلة الانفجارات المشؤومة. فالقصص تُروى أحياناً بسرد لاحق او سابق أو متوازي مع الحدث، كما أنّ أصوات الرواة تتعدّد في المجموعة، فهناك الرواي العليم في بعض القصص، وهناك الراوي المشارك في الحدث في قصص أخرى، وفي أحيان أخرى هناك الراوي الشاهد أو البطل.
والقصص تستثمر مساحات فنتازية وتخيليية كبيرة؛ لتسلّط الضوء في النهاية على عظم معاناة الضحايا، وتصوّر هول الفجيعة، وبشاعة الجريمة. وهي في النهاية تخلص إلى قيمة إنسانية جمالية،تتلخّص في إعلاء قيمة الحياة مقابل التنديد بالموت والاستهتار بحياة الإنسان لاسيما المدنيين المسالمين منهم.
فهذه المجموعة القصصية تصلح أن تُعدّ رواية بفصول متعدّدة،لحمتها الأساسية هي التفجيرات في عمان عشية يوم 9/11/2005م، ،ومحورها الرئيس هو رصد المعاناة والموت والفجيعة، فالقصص جميعاً ذات وحدة موضوعية واحدة، فهي تبدأ بالفرح المذبوح في ليلة زفاف العروسين الأردنيين أشرف ونادية، اللذين لم يتمّ زفافهما في تلك الليلة المشؤومة بل مزّقهما الحزن على ضحايا العرس أمواتاً وجرحى ومروّعين من العائلة والأقارب والأصدقاء،انتهاءً بزفاف هبة غزالة وشكري عازر اللذين تحدّيا الموت والإرهاب، وأقاما زفافهما متحديان الألم والحزن في إحدى قاعات الفنادق المغدورة في أربعاء التفجيرات.
ولمّا كان الإرهاب الغاشم لا يعرف وطناً أو رحمة،ولايميّز بين صغير أو كبير، أو بين ضيف أو مواطن أو مغتربٍ،فقد كان الضحايا من جنسيات ٍ شتّى،فهناك العروسان والأهل الأردنيون، وهناك الفنان العالمي المبدع ذو الأصول السوريّة،وهناك التاجر الفلسطيني الكادح، وهناك الطالب والطالبة البحرينيان اللذان جاءا في رحلة نأي طويلة عن الأهل والوطن في سبيل تحصيل العلم،وهناك السائح القطري الذي جاء ليقتنص لحظات الراحة بعد شهور من العمل والجدّ،وهناك المقاتل الفلسطيني ذو التاريخ الكفاحي الطويل، وهناك الشقيق العراقي الذي هرب من بلاده حيث الموت وحروب العصابات ليجد الإرهاب في انتظاره.
فالمجموعة ذات البعد التسجيلي تمتدّ على مساحات شعورية إنسانية كبيرة ترصد أحزان ضحايا أُغتيلوا ببشاعةٍ دون ذنبٍ سوى أنّهم كانوا يبحثون عن لحظة سعادة واستجمام،ولذلك فالقصص تقترب من أدقّ تفاصيل حياة الضحايا،وترصد جزيئات حياتهم اليومية،وتسجّل أحلامهم وأمنياتهم التي ذرّاها الإرهاب رماداً، وأطعمها للنسيان،وهي بذلك تدين بلا ريبٍ الإرهاب شرّ إدانةٍ،فلا مسوّغ في الدنيا لهدر حياة إنسانٍ برىءٍ، أو ترويع آمن.


في حين أنّ مجموعة "ناسك الصومعة "هي مغامرة تجريبية جريئة لسناء شعلان في المزاوجة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، ليس في مجموعة قصصية واحدة وحسب، بل في القصة الواحدة، لاسيما أنّ المجموعة تتّسم بسمة القصة الأم التي تلد قصصاً ضمن وحدة موضوعية واضحة.
والقصص المتوالدة في هذه المجموعة تكتسب شرعيتها وحدثها المحور أو فكرتها المحرّك للأحداث من أزمتها المشتركة مع القصة الأم،ويصل عدد القصص المتوالدة من القصة الأم في بعض الأحيان في المجموعة إلى 28 قصة قصيرة،كما أنّ هذه القصص تمتدّ من بضعة سطور إلى بضعة صفحات.
ولعلّ القلق والارتباك والشكّ والسخرية وشجب التداعي والسقوط بأنواعه هي الثيمات الرئيسة في هذه القصص التي تغزو المتلقّي بهواجسها بعد أن تقدّم نفسها له بلغة رشيقة أنيقة،تحتفي بالكلمة كما تحتفي بالألم والصراع والقلق الذي يسكنها، وتحاول أن تدّعي حياديتها،لكنّها تسقط بسهولة وبعد سبق إصرارٍ في فخّ الرّفض والتنديد، وهي في سبيل ذلك تتستّر طويلاً وراء الفنتازيا والمخيال الشعبي والتاريخ المفترض أو المتخيّل أو الفكاهة السّوداء أو السّرد الغرائبي والعجائبي أو خلف المفارقات المضحكة المبكية عبر 15 قصة قصيرة أو قصة قصيرة جداً.

أمّا مجموعة " مقامات الاحتراق"،فتحمل الكثير من عذابات الإنسان وانكساراته واستلاباته، وتهاجم أصقاعًا ومساحات كبيرة من صراعات الإنسان مع ذاته ومع مجتمعه ومع ظروفه ومع قائمة الحرمان والقيود والمحرمات التي تكاد لا تنتهي،وذلك في خضمّ عجلة الحياة اليومية ، وفي تزاحم تفاصيلها اليومية قـد يسحق الإنسان ، ويجبر على التخلي عن أجزاء من إنسانيته لصالح القدرة على أن يبقى في مجتمع كاد يكون ماردًا قاسيًا يقسم كلّ من يعارضه.
والمجموعة تربط اسمها بالمقامات ، لتحيلنا إلى فن قصصي قديم بمحاولة لخداعنا ، وإيهامنا بأنّ ما سنقرأ في المجموعة هو مقامات مصنوعة هدفها الإبهاج والتعليم والتندر ، لا وضع الألم في قالب فني مشهور ، ولكن سرعان ما ينكسر توقعنا ، عندما نجد قصص مقامات تبتعد عن الشكل التقليدي للمقامـة ، وتصبُّ لفنها في خدمة فكرتها وقضيتها ، وهي الاحتراق والألم أمام متناقضات لا تورث إلا تجربة المعاناة.
وتلعب المجموعة على مزاوجة القصة القصيرة مع القصة القصيرة جدًا مع القصص المتوالدة التي تحمل داخلها قصصًا ذات لحمة موضوعية معها. وهي تستحضر أجواءً فنتازية وتراثية ، فتعود إلى الماضي ، وتستحضر بعض شخصيات التراث، وتعاين الحاضر، وتتمثّل بعض أبرز أوضاعه، ثم تقفز إلى المستقبل بل وإلى ما وراء المستقبل، فتستحضر السماء والجنة والنار والممالك المزعومة ، والسلاطين المجهولين ،وتكثف الهزيمة والحروب في مواقف وأحزان وشخصيات منكسرة.
ويبقى القول إنّ عالم سناء الشعلان القصصي يشكل علامة في القصة العربية الحداثية،وهو يحتاج لأدوات نقدية كثيرة لتفكيكه وفهمه،في ضوء موهبة استثنائية تطالعنا بهاا سناء الشعلان في كلّ ما تكتب.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:06 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة

بقلم الباحث: محمّد صالح المشاعلة/ الأردن

عند دراسة الرّؤية السّرديّة لا بدَّ من الالتفات إلى الرّاوي وموقعه، فموقع الرّاوي بالنسبة للأحداث عامل رئيس من عوامل تجسيد الرّؤيا التي يراد إيصالها للمتلقّي،فبذلك يعدّ الرّاوي العنصر الرئيس في الفنّ القصصيّ، فلا تكون القصّة إلّا به: سواء روى مباشرة بلسانه في نصّ القصّة، أم من خلال شخوص قصّته، وهو في الحالتين تقنيّة إلزاميّة في الهندسة القصصيّة. فالكاتب يختفي خلف الرّاوي الذي يشكّل أداة وظيفيّة لها دلالتها ، فقد يفضّل الاختفاء التّام، أو المشارك، أو الحيادي، ويُبنى على كلّ نوع من هذه الأنواع بين الظهور والتّخفي، موقع من الأحداث والشّخصيّات في القصّة وموقف منها.
ويُذكر في هذا السّياق أنّ من يحدد شروط اختيار هذه التّقنيّة (الرّؤية السّرديّة) دون غيرها، هي الغاية التي يهدف إليها المؤلّف عبر الرّاوي، وهذه الغاية لا بدّ أن تكون طموحة، أي تعبّر عن تجاوز معيّن لما هو كائن، أو تعبر عمّا هو في إمكان الكاتب ، فموقع الرّاوي ورؤيته بشكل أو بآخر يعود للمؤلّف؛ لأنّنا من بداية النّص إلى نهايته نصغي إلى صوت وهميّ ينقل لنا ما يراه، وما يقوله وما يسمعه، كما ينقل لنا ما يريده وما يخشاه وما يذكره، "فالمؤلّف المجرّد يخلق، والرّاوي يبلّغ" .فالرّؤية السّرديّة تعدّ أحد مداخل قراءة القصّة، وسبر أغوارها، وتنم عن فلسفة الكاتب، وزاوية رؤيته لمكونات نصّه.
ويمكن الإشارة هنا إلى أنّ الرّؤية السّرديّة تأتي أكثر وضوحاً في القصّة القصيرة وبطريقة أكثر تحديداً منها في القصّةوالرّواية؛ لأن القصّة القصيرة تستمدّ جزءاً من جوهرها عبر التقاط الموقف المأزوم ونقله بطريقة سريعة وفنّيّة، فـــ" القصّة القصيرة المحكمة هي سلسلة من المشاهد الموصوفة، التي تنشأ خلالها حالة مسبّبة تتطلّب شخصيّة حاسمة ذات صفة مسيطرة، تحاول أن تحلّ نوعاً من المشكلة من خلال بعض الأحداث، التي ترى أنّها الأفضل لتحقيق الغرض" .
ومن الجدير بالذّكر أنّ الرّاوي يدخل في صلب الحديث عن الرؤية السّرديّة، ولا سيّما أنّ "الرّواة يختلفون في أشكال الحضور وكيفيّاته. فمنهم من يجهد النّفس ليكون حضوره في ملفوظه علنياً صريحاً؛ فيتدخّل باستمرار مفسراً ومقوماً ومتأمّلاً، ومنهم من يُؤثر التّخفّي والتّنكّر".
ويمكن التّعرف على رؤية المؤلف من خلال الرّاوي في قصص شعلان من جانبين:
الأوّل: هو موقع الرّاوي الذي يقبع فيه؛ أي زاوية الرؤية التي يرى أشخاصه انطلاقاً منها.
الثّاني:علاقة الرّاوي بالقصّة؛ من حيث صلته المعرفيّة بالأحداث والشّخصيّات التي تدور في القصّة.
وقد تبلورت معرفة الرّواة في قصص شعلان، قياساً لمعرفة الشّخصيّات، عبر رؤيات متنوعة، محققة بذلك تنوعاً ولّد في المتلقّي أسئلة عدّة حول الغاية من ذلك، وآثارها على مجموعاتها القصصيّة.
وسوف نحاول في هذا الفصل التّعرف على زاوية الرؤية لدى الكاتبة، وأنواع الرّؤى (الرّاوي)، من خلال الاستشهاد ببعض قصص الكاتبة. ونختار قصّة (صانع الأحلام) داخل مجموعة الكاتبة القصصيّة(مذكرات رضيعة)، حيث يقول الرّاوي:
"على الرّغم من أنّه صانع الأحلام، وأعظم حالمي القرن العشرين إلا أنّه يكره هذا الحلم، الذي يشلّ لحظاته، ويتداعى أمامه ألماً يضاف إلى الألم الذي يشعر به، ولا يدرك معناه أو يفهم سببه. حبيبته ريم هي الشيء الجميل في هذا الحلم، يفتح ذراعيه لها، يدعوها بابتسامته العريضة الغارقة في ملامحه الشّاميّة الهادئة إلى أن تودّع لحظات الفراق في حضن حنانه، تكاد تفعل، لكنّها تبتعد، وتبتعد، ويبقى صوته معلّقاً في الفراغ، وهو يصرخ بصوت مكتوم: (ريم...لا تبتعدي ريم، احذري...ريم أين أنتِ؟).
لم يكن قد رآها منذ زمن طويل، هي وحيدته الجميلة بين ثلاثة ذكور، كانت زهرة بيته قبل أن تتزوّج زياد الملّا، وترحل معه إلى لبنان، وتستقر معه هناك، وتهبه طفلين رائعين، احترق شوقاً لهذا اللقاء، فهو لقاء بعد فراق طويل، هو جاء من أمريكا مع زوجته، وهي جاءت من لبنان على وعد الأفراح، أطلّت من البعيد بابتسامتها الطفوليّة السّاحرة، رأى فيها طفلته الصّغيرة التي كانت تركض نحوه، فتح ذراعيه لها، كانت على بعد خطوتين منه عندما جاء الموت على شكل انفجار مرعب، هزّ المكان، وأطاح بزجاج قاعة الاستقبال في فندق (جراند حياة) عمّان حيث ينزل" .
إنّ المسافة التي تفصل هذا الرّاوي عن الشّخصيّات، هي التي أتاحت له فرصة رؤية العالم القصصي كلّه في القصّة التي يقدمها؛ نظراً لأنّ موقعه يكون في زاوية خارجيّة تبعد عن الشخصيّات القصصيّة، وهذا الموقع جعله على معرفة بكل ما يدور في القصة، سواء أكان موضوع هذه المعرفة داخل الشخصيات أم خارجها،لكونه يتحدّث باسم الشخصيات وتُعرف آراؤها من خلاله، كما إنّه يعلم مصائر الشخصيّات وحقيقة أفعالها . فيلاحظ أنّ الرّاوي في القصّة عليم بكلّ شيء عن شخصيّاته (الرّاوي العليم)، فيعرف شخصيّة مصطفى العقّاد – وهي الشخصيّة المحوريّة – وعلاقته بابنته الوحيدة (ريم) التي أحبّها بجنون، حيث عزمت على السّفر مع زوجها (زياد الملّا)، لتستقر معه هناك، لكن القدر فاجأهما بهذه النتيجة المأساويّة.
تتّسع رؤية الرّاوي وعلمه التّام بكلّ مجريات الأحداث التي دارت بين شخصيّات القصّة، فهي رؤية شاملة ذات بُعد واسع، استطاع من خلالها الرّاوي الإشارة إلى المكانة المرموقة التي كان يحظى بها (العقّاد) كقوله: (وأعظم حالمي القرن العشرين). فالرّاوي قدّم سرده بموضوعيّة كلّيّة، عارفاً بما يجول في نفوس شخصيّاته، وكيفيّة تفكيرها، عن طريق راوٍ خارجي عليم مسيطر على السّرد. ففي هذا الضّرب من السّرد يكون الرّاوي عالماً بكلّ شيء فيما يخصّ شخصيّاته حتى أفكارها السّردية فيقوم بعرضها للقارئ بعلميّة تامّة .
ويكشف الرّاوي عن الحالة النّفسيّة للشّخصيّة (العقّاد)، كقوله: (أنّه يكره هذا الحلم)، وأيضاً عندما ودّع ابنته عند السّفر وهو يصرخ بصوت مكتوم: (ريم لا تبتعدي، احذري، ريم أين أنتِ؟)، فالرّاوي قدّم لنا هذه الأوصاف الدّاخلية للشخصيّة، واسمعنا صوتها الباطني، حيث كان من المستحيل معرفة ما يدور داخل الشّخصيّة من غير هذا الموقع والزاوية للرّاوي، فثمّة سمات نفسيّة لا يمكن أن يوحي بها النّص، إلّا من خلال الرّاوي العليم.
ومن الملاحظ أيضاً أنّ الرّاوي يختصر الزّمن في قوله: (كانت زهرة بيته قبل أن تتزوّج زياد، وترحل معه إلى لبنان، وتستقر معه هناك، وتهبه طفلين رائعين)، ولا يفصّل بالتّعريف بالمكان، فاكتفى هنا فقط بذكر البلد (لبنان)، ويستعجل أيضاً في الكشف عن الحدث الرئيس للمتلقّي، قبل أن تعرفه الشخصيّة نفسها، كما في حادثة التّفجيرات التي حدثت في عمّان، التي حالت دون اللقاء بين الأب وابنته.
نلاحظ في المقطع السّرديّ التالي، أنّ هيمنة الرّاوي العليم وسيطرته على السّرد تتراجع، فيقوم بوصف الأحداث بواسطة (عين الكاميرا)، وهنا الرّاوي ينقل ما أمامه بأمانة دون تعليق على ما يحدث، بل يترك للقارئ بأن يستنتج ما يشاء ويقتصر دوره على النّقل، والسّرد هنا يقدّم سمات الشّخصيّة الخارجيّة فقط، من غير الالتفات إلى صفات الشّخصيّة من الدّاخل ، حيث يقول الرّاوي:
"عندما جاء الموت على شكل انفجار مرعب، هزّ المكان، وأطاح بزجاج قاعة الاستقبال في فندق (جراند حياة) عمّان حيث ينزل. في لحظة غدا المكان جزءاً من الجحيم، الجثث في كلّ مكان، والحبيبة ريم غدت جثّة هامدة لا روح فيها، ومع صوت الجلبة أسلم نفسه لغيبوبة قد تنقذه من آلامه الرّهيبة، ونسي كلّ شيء، لكنّ الجلبة ازدادت، والصوت تعالى، كانت أصواتاً تطلب الأكسجين، وتصدر تعليمات سريعة لإنقاذه، أفواه كثيرة لفظت اسمه، فتذكّر أنّه مصطفى العقّاد، صانع الأحلام، صانع أجمل حلمين حلم (الرّسالة) وحلم (عمر المختار أسد الصّحراء)" .
يختلف حضور الرّاوي عين الكاميرا، في المثال السابق،فنجد الرّاوي (الكاميرا) في القصة، يتداخل في الصّوت مع الرّاوي شموليّ المعرفة، من حيث كشفه للعواطف والأفكار، ولكن مهمّة الرّاوي عين الكاميرا كانت مقتصرة على تقديم الأحداث، فمن خلال المقطع السّردي السّابق يسلّط الرّاوي (الكاميرا) الضوء على شخصيّات معيّنة، وكأنّه في مكان ما داخل القصّة، حيث يقوم الرّاوي بتسليط عدسته على الشّخصيّات الرئيسيّة في القصّة من الخارج، ووصف ما يشاهده أمامه فقط، "والواقع إنّ الرؤية الخارجيّة المحض (الكاميرا)، أي التي تكتفي بوصف أفعال، لنا أن ندركها دون أن يصاحب ذلك أيّ تأويل وأي تدخّل من فكر البطل (الفاعل)" .
وقد ابتعد الرّاوي عين الكاميرا، تاركاً بذلك المجال للرّاوي شمولي المعرفة ليكشف سمة معيّنة، حيث يكون تدخّله بحذر شديد وواعٍ، ولعلّ تدخّل الرّاوي العليم في هذه المقاطع السّرديّة، ومنها: (نسي كلّ شيء)، وأيضاً جملة (تذكّر أنّه مصطفى العقّاد، صانع الأحلام)؛ لوصف الحالة النّفسيّة للشّخصيّة من الدّاخل، وما تعاني منه، فضلاً عن وصف الجو الذي توجد فيه الشّخصيّات؛ وأيضاً لربط الحبكة؛ لكي لا تفقد القصّة جاذبيتها بالوصف الخارجي المفرط، وكأن الرّاوي يريد أن يشاركه (المروي له) المعرفة التي لا تدركها الشّخصيّات فيكشف جانبًا من الشخصيّة له، ليُــثــير فيه شفقة وتعاطفًا، دون أن يتدخّل أو يبوح بمشاعره الخاصة، فالرّاوي العليم يمنح الرؤية السّرديّة وظائف جديدة تتعلّق بالمعرفة الكلّيّة، التي تجعله عالماً بأفكار الشّخصيّات، وما يدور في أذهانها من توجّسات وأفكار، متعدّياً على ما يمكن أن يعلمه الرّاوي الشاهد (الكاميرا)؛ ليدخل في دائرة عالم الأسرار.
على الرّغم من هيمنة سلطة الرّاوي في أحداث القصّة، إلّا أنّه سمح لبعض الشّخصيّات بأداء وجهة نظرها ولكن بنسبة ضئيلة، ومثال ذلك عندما أُدخل إلى المستشفى، وبدأ الكادر الطّبيّ بمعاينته، إذ تتولى الشّخصيّات التّصريح بالمعلومات، وما مرّت به من أحداث، على لسان الشّخصيّات:
"(هو في حالة خطيرة) يقول أحد الأطبّاء.
(أتظنّه سينجو) يسأل ممرض بقلق بادٍ.
(مسكين لقد ماتت ابنته على الفور) تقول ممرضة بأسىً."
اختفى صوت الرّاوي هنا؛ ليفسح المجال للشّخصيّات أن تعبّر عن رؤاها، لعرض أمر يخصّها أو الكشف عنه ، فالرّاوي هنا قليل العلم بما يدور في نفوس شخصيّاته، مع ملاحظة تقدّم الشّخصيّة وتوليها زمام الحكي، من دون أنْ نلمح قدرة الرّاوي على الكشف عن بواطن شخصيّاته أو التّوغل في أعماقها النفسيّة، فمن خلال هذه الشّخصيّات استطعنا التّعرف على حالة (العقّاد) الصّحيّة، بوساطة الإخبار الذي جرى على لسان الشّخصيّات.
في المقطع السرّدي اللاحق لا نجد الرّاوي العليم يحافظ على حياديّته، وإنّما يعود إلى هيمنته وسيطرته على السّرد، وقد اتّضحت معاودة الهيمنة عندما بدأ الرّاوي بسرد المونولوج الدّاخلي لشخصيّة (العقّاد)، يقول الرّاوي:
"يسود صمت رهيب، فيقدّر أنّه لن ينجو من الموت، يكاد يبتسم هازئاً من الجبن والجبناء، بل ومن الموت، لكن إصابته البالغة تمنعه من ذلك، يشعر ببرد يحاصر جسده شبه العاري المستسلم لمبضع الأطباء، ولعشرات الأجهزة الطّبيّة، ذلك الأكسجين الذي يعطى له يهبه شعوراً رائعاً، شعوراً بالحياة مثلاً، ليته يستطيع أن يتحرّك من مكانه، ليته يمتلك قوّة عظيمة تجعله قادراً على اصطياد أولئك المجرمين الذين حوّلوا أرضه إلى جهنّم، وقتلوا الأبرياء" .
يمسك الرّاوي العليم من جديد مهمّة سرد الأحداث سرداً تفصيلياً، ويسبر لنا أغوار الشّخصيّات أحياناً، ويبحث في المسببات؛ليرسم لنا الحالة الصّحيّة والنّفسيّة التي يعاني منها (العقّاد) في مرضه، وفقده لعائلته. ويمكننا أن نلحظ أيضاً سلطة الرّاوي على مجريات السّرد؛ حيث لم يسند المعلومات إلى أي شخص، وإنّما أسندها إلى ذاته ولم يخبرنا من أين حصل على كلّ هذه التفصيلات، لذا فهو يحافظ على الرّاوي العليم الشّمولي في القصّة، الذي ينظر إلى الأحداث من مكان خارج القصّة نفسها. "وحقيقة أنّ هذا الرّاوي يمتلك موضعاً خارج عالم القصّة، مما يجعل من السّهل علينا أن نتقبّل ما لا يمكننا تقبله في الحياة الواقعيّة" .
ومن الجدير بالذّكر أنّصياغةالقصّة جاءتمنخلالالراوي،فثمةسرد (تقديمالراويالتّصويري) وثمّةعرض (حوارالشخصياتالمشهدي)،معملاحظةأنّالسّردوالعرضيَردانبنسبمتفاوتةفيالنّصوصالسّابقة،ففيقصّة (صانع الأحلام)،ثمّةكلامللشخصياتيوجّههالرّاوي،ولايتركللشخصياتفرصةلتبادلالحوار،فقدطغىالسّردعلىالعرض،وذلكبسببهيمنةالرّاويالخارجيالذييُسيطرعلىالرّواةالآخرينالذينيقدمونالقصّة. وقام الرّاوي بالتّركيز على الحدث بالدّرجة الأولى، بلغة بسيطة، معبّرة، مشوّقة في الوقت ذاته؛ لأنّه يروي أحداث قصّة واقعيّة حدثت في إحدى فنادق عمّان.
ولمّا كان حضور الرّاوي العليم (الخارجي) طاغياً في القص، فقد واصل وظيفته في كونه المعرّف الأول بالشخصيّة، بذكر بعض سماتها الظاهريّة والخارجية كشخصيّة (العقّاد) وبعض الشّخصيّات الهامشيّة، وظلَّ مشاركاً مع المؤلّف في ذلك، مع التّنويه أنّ صوت المؤلّف يختلف عن صوت الرّاوي؛ فالمؤلّف يقطع السّرد ليصف الشّخصيّة، أمّا الرّاوي فيقوم بوصف الشّخصيّة من خلال السّرد. أيضاً من مهامّه، كشف العلاقة التي تربط الشّخصيات التي يجهلها القارئ نفسه، كعلاقة العقّاد بابنته والشخصيّات الأخرى، ومثال ذلك قول الرّاوي: (هي وحيدته الجميلة بين ثلاثة ذكور). وقام كذلك بالكشف عن أفكار الشّخصيّات وعواطفها المضمرة، ففي القصّة يكشف الرّاوي عمّا يدور في ذهن (العقّاد) اتجاه زوجته: (فيحمل حزنها الموزّع بين البكاء والخشوع)، وهي فكرة مضمرة لم يعرفها الآخرون، سوى الرّاوي الذي كشفها وربطها بسلوك الشخصيّة فيما بعد. وقام أيضاً بدور المحلّل النفسي في سلوك الشّخصيّة (العقّاد)، وربطها بأسباب معيّنة دفعت الشّخصيّة لتصرّف معيّن، ودليل ذلك عندما كشف لنا الرّاوي عن أمنية (العقّاد) الباطنيّة التي لم نسمعها نحن،وهي أن يشفى من جراحه وأن يصحو من غيبوبته؛ ليقوم بإخراج مجموعة من الأفلام إضافة إلى أفلامه السّابقة، مثل:(وا معتصماه، ومحمّد الفاتح، والإمام الحسين)، فاختيار هذه الأمثلة من العناوين لأفلامه حسب ما أخبر به الرّاوي؛ جاء للتأكيد على أنّ الحروب الصليبيّة كانت نوعاً من الإرهاب الدّيني، فذلك يكشف عن سمة نفسية استأصلها الرّاوي من باطن شخصيّته.
ومما يذكر أيضاً للرّاوي (الكاميرا)، كونه يعدّ معرّفاً بالشّخصيّة وسماتها التي لا تُربط بدور معيّن، وأيضاً يعمل على استحضار الرّاوي الشمولي المعرفة عندما تقتضي الحاجة حضوره، بحيث يتداخل الرّاويان، للكشف عن صفات لا يستطيع الرّاوي (الكاميرا) كشفها. إضافة إلى ذلك دوره الأساسيّ في ترتيب الأحداث وفقاً لزمنها المنطقيّ. وأخيراً يقع على عاتقه نقل الحوار بين الشّخصيّات من خلال استخدام الفعل (قال).
ومن الأمثلة أيضاً على الرؤية السّرديّة عند الكاتبة في قصّتها (صوت الصّمت)، في مجموعتها القصصيّة الموسومة بــ(مقامات الاحتراق)، حيث يقول الرّاوي:
"من الميزات المفترضة التي يعدّها ساكنو أسطح المنازل من الفقراء للأعشاش التي يعيشون فيها، وتسمى بيوتاً، أنّها تشرف على الأحياء، فتراها من علٍ، حيث تُرى الأشياء من هناك على حقيقتها، فمن يرى من علٍ يرى الأمور كما هي، لا كما يعتقد، أو كما يفترض، وهذه مقولة تحتاج إلى نقاش، ولكن ما يعنيني من هذه المقولة أنّ من يرون من علٍ قد يعجزون كذلك عن رؤية جيرانهم من سكان الأسطح على حقيقتهم" .
في بداية المقطع السّردي يُعرض الإيضاح من قبل شخص فوق وأعلى من كلّ الناس والأشياء في القصّة، إذ من الواضح أنّ الرّاوي يعرف كلّ الحقائق، وله القدرة على اختراق الجدران، والتّنقل بين سطوح المنازل، من غير أن يسأله أحد من أين جاء بمعلوماته، ومن الملاحظ أيضاً أنّ الشّخصيّات مغيّبة من قبل الرّاوي حتى الآن، فيشرع الرّاوي بوصف المكان وصفاً تفصيلياً، فيصف المنازل التي شبّهها بالأعشاش، والأحياء الفقيرة التي أرهقها الفقر.
يربكنا الرّاوي فيما بعد بهذه الكلمات (ولكن ما يعنيني من هذه المقولة)، فيتسلّم مهمّة السّرد الرّاوي الدّاخلي، ونلاحظ حضوره من خلال إسناد الرّاوي شموليّ المعرفة الدورَ له بوساطة (الشّخصيّة الرئيسيّة)، ويتابع سرده بضمير المتكلّم، ويقول:
"أنا شخصيّاً اكتشفت في تلك الليلة أنني على الرّغم من فضولي الإنساني العجيب لم أرَ فتحيّة جارتي منذ عامين على الرغم من أنني احترفت مراقبة الجيران، سكان البيوت المتزاحمة حدّ التدافع في الحي، وحفظت عن ظهر قلب محتويات أسطحها من الخردة والقمامة والأحذية البالية والملابس القديمة وحبال نشر الملابس" .
عندمايتقمّص الرّاوي الدّاخلي زمام الحكي في السّرد يروي الأحداث من وجهة نظره بضمير المتكلّم غالباً، فيكون شخصيّة رئيسة في القصّة؛ بحيث تظهر الأحداث والشّخصيّات وكأنّها ظلال في العقل الباطن للرّاوي (الشّخصيّة). فالعالم القصصي يظهر بواسطة الرّاوي الدّاخلي، ويصبح جزءاً من تجربة ذاتيّة تقدّم إلينا من خلاله، ومن هنا فإنّ الأشياء تبدو ممتزجة بالأحاسيس والمشاعر والانفعالات ، ولهذا فالرّاوي يمزج نقل الأحداث بعواطفه الخاصّة وأفكاره.
ومن الملاحظ أنّ الرّاوي قام بتقديم الشّخصيّة (فتحيّة)، التي لم يرها منذ زمن،تقديماً مبدئياً، مع أنّ الرّاوي يصرّح بأنّه يجيد فنّ المراقبة مراقبة الجيران، الذين يسكنون البيوت المتزاحمة، وما تحتويه من خردة وقمامة وملابس بالية، فالرّاوي ينظر إلى تلك البيوت نظرة متشائمة ودونيّة.
الرّاوي في القصّة محدود المعرفة، قليل العلم بما يدور في نفوس شخصيّاته، مع ملاحظة تقدّم الشخصيّة (الرّاوي) وتولّيها زمام الحكي، إذ جاء السرد بضمير المتكلم (أنا) العائد على (الشخصيّة الرئيسيّة)، يقوم عادة برواية قصّته ، الذي لم يصرّح باسمه، ليقصّ علينا ما جرى معه وجارته (فتحيّة)، من دون أنْ نلمح قدرة الراوي على الكشف عن بواطن شخصياته أو التوغل في أعماقها النّفسيّة، وإنّما بوصفها من الخارج، كشكلها، وهندامها، وفقرها، ودليل ذلك ما تخبر به الشّخصيّة الرئيسيّة (الرّاوي الدّاخلي):
"اعتدتُ على رؤيتها بسحنتها السّوداء القديمة، وقسماتها البارزة، وهيكلها العظمي المتدثّر بثوب أسود قديم، تذرع المكان ذهاباً وإياباً دون أن تنبس ببنت شفّة، حتى خلت أنها لا تراني، وقد راقني ذلك، فأنا باغي هدوء وخلوة، وهي ليست المرأة التي قد يطمح الرّجل إلى الحديث معها، فهي أقرب إلى طلل امرأة يخلو من رقّة أو أنوثة" .
فنحن في هذا المقطع السّردي لا نعلم مِنَ المرأةِ إلّا اسمها؛ لأن الرّاوي لا يصف إلّا المظهر الخارجي لها، وكأننا أمام (كاميرا) تعرض لنا صورة لهذه المرأة، حيث لا يمكن لهذه (الكاميرا) الولوج إلى داخل الشّخصيّة، وما تفكّر به.ومن الملاحظ أيضاً أنّ الرّاوي الدّاخلي كان مشاركًا في أحداث القصّة، فهو يقصّ ما شاهده بنفسه، ويتدخّل أحياناً في بعض مجريات القصّة.ويبرز لدينا أيضاً استطراد الرّاوي في ذكر مميزات ذاته ومنها (أنّه فضولي، ويحب الهدوء).
وفي النّهاية فإنّ الرّاوي يقدّم شخصيّاته، سواء أكانت رئيسيّة أم ثانويّة، في ظلّ دائرة ما يدركه من حيث ثقتنا بما يرويه؛ فنحن نثق بسرده أخباره؛ لأنّه شخصيّة داخل الحدث، وينقل لنا ما يراه وما يسمعه، بعكس الرّاوي العليم، الذي يدخل إلى بواطن الشّخصيّات ويغوص بأفكارها وعواطفها من غير إذن، فهو شخصيّة خارج عالم القصّة، يبتدعه المؤلّف لينقل إلينا الخبر، ولعلّ الرّاوي الدّاخلي أقرب إلينا. ويلاحظ أيضاً أنه ليس في (صوت الصمت) من يُقدِّم القصّة كاملة بهذه الرؤية الداخلية، ولكنّ الرّاوي الدّاخلي يظهر بعد أنْ يُقدّم القصّة راوٍ آخر(الرّاوي الخارجي العليم)، على اعتبار أنّ ما يرويه –الرّاوي الدّاخلي– متولّدٌ عن الحدث الرئيس أو مُولِّدٌ له، فالرّاوي الدّاخلي يعد من أحد المواقع التي استعملت في تقديم القصّة .
ومن أهم سمات الرّاوي الدّاخلي بناء على ما سبق:
1ـ المساعدة على كشف سمات الشخصية الدّاخليّة، من خلال استحضار الأحداث من الذاكرة، أو من خلال الأحلام التي تفكر فيها الشخصية، في توقعاتها واستنتاجاتها لأشياء ممكنة الوقوع .
2ـيعطي انطباعاً واقعياً للقصّة، من خلال سماع صوت الشخصيّات المشاركة في الحدث مباشرة.
3ـإنشاء حبكة من خلال ما يقدمه الرّاوي، فالرّاوي له حضور أساسي في عالم القصّ، علاوة على كونه طريقة في السّرد.

ومن الأمثلة أيضاً على الرؤى السرديّة التي استعملتها الكاتبة في مجموعاتها القصصيّة، قصّة (ابن زُريق لم يمتْ)، في مجموعتها القصصيّة (تراتيل الماء)، حيث يقول الرّاوي:
"جلس بفخر متعال لا يناسب إخفاقاته المتكرّرة التي كبّدته خسائر جسميّة بالتّرقيات وساعات عمل إضافيّة مجّانيّة حدّ تسلّخ إبطيه، وتعفّن أصابع قدميه في حذائه الرّسميّ العتيد، ولكن هذه هي لحظة الانتصار المنتظرة، رقّص رجلاً فوق رجل" .
الرّاوي هنا صاحب شخصيّة مهيمنة ومستقلّة عمّا يحكي بضمير الغائب. فالكتابة بضمير الغائب أكثر الأشكال السّرديّة تجذّراً في فنّ السّرد ، فضمير الغائب أكثر الضمائر شيوعاً، بل وأيسرها تلقياً من قبل المتلقّي ، وباستعمال الرّاوي لهذا الضمير، يمكّنه من الاختفاء وراء النّص؛ ليقوم بمهمّة السّرد دون المشاركة في الأحداث.
قام الرّاوي في المقطع السّردي السّابق بوصف شخصيّة مبهمة إلى الآن، فالقارئ المتمعّن يستشف أنّه رجل مخلص للعمل ومحب له، ومقبل عليه حتى إنّه خسر صحّته ومثال ذلك ما ورد في السّرد (تسلّخ إبطيه، وتعفّن أصابع قدميه). فالرّاوي هنا عليم، قام بتقديم أوّلي للأحداث ووصف الشّخصيّة من الدّاخل والخارج، ونلاحظ بجلاء كيف أنّ الرّاوي في هذا السّرد لا يشكّل جزءاً من مادته الحكائيّة، بل مثل شخصيّة غريبة عن النّص، فظلّ خارج القصّة، مستتراً بضمير الغائب، سارداً لأحداث قد وقعت لشخصية داخل العمل القصّصي معتمداً في ذلك على رؤية سارد عليم.
في المقطع التالي يتلاشى حضور الرّاوي المهيمن في القصّة، ويبدأ بالذّوبان داخل الشّخصيّات، وتتسلّم هي مهمّة الحكي والسّرد، ويستعمل الرّاوي في ذلك الفعل (قال):"قال بثقة فضفاضة تناسب ابتسامة شدقيّة: (هذا هو الدّليل) رفع المدير حاجبيه ثمّ قطّبهما دون مبالاة، وقال: (الدليل على ماذا؟)
قال باعتزاز من حلّق فوق سوامق الجبال ووطئ الغيوم بقدميه: (الدّليل عل أنّ ابن زريق لم يمت).
هزّ المدير رأسه، وطوّح كتفيه كناية عن أمر لم يفهمه الموظّف، وقال: (من هو ابن زريق هذا؟)
- (صاحب القصيدة العينيّة الشّهيرة).
- (أيّ عينيّة؟). سأل المدير بصبر فارغ وتقزّز."
عمد الرّاويهنا إلى ترتيب الأحداث وبثّها للقارئ بشكل مرتب الأجزاء والمقاطع، مصوراً أفعال الشخصيّات وحركاتها تصويراً دقيقاً، حين عرض لنا ردّة فعل (المدير)، إثر سماعه نبأ (ابن زريق) الذي لم يفهم أمره للآن، فنقل الرّاوي صورة مرئية لشخصيّة (الموظّف، والمدير)، وهو يطرق برأسه وقد بان على ملامحه فقدان الصّبر، فكان فعلاً بمثابة العين والأذن، اللتين سجلتا كلّ ما حدث من دون التّدخل في ذلك؛ كون الرّاوي مجرد (شاهد)، وليس عنصراً أساسياً في السّرد.
ومن الجدير بالذّكر أنّ الرّاوي هنا ليس (داخلياً)، أي شخصيّة مركزيّة في السّرد، والذي يشكّل جزءاً من المادة المحكيّة، ويقوم بعرض وقائعها ، وإنّما يتحدّث الرّاوي هنا بلسان الشّخصيّات؛ ليسرد للمروي له ما جرى من الأحداث، ولكن مع وجود راوٍ آخر وكأنّه جالس مع شّخصيّات القصّة، ينقل لنا الحوار الدائر بينها في زاوية معيّنة داخل عالم القصّة، فيقوم بوصف الشّخصيّات وهي تتبادل الحوار مثل (حلّق فوق سوامق الجبال، طوّح كتفيه كناية عن أمر لم يفهمه الموظّف، سأل المدير بصبر فارغ وتقزز)، وهذه الأوصاف لا نستطيع أن نتعرّف عليها إلا من خلال تدخّل الرّاوي (الأنا الشاهد) الذي ينقل لنا الصورة المباشر والصّادقة عن الشّخصيّات، فهي "نوع من الوعي الكلّي الجماعي، أو هي الخالقة التي تبدع كلّ شيء، وهي (المؤلّف)، لذلك تحيط بالشخصيّات علماً من الدّاخل والخارج معاً، ولا تمتزج بأيّة واحدة منها، إنّها المؤلّف نفسه" .
ومما يبرز لدينا أيضاً أنّ هذا الرّاوي بخلاف الرّاوي البطل الذي احتل المركزيّة في السرد (الموظّف)، فالرّاوي (المشاهد) يحفل بدور هامشي وشخصيّة ثانويّة ترافق البّطل، وتنقل ما يقع أمام ناظريها من وقائع وأحداث في زمان ومكان يحدّده الرّاوي، من دون أنْ تشارك فيها، فالراوي الشاهد إذن "هو راوٍ حاضر لكنه لا يتدخل، لا يحلل، إنّه يروي من الخارج، عن مسافة بينه وبين ما أوجز، يروي عنه" ، فكلام الشّخصيّات وتوزيع الحوار يقع على كاهل الرّاوي (الشاهد)، مما يعطي للشخصيّات فرصة لتبادل الحوار.
ويرد أيضاً على لسان الشّخصيّات (الموظّف)، بعض من أبيات شعر ابن زريق البغدادي، الذي قال:
"لا تعذليـــــه فإنَّ العَـــــــــذْلَ يُــولِعُـــــهُقد قُلْـــتِ حقـــاً ولكـــن ليـس يَسْمَــــعُهُ
جاوزتِ في لَـــــومــه حــــــــدَّاً أضـــــــرَّ به من حـيث قدّرتِ أنَّ اللومَ يَنفعُـــهُ
فاستعملي الرِّفق في تَأنيبه بــــــــدلاً من لَومه فَهُوَ مُضنى القلبِ مُوجعُهُ
وقال المدير باستهزاء بادٍ: وماذا قال أيضاً؟
قال:
وإن تَنَـــــلْ أحـــداً منّـــا منيّتُـــهُ فمــا الــذي بقضــاء الله نصنعــه" .
ترد الأشعار هنا على لسان الشّخصيّات في النّص، بحيث تكون جزءاً من الحوار بين (الموظّف، والمدير)، اللذين صرّح بجنسيتهما الرّاوي وهما من جنسيّة أمريكيّة يعملان في شركة تأمين، حيث تأتي هذه الأشعار تعليقاً على حدث ما، ولعلّها إضافة من المؤلّف لتتضمن المغزى في التّوضيح لشخصيّة (ابن زريق)، صاحب هذه الأبيات، وكيف أصبح حال المواطن العراقي بعد الاحتلال الأمريكي، فقد سُلبت جميع ممتلكاته، حتى كلمات شعره ادْعَوا أنّها مسروقة وملفّقة من شاعر أمريكي، فيصفه الموظّف بأنّه (مخادع ولص، وتاجر لعوب)، ودليل ذلك ما يقوله الموظّف:
"قهقه الموظّف قهقهة مصنوعة بدقّة، وقال بل هو لص كبير، أراد أن يخدعنا، بل ويخدع كلّ الناس والتّاريخ والشعر الجميل وآلاف العصافير، وجعل من القصيدة التي أسمعتكَ مطلعها طريقة إلى ذلك، لقد أثبتت تحريّاتي السّريّة أنّه كان شاعراً مغموراً وعاشقاً لعوباً وتاجراً فاشلاً في بغداد، وقرر أن يخدع الجميع، ويستغلنا نحن الأمريكيين الطيبين" .
يتّضحممّاسبقأنّالراوييُقدّمالشخصيّاتويتركالأحداثتتحرّكأمامه بحياديّة،ولايتدخّـل في مجريات الأحداثإلّاعندالضّرورة؛وذلك بغية الكشفعنغموضٍفيعلاقةالشخصيّات وحوارها؛بغرضربــطالحبكةوإثــارةالمتلقي.
فالرّاوي (الشّاهد) في القصّة نراه يحضر ويغيب حسب ما تقتضيه أحداثها، دون ملاحظة أيّ مشاركة من الرّاوي في الأحداث، بل كان بمثابة عدسة (الكاميرا) التي نقلت ما وقع، وسجلت ما حدث، كما هو من دون أي مداخلة من تحليل أو شرح من قبله، وكأنّ الأحداث قد وقعت للتوِّأمام المتلقّي.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:07 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

عدنان الظاهر 26.03.2008

الشركسية

الشركسية أم الشركسيات ؟ كانت في أواسط سبعينيات القرن الماضي شركسية واحدة ولكن ، الزمن يمشي في إتجاهين والعمر يمشي وكل شئ في الكون يمشي . فالشركسية غدت شركسيات ، وإعجابي بالأولى قد إنتقل مع حركة الزمن المزدوجة الإتجاه إلى أكثر من شركسية . الإسم بحد ذاته يعجبني ويثير فيَّ أخيلة شتى متباينة يغلب عليها في معظم الأحيان طابع وطبع السحر والتألق الصوفي الروحاني . ذكرَهن َّ التأريخ الإسلامي وربطهن َّ بقصور ونزوات السلاطين والملوك والأمراء ومن هم على شاكلتهم [[ شركسيات سبابا ]] . أكره هذا التأريخ لكني أعشق جبال القوقاز المشرفة على مياه البحر الأسود بشموخ وإباء وكبرياء حيث مواطن الشركس والشيشان والأبخاز وسواهم من شعوب بقية الأقليات النادرة كالجواهر . كان الطالب الشركسي الشاب [ بوبا ] جاري في القسم الداخلي الذي كان ينام طوال ليله وسواد نهاره إذا لم يوقظه أحد ٌ ... وكنت أنا المكلف بأداء هذه المهمة المضجرة التي كانت تتكرر صباح كل يوم . أما [ مليكة ] الشركسية الجميلة فما كان أحلاها من فتاة جامعية جميلة الوجه والروح والقوام . تزورني وأزورها فأرى فيها ذكاء وسحر شهرزاد . كنت أقول لها ذلك لكنها كانت ترد بكل أدب وجدية : لكني لا أرى فيك شيئاً من شهريار !! كنت أقول في سرّي (( إنك مخطئة يا مليكة ، فيَّ الكثير من سجايا وأخلاق وطبع شهريار ! )). ولأنها مسلمة متعلقة بالقرآن والإسلام فلم أراودها عن نفسها ولم أسمح لشيطان الغواية أن يتحكم فيَّ أو أن يسوقني في دروبه الملتوية . بقيت علاقتي بها نزيهة صافية مثالية وكانت تعززها بما تقدم لي من مأكولات تأتيها من أهلها في القوقاز وخاصة فاكهة الخريف والصيف . ما كانت تقرب الخمور فإرتفعت مكانتها في نفسي . كنت بحاجة ماسة لمثل هذه العلاقة البريئة التي تشبه علاقة الأخت بأخيها ولا من غرابة ، كنت بعيداً جداً عن أهلي وشديد الشوق لهم . ثم َّ ، لم أكن محروماً من العلاقات المفتوحة على الآخر مع سواها من بنات حواء من غير المسلمات . مر َّ الزمن سريعاً ... مرَّ في إتجاه واحد ... أكملت أبحاثي ودراساتي وقفلت راجعاً للوطن لآمارس التدريس في الجامعة .
" الشركسية " ... كانت واحدة من طالباتي بعثتها حكومة الأردن للدراسة في جامعة بغداد . شارفت السنة الدراسية على نهايتها فحان موعد تقديم ومناقشة مشاريع طلبة السنة الرابعة في حقل الكيمياء والصناعات الكيميائية . حددت لها موعداً دقيقاً لمناقشة مشروعها وتقويمه وإعطائه ما يستحق من درجات . جاءت الطالبة الأردنية الشركسية حسب الموعد ولكن ... جاء معها شاب لم أره قبلاً . قالت إنه خطيبها . شعرتُ بشئ من الحرج !! أدخلتهما مكتبي وطلبت منهما الجلوس . إنه خطيبها ... فلربما يغار خطيبها عليها أو يخاف عليها من أمر مفاجئ أو غير محسوب . أردت إحراجه قليلاً لعله يدرك أن َّ وجوده معنا لا معنى له بل وثقيل وغير مرغوب فيه أصلاً . سألته هل هو طالب في كليتنا ؟ قال كلا ، إنه طالب في كلية الإقتصاد . هل بلغته رسالتي اللاذعة أم لا ؟ الجواب كلا ، إبتلعها وكأني لم أسال وواصل بقاءه معنا!! ناقشت طالبتي وإنتهى النقاش فغادرا بعد أن تركت معي مشروعها حسب الأصول . كنت أسعد بوجودها في مكتبي وأحيطها بالكثير من الرعاية لأنها واحدة من ضيوف العراق ، ولأنها كانت كثيرة الأدب جميلة الوجه نحيلة الجسد لكأنَّ سحر أجدادها الشركس والشيشان قد تركز فيها . قالت لي مرة ً : تفضلْ وزرنا في نادي الطلبة الأردنيين وإشرب معنا فنجان قهوة . شكرتها وقلتُ لها إنَّ ذلك ربما يجلب لي متاعب أنا عنها في غنى . ثم ذكرتها بتدهور العلاقات بين الأردن والعراق إثر إقدام سلطات البعث على إعدام طالب أردني بتهمة التجسس لصالح بلده الأردن . أكملت البنت الشركسية دراستها في كلية العلوم / جامعة بغداد وغادرت بغداد إلى بلدها وإنقطعت أخبارها عني .
هل أسمح للزمن أن يظل َّ يتلاعب بي جيئة ً وذهابا ً وبمصيري إلى أبد الآبدين ؟ يمشي فأمشي معه ولا يتوقف كي أتوقف للراحة معه فأي جبار هذا وأي عنيد ! سأتخلى عنه وأمضي أو أمشي حسب رغبتي ومشيئتي فأجنح لعالم الخيال وما يشبه أحلام اليقظة . سأدعه يمشي وسأمشي حالما ً مخادعاً الزمن أني أمشي معه وأقطع المسافات حيث مشى . مشيت مشيتُ حتى بلغت الإمارات العربية المتحدة . لم أمش ِ تلقاء نفسي في الواقع ، لكنْ قدمي قادتني . قدمي قادتني أم نجم شركسي ٌّ قوقازي ٌّ قادني كذاك النجم الذي قاد مجوسَ الشرق ودلهم على مكان ولادة عيسى المسيح في بيت لحم من فلسطين ؟ لا فرق ، النجم هو النجم ، ليس الدال هو المهم إنما المدلول . النجمة الشركسية هناك تعمل وهناك تعرفت عليها شاعرة ً وإعلامية مرموقة . لم أرها إلا في الصور . لكن َّ ما أرى في الصور يكفي لتذكيري بشركسية جامعة موسكو في ستينيات القرن الماضي وشركسية جامعة بغداد في سبعينياته . أرى في هذه الوجوه عظمة سلاسل جبال القوقاز وجمال الطبيعة فيها وفيما حولها وتحتها وما فوقها . الجمال والأبهة والشموخ . يا شركسيات : إني بكن َّ مولّه ولكنَّ عاشق ومتيم . أحب القوقاز والسباحة في البحر الأسود مقابل هذه الجبال . أحب ثمار القوقاز وما يهبُ الناسَ صيفاً . أجد فيكن َّ كل جمال وبهجة القوقاز وروعة مذاق ثماره وطيب هوائه ودفء مياه البحر المحاذي له . هل حقاً من هناك أتيتنَّ وفارقتن َّ الجدّات والأجداد والجذور وكل التأريخ ؟ لا ، أنتنَّ هناك رغم الفرقة ، إنها فراق الأجساد لا فرقة الأرواح . سألحق بكن َّ إلى هناك حيث المواطن الأصلية . إلى هناك ... سأمشي على عجل لألتقي بحلم جديد راودني ليلة أمس . جمعني بشركسية أخرى فأكملت مسلسل أحلامي الشركسية . صرت فجأة أؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح . فهذه
( مليكة ُ ) جامعة ِ موسكو جالسة أمامي ، في غرفتي رقم 833 في القسم الداخلي . جاءت تحمل لي صندوق خوخ وكمثرى مع صورة ملونة لها بالزي الشركسي الوطني . وهذه طالبتي في قسم الكيمياء في كلية العلوم تقف قبالتي باسمة ً وفي خصلات شعرها الأسود الفاحم وردة جوري حمراء يفوح منها عطر الربيع . جاءت هذه المرة وحدها وليس برفقة خطيبها الذي غدا زوجها بعد التخرج مباشرة ً . شعرتْ أخيراُ بثقل وطأته عليَّ فزارتني بدونه . حملت لي شيئاً من حلويات عمان . قالت متى تزورعاصمتنا لنردَّ لك بعض جميلك ونقوم بواجب الضيافة ؟ ليس لي عليك جميل يا حلوة . كنا نقوم بواجباتنا تجاه طلبتنا لا أكثر . غادرت مكتبي ولكنْ ... بقيَ منها طيف ٌ رقيق غير واضح تماماً . لا زمني طوال عمري الذي بقي واقفاً فتخلف عن مسيرة الزمن . لا أصدق ما أرى وما أقرأ !! هل أنا حقاً في عمّان وفي أعلى قمة جبل الحسين ؟ مَن هذه الحورية التي فارقت الجنان للتو ؟ ما هذا الجمال الخارق وأي رب جبله وسواه ؟ سحرها يصعق البشر كما صعق كلام ُ الرب عبده موسى فوق جبل حوريب في سيناء . هل تعرفينني يا ملاك ويا عينة ما في الجنة من حور العين ؟ هل سبق وأن إلتقينا في هذا العالم ؟ قالت نعم ، إلتقينا وتقابلنا مراراً وفي مناسبات وأماكن شتى . كنتُ معك ( مليكة ) في جامعة موسكو وكنا نأكل الكمثرى معاً. وكنت معك في جامعة بغداد ، تناقشني فيما كتبتُ من تقارير ومشاريع للبحث . ورافقتك إذ زرتَ قبل عامين الشاعرة الشركسية في الإمارات العربية المتحدة . ذهبت معكما في سفرة بحرية بهيجة لصيد السمك والسباحة متحدين خطر أسماك القرش الخليجية. ذهلتُ . تلعثم في حلقي لساني ثم جف َّ . غشاوة على عيني . شحوب في وجهي . أكاد أتهاوى فأسقط على الأرض . قالت تماسكْ . سأقص عليك حكايتي معك. أنا الشركسية الأخيرة التي كنتَ تحلم بها فلم تجدها . [[ أردتُ أن أسالها وهل وجدتها أخيراً ؟ لكنَّ لساني لم يخدمني ، خذلني في الوقت الحرج ]]. قالت أُعجبتُ بك منذ لقائنا الأول شهر أيلول من عام 1965 وكنتُ في ضيافتك في القسم الداخلي . كتبت لك في اليوم الثاني رسالة رمزية قصيرة لعلك تفهم مغزاها وبغيتي فيك لكني ترددتُ ولم أرسلها بالبريد لك . مزقتها فندمتُ . سألتها وقد أفقتُ من حلمي : وهل تتذكرين محتوياتها ؟ قالت أجلْ ، أتذكرها حرفاً حرفاً لكأنها لم تزل في ورقتها وبحبرها كما كتبتها على حالها. هلا قرأتيها لي ؟ شرعت تقرأ وأنا مسحور مأخوذ غير مصدق ما ترى عيني وما تسمع أُذني :
[[ أنا مخلوقة من الحب وهو حلمي الملّح . لا أستطيع أن أتعامل مع
< شئ > إنْ لم أحبه . ولا أستطيع أن أتخلى عن < شئ > أحبه . < قلبي
ضعيف > للغاية ... مشاعري جياشة ومتأججة بشكل < دائم > وذلك أمر متعب ومرهق خاصة ً عندما يُصبح من الواجب < ضبط تلك المشاعر >. فكرت في < العشق > ألف مرة ، وحضرت له الكؤوس والهدايا وأطواق الياسمين وبحثتُ عنه طويلاً وصرحّت ُ دائما ً للأهل والأصدقاء بأنني أبحث عنه ... وإنتظرته وتخيلته < يأتي > من كل الجهات . وتساءلتُ طويلاً كيف سيكون < مَن > سأحب ؟؟؟ لكنه ما جاء
[[ ولربما يأتي يوماً ]] على الرغم من أنني إدخرت < < له >> أشواق العمر وحكايا العشق الشركسي الأصيل النادر المثال ولحظات التمني ... وسأظل أنتظره . آه ٍ كم عناني وأعنتني ذلك السلطان السحري الذي إسمه الحب . فهو كلمة البداية وهو كلمة النهاية وما كنتُ سأكونُ لولا الحب ]] . لم أفقْ من ساعة إسرائي ومعراجي مع الصوت الشركسي إلا بعد أن فارقتني الشركسية تاركة ً على المنضدة ورقة زرقاء بلون السماء العاشرة فيها كتابة غريبة عليَّ وفي نهايتها توقيع أكثر غرابة ً : شعلة السناء !! أهذا هو إسم زائرتي الأخيرة ؟


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:09 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


تجليّات العشق والكتابة في قصّة "نفس أمّارة بالعشق*" للدّكتورة سناء الشّعلان


بقلم الأديب النّاقد: عباس داخل حسن
Tampere-Finland

التّجريب في كتابة القصّة القصيرة ضرورة حتميّة على مستوى الشّكل واللغّة للإمساك بالقارئ "المتلقي" من خلال اللّفظ ومدلولاته في الهدم والبناء و مجازيّة اللّغة والانزياح ورمزيتها المشحونة بطاقة الدّهشة والمفارقة ومغزاها، وهذا يبدأ منذ الوهلة الأولي من خلال العنوان بصفته رأس النّص،إذ يوليه الكتاب عناية فائقة وأهميّة خاصّة.عنوان قصّة " نفس أمّارة بالعشق" عنوان مغاير ومفارقة بلاغية لتناص متفرّع عن جملة قرآنيّة " النّفس أمّارة بالسّوء من قوله تعإلى في سورة يوسف﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾)1) جاء توظيفاً بارعاً لسحب القارئ للبحث عنه داخل النّص دون توقف،وهو توظيف جاء موفّقاً جدّاً بصفته مفتاح تقني يجسّ به السّيمولوجيّ والقارئ نبض النّص من أجل الولوج إلى أغواره .
قصّة هي"نفس أمّارة بالعشق" هي انزياح دلاليّ لنّص قرآنيّ معاكس للمعنى الأصلي أدّى إلى الشّعور بالغبطة والإمتاع والإثارة لاقتباس حقّق المعنى المعاكس بوضوح .فسحبنا العنوان عنوة إلى دلالات متعدّدة القراءات من خلال مواجهة التّقابل المضاد في استبدال كلمة " السّوء" بـ " العشق" الذي يمثل أعلى درجات الحبّ لب الحياة الإنسانيّة؛إذ من دونه تصبح الحياة عبثاً وخواء والوجود عماء وعديم الفائدة،وفي هذا المعنى يقول الفيلسوف والعالم الجليل ابن سينا :" واجب الوجود عشق وعاشق ومعشوق"
وبفضل العشق وصل المتصوّفة إلى ما وصلوا إليه من آفاق وبلوغ منتهى المنتهى في نصوصهم وأشعارهم وعباراتهم الخالدة التي أثّرت في الإنسانيّة غرباً وشرقاً. ومن خلال هذه القصّة القصيرة للدّكتورة سناء الشّعلان نجد إعادة لطرح رؤى المتصوّفة وتساؤلاتهم بوعي قادر على التّبرير بسرد مكثف من جديد عن العشق الذي عدّه الصّوفيّة مقام التّوحيد في اتّحاد العاشق والمعشوق بلغة معياريّة وانزياحات شعريّة خارقة حيث تقول الكاتبة الشّعلان:" من الله أخذتُ نفسي الأمّارة بالعشق"(3).العشق الآصرة المتنية التي تربطنا بالخالق المعشوق،وهي من فعل النّفس وفق ما يقول "جالينوس" في مؤلّفه الشّهير "امتزاج النفوس" :"إنّ العشق من فعل النّفس الكامنة في الدّماغ والقلب والكبد" .
وهنا لابدّ من التّذكير بأنّ الدّكتورة سناء الشّعلان تؤمن بأنّ العشق والحبّ هما الطّريقان الأوحدان لعبادة الخالق "المعشوق"،ومن خلال العشق نولج باب الاستبصار لنصل إلى الإيمان المؤدّي إلى الحق وإلى الخالق الذي وحده من يحي ويميت ويستبدل السّيئات بالحسنات.
فمن خلال هذا الاستهلال نستطيع أن نخمّن أنّها تريد أن تقطع الطريق على أولئك الكافرين بالعشق والمخلوعين من الحبّ؛فهي تشهر عن نفسها الأمّارة بالعشق،والله وحده من يغفر لها وللعاشقين.وفي هذه القصّة القصيرة برهنت الكاتبة وكشفت عن مهارات في الأداء والأسلوب في الكتابة عن ثيمة العشق من منظور تخيليّ نابع من واقع النّفس،فتخطّت بذلك قصص العشق المتعارف عليها،وهذا ما يميّزها عبر تصوّر معرفيّ وفلسفيّ للفكرة،يتحقّق بممارسة واعية لما تكتبه من غير المساس بالمرتكزات الفنّيّة للسّرد الحكائيّ عبر اشتغالات الميتاسرد في مستويات البناء والكشف التّناصي وإثراء فكرة النّص برؤية الكتابة المفارقة :"لي نفس أمّارة بالعشق،ولي قلب لايَبْرَم بضعفه الآسر، ولي ربٌّ وحدَه من يغفر خطايا العاشقين،ويبدلهم بسيئاتهم حسنات،ويدخلهم جنات ونعيماً،ولي سيرة هلاليّة يحفظها كلّ من ركب سَرْجَ قلبه،وشنّ حرباً دامية على كائن آخر اسمه حبيبه،وسيرتي يختزلها كلّ المؤرخين والمخلوعين في حرفي حاءٍ وباءٍ، وبين منحنيات حروفهما وانزلاقاتها تسكن كلّ اللّعنة،لعنة العشق التي توهب مجاناً لكلّ من يملك نفساً مثلَ نفسي".(4)
كتبت الدّكتورة سناء الشّعلان كثيراً من النّصوص والمطوّلات السّرديّة "الرّواية"عن العشق،كما لعب العشق ثيمة رئيسيّة في أعمالها المتعدّدة.وهذا نابع من إيمانها الرّاسخ بأنّ من خلال الحبّ والعشق يتخلّص العالم من آثامه وحروبه،ويتطهر ويشيع العدل والحق والجمال،فكان لزاماً عليها أن تحفر بلغة شعريّة من أجل أن تأخذ الإيحاءات مسارها عبر الارتقاء بالنّثر إلى مستوى رفيع،حتى يشعر المتلقّي لقصصها عن الحبّ والعشق أنّها تجاربها الخاصّة أو التي تتبنّاها بمخيلة استثنائيّة وبانزياحات جماليّة،فتدخل وتتسلّل إلى القارئ دون ممانعة رغم التّضاد في المعاني الذي تبدّده مسحة اللّغة الشّعريّة العالية وهي حريصة على تحويل العمل القصصيّ إلى عمل شعريّ،وهذا ما دأب عليه المتصوّفة في الارتقاء بنصوصهم النّثريّة،أو كما أكّده الرّوائيّ الخالد "غابرييل غارسيا ماركيز حين قال:" إنّ أفضل القصص هي ما كانت تعبيراً شعريّاً عن الواقع"،وهذا ما تفعله الكاتبة الشّعلان في جلّ أعمالها التي اطّلعت عليها إضافة إلى خصوبة خيالها وامتلاكها تقنيّات حداثيّة في الكتابة النّثريّة بلغة معياريّة عالية،ليكون العمل مكتمل ومعبّر عن رؤية مغايرة،وهذا نصّ يستحق الفوز بجدارة بعناية القراءة .
حميميّة ضمير المتكلم:
اختارت القاصّة سناء الشّعلان الكتابة بضمير المتكلم لما له من حميميّة عند القارئ،إلى جانب قدرته على تعرية النّفس من خلال "الرّؤية المصاحبة" لخدمة تقنيّة الارتداد السّرديّ،وما يرتبط بحياة بطلة نفس أمّارة بالعشق،وحُقّ لها ما لا يحق لغيرها في تتبّع نفسها الأمّارة بالعشق منذ اللّحظة الأولى بانثيالات وتداعيات تحمل بين طياتها أقدار مأساويّة تريد بها "التّطهرالافلاطونيّ" والتّخلّص من الانفعالات الشّاذة من خلال إشاعة العشق في النّفوس المتعبة والمهمّشة،لتتطهر القلوب الضّعيفة به:" ولذا حُقّ لي ما لا يحقّ لغيري من حضور لحظة خلقي، كانتْ لحظة تختصر كلّ حكايا العشق،وما أكثرَها من حكايا! لم أكن وليدة لحظة اجتماع رجل وامرأة بل وليدة لحظة اختيار،وامتزاج روح بأخرى،أنا صنيعة ضَعْف وانتقاء،مِنْ بين ملايين الخيارات في لحظة كنتُ أنا.
ولدتُ منذورةً للعشق، ومن له أن يردّ قدره، ويبدِّل نذره؟!(5).
وتؤكّد القصّة على أنّ النّفس العاشقة هي نفس ملهمة أوّلاً وأخيراً،وتملك وعيها وإرادتها،فهي نفس مؤمنة غير منحرفة تحاول جاهدة لكبح شططها وفجورها﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴿7﴾فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴿8﴾قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴿9﴾*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴿10﴾(6).
وهي نفس غير منفلته كما يعتقد البعض،بل هي نفس محبّة للجمال والبرّ، وهذا ما عاهدت بطلة القصّة نفسها عليه.وأعلنت الحرب عليها،وهذا الوعي بأعلى تجليّاته كاشفة عن ماهيّة النّفس العاشقة المشبعة بالتّصوّف الخالص :"عاهدتُ نفسي يومها على كبتْ نفسي الأمّارة بالعشق،وعلى كبح جماحها، وبررتُ بعهدي المقدّس في عرف طهارة الأطفال لأيام أسطوريّة فلكيّة كريهة ثقيلة الخطى،فأصعب ماعلى النّفس أن تعلن حرباً على ذاتها،ونجحتُ في حربي على الرّغم من كثرة القتلى ومواجع الإعدامات والنّفي والاضطهاد في وجداني.
وأعلنتُ التّوبة على إثمي الأوّل في الأرض،ولكنّني من جديد اشتهيتُ الخطيئة والمعصية واللّعنة، ووقعتُ في حبّ كلّ شيء جميل،وما أكثر الأشياء الجميلة في عينين هما نافذتان على روح تضجّ بالتّفاصيل والألوان والرّوائح واللّمسات والحاجات والأمنيات المؤجّلة والأفراح المسروقة من جنّة الخلد حيث كان مسكنها الأوّل في غامض العدم.(7)
إنّ الإنسان يبني علاقته بالمقدّس وما حوله من كون متصوّف هو الآخر من خلال العشق الذي لا مذهب له،ولم يكُ في يوم ما حكراً على جنس أو أرومة أو جغرافيّة،وبجلاء يقول جلال الدّين الرّوميّ:" دين العشق لا مذهب له،لتؤمن أو لا تؤمن"،هكذا هو العشق يجعلك تحبّ كلّ ما حولك على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وألوانهم وأعراقهم،إنّه دين ممنوع عند الذين لا يعرفونه،ولم يجرّبوه،أو عند النّفوس الكافرة بالعشق:"في كلّ ليلة احترفت تعاطي الممنوع المهرب من الرّائق الخالص من المشاعر لعشاقي الذين لا يحصيهم عدداً إلاّ الرب في عليائه، أحببتُ كلّ مَنْ قالوا لا، و كلّ مَنْ قالوا نعم تومئ إلى لا، أحببتُ علياً ولمبا وجيفارا وماو وصلاح الدّين وشجرة الدّر والحلاج وجميلة بوحيرد ومصطفى كامل وعلي الّزيبق ومسرور السّياف ومعروف الإسكافيّ وجعفر الطّيار وابن عربي وديك الجن الحمصي وفارس عودة وجان دارك وهانبيال وإليسار والمتنبي وأبا العتاهية وهوميروس والظاهر بيبرس وفراس العجلوني والشّريف الرضي و نزار قباني وعمر أبو ريشة وفيكتور هيجو و كلّ الثائرين المبتغين الشّمس".(8)
هذه القصّة على الرّغم من قصرها إلاّ أنّها إضافة جديدة في قصص العشق، ولها حق الرّيادة كما أتى على لسان بطلة القصّة :"واعترافاً بريادتي وتمرّدي، فقد عُيّنتُ رئيسة فخريّة لحزب الحبّ، ولرابطة المشاعر الجيّاشة،ولدارة العواطف،ورئيسة تحرير لمجلة السّعداء،ومستشارة في محطّة المحظوظين الفضائيّة،فضلاً عن تأليف كتاب موسوعيّ عن العشق وطرائقه وأبوابه ومنافذه،وبات شعار مريديّ في الحياة قول الشّاعر:
ما تُبْتُ عن عشقي ولا استغفرته ما أسخفَ العشّاقَ إنْ همُ تابوا!!(9)
وتنطوي على اعترافات لعاشقة حقيقيّة" البطلة هي الكاتبة نفسها" استخدمت مهاراتها اللّغويّة بمعياريّة عالية لإبراز جماليّة في المعنى والاستدلال من خلال النّفس العاشقة التي لا تدرك بالحواس،بل تدرك بالعقل،ويستدل عليها بالأفعال والميول وإيمانها المطلق بأن العشق والحبّ هو المخلّص الوحيد للبشريّة من كلّ قبحها ومأساتها،وهي الطّريق الوحيد للجمال والعدل والحق .
وجاءت النّهاية أكثراً من مدهشة وغرائبيّة مخالفة لكلّ توقّعات القارئ ومفارقة جميلة،وهذا جوهر الأدب الرّفيع في خلق" مفارقات صافية تتّصف بهدوء وجماليّة في لمحة الفنّ الصّافي" كما يقول توماس مان"في جعل الكتابة والورق بطهر العشق والإيمان ومن دونهما لا توجد حياة أو هذا قدر لنفس القاصة الأمّارة بالعشق التي تعيش قيامة انتظارها في محراب العشق لرجال الذين يأتون من خلال الكتابة المرسومين في النّصوص،وهذا ينبئ عن حنين الأماني التي لم تتحقّق في فعل العشق باشتغالاته كلّها عند المرأة الشّرقيّة لأسباب اجتماعيّة والذّوات المقموعة بفعل أعراف الثّقافة العربيّة،فاستخدمت التورية والرّمزيّة.على الرّغم أنّنا نملك خزيناً هائلاً من قصص الحبّ والعشق تتّسم بجرأة البوح الصّريح بدءاً من ألف ليلة وليلة والأدب الأندلسيّ والأدب الصّوفيّ والأدب العربيّ في العصر الأمويّ العباسيّ أنتج أدباً أكثراً شموليّة لأدب العشق والحب في أبهى تأثيراته على النّفس ووعائها الجسد والرّغبات التي تغذي النّفوس لتسمو بالإبداع من خلال العشق وتجلياته اللامتناهيّة مثل الوجود والكينونة والإيمان.فبطلة القصّة عاشقة حقيقيّة انتزعت كلّ حكاياه وخبرت احتراقاته:"على الرّغم من كلّ قصص عشقي لم أعشق قطُّ،فأنا امرأة تملك كلّ الحكايا وعباءات الانتظار،لكنّها أبداً لا تملك حكاية لها مع حبيب غير ورقي، وهذا قدر الأنفس الأمّارة بالعشق والمولعة بكتابة الرّجال الذين لا يأتون حقيقة إلاّ على الورق، ولا شيءَ غيرَ الورقِ، فنفسي أمّارة بالكتابة أيضاً"(10)
إذن هذه هي نفس الدّكتورة سناء الشّعلان المثقلة بالعشق والكتابة النّاصعة والمستبصرة لتعطي الحياة قيمة أكثر وهجاً واتّقاداً دون العشق لا قيمة للحياة . بالعشق وحده تتلخّص النّفس من مساوئها،وتتغلّب على مواطن ضعفها وبالكتابة تتطهّرسناء الشّعلان،وتنتصر للحبّ،وهي لا تبرح ولا تتزحزح مهما طال الانتظار،وكما ختم شيخ العشاق شمس الدّين التّبريزي بالقاعدة أربعين من " قواعد العشق الأربعون" التي ظلّت محفورة بحروف من ذهب في الشّرق والغرب عند كلّ المؤمنين بالعشق نختم هذه الإضاءة المقتضبة عن قصّة قصيرة "نفس أمّارة بالعشق":" لا قيمة للحياة من دون عشق.لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده،روحي أم مادي،إلهي أم دنيويّ،غربيّ أم شرقي،فالانقسامات لا تؤدي إلاّ إلى مزيد من الانقسامات.ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف.إنّه كما هو نقي وبسيط.العشق ماء الحياة،والعشيق هو روح من نار ! يصبح الكون مختلفا عندما تعشق النّار الماء".
الإحالات:
* هذه القصّة فائزة بجائزة أدب العشق للعام 2009،وقد نشرت في المجموعة القصصيّة "في العشق" الصّادرة في العام 2009 عن وكالة سفنكس/مصر،ثم نُشرت مرة ثانية ضمن مجموعة"تراتيل الماء" الصادرة في العام 2010عن مؤسّسة الوراق للنّشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنية/الأردن.
1- جائزة أدب العشق لوكالة سفنكس للتّرجمة والنّشر،القاهرة،مصر،عن قصّة" نفس أمّارة بالعشق" للعام 2009
2- القرآن الكريم،سورة يوسف،آية 53.
3- سناء الشّعلان:تراتيل الماء،ط1،مؤسّسة الوراق للنّشر والتّوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنيّة،الأردن،عمان،ص122.
4- نفسه:ص121.
5- نفسه:ص121.
6- القرآن الكريم:سورة الشّمس،آية 7-10
7- سناء الشّعلان:تراتيل الماء،ص122-123.
8- نفسه:ص123.
9- نفسه:ص 126.
10- نفسه:ص126.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 332
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 1:11 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top

.


سناء شعلان في سبيل الحوريات

د. شوكت درويش

الصلة بين الحضارات قديمة منذ نشوئها ، ويظل الاحتكاك بينها قائماً ؛ يعلو أحياناً ، ويهبط أخرى ، تبعاً للنظرة للآخر ، ففي أحيان تسيطر حضـارة الغالب المنتصر على حضارة المغلوب المنهزم ، أو حضارة المجتمعات الراقية على حضارة المحتمعات المتخلفة ، وهذه الصلة لها ايجابياتها ولها سلبياتها ، ولكن لا بدَّ منها ، فهي ضروريّة ضرورة التميز الثقافي ، أو التثاقف ، وقد تظل قائمة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ، ولا ضير في ذلك ، ولكن إذا كان سيف القهر مسلطاً على الشعوب المستضعفة ،فقد يكون اللجوء إلى التراث استنهاضاً للهمم ، وإيقاظاً للشعور بالعزة والكرامة ، ومطالبة بالإتكاء عليه في النهوض واللحاق بركب التقدم والازدهار لبناء حضارة جديدة جذورها في التراث ، وأغصانها وفروعها في المعاصرة.
في سبيل الحوريات للدكتورة سناء شعلان ارتباط بالتراث أيما ارتباط ، نراها تنزع إلى معلم من معالم حاضرة الأردن لتدير حوله قيمة تراثية كان لها امتداد عبر حقب زمنية لم تشر إليها – لأن هذا ليس لازماً من قبل القاصة – سوى ما يخدم قصتها ، وما يضفي على بطلها – الذي لم تسمه ، لأن كل واحد هو بطل قصتها – من خيالات ، لما كان يعمره من فاتنات أيام كان السبيل سبيلاً. " وهو حمام روماني قديم ، تهدم معظمه بفعل الزلازل الأرضيّة ، ولكن فناءه الداخلي ، وغرف تبديل الملابس ، وأحواض الاستحمام ما تزال بكامل وجودها."
وسبيل الحوريات من المنشآت الرومانية في عمان ، وقد كان هذا البناء على جانب كبير من الفخامة والجمال حيث كانت تغطي جدرانه الداخلية الواح من الرخام ، والرسوم الجداريّة ، أقيم هذا البناء على شكل نصف مثمن ، ويرتفع في ثلاثة أدوار ، ويضم ثلاثة محاريب على جانب كل واحد منها دوران من الحنيات الصغيرة التي أعدت لاحتواء التماثيل الرخاميّة ، ونوافير المياه ، ويرتفع فوق مجرى سيل عمان – الذي يخترق وسط المدينة – على أربعة عقود برميلية ، وكان الماء يمر تحت العقد الجنوبي ، أي يمر في البناء ، والسبيل كانت السلطات تقيمه تكريماً لعائلة الامبراطور في الطرقات لإرواء ظمأ عابري السبيل ، والكلمة مأخوذة من سَبَل الماء ؛ أي : جعله في سبيل الله والخير. والسبيل دائم الجريان ، ولذلك سمي " سبيل الحوريات " ؛ لأن حوريات الماء تسكن المياه الجارية ، وتم استعمال البناء في عمان في أزمنة لاحقة بيزنطيّة وأمويّة.
هذه العجالة عن " سبيل الحوريات " لا بدَّ منها ؛ لأنها تنير بعض جوانب هامة ، فالارتباط بالعاصمة واحد منها ، ومحاولة رسم مَعْلَم هام من معالمها – سبيل الحوريات وما يمثله هذا المعلم من امتداد تراثي – قيمة تراثية – تتكئ عليها القاصة للدعوة إلى النظرة إلى القيم التراثية من جوانب متعددة ، ليس البطل رساماً فحسب ، ولكنه عاشق فَنِّه ، واعٍ لعمله ، مُضْفٍ عليه شيئاً من المسحات الجمالية التي يبتكرها خيال العاشق الولهان "يرسم لوحة واحدة لكل مكان أثري ، ولا يزيد. والعاشق البطل أمام هذه القيمة الحضاريّة – الثقافيّة والمعماريّة" منذ أيام طويلة عالق أمام سبيل الحوريات ، يرسمه من قريب ، ومن بعيد ، من أكثر من زاوية يضفي عليه أرواحاً وأجساداً وضحكات ." هذه القيم التراثية ، هذه القيم الثقافية ؛ لا ينظر إليها البطل من زاوية واحدة ، بل يتفحصها من كل الجوانب ، متخيلا الأجداد الذين صنعوا هذه القيم الحضاريّة و"يضفي عليه أرواحاً وأجساداً وضحكات" ولكي تكمل المشهد المتخيل " تغيب منه أجزاء في اللوحة ، وتحضر أخرى" حسب الاحتكاك بين الحضارات ، ولكن تبقى القيمة التراثية هي الفضاء الرحب الذي يثبت أمامها ، ملازمة القاصة حتى آخر نبض في القصة " لكن وجهها هي بالذات عنصر ثابت في كل لوحاته.
" إنه مفتون بسبيل الحوريات " وهل يفتن إلا المحب الولهان ، وحبك الشيء يُعمي ويُصم ؛ " بل إنه يتخيل فيه عشرات النساء العاريات كأقمار في ليلة صيف ، وإنه يناجيهن ويستمتع برؤيتهن وبمداعبتهن " إنه خيال العاشق ، عاشق يضفي مسحاً جمالية على محبوبه ، أحب التراث وعايشه ، وأسقط عليه ما تخيله أيام كان الصرح صرحاً حضارياً ، ينبئ عن عظمة بانيه ، واستمراره على امتداد عصور وعصور مع ما أضافه كل آت لمن سبقه ، وظل إلى يومنا هذا شاهداً على عظم بُناته ، وحق لنا أن نفخر بهم ، وبما شادوا.
القيمة الحضاريّة – وبخاصة التراثية – عادة ما ينظر إليها الدارسون نظرتين متضادتين ؛ إحداهما : على أنهّا بالية ولا تستحق العناء والجهد اللذين يبذلان في دراستها ، والأخرى : على أنها محترمة ومقدمة وهي الأصول والجذور التي حملتنا فروعاً لها ، ولذا فإنها تستحق العناء والجهد والدراسة المعمقة.
" هاجر " بطلة القصة ، قيمة حضاريّة ، فلذلك سمتها ، لا يعي قيمتها إلا فنان حاذق ، رسمها من كل جوانبها ، درسها درساً عميقاً بوعي ، وعرف قيمة تعريها ، عرف صلتها بما هو كائن الآن من عدم معرفتها ، ومعرفة ارتباطها بالتراث ، ففي البداية نراها " نعم ، تستهويه بكل ما فيها بملابسها القذرة ، بأطرافها المتسخة ، بأظافرها القذرة ، بشعرها الأشقر المتطاير بفوضى مسحت أي أثر لتمشيط حدث في الزمن الغابر – دراسة التراث – بدموعها التي تذرفها وهي تستجدي المارة – لدراستها – بحالات الجنون التي تنتابها – بالنظر المعمق لفهمهما – فتجعلها تتعرى من ملابسها – مما يسترها عن أعين الدارسين وبحث الباحثين – وتنصب نفسها إلهة مجنونة ترقص عارية في سبيل الحوريات – إلهة – تستحق الإجلال والاحترام.
وتشرك القاصة الجميع في النظر إلى " هاجر " القيمة التراثية الحضارية التي نفزع إليها عندما تنوبنا نائبة ؛ " الصغار يتصايحون ، والرجال يحوقلون ، وبعض النساء تتبرع لسترها بملابسها من جديد " هي جزء من الحضارة ، هي ذاكرة الحضارة " نهاراتها تقطعها بين آثار سبيل الحوريات ، وفي الليل تتكور في ركن منه وتنام ملء شواردها والسياح يقصدون الأماكن الأثريّة ليلتقطوا لهم صوراً معها ، أو : صوراً لها ، وروح حضارتنا " كانت تفرح عندما تلمع في عينيها أنوار كاميرات السيّاح – وهي في عز جنونها وقذارتها – علّهم يعرفون عنها – عن حضارتنا – شيئاً ، علّهم يعرفوننا حق المعرفة ، ولكن .... .
قابلها لأول مرة وهي في نوبة من نوبات جنونها ... لكنها كانت جميلة ... لحظتها شعر بأنا إلهة مسحورة ينفك سحرها في ماء مقدس ... كان نفساً تتذوق نفساً".
هو المهندس المعماري الذي يعرف عن وعي ودراسة ما حوله في سبيل الحوريات ، وما تضفيه هاجر على فنّه وعلمه ، وما هي بحاجة إليه من مسح ما علق بها من قاذورات وأوساخ ، وما أن " أهداها مشبكين للشعر " حتى بذلت محاولة جادة لتمشيط شعرها " وعكر صفو عمله " أول قطرات مطر من الشتاء " وما جعلها تتفاعل مع تداخل الألوان في اللوحة " يا ... خسارة ... فسدت اللوحة " واصطحبها إلى شقته في " الحي اللاتيني " التي تذكرنا برواية الدكتور سهيل إدريس في مطلع الخمسينيات ، والتي رسم فيها العلاقة بين الشرق والغرب " ولكن في عالم جديد ، عالم نسعى إليه نكون فيه انسانيين لا شرقين فقط ، عالم تتغير فيه مفاهيمنا عن الإنسانية والحريّة والمسؤولية ، عالم هو البداية التي انتهت بها قصة " الحي اللاتيني " لسهيل ادريس.
" وأعادت أمه بالسؤال عليه :
- لقد انتهينا الآن إذن يا بني ؛ أليس كذلك ؟
فأجابها دون أن ينظر إليها :
- بل الآن نبدأ يا أمي. "
" واختفت هاجر ، وافتقدها سبيل الحوريات ، ... كذلك اختفى الفنان الذي ظهر من جديد في مدينة أخرى ... " وإن كان زوجها الوحيد الذي يعرف أنه يملك زوجة ساحرة عيبها الوحيد – عندما تحل نائبة في الشرق ، وتتفاعل مع الأحداث " تتعرى عندما تغضب ، وتشرع في البكاء."
وكثيراً ما نسمع في هذه الأيام الصيحات التي تنطلق من الغرب أن الكثرة الكاثرة من الغربيين لا يعرفون عن الإسلام شيئاً ، ولا عن الحضارة العربية الإسلاميّة شيئاً ، فيعود " الاستمرار التوتر القديم في تحديد موقع الجماعة الثقافيّة العربية في العالم ، أي : ما اصطلح عليه بفكرة الهُويّة من نحن ؟ من الآخر ؟ واشتداد ميول الانغلاق ( الخصوصيّة ، الأصالة ) القائمة على نظرة ميثولوجيّة – أسطوريه – أو : نظرة أيدولوجيّة – عقديّة – إلى الذات والآخر. "


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½