دار الكشكول :: اطلع على الموضوع - بصمات أدبيه ناصعه
دار الكشكول قائمة المنتديات شارك
س و ج ابحـث قائمة الاعضاء المجموعات الملف الشخصي ادخل لقراءة رسائلك الخاصة دخول
أحدث المواضيع » تماما     .::.     » سيدي البعيد 29     .::.     » فضيلة قريب تناقش رسالتها عن رواية “أدركها النسيان” لسناء     .::.     » الشيخ والبحر     .::.     » والدي الحبيب في ذكراه     .::.     » صدور كتاب "حوارات مع شمس الأدب العربيّ سناء شعلان"     .::.     » غد لا يأتي     .::.     » سيدي البعيد 28     .::.     » «أكاذيب النّساء» للأديبة د.سناء الشعلان     .::.     » لعبة الهروب     .::.     » الوهم     .::.     » إلى فاطمة في عيدها     .::.     » تقاسيم في الليل     .::.     » السرد الأنثوي من الخيال إلى الحجاج قراءة في رواية (أعشقني)     .::.     » صدور كتاب "الجسد والعنونة في عالم سناء شعلان القصصي&     .::.     » خولة قاسمي ومديحة دمان تناقشان العجائبيّة في قصص سناء الشعلا     .::.     » سيدي البعيد 27     .::.     » سيدي البعيد 26     .::.     » ارجوحة فاطمة     .::.     » من ذاكرة الشام     .::.     » أمسية صيف     .::.     » الزهايمر     .::.     » ذات شتاء     .::.     » الهروب إلى آخر الدنيا: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،     .::.     » التفاصيل الكاملة لرواية اعشقني للدكتورة سناء الشعلان     .::.     » حدث ذات جدار: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » طلاسم عشق     .::.     » رؤى     .::.     » الجدار الزجاجي: مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » من يجرؤ؟!__د.هدية الأيوبي     .::.     » رواية السقوط في الشمس:هي أوّل رواية صدرت للأديبة د.سناء     .::.     » الذين أضاءوا الدّرب: للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الكابوس: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » صاحب القلب الذهبي: هي قصة للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة     .::.     » مساء الخير أيها الحزن _ د. أحمد الأحمد     .::.     » الروائيّة سناء الشّعلان ضيفة في جامعة العلوم والتكنولوجيا ال     .::.     » مبادرة "أكرموهم" تكرّم الأديبة د.سناء الشّعلان ووا     .::.     » مذكرات رضيعة: صدرت هذه المجموعة القصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » الذي سرق نجمة: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » تراتيل الماء:هذه مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان     .::.     » مقامات الاحتراق: هي مجموعة قصصية للأديبة د.سناء شعلان،وهي     .::.     » الرؤية السّردية في قصص الشعلان: دراسة تطبيقيّة     .::.     » الضياع في عيني رجل الجبل: هي مجموعة قصصيّة مشتركة     .::.    

استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
انشر موضوع جديد   رد على موضوع موقع الكاتبة د.سناء شعلان

مؤلف رسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الجمعة ابريل 16, 2010 7:44 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



ملحمة الحب والعطش : لسناء شعلان
د.رشيد برهون


يسكن الظمأ مجموعة "قافلة العطش"، ويتلبس العبارة والكلمة، ويصوغ المعنى وفق منطقه، منطق التشوف والتطلع إلى الآتي، أكان حلما واعدا، أو موضوع بحث مضن. إنه بالأحرى لا يبني المعنى ولكن يرسم ظلالا وإيحاءات، مستحثا القارئ أن يمارس لعبة تركيب الدلالة. ويكاد قارئ المجموعة، وقد استشعر حرقة الظمأ -سيد الفضاء- أن يلمس شفتيه، ويمرر لسانه عليهما، التماسا لقطرة ماء، بحثا عن الدلالة المتمنعة، المترائية بين سطور القصص، عطشا لا يرتوي، معنى لا يكتمل.. وقد جف الحلق، وانطلقت آلة التأويل عطشى تتحرق ظمأ للدلالة المستسرة في الظلال والإيحاءات والرموز. تقول المجموعة خيرني بين الماء والعطش، أختار الظمأ...خيرني بين المعنى الجاهز وعناء البحث عنه وبنائه، أنحاز لمتعة التماسه كلمة فكلمة، صورة فصورة. سئل باسكال الأديب الفرنسي صاحب "التأملات" أيهما يختار، الصيد أم الطريدة، فاختار القنص. ينفتح القنص على إمكانات الطرائد، كما يحيل العطش على قافلة من الدلالات غير المكتملة في المجموعة، وعلى القارئ أن يبني المعنى، التماسا لقطرة ماء، سعيا وراء نأمة دلالة.
يغدو العطش إذن استعارة كبرى ونواة دلالية ترتد إليها نصوص المجموعة، كما أنه يولد مرادفاته السياقية، متجاوزا معناه اللغوي الضيق، ليغتني في المستوى الرمزي، مكتسبا أبعادا وجودية ونفسية وفكرية عديدة. ويبدو أن أول قصة في المجموعة، تلك التي منحتها اسمها "قافلة العطش"، تنطوي على أبرز العناصر والمكونات المتفرقة في القصص الأخرى. يستوقفنا فيها أولا هذه الرحلة العجيبة نحو استرداد نساء مسبيات. وبلغة شعرية شفيفة، يجعلنا السارد -أو بالأحرى الساردة، كيف نتخلص من لغة الذكورة؟- نعيش مع القبيلة "التي أضنتها المهمة واستفزها العطش" مخاوفها وغضبها وسعيها إلى تخليص أسيراتها. غير أن الحب له منطق آخر، إنه منطق التمرد على الارتباطات الدموية والقبلية، والتعالي على الوشائج البيولوجية العرقية لمعانقة قيم أخرى. فالأسيرة ترفض الرجوع إلى أهلها، وتفضل العيش مع حبيبها الأسمر الذي "أرادها منذ أن رآها، كان عليه أن يفتض جمال الواحات، وأن يدرك أرض السراب قبل أن يفترشها، ولذلك أحبها، أحبها خيلا برية لا تدرك.." (ص. 10). لنلاحظ امتدادات العطش بالدلالات السابقة التي أشرنا إليها في عبارة "الخيل التي لا تدرك"، نحن دائما مع القنص لا الطريدة، مع معاناة البحث والسعي، لا الامتلاك والانتهاء في المملوك. علاوة على ما ترسمه هذه الصورة من علاقة إيروسية شبقية تشف عنها الكلمات، هي لغة القبول والصد، التباعد والتقارب، قبل الالتحام المؤجل إلى ما لا نهاية، إذ دونه العطش الذي يغدو هنا رديفا لرفض الماء والارتواء وإن أتيح...العطش امتداد نحو الممكن الذي لا يتحقق إلا ليصبح عطشا آخر...من الطبيعي إذن أن يستبد العطش بمتن النص في شكل عبارات ناضحة شعرا وظمأ: "ما أجمل الظمأ في بحرية العشق"(ص. 12)، لتكون النهاية نشيدا منتصرا للعطش: "كان مسموحا للقوافل أن تعطش وتعطش، ولها أن تموت إن أرادت، لكن الويل لمن يرتوي في سِفْر العطش الأكبر." (ص. 14).
ينتصر الحب على القبيلة، وتفضل الأسيرة سجانها على أهلها، لتأتي ببدعة "ما سمعت بها العرب من قبل، كيف تقبل حرة أن تكون في ظل آسرها؟". إنه سؤال لن تتردد المسبية في الإجابة عليه: "أنا عطشى" (ص. 13). وينتصر الحب أيضا على رجال يخافون العطش الذي يهدد ارتباطاتهم ورؤاهم الضيقة: "عند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم، اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطشى، وعندما وصلوا إلى مضاربهم، وأدوا طفلاتهم الصغيرات؛ خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهن" (ص. 13). تتلفع الحكاية هنا برداء الرمز، ومن الرمز ينشأ تفسير آخر للتاريخ الرسمي الذي كتبه الرجل: "العطش إلى الحب أورث الصحراء طقسا قاسيا من طقوسها الدامية، أورثها طقس وأد البنات، البعض قال إنهم يئدون بناتهم خوفا من العار، البعض الآخر قال إنهم يفعلون ذلك خوفا من الفقر، لكن الرمال كانت تعرف أنها مجبرة على ابتلاع ضحاياها الناعمة خوفا من أن ترتوي يوما" (ص. 13). وكما ينتصر العطش على القبيلة، يطوح أيضا بمؤسسة الزواج غير القائم على الحب، سيد الفضاء القصصي إلى جانب العطش، ورديفه في المجموعة. ففي قصة "النافذة العاشقة"، نجد أن الشخصية الرئيسة تحس بالترهل وانطفاء الأحلام "وبالتحديد منذ أن تزوجت رجلا لا يعرف من طقوس الرجولة إلا لحظات الفراش، التي تمر مثل التقاء غريبين في مرفأ عتيق، ثم سريعا يلوحان لبعضهما بالوداع دون أدنى مشاعر" (ص. 15). وعندما تريد التعريف بنفسها تقول إنها "متزوجة وأم لثلاثة أطفال وأسيرة لشيء اسمه زوج" (ص. 17). إلى أن تكتشف نافذتها العاشقة المطلة على الشاب ابن الجيران الذي يوقظ في نفسها العطش إلى الحياة. النافذة العاشقة هي إذن نافذة العطش، تسترد من خلالها المرأة إحساسها بذاتها، وبرونق عينيها وبنداوة بشرته، إنها نافذة "مدام بوفاري" في رواية غوستاف فلوبير الشهيرة، النافذة التي تستشرف من خلالها الحياة الموعودة. لا يتحقق اللقاء، ليظل العطش قائما، ولكن المرأة "كانت سعيدة...سعيدة...سعيدة جدا..." (ص. 19). وفي قصة "تحقيق صحفي"، تجثو المرأة على ركبتيها بين يدي حبيبها لتقول له دون مواربة: "سيدي الطالب رجب، أنا أحبك، وأكره زوجي، طلقني منه، وزوجني منك." (ص. 72). والمنطق نفسه يطالعنا في قصة "احك لي حكاية"، فالشخصية الرئيسة لا تجد غضاضة في الإفصاح عن مشاعرها الحقيقية مخاطبة حبيبها: "هذا الجسد ينتظرك منذ تسعة أعوام، حتى ذلك الزوج لم يستطع احتلال هذا الجسد أو احتلال هذا الحب، لقد كان قدرا ساخرا لمدة تسعة أعوام، لقد كان زوجا في فراشي، ولكن ليس في روحي، لقد كنت في كل ليلة لك ومعك، كل ليلة تركت لك الباب مفتوحا، ليدخل طيفك الساحر، وليضمني بجنون" (ص. 81). لا تتردد القصص في التمرد على الزوج وقد أصبح شيئا، وعلى الزواج إذ غدا سجنا لأنه لا ينبني على الحب بل على الواجب والرتابة وتفريخ الأطفال. ذلك أن الحب في المجموعة هو موضوع دائم للعطش، لا يسلم منه أي كائن، يختلط بالعجائبي والسحري والواقعي،ويفرض منطقه على الجميع سيدا لا راد لكلمته. ففي قصة "رسالة إلى الإله"، تعبر الشخصية الرئيسة عن سخطها على الإله الأكبر زيوس لأنها "تريد أن تتحرر، تتمنى لحظة حب واحدة، أهذا كثير على إله السماء؟ أكثير أن تتمنى رجلا يحبها دون نساء الأرض؟ هي تشتهي مخاصرة حتى آخر العمر، لقد كفرت بإله السماء الأصم الذي لا يسمع شكواها" (ص. 20). لبى الله زيوس طلبها، فخلق هاديس إله الموت الذي صمم على أخذها دون نساء الأرض. وهنا تتوالى صور العطش ملتحمة بصور يلتقي فيها الحب والموت واللذة: "جاء مسرعا وعطشان...امتدت يده السوداء القوية إلى تلابيب روحها، سكن ما بينها وما بين جسدها، ملأ ذاتها العطشى...كانت حشرجات الموت رائعة لذيذة...شعرت بسعادة العشق، وقبل أن ترحل مع هاديس إلى مملكة العطش، أرسلت زفرة شكر للإله زيوس" (ص. 22). وكما يأتي الحب مختلطا بالموت في "رسالة إلى الإله"، يحل حاملا معه الحياة في قصة "الفزاعة"، فبفضله تنبعث الروح في ذاك الكائن الفزاعة الذي لا ينتبه إليه أحد، بملابسه الرثة، وقبعته القديمة، وخروقها الكثيرة وقدماه الخشبيتين، وفمه المخاط على عجل، وجسده المصلوب ليل نهار، وقلبه المصنوع من القش، حسب الوصف الذي تقدمه القصة؛ ومع ذلك، فإنه لا يسلم من عدوى الحب، إلى حد أنه في نهاية القصة "استجاب لوجيب قلبه، ترجل عن مكانه، وقطع الحقل الصغير، داس دون أن يقصد بعض حبات الفراولة الحمراء، لم يقرع الباب، فتحه دون انتظار، ودخل إلى الكوخ" (ص. 30)، سعيا إلى مواساة الحبيبة الباكية. كل الكائنات في القصص ممسوسة بداء الحب، من الإله زيوس حتى الفزاعة، إنه الحب الذي يصنع المعجزات فيجعل الفزاعة يتمرد على شرطه المؤنث اسما، المذكر قلبا، الجامد وضعا، الحي باطنا.
يمتلك الحب أيضا في المجموعة فعل السحر، فهو يجمع بين المتناقضات والمتنافرات، ويوحد بينها: الطبيب الأشقر والساحرة الإفريقية في قصة "تيتا"،؛ وعزوز الأعور والجنية في قصة "الرصد"؛ والوسيم الروماني والمرأة القزم المسخ في قصة "امرأة استثنائية"؛ والفنان وهاجر المجنونة في قصة "سبيل الحوريات"، وهنا يغرينا الوقوف عند الدلالة الرمزية البعيدة لهذا اللقاء بين الفن والجنون، في إشارة إلى النبع البدئي الأول لفعل الإبداع، وهو الجنون والتمرد وخرق المألوف. هكذا، بفضل التعطش إلى الحب، يلتقي البشر من كل الأعراق والألوان، ويتحد العقل والجنون، ويلتحم الإنس والجن، في أمكنة وفضاءات يختلط فيها الواقع بالأسطورة والخيال والحلم.
لا غرو إذن في ملحمة الحب والعطش هاته، أن تنتهي الكثير من الحكايات بأفعال تدل على البحث والترقب والظمأ: "الويل لمن يرتوي في سفر العطش الأكبر" (ص. 14)؛ "تنهد شوقا ورغبة، كان مجنونا مسحورا، وخمن أنه لن يشفى أبدا" (ص. 43)؛ "أقفل باب الكهف على الرصد" (ص. 4Cool، "طغى عليها صوت قطار منتصف الليل الذي غادر المحطة في رحلة جديدة" (ص. 61)، "ضاعت في الصحراء، ولم يعنِّ أحد نفسه ليبحث عن امرأة عاشقة قد اختفت في الصحراء في مهمة صحفية" (ص. 73)؛ "سبحت في بحر عينيه، وهي تغالب الدموع، وقالت له احك لي حكاية" (ص. 85)؛ "في الطريق توقف لعشرات المرات، حدق في كل الوجوه والمناظر، وأدرك أن من نبحث عنهم هم دائما أمامنا وأن الحياة يصبح لها طعم آخر عندما نتوقف عند جزئياتها...ولو كان ذلك التوقف عند مواد قطة" (ص. 103)؛ "ومن جديد عاد يحترف الانتظار" (ص. 125).
يأتي في هذه النهايات/ البدايات رصد الآتي وتوقع حكايات ستنشأ من جوف الكهف رمزا لعمق المخيلة المولدة للحكايات، في تقابل بين المحطة والكهف بوصفهما فضاءين للامتداد نحو الأغوار المليئة أسرارا. ويغدو القطار والكهف رمزا للبحث عن عملية اقتناص حكايات أخرى تنسجها المصادفات ويستحثها الظمأ إلى الحب، كما أن فضاء الانتظار والأمام هو الأفق المشرع على الحكايات، ألم يقل غابرييل غارسيا ماركيز نعيش كي نحكي عما عشناه؟ تصبح الحياة إذن تعلة للكتابة عنها، هذا ما تقوله هذه القصص: الكهف والقطار وطلب مباشر لسرد حكاية ترويها لنا من جديد الأديبة سناء شعلان في مجموعة أخرى ننتظرها على أحر من العطش,
___________________________________________________________


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الجمعة ابريل 16, 2010 7:48 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


*سناء الشعلان قلم يمطر حكايا:*الحرمان سوار يطوق قصص تعج بالحياة

نهلة الجمزاوي



في أرض الحكايا تقف مذهولا لتصدق ما ظنته سناء في طفولتها أن هناك أرضا للحكايا ، لتجد نفسك في غابة خصبة خضراء تعج بالحكايا الغريبة القريبة ..اذ تأخذك الى عالم ألف ليلة وليلة الحالم وتطوح بك لتزجك في أزقة الواقع اليومي المعاش بكل تفاصيله وعبر قلم تنساب منه الحكايا بسلاسة حبات المطر ، اذ تجد نفسك في عالم من الإثارة والدهشة أمام بساطة الحكاية وقربها الى نفسك حتى لتحسب أنك عشتها يوما ثم سرعان ما تنزلق من بين يديك الحكاية لتقع في شرك حكاية أخرى تشبهك أو تشبه جارك أو صديقك أو فيها بعض من ملامح حيك وبلدتك.
ما قصدته هنا أن سناء استطاعت أن
تنغمس في الواقع النفسي والإجتماعي العربي حد التفاصيل لتخرج بقصص ملونة مثقلة بعذابات القهر والحرمان للنفس البشرية .
لم تكن سداسية الحرمان في مجموعتها القصصية أرض الحكايا وحدها تعبر عن "الحرمان من الحاجات الإنسانية الأساسية المهمشة" بل أن همّ الحرمان جاء ليطوق قصصها كسوار لا تحجبه التورية أو محاولة الإلتفاف على شكل القصة أومضمونها ..
المغاير فيما طرحت سداسية الحرمان أن بطل القصة كان رجلا والرجل حسب مجتمعنا له الحق في اطلاق العنان لرغباته الإنسانية الى أقصى حدّ ، وكم ظلم الرجل في المبالغة عند معالجة هذه القضية أدبيا أوبحثيا من قبل أقلام لا حصر عددا وزمنا ، ذلك لأن المعروف والمتفق عليه أن الحرمان قضية تتعلق بالمرأة فحسب.
معالجة المسكوت عنه في سداسية الحرمان جاء فعلا بالجديد الذي ينصف هذا الكائن المسكين الذي طالما نشهر أقلامنا في وجهه على أنه المتربع على عرش لذات الحياة الإنسانية ، اذ تطيح به سناء لتضعه على أرض الواقع وتكشف عن حقيقة أمره وتسلط الضوء عبر مشاهدات درامية عن مكنونات نفسه التائقة الى الحياة والمعبأة بالفراغ والحرمان ، ذاك الحرمان الذي كثيرا ما تأبى عليه رجولته التعبير عنه ..وعبر صور وأشكال كثيرة يعج بها مجتمعنا تجعل من الحرمان وحشا يقود الإنسان أحيانا الى الجريمة والعنف أو يتركه حطاما انسانيا لا يدرك مصابه أحد ، فمن الرجل الأسطوري في الجزيرة الى فتى الصالون الواقعي المعاش ترتسم صورة الحرمان جلية بين السرد والمولوج فتقول :"يعزف بيديه على أنوثة الزبونة كما يعزف الموسيقار على آلته الأثيرة يتخيل الزبونة امرأته هو بالذات يخلق وجلاتها وألوانها كما يشتهي هو بالذات ،يتركها آلهة للجمال ، تطير الزبونة فرحا ورضا بما فعل وتنقده اكرامية سخية لتطير الى حضن رجل ما ،ويبقى في فوضى أنوثتها المغادرة"
في أكاذيب البحر والنوارس تجعل المرأة شريكا في الحرمان وضحية أيضا فتبدأ قصة بطلتها بالعبارة الجازمة:"حرام أن تعشق حرام أن تشتهي" هذا هو الدرس الأول الذي لقنه لصبية الطائفة عندما كان معلما طفلا".
ثم يأخذ الحرمان أشكال مختلفة في قصص المجموعة ليتمثل في كل شرائح المجتمع طفلا وامرأة ، أفرادا وشعوبا، ويتجلى بصورة كاريكاتورية ساخرة في قصة "الباب المفتوح"
عندما أخذتنا لمشهد من ألف ليلة وليلة لترسم صورة السلطان السمين ذو الجواري الحسان حين أمر باعدام طفل حلم بشرب الحليب الذي تستحم به جواري السلطان ..اذن هو وجه آخر من وجوه الحرمان حيث الفقر الذي تنتجه الظروف السياسية والطبقية حيث مسخ الإنسان وتحويله الى شيء مجرد من الحاجات الطبيعية التي فطر عليها...
في الجدار الزجاجي يتجلى الحرمان بأقسى صوره عند فصل الطفل عن أمه فيكون جدار النافذة الزجاجي للسيارة التي أقلت أمه عند الرحيل هو السبب الأول في تعرفه على ملامح الحرمان ، تقول:"جدار زجاجي رقيق كما رقاقة كنافة هو أول من أذاقه الحرمان"، ثم ترسم سناء صورة واقعية لمأساة يعيشها آلاف الأطفال في مجتمعنا ممن يقعون فريسة فقدان الأم والحياة في ظل زوجة الأب الظالمة حد الإجرام دون عين اجتماعية تترصد لهذه المشاهدات لتنقذ أطفالا أبرياء يلاقون عبر بيوت مسقوفة محترمة ما لا يلقاه سجين سياسي في معتقل العدو..هنا تسلط سناء ضوء قلمها على مشهد من مشاهد تلك المأساة الإجتماعية لترسم عذابات طفلين عايشا ذل الأم واقصاءها قسرا عن حياتهما لإحلال زوجة الأب الغليظة المتوحشة لتذيقهما ألوانا من الذل والحرمان.
الزجاج هنا حاجز منيع لكنه يشف عما خلفه، وهنا تأتي فلسفة "الزجاج" كونه حاجزا فاصلا لكنه يكشف عن كل ما يدور حوله..مما يعمق الشعور بالحرمان ويزيد من حدة العذاب أن يرى يرى الإنسان ما هو محروم منه أمام ناظريه ..وتتعدد صور الجدار الزجاجي ليأخذ أشكالا متعددة فيصبح سجنا له عندما تحبسه زوجة أبيه بين زجاج النافذة وقضبانه الحديدية ليفصله عن أخته عيشه وهو يشاهد تعذيبها على يد زوجة أبيه وعن الأطفال الذين يمارسون حياتهم الطبيعية باللعب في الحارة ، كما هو حاجز يفصله عن أخوته من ابيه الذين يرفلون في ثياب الطفولة المكللة بالعناية والدلال كما يحول دون ايصال شكواه الى أبيه ،تقول:"بقي الجدار الزجاجي عملاقا لحرمه من أبيه وأمه ومن طفولته التي تفر ببط..."في كل ليلة يحلم بأنه حطم ذلك الحائط الزجاجي الملعون "
هنا يبدأ في مقاومة حائطه الزجاجي بالحلم بتحطيمه خاصة بعدما شعر بعجزه الشديد حيال انقاذ أخته التي أحرقت نفسه في محاولة للخلاص.
الزجاج مرة أخرى يتمثل في صندوق المستشفى التي وضعت به عيشة للعزل يقف أمام رغبته في لمسها وتقبيلها ليشكل حاجزا جديدا أمام رغباته ومصدرا لتعميق ألمه ومعززا لفكرة هروبه الى خارج سجن زوجة أبيه.
وبعد الهرب في محاولة للخلاص يتجلى الجدار الزجاجي مرة أخرى ليفصله عن الدفء وأسباب الحياة وهو يرقد محاولا التماس الدفء ملتصقا بنافذة صاحب العمل ليموت متجمدا حالما بأمه وبالدفءخلف الجدار الزجاجي الذي حال في النهاية بينه وبين الحياة.
اذا هي رحلة المعاناة والحرمان تتمثل في فصل الإنسان عن رغباته وحاجاته هي على مرمى نظره ورؤيته مجسدة ذلك في "الجدار الزجاجي " الذي يعمق الحرمان ويزيد من الشعور بالظلم.
في ملك القلوب حيث محاولة اللجوء الى السحر لفك طلاسم مصدر الألم لنكتشف ببساطة أنه الحرمان ثانية وأن الحب هو التعويذة السحرية الوحيدة للتغلب عليه وهنا دخول بطريقة شفيفة الى النفس البشرة للبحث في مكامنها والوقوف على احتياجاتها ببساطة ويسر ودون تعقيد..
"ذاب ملك القلوب سعادة وأورقت القلوب عشقا وسعادة وكتب في سفر السحر الأعظم كلمات حب سحرية جديدة"
في "البلورة" تعود سناء لرسم صور أخرى من صور الحرمان حيث العلاقة بالوطن وبالأخر المتمثلة بالحرمان من الحرية حرية التواصل مع الحبيبة حرية التعبير عن رأيه حرية الرفض لفكرة الحرمان ذاتها
"حرم من كل شيء، بداية حرم من حنان اسمه أم وأب فيما بعد حرم من حنان التي أحبها بقدر حب الأصداف للبحر ابتعد عن حبيبته البحر لكنه بقي ما بقي يحمل في داخل صدفته صوت هديرها ورائحة ملوحتها .."
"فيما بعد سجن لأنه قال "لا للحرمان" كان غريبا في وطنه وعدوا في سجن الخذلان"
مرة أخرى يعود الزجاج ليمثل قيدا على البطل من خلال البلورة الزجاجية السحرية التي يستخدمها ضابط المخابرات ليراقب البطل ويحاصر حريته وكما وقف الحائط الزجاجي حائل بين الطفل ورغباته في قصة الحائط الزجاجي وقفت البلورة حائلا بين الرجل وحريته وسببا لمعاناته ليتحول من سجن الوطن الى سجن أضيق هو سجن البلورة الأكثر ضيقا ومحاصرة من السجن الذي ضم جسده فالبلورة تحاصر روحه التائقة الى الحرية "وأصبح سجين البلورة ، كان يعرف أن كل كلمة يقولها تنقل اليهم ..." اذا حاول التخلص من سلطة البلورة فلم يفلح الا بالإنتحار..ثم تتوالى التداعيات ..ليكتشف الضابط صاحب البلورة أنه يقع أسير بلورة أكبر مما يقوده للإنتحار أيضا ، اذا هو الموت يعود من جديد كصيغة للرد وليعبر عن ضعف صاحبه أمام الحائط الزجاجي الحائل دونه والحياة.

تتناسل الحكايات بأشكالها المختلفة وتنطلق راكضة في "أرض الحكايا "وتتفنن سناء في رسم صور وأشكال لأبطال أخرجتهم من قلب الأرض وأسرجتهم خيول الخرافة لتعود بهم منكسي الرؤوس أمام سطوة الواقع على الإنسان لتخرج بهم محملين بعناء بحثهم الدؤوب عن حقهم الفطري في الحياة محاولين فض سوار الحرمان الذي يطوق أعناقهم .
______________________________________________

سناء شعلان: أرض الحكايا،ط1، قطر ، الدوحة، 2006.







توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الجمعة ابريل 16, 2010 7:53 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




قافلة العطش لـ سناء شعلان )الحبّ حرفة إنسانية في فضاء غرائبي )

ابراهيم عقرباوي


" ورحلت قافلة العطش ، كانت عطشى إلى الحب ..."
بهذه الكلمات تفتتح القاصة سناء شعلان أولى قصصها وكأنها توقد أولى شمعاتها التي تنذر بضياء هائل أو حرائق بحجم الحب ،وتمهد الطريق أمام القارئ ليفتح باب الحكاية تلو الحكاية المتوالدة من تنور أرقى مشاعر الانسان صفاءً . الحب ولا شيء غير الحب .
لا هاجس لدى الكاتبة في ( قافلة العطش ) سوى تأكيد هذه القيمة والاخلاص لها والدفاع عنها برؤية فنية ولغة تعبيرية موحية ، وهذا ما جعل قصص المجموعة تتسم بوحدة الموضوع أو الحدث وتتباين في طرائق المعالجة عبرلجوء الكاتبه الى تقنيات متنوعة والافادة من تعدد مستويات السرد الواقعي وان انطلقت احيانا من رؤيا فانتازية بدخولها دائرة اللامعقول حيث تدفق الزمن وغياب المكان .
وبنظرة فاحصة لمحتوى هذه المجموعة نلاحظ ان قصصها توزعت بين الواقعية والغرائبية وان كنت اميل الى ايقاع الواقعية لقربها من ذائقة وفهم القارئ أكثر مما سواها . لذا ارى لزاما البدء باستجلاء اجواء القصص الواقعية المتمثلة بـ( النافذة العاشقة ) وفيها : ( آمال أمراة عادية ، لم تكن تأبه بجسدها الذي ترهل دون مبالاة بأعين الرقباء ولا بملابسها ذات الموضة القديمة المنسية ،ولا بخضرة عينيها اللتين غرقت فيهما الاحلام منذ زمن طويل ... ص15) .
انها أمرأة لها بيت وزوج وأولاد ، وغدت في خريف العمر كغيرها من النساء لكنها تفتقد دفء العلاقة مع زوجها اذ تمر اللحظات معه مثل التقاء غريبين في مرفأ عتيق ، ثم سريعا يلوحان لبعضهما بالوداع دون ادنى مشاعر . وينبثق امامها ابن الجيران الشاب الاسمر ذي الهدبين السرمديين بنظراته الفضولية والذي استطاع ان يضرم في داخلها مشاعر كانت خامدة وجعلها تفكر فيه وتلازم نافذة مطبخها ، غير انه يسافر بغتة ويتركها وحدها مع نافذتها الحميمة لتبقى اسيرة هواجسها وخيباتها ( كانت سعيدة ، سعيدة ، سعيدة جدا ً ... هكذا كانت تصنف نفسها لنفسها ، التي كانت تعجب منها عندما تتكوم بلا حيلة على بلاط المطبخ الى اسفل نافذتها العاشقة وتنتحب بحرقة ... ص19).
ثمة امرأة هنا يحيق بها السأم ، ويعتريها جفاف المشاعر ، وتعاني تجمد علاقتها بأقرب الناس اليها _ زوجها_ انه خريف العمر المفضي الى شيخوخة لاترحم، وماذا بعد ؟ النافذة حلمها الاثير . حلمها الذي تكافح كي لا يتبدد .. وهي لا تكافح الا بدموعها . انها امرأة مستكينة لظرفها ولا تملك فكاكا من واقعها المظلم .
وتنتقل بنا الكاتبة في ( قطار منتصف الليل ) لتحكي لنا قصة رجل ذهب في موعد غرام ليقابل فتاة جامعية احبها دون ان يراها وبدلا منها سارعت معلمتها للقائه لغاية نبيلة في نفسها ، ولكن الامور لا تجري كما هو مخطط لها ، ويقر قرارها ان تخطو باتجاهه وتحتضن باقة الزهور التي جلبها معه ..
تظهر لنا الكاتبة نموذج المرأة المغامرة التي لا تملك أمام وهج الحب المنبثق من باقة الزهور الحمراء انصرافا . والفكرةهي ان المرأة أبسط مما نتخيل ، ولا يستولي على كيانها وعقلها شيء كالحب .
أما ما نعاينه في ( تحقيق صحفي) فهو نموذج المرأة المتمردة على واقعها وظرفها الاجتماعي . هي المرأة التي يمارس الزوج بحقها فظاظته وقسوته بدنيا ونفسيا وما ان تلوح أول بارقة حب أمام ناظرها حتى تحرق السفن ورائها وتغذ الخطو باتجاه القلب الذي يناديها .
الى الصحراء العربية جاءت لعمل تحقيق صحفي حول إحدى القبائل البدوية ،فتلتقي ( الطالب رجب ) الرجل المهذب الرقيق الذي تفضي لقاءاته بها الى الزواج بعد تطليقها من زوجها بحسب عرف القبيلة (تذكرت ذلك الزوج الذي يسن اسنانه، يأكل جسدها ثم يوسعها ضربا وإهانة ص69) .
ولا تخرج قصة ( احك لي حكاية ) عن سياق ( تحقيق صحفي ) حدثا ومعالجة وكأن الامان المتحقق بالحب هو هاجس المرأة وطوق نجاتها الوحيد . المرأة التي تكابد ذاتياً جرّاء علاقة بائسة مع زوجها ، فتفر بروحها الى من احبت في زمن غابر: ( انت لا تعرف شك وحيرة وشوق وصبر امرأة تنتظر رجلا من ألف عام ص81/ وتطلقت من وسام ذلك الرجل الذي ضم جثماني تسعة اعوام كاملة ثم يأس مني ص83) .
وتتشابة النهايات باهداء باقة ورد حمراء الى القلب المنشود .
أما قصة ( قلب لكل الاجساد ) فالرؤية مغايرة إذ تنكفئ المرأة العاشقة على نفسها بعد انقطاع حبل المودة فيما بينها وبين فارس احلامها الذي حرمها من عذريتها ذات شتاء . وامعانا في جلد نفسها بل تحطيمها تسقط في وحل الرذيلة ، لتقتات على مرارة الذكريات وآثام الحاضر : ( وغاب الفارس وغاب اللقاء ، وغابت الفتاة المتدينة ، وبقيت الخطيئة ص74) .

ان هذه الطائفة من القصص باحداثها وأجواءها ونهاياتها هي ابنة الواقع ووليدة شروطه الموضوعية ، آثرت عبرها الكاتبة طرح قضية انسانية اساسية في حياة المرأة والرجل على السواء ، مع التشديد على ان الادب ليس نقلا حرفيا لوقائع حياة الشخصية في ظل علاقاتها الاجتماعية السائدة بل هو اعادة انتاج للواقع بغية الوصول الى حالة انسانية أرقى .
وفي هذا الاطار فان النماذج الاجتماعية المطروحة للمرأة عبر قصص سناء شعلان لم تتجاوز نموذج المرأة المستلبة المهزومة المستكينة لواقعها ، ونموذج المرأة المغامرة المتمردة على املاءات العادات القاهرة والاعراف الخانقة ، وهي بهذا بدت وفية للواقع من جهة ، ومخلصة لقضية المرأة في الحياة من جهة ثانية .
وبمتابعة ما تبقى من قصص المجموعة نلحظ لجوء الكاتبة في بناء منجزها الحكائي باعتمادها الغرائبية نهجا وحيدا ناظما لكافة خيوط النسيج القصصي ، ويتجلى ذلك في إدهاش القارئ وايهامه بشده الى حدث يحسبه واقعيا ويؤول بعد البدايات الى عالم فانتازي يمتد خارج حدود العقل والمنطق . انها لعبة استدراج أجادتها الكاتبة واستمرأت استئنافها في العديد من القصص على نحو يثير الفضول والاسئلة ، وهي بمجملها تأتي في سياق سردي يتضمن خطابا موحدا يقوم على فكرة ان الحب هو الذات العليا في الانسان، وان تشابهت القفلة احيانا ، ففي قصة ( الرصد ) تختطف الجنية الافعى عزوز الى مملكة الجان لانها عشقت في عينه شيئا لم تره من قبل في عين انسي . وكذلك الامر في ( بئر الارواح) التي تطالبها الزوجة باعادة روح زوجها اليها فتستجيب لنداءاتها في النهاية وتمنحها تلك الروح التي تخترق جسدها بعنف . ولا تفترق (زاجر المطر ) عن سابقاتها باختراق الفتى العاشق لكيان الفتاة البلاستكية الواقفة خلف جدار بيع الملابس الزجاجي ، والتي تخاطبه بانها ( أكثر اشتياقا )
انه الحب الاصيل بأبهى صوره حد الاستغراق والفناء في ذات المحبوب ، ويالها من نهايات !
اما في قصتي ( الفزاعة / امرأة استثنائية ) فنرى الحياة تدب في الجمادات لتستحيل الى كائنات من لحم ودم ( الفزاعة في الحقل / تمثال صخري / صوره في لوحة ) ونعاين سعيها الحثيث نحو من منحها سر الحياة ، صوب من أفاض عليها سحر روحه بكلمة واحده فقط ( أحبك ) مما يعني اننا بالحب نحيا يقينا .

انها قصص تمجد عطاء القلوب ، وتعلي من شأن قيمة الحب في حياة تمور بالضغائن والاحقاد ، وتعظم ذات الانسان بوصفها ذاتا عليا أقرب الى السماء منها الى الارض ، وبنفس الوقت تمنحنا مفاتيح ابواب ان و لجناها لا بد سنرتوي .
برعت الكاتبة في صياغة قصصها المتوفرة على العناصر الرئيسة من بداية وحدث وحبكة وخاتمة بلغة سليمة رشيقة محكمة وان اقتصدت في المقاطع الحوارية التي تكسر رتابة السرد . وجاءت قصصها مفتوحة على الزمان ، مستخدمة تقنيات متعددة في الشكل، ومستعذبة الاشتغال على وحدة الخطاب .
__________________________________________
سناء شعلان: قافلة العطش، ط1،بدعم أمانة الكبرى، دار الوراق للنشر والتوزيع،عمان، الأردن،2006.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: السبت ابريل 17, 2010 5:47 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


"مقامات الاحتراق*" لسناء شعلان.. والبحث عن تآلفٍ مع محيطٍ قاسٍ

هيا صالح*


لعل السمة الأبرز في مجموعة "مقامات الاحتراق" للكاتبة الأردنية المبدعة سناء شعلان، هي تقسيم القصة إلى أقسام عدّة، يمكن النظر إليها كبنية واحدة تسهب في الوصف والتحليل مختزلةً الفعل القصصي في شخصيات متماثلة في الحركة وغنية في الدلالة، وهي –الشخصيات- إن بدت ظاهرياً مستكينة ومستسلمة، بسبب الضغوط التي تُمارَس عليها وتسلبها أحقيتها في الرفض والاحتجاج، إلا أنها في دواخلها متيقنةٌ من انتصارها، ومن أن المسار الذي اختطّته لنفسها هو المسار الصحيح الذي يحقق لها التآلف مع ذواتها في ظل التنافر مع محيطها الزائف، وهي نماذج تصف المجتمع بصيغة المفرد للدلالة على زمن فقد فيه الكثيرون الكلمة الصادقة والموقف الشريف الرافض للكذب والخداع.
إذ تم تقسيم قصة "سفر الجنون" مثلاً، إلى عشرة أقسام، كلٍّ منها يشكل ثيمة وحبكة قصصية متكاملة البناء، فيما تحيل الأقسام بمجموعها إلى حالة من النقد والتحريض والحوار المستحيل بين السلطة والرعية، من خلال صور ملتقطة من حياة عدد من الشخصيات، وُسمت بالجنون، لأنها مارست حقها في قول كلمة "لا" التي تجمّدت على ألسنة الكثيرين ممن استساغوا قول "نعم" للحق والباطل على السواء.
فعندما يقرر الرجل، في القسم الأول (الجسد المجنون)، أن لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول غير الصدق بعد أن كان مجافياً للحق والصدق وغارقاً في عالم المجاملات والأكاذيب التي فتحت له أبواب المال والسلطة، يُزَجّ به في مستشفى المجانين، لكنه ورغم خذلان العالم الخارجي له، يبدو متصالحاً مع نفسه وشاعراً بمنتهى الرضا عن الذات: "شعر بسعادة غامرة، وأحس للمرة الأولى في حياته بالحرية والطمأنينة، لكنهم شعروا بالخطر، وتآمروا على جسده المسكون بجنون الصدق، فدفعوه إلى ما خلف العقل، حيث مستشفى المجانين، وتمنوا أن ينسى الجميع كلامه الصادق الذي قاله في لحظة جنون... هو الوحيد الذي لم ينسَ، بل ضحك كثيراً وكثيراً؛ لأنه قال كل ما يريد، ثم اعتلى الصمت الجميل، وانقطع في سريره الأبيض في جناح المجانين الخطيرين، ليتأمل نفسه الجديدة، وطال التأمل، فالمطلع كان هائلاً، والعمر كان قصيراً" [ص 18].
وفي "قلب مجنون"، القسم الثاني من القصة، يستبدل الرجل قلباً آخر بقلبه القاسي.. قلباً "تتقبّض وشائجه عند آلام أي بشر، وتنتفض غلائله لمرأى المنكوبين والمنكودين، ويتوتر بجنون عند مرأى البحر، ويحنّ بشوق غريب إلى إلهه الأخضر المعشوشب" [ص 19]. وبسبب هذا القلب يتم إدخال صاحبه إلى مستشفى الأمراض العقلية.
ويرفض الرجل في "عنبر رقم 9" القسم الثالث من القصة، مبدأ التقسيم والتصنيف، إذ كان تصنيفه في البيت الابنَ الزائد، وفي المعركة الجنديَّ الذي يرفض الاستسلام، وفي العمل المشاغبَ الذي لا يمتلك المرونة، ومع المرأة الرجلَ الذي لا يقايض جسد زوجته الجميلة بمنصب مهم.. ولأنه يقول كلمة "لا" يُزَجّ به في عنبر المجانين الذي يحمل الرقم 9، ورغم ما يبدو من استسلامه الخارجي لقدره المحتوم، إلا أن نفسه لا تنكسر وتظل أبية وشامخة: "لكنه يستطيع أن يعترف بأنه سعيد وللمرة الأولى في حياته بتصنيف ما، ففي هذا العنبر رجال يشرّفه أن يكون في خانتهم، ولو كان ذلك في الدرك الأسف من الجحيم، فجميعهم وصلوا هذا المكان؛ لأنهم ثاروا على مبدأ التقسيم والتصنيف، ورفضوا أنصاف الحلول، وأنصاف الأخلاق، وأنصاف الشرف، وأنصاف المبادئ، لذلك آلوا إلى العنبر 9" [ص20 – 21].
وتتوالى الصور في كل قسم من أقسام القصة، مقدّمةً شخصيات تُتَّهم بالجنون في عالم مقلوب الموازين، عالم ليس سوى "ساحة للمجانين الطلقاء" [ص21]. وهذه الشخصيات شاحبة المصير، يقودها خطابها الواعي، وإدراكها لذاتها وعلاقتها بمحيطها إلى الخذلان والخسائر الكبيرة على الصعيد الخارجي، والانتصار على الصعيد الداخلي.
وتظل المجموعة تدور في فضاءات زمانية ومكانية مشبعة بأجواء الخواء والموت والحسرة والألم.. فضاءات تغتال أحلام الإنسان وفرحته، وتترك بصمة الشقاء على وجهه المتعب، ففي قصة "مآتم الرصاص"، وعلى غير ما يتوقع قارئ العنوان للوهلة الأولى، ليس هنالك موت بمعنى الغياب الجسدي، إنما هنالك أشكال من الموت الداخلي/ النفسي ترسمه القصة بأقسامها الثلاثة، حيث الشخصيات تنبض قلوبها وتتحرك فيها الدماء، لأنها ما تزال على قيد الحياة، لكنها في جوانيتها تموت في كل لحظة، حسرةً وألماً وفقداً..
ففي "المأتم الأول" الذي جاء على شكل رسالة موجهة للدكتور جورج آرثر، يروي مرسل الرسالة قصة الطفل "فيصل" ابن الثلاثة عشر عاماً، الذي يُولَد بعين مبصرة واحدة، ويعجز الطب عن إرجاع البصر للأخرى المعطوبة. وبعينه المبصرة يشق فيصل طريقه في الحياة متسلحاً بموهبته الفذة في الرسم، لكن رصاصة طائشة تغتال نور عينه المبصرة، ليموت النور في داخله وما هو بميت: "لأن فيصل ما عاد قادراً على الرسم، لم يمت كما تتوقع، وليته مات، إذن لوضع حداً لمأساته، ولكنه أُصيب بالعمى. لقد سرقت رصاصة طائشة عين فيصل الوحيدة، أخطأت العينَ المظلمة، وصممت على التهام عينه السليمة، لم ترضَ أن تستقر إلا في ظلام عينه التي كانت مبصرة قبل لحظات، فشربت من زلالها حتى ارتوت دماً" [ص 32].
أما "المأتم الثاني"، فيروي قصة حليمة المجنونة، التي كانت أجمل نساء القرية وأكثرهن عقلاً واتزاناً وخلقاً، والتي أنجبت "سعداً" بعد سنوات انتظار طويلة، وكانت تطوقه بالرقى والتمائم والحجب وقطع الحلي الزرقاء خوفاً عليه من الحسد، لكن رصاصة طائشة اغتالت فرحة حليمة، وحولتها إلى مجنونة تدور القرية ليلاً ونهاراً بحثاً عن طفلها: "تصمت العيون.. وفي البعيد ألمح حليمة المجنونة تزغرد مذبوحة، وهي تطارد عين الشمس التي تتهيأ للأفول، وتجتهد كي تجد سعداً قبل أن يخيّم الظلام، فسعد يخشى من الظلام، لأنه طفل صغير، والأطفال الصغار يخشون الظلام والرصاص الطائش" [ص 39 ].
ويُحْكَمُ على جاسر في "المأتم الثالث"، بالموت شنقاً بتهمة لم يرتكبها، وإنما ارتكبتها يد طائشة ورصاصة عمياء اغتالت أخاه التوأم كايداً في ليلة عرسه، غير أن ما يؤلم جاسراً ليس حكم الإعدام الصادر بحقه، وإنما هو يخجل، والحديث له: "من دمعة أمي، وأشفق عليها من التصدّع حزناً، كما أشفق عليها من أن تفقد ابنين في عام واحد" [ص 40].
في "مقامات الاحتراق" المقسمة إلى تسعة عشر مقاماً، يتشكل الفضاء العام من صور لشخصيات تعبّر عن رؤاها المختلفة، وأحاسيسها المتصارعة ووعيها الضالّ والمضلَّل في آن.. إنها شخصيات مركبة تتعدد أهواؤها وأمزجتها وأيديولوجياتها وخلفياتها الثقافية والحضارية وطبائعها البشرية بما يعكس تنوعها وغناها.
ففي "مقام الزهد" مثلاً، يقرر الرجل التخلي عن مظاهر الحياة الزائفة وشهواتها، ويظل في صراع مع طبيعته البشرية التواقة إلى الحياة، إذ وحدهم الملائكة لا يخطئون، فتغلب الطبيعة البشرية عليه: "اعتكف في رأس جبل عارٍ من الشهوة والارتواء، ثمانين عاماً ما ذاق شهوة، ولا انتفض من رغبة، ولا أطلق زفرة حرمان، وعاهد الرب على أن يموت عطشان جوعان يسكن البرد عظامه. ومات بعد أن أخذ رشفة رحيق من شفتيها، فمات ريّان شبعان، تلفح عظامه حرارة العشق" [ص 10].
وقد جاءت المقامات في الغالب بلغة شعرية مكثّفة، تكثر فيها جماليات التصوير والإيحاءات والجمل القصيرة سريعة الإيقاع، لتخلق حالة من التوتر، وتكشف بحدّة عن طبائع الإنسان، ومثال ذلك "مقام الوفاء"، حيث الرجل الذي لم يستطع أن يتخيّل امرأة أخرى تحل محل زوجته الميتة، وفاءً منه لذكراها، يجد الحل لمعضلته أخيراً: "استأجر بيتاً جديداً، لا زهور أو نباتات منزلية فيه، وتزوج امرأة نحيلة لا تناسبها ملابس زوجته المتوفاة" [ص 12].
أما في "مقام التوحد"، فيبحث الرجل عن التآلف والانسجام مع عالمه الخارجي، وحين يعجز عن ذلك تتهمّش نفسه تحت وطأة الضغوطات المختلفة، ويظل يعاني العجز والفصام بعد أن يفقد دفء روحه وإنسانيته: "فشل في أول تجربة حب له، وقُطع لسانه في مجلس القاضي، لأنه قال الحق، وكاد يأكل نفسه جوعاً.. لأنه يرفض أن يأكل مال الأيتام. وطالت قائمة الفشل والهزيمة والانكسارات، فبحث عن نفسه فلم يجدها، وما عاد يشعر بأنه يسمع أو يحس أو يحلم، فبحث عن شيء يشبهه، ووجد ضالته في حائط صلد بارد، فتوحّد معه" [ص 16].
وأخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أن الكاتبة استثمرت اللغة الصوفية التي حضرت مفرداتها بكثافة في المجموعة، لتتخذ القصص منحىً صوفياً حمل دلالات مفتوحة على التأويل، ومن المفردات الصوفية: الوجد، الزهد، الاعتكاف، الشوق، الحقائق، الصفاء... كما بدا واضحاً نهل الشعلان من مخزون ثقافي خاص، حيث تشكلت لغة الكتابة ضمن سياقات حيوية تحوّل الشفهي إلى مكتوب يعبّر عن تجارب من الواقع وحكاياته.
________________________________________
سناء شعلان: مقامات الاحتراق، ط1، قطر، الدوحة، 2006.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: السبت ابريل 17, 2010 5:51 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


مجموعة "مذكرات رضيعة" لسناء الشعلان:ترجّل عن صهوة الحياة

د. خالد عبد الكريم


مدخل:
يشهد الأردن والعالم الغربي في مجال الكتابة الإبداعية شعراً وقصة ورواية اجتهادات في التنظير عديدة، ينهل بعضها من المرجعية الغربية والبعض الآخر يستند إلى ذوقه الفني والشخصي أو إلى أفكاره وتأملاته.
والكتاب في كتاباتهم للمجموعات القصصيّة ينظرون إلى القصّة القصيرة الجديدة في الأردن، التي يكتبها مجموعة من الكتّاب والكاتبات، الذين برزت مواهبهم الفنّية خلال العقد الأخير من القرن المنصرم، وقد حدّدت لنفسها منهجاً إبداعيا وفكّرت في الاتّكال على ذاتها. ومن نتائج هذا الجهد صدور العديد من المجموعات القصصيّة اللافتة. ومن تلك المجموعات نجد المجموعة القصصيّة "رضيعة"(1) للقاصّة سناء شعلان. التي حاولت خوض عملية التجريب القصّصي الذي توزّعه أقلام مختلفة انقسمت إلى نوعين: تجريب قصصي معقول، وتجريب قصصي موغل. والفرق بينهما أنّّ التجريب القصصي المعتدل لم يكسر كلّ القواعد الناظمة للقصّة القصيرة. بل اجتهد في إضافة لمسات فنيّة وجماليّة لم تطرقها القصّة التقليدية والقصّة الواقعيّة. ومن هؤلاء القصاصين والقصاصات سناء شعلان، موضوع القراءة النقديّة لمجموعتها القصصيّة الجديدة التي صدرت مؤخّراً "رضيعة".
ومن أكثر الكتّاب العرب الذين خاضوا غمار التجريب الروائي القاص المغربي أحمد المديني، الذي عُرف بغلوه في التجريب القصصي، كما اقترن التجريب بكتاباته الروائية والقصصيّة.
لكنّ تجربة سناء شعلتان في مجموعتها القصصيّة "رضيعة" عليها هذا المفهوم من التجريب، الذي ابتدعته القصة المحدثة، والذي يمثل بالنسبة لها الوليد الشرعي للمرحلة الحاليّة، مرحلة العولمة والهيمنة الرقمية، وانتشار القنوات الفضائية، وتعدّد الوسائط ووسائل التعبير وتعدّد قنوات التلقي، مع اختلاف جذري في نفسية القارئ، فالقيم التي كانت سائدة في السبعينات وقد غذتها الثقافة الجمالية الاشتراكية وفكرة الوحدة الوطنية، والقومية، والتحرّر الشعبي تلاشت مع انهيار المقومات واهتراء القنوات الموصلة. أمّا في الثمانينات من القرن المنصرم قد تأكّدت قيم الفرد، والإنعزالية، وتفكك الكتل الكبيرة، وتجمعها في شبه جزر صغيرة معزولة عن العالم وعن محيطها. لكن مع نهاية القرن وإطلالة القرن الحالي بات الفرد ذاته غير قادر على إثبات فرديته، ولم يبق له سوى محاولة إثبات فرادته على مستوى الخطاب، أيّ شكل الكتابة. فالعالم المعاصر بات عالماً استعاريّاً، وعالماً افتراضيّاً، ورقميّاً، لا صلة له بالواقع. فالواقع والمحيط محض خيال افتراض... ممكن... غير قادر على التأكّد من كينونته ولا من وجوده المادي وأثره الفعلي ووجوده الفاعل.
غير أنّ عالم اليوم عالم التكنولوجيا الحديثة والمتوحّشة، شكّلت لدى القارئ المُحدث عقليّة متناقضة، تمثّلها الحمولة المتنوعة لشبكة الإنترنت والممتدّة والمتداخلة والمتنوّعة.
وشكّلتها حمولة القنوات الفضائية التي فتحت الباب على مصراعيه أمام المتفرّج، فانفتحت على الأخلاقي ونقيضه، والأدب الرصين والتافه، والسينما التجاريّة والسينما الثقافيّة، خلقت التباساً بين الفكر والأخلاق، وبين قيم النبالة وقيم الانحطاط.
ومن الإشكاليات التي واجهت القصّة القصيرة، ووضعتها على الصعيد الإنساني معضلة "الإرهاب"، الذي انتشر كالسرطان في المجتمعات الإنسانية، ومنها المجتمعات العربية، التي دفعت ثمناً غالياً من إنسانيتها، وهويتها الحضاريّة. و"الإرهاب، كالفيروس، ماثل في كلّ مكان، هناك حقن عالمي متواصل للإرهاب"(2).
وقد وقعت القصّة القصيرة العربية المحدثة في مطب ما يشبه السياسي التكنوقراط يشتغل على الواقع الافتراضي (الورقي) لا على الواقع الحقيقي (المعيش). وتعاطت مع مفردة "الإرهاب"، بخيال مضاعف، انعكس على واقع مثالي، شكّل صورة عن الواقع الذاتي للقاص/القاصّة/، بعيداً لحد ما عن صورة الواقع المتأرهب في جميع تفاصيل الحياة اليومية، ولم يقتصر على الفعل الإجرامي، أي أنّ الجرم كان نتيجة للواقع الاجتماعي المتأرهب!
ومن أبرز الملامح الإشكالية القصصيّة التي تناولت قضية الإرهاب، التي يرتكز عليها الخطاب القصصي عند القصّاصين/القاصّات/، التقطيع المشهدي. وقد أصبح هذا الخيار مبدئياً لدى الجيل الجديد. ويجد سنده في الكتابات القصيرة في السينما، وفي المسرح، والروايات التلفزيونية. بل مرجعه الأساس الواقع الافتراضي؛ لأنّ الواقع كما ينظر إليه اليوم، لا يبدو إلاّ مقطعاً، وعبارة عن مشاهد متراصّة غير فسيحة.
لكنّ للمشهد القصصي إمكانيات جماليّة وخطابيّة متعددة، كالتكشيف والاختزال، وهما ملمحان فارزان؛ لأنّهما يقفان في الطرف الآخر والنقيض من الكتابة المسترسلة، والكتابة التقليديّة. وإن كانت كلّ صورة أو مشهد أو لوحة فنيّة تعدّ ذات قيمة مسترسلة ومتواترة داخليّاً. وكذلك استرسالها وتفاعلها لا يتجاوزان الحدود الفاصلة لكلّ مشهد على حدة. أمّا خارجيّاً ومن المنظور الكلّي فإنّ التقطيع يتحكم في البناء.
حدث الإرهاب
حدث الإرهاب يتجلّى في المجموعة القصصيّة رضيعة" لسناء شعلتان، لا سيماً عندما يصبح الإرهاب شاهداً متطرفاً وغير إنساني أكثر من الإنسان الذي قيّدته العادات والأعراف والتقاليد، فيأتي الحبّ جريمة كبرى لا تغتفر، ويجب مناهضته وممنوع وقوعه.
"...ثمّ جاء الموت، جاء انفجاراً رهيباً صمّ أذنيها لثوانٍ خالتها سنوات، ظنّت أنّ انفجاراً حدث في عبوة غاز أو أنّ تماساً كهربائيّاً قد حدث، لكنّ سقف الصالة الذي انهار فجأة، وهوى زجاج الواجهات، جعلها تظنّ أنّ زلزالاً ضرب المكان"(3).
إنّ مرتكز هذه الحكاية في "النصل والغمد" الذي تمثّله الإرهاب القائم جوهرة على تحريم الحبّ وتجريم المحبّ. وهي حكاية متوارثة ومطردة عبر التاريخ الإنساني، وليس المحلي العربي فحسب، أي أنّها حكاية كونيّة لا محليّة.
والنظر إلى هذه المسألة مهم جدّاً؛ لأنّه يشير بسخرية إلى تحجّر الإنسان الذي قام بفعل القتل، واستطاعت القاصّة سناء شعلان استئناس الحجر شاهداً على هذا الموقف الغريب، فالصخر يحفظ العهد، ويبوح، يبوح بمكنون الذّات المضطهدة والمحبوسة والمقيّدة بحبال الإرهاب!
وإذا كانت الحكاية مقيّدة بالإرهاب وبالموروث الثقافي وبالعادات والتقاليد؛ فإنّ اللغة القصصيّة، كسرت القيود ، التي تعاطت مع هذا الموروث، ولهذا فهي لا تعاني من مركبات النقص، ولا تعرف ما معنى الخجل المقيت.
وتضعنا القاصّة سناء شعلان في هذا المقطع القصصي أمام تساؤل، هل تحتاج اللغة اليوم إلى حياء، وإلى إخفاء الحميم والذات؟ بيد أنّ القاصّة الشعلان انحازت إلى أنّ اللغة لا تعرف حدوداً، ولا تخجل من ذاتها في العراء أو في وسط القتل الجماعي، في عزلة الموت أو في وسط الضجيج العالي؛ لأنّ الإنسان يكون في لحظة عزلته أكثر عمقاً وتأمّلاً وإنسانية.
حراك الشخوص في النص القصصي "رضيعة"
كثرت الدراسات التي تناولت في التأكيد على حقيقة مادة القصة القصيرة تعود لحالة احتباس للحظة ما، شكّلت أطياف انفعالاتها في القاص، فتنشأ عنها احتباس إبداعي لحركة الشخوص المتحركة في تلك اللحظة المحتبسة، هم دمى حروف ترتدي أثواب آدمية الحراك في النّص القصصي، ولكن هل تعبّر هذه الشخوص المتحرّكة عن تفاعلات اللحظة المحتبسة؟ أم أنّها عنصر محايد باعتبارها كواليس لغة السّرد فحسب؟ هنا نعود إلى طرح السؤال التالي: ما المساحة المنضبطة لحرية حراك الشخوص؟ وما المسافة المتاحة للقاص/القاصّة/ في خروج عن طور دميته القصصيّة للتعبير عن ذاته الدفينة، دون تناقضات وإحداث خلل في البناء التركيبي شخوص القصّة، ولا يخفى على أيّ متتبع للمشهد القصصي العربي، أنّ تلك التساؤلات ما زالت في ملفات النّقاد العرب، وتحتاج لمن يكشف النقاب عن تلك الإشكالية القصصيّة.
قراءتي التطبيقية في هذا الصدد وفي ضوء تلك الإشكالية في محاولة جادة لنفض الركام عنها، من خلال تلك القراءة النقديّة على قصة "صانع الأحلام"(5) التي جاءت في المجموعة القصصيّة "رضيعة"(6) للقاصّة سناء شعلان.
"صانع الأحلام" لوحات دراميّة قصصيّة جيّاشة، ذات أطياف ألوان متضادّة تنتقل تواليك من أتون النص، أمواج متحرّكة بألوان متنوّعة، لا تلبث أن تبث انعكاسات بلوريّة قصصيّة عند كلّ موجة تلتحم مع حركة الشخوص القصصيّة. وتبرز في النص وتيرة التشويق المتصاعدة، وجاذبية العرض لشخوص النّص القصصي لـ"صانع الأحلام".
"على الرغم من أنّه صانع الأحلام، وأعظم حالمي القرن العشرين إلاّ أنّه يكره هذا الحلم، الذي يشلّ لحظاته، ويتداعى أمامه ألماً يُضاف إلى الألم الذي يشعر به، ولا يدرك معناه"(6).
إنّ واقعية تشخيص السلوك ألف ياء الواقع المقهور، وفي الوقت ذاته برزت براعة القاصّة في امتلاك مهارات ضبط مسارات القصّة وحراك شخوصها دون تفلّت منها وتفقّد أدوات السيطرة عليها، وبذلك تصبح الشخوص في منأى عن انطباعات ذات القاصّة، وميزة البراعة هنا تعود لطبيعة أجواء النّص القصصي، الذي يعود إلى سمة النّص الذي تتدفق فيه الانفعالات الثائرة الغاضبة، التي تبحث عن رمق الحياة، ففي تلك الأجواء يصعب ضبط أدوات النص والسيطرة على النص، لكنّ الشعلان تمكنت من ضبط ثنائية الرغبة، وحركة الشخوص القصصيّة.ويلحظ المتأمّل في النص، مرونة قلم قاصّتنا في بث مسرح حروف نصّها القصصي بين يدي القارئ، إذ تتحرك الشخوص بعفوية فيّاضة بتدفق المشاعر في انعكاسات السلب والإيجاب، والتواءات مسارات الجسد في المكان بحيث تتشكّل معها عقدة القصّة، وإيقاعات تأزّمها وفكّها بأناة، وهنا تبرز سمة إبداع النّص وتعود لقدرة القاصّة في منح شخوص نصّها حريّة الحراك داخل زوايا النّص وعفويّة سرديّة في وصف حراك جسدها، وخارطة دماغها في التعاطي مع الأشياء، بمزايا متنوعة للشخوص منها عفوية الحسّ.
"في لحظة غدا المكان جزءاً من الجحيم، الجثث في كلّ مكان، والحبيبة ريم غدتْ جثّة هامدة لا روح فيها؟، ومع صوت الجلبة أسلم نفسه لغيبوبة قد تنقذه من الأمّة الرهيبة، ونسي كلّ شيء، بل كاد ينسى نفسه إلاّ منظر ريم"(7).
ولكن هل يكفي تصوير الشخصيّة وهي تعمل؟ بالتأكيد لا، لأنّ لا بدّ أن يكون العمل مفيداً وممتعاً في آن واحد، لهذا يقول أرسطو إنّ: "الهدف من الإبداع الفني هو الإمتاع والتعليم، وبهذا يكون العمل الفني تصويراً للشخصيّة وهي تعمل عملاً له معنى"(9) والسؤال هو : هل يستطيع قاص صاحب رسالة في الحياة أن يقول كلاماً غير الذي قاله أرسطو قبل خمسة وعشرين قرناً في القرن الرابع قبل الميلاد مهما كان نوع القصة التي يكتبها ومهما كان الشكل الفني الذي يصطنعه؟! والجواب بالطبع "لا"، حتى ولو كان الكاتب عبثيّاً!! فما نسميه بـ "لحظة التنوير" في التراث الحديث للقصّة القصيرة ليس إلاّ إعادة تسمية لما سماه أرسطو قديماً بـ "التعرّف والتحوّل" الذي يحدث للشخصيّة في القصّة، ولا أعتقد أنّ قصة ناجحة مهما كان شكلها الفنّي تخلو من هذا النوع من (الاكتشاف) أو (التعرّف والتحوّل) إذ بدونهما لا تتحقّق لحظة التنوير الذي يريدنا القاص/القاصّة/ أن نخرج بها من قراءتنا لقصتهما، وهي اللحظة التي فيها القاصّة/القاص/ موقفاً معيّناً لنستشف منهما معنى محدد بتجمع كلّ خيوط الحدث في هذه اللحظة. "ويستسلم للموت مع أنّه لا يزال يجهل الذنب الذي اقترفه، فاستوجب أن يفتك به وبأحلامه بسببه!؟ وزغاريد النسوة في فيلم "عمر المختار" تزفه إلى نومه الأبدي"(9).
إلاّ أنّ ثمة إشكالية تتصل بفكرة "صانع الأحلام"، ألا وهي هل من ضمن مهمة القاصّة أن تكون مرشدة وواعظة وصاحبة عبرة في قصّتها؟ وهل من اختصاصها أن ترمي "ملاحظات عابرة للبادئين في السّير على دروب الحياة"(10).
هذه أسئلة تدفعك لتساؤلاتها وأنت تبدأ في قراءة "صانع الأحلام" تحس إنّها أسئلة ضرورية، تعيد إليك أهمية طرح السؤال من جديد: ما هي مهمة القاص؟
بعض النقّاد يرون، أنّ مهمة القاص تنحصر في تقديم تجربة قصصيّة قيمة في إطار فني ناجح، يوفر للقارئ متعة أدبية، وكذلك تقديم جوّاً من الإمتاع الفني، وليس من مهمة القاص دون أن يقدم موعظة أخلاقية أو وطنيّة في قصصه، كمن يريد أن يسمع من فوق أن الشرف والفضيلة والأخلاق هي زينة الحياة الدنيا مثلاً! غير أنّ تحدّد رسالة القصّة القصيرة أو على الأصح نوع التصوير الفني، هو استكشاف الحقائق من الأمور الهامة في صياغة القصّة، إذ ترصد العادي والمألوف في الحياة اليوميّة، ومن ثمّ تحويله لغير ذلك، متضاد مع العادي والمألوف. وفي هذا الحراك تتسلل مفاهيم وبعض المواعظ، ليس من باب التبشير بها، لكن من أجل رسم الصورة النفسيّة الاجتماعية للفضاء القصصي، ومن خلال هذا التكثيف والتركيز في التعبير والتصوير، قد يؤدي إلى حدّة الانطباع لدى بعض النقّاد العرب، الذين يصوّرون أنّ هذا التعبير يأخذ شكل الموعظة والدعوة للفضيلة.
لكن لا يتناسى الكثير من النقّاد العرب، أن هناك مستوى أخلاقي يتمزق عنده وجودنا في تساؤل مؤلم، وهو مستوى لا يتطلب جواباً واحداً. إذ إنّ كلّ جواب يرجعنا إلى ظلمات وجودنا. وهذا الحدّ الذي يوضع عنده ذلك يرجعنا إلى ظلمات وجودنا. وهذا الحد الذي يوضع عنده ذلك التساؤل حد متفجر. وهذا المستوى الأخلاقي، هو الذي يرفع الكثير من القاصّين والقاصّات للدعوة عبر إبداعهم القصصي للخلاّق التحفيز على عمل الخير.
إنّ الشعور بالإثم هو ما يمسّ الإنسان في قيمه أو فيما يقوم مقامها وأعني التاريخ والجدل، وهو يحدث فيه انفصاماً لا نهائيّاً. ويكون الخير والشّر هنا أكثر النقائض مبالغة وغلظة وشناعة. وهذا ما حاولت تصوير القاصّة سناء شعلان في قصّتها "صانع الأحلام" إذ أرادت تصوير هذه المبالغات وهذه الشناعة، عندما تتحول لفضيلة عند القتلة الذين قاموا بتفجير الإنسان الحالم، الذي يبحث عن وجوده من خلال تحقيق ولو جزء يسير من أحلامه، لكن شناعة الغدر أوقفت هذه الأحلام.
فاصل
عندما نخون العدو نخونه بالنسبة لأخلاق مشتركة، أو على الأقل لأخلاق تظل مفهومة بالنسبة إليه، قابلة لأن تنقل إلى مصطلحاته، ونحن نتواصل معه بتدنيس حقائقه، كما يتصوّر ويعتقد.
أيكون الإرهاب المتجسّد في الخيانة هو أول مناهض للأخلاق أيكون مناهض للأخلاق بلا منازع؟ ذاك ما تذهب إليه سناء شعلان في قصّتها "المقاتل"(11).
إنّها إذن مقابلة خيانة بأخرى، وسأحاول أن أضم هذا كلّه في ما سأطلق عليه "عقدة بشير" تلك البنية الرمزية التي ينطلق منها الوعي المأزوم. ها نحن إذن أمام مجرم قتل بشير نافع المقاتل الفلسطيني الذي فقد حياته جرّاء التفجيرات الإرهابية التي وقعت في أحداث عمان المعروفة، وبشير نافع بطل القصّة، وفي الوقت ذاته بطلاً لواقع متخيّل، فرض عليه الواقع الإرهابي أن يخون أمانيه وأحلامه جرّاء الخيانة الأولي التي قام بها الإرهابي. وهنا يجب أن نضيف إليهما خائناً أكثر حزماً ومهارة. الذي حاول تبرير القتل بردات فعل على إجرام العدو- العدو هنا تتسع مساحته وتوصيفاته، حسب مزاج القاتل، إذ لا يوجد معيار محدّد ومعرّف!
لنبدأ إذن بالحديث عن جريمة الإرهابي. "موت جبان يتسلل كاللصوص إلى المكان، يفتك بالعزّل والضيوف دون أن يعرّف بنفسه"(12).
سخّرت القاصّة سناء شعلان بالتعريف الذي هو نقيض العقيدة والفكر الوثوقي. وهكذا سخّرت من النّص الوثوقي إلى حد الهذيان، فإنّه يبعث فينا على الرغم من الهدف الذي يرمي إليه، ألماً لا نمتلك معه أنفسنا.
إنّ هذا النموذج الذي وظفته القاصّة الشعلان يشبه عنكبوت ميكانيكي، فهي توهمنا بأنّها تطرح سؤالاً "هل الإرهاب مناهض للأخلاق؟" ثمّ تنسج نسجاً منتظماً ماسكة بجميع حروف السؤال بمهارة هذا في الوقت الذي نعرف فيه، ومنذ الكلمات الأولى لقصة "المقاتل"، بماذا يتعلق الأمر. لذا فإن يتقلص بشكل ميكانيكي، حتى يتوقف في نقطة الكشف، الذي يعيد طرح جوهر السؤال، وإن كان السؤال الأول مدخلاً لجوهر السؤال الثاني، هو الهدف المراد للقاصّة "هل الإرهاب مناهض للنضال؟". ليس من شك أنّ الشعلان صرّحت بذلك عندما قالت:
"لم يعش بشير ليرى وطنه يدخل في الأمن والسعادة، كان آخر عهده بالدنيا نظرات الخوف التي رآها في أعين الآمنين الذين روعهم جبان في لحظة صفاء في الفندق الذي عرج عليه"(13).
هذا التواطؤ بين الإرهاب والقتل لا يتوقف عند مغالطة الأيدلوجية، التي تزعم أنّ هذا رد من ردات الفعل على هزيمة العرب في التصدي لأعدائهم! فهو ينطوي على معنى استراتيجي هام، ذلك أنّ الطرفين متفقان على تكريس هزيمة العرب، وهيمنة ذلك على الوعي العربي الجمعي، الذي قد يتعاطف بعض أفراده مع هذا الفعل المجرم.
ومع ذلك فإنّ الإرهابيين ممزقون بين متطلبات فكرهم وبريق القتل، والدعاية المعادية للعرب، تعرف كيف تستغل كابوس القتل، فتجعل منها وسيلة حفظ سياسي. ولعبتهم المفضلة، أنّه على العرب المسلمين التخلّص من فكرهم الإرهابي!
سناء شعلان حاولت جاهدة أن تعطي فكراً إنسانياً عربيّاً يكشف زيف هذا الادعاء الباطل، والقول إنّ العربي هو أوّل ضحايا الإرهاب.
"استلقى بشير في قبره، وفي نفسه غصة من الإرهاب الذي لا يعرف النّور، والقتال وجهاً لوجه، بل يختبئ في الظلام، ويقنص لحظات السّهو ليفرغ سمّه في لبن الآمنين، تمنّى لو أنّ له كرة أخرى في الحياة يكرّسها لقتال الجناء الذين يعيشون في الشقوق الأرضيّة، ويسمنون بالحقد، لكن أنّى للموت أن يفرط بغنائمه؟!"(14).
نستنتج مما تقدّم أنّ القصّة إبداع، وليس من الضروري أن تدخله في قفص التقسيمات والتنويع المحدّد، وذلك أنّ القصّة نصّ حر، وسيّد الموقف فيها هو أسلوب الكاتب والكاتبة، اللذان يحكمان على قصتهما بالخلود أو السقوط، والخالد منهما ما يترك في نفس القارئ صدى طويلاً يستفزّ ذاكرته وفكره.
إنّ النصوص القصصيّة "رضيعة" نصوص مصمّمة على استرجاع بعض الأسئلة والإجابات التي لها صلة بمعضلات حقّنا الإنساني في العالم العربي، وتحاول إضاءة جوانب من هذا الحقّ.

الهوامش:
(1) سناء شعلان: مذكرات رضيعة، مجموعة قصصيّة، ط1، إصدار نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي، قطر، 2006.
(2) جاك دريدا، امبرتو أيكو: ذهنية الإرهاب: لماذا يقاتلون لموتهم، ترجمة بسّام حجّار، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2001، ص21.
(3) سناء شعلان: مذكرات رضيعة، ص19.
(4) نفسه: ص17.
(5) نفسه: 1.
(6) سناء شعلان: مذكرات رضيعة، قصة صانع الأحلام، ص9.
(7) نفسه: ص10.
(Cool رشاد رشدي: في القصة القصيرة، ط1، المكتب المصري الحديث، القاهرة، ص93.
(9) سناء شعلان: مذكرات رضيعة، ص16.
(10) رياض نجيب الرئيس: الفترة الحرية: نقد أدب الستينات، دار الرياض، الريس للكتب والنشر، لندن، قبرص، ط1، 1965، ص75.
(11) سناء شعلان: مذكرات رضيعة، ص85.
(12) نفسه: ص87.
(13) نفسه: ص87.
(14) نفسه: ص88.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: السبت ابريل 17, 2010 6:11 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



التنوع والثراء في قصص الجدار الزجاجي*

عبير سمير


كتابة تهجس بروح الأنوثة وطقوسها، تستحضر الوجه المرئي للكائن والإفصاح عنه في محاولة لاستعادة قوة الوجود فيها .
الأنوثة نزوع لأنسنة العالم الذي يحيلها لذات فاعلة وتتكشف عن جوهرها العميق الحاوي كينونة الخلق ،خطابا يكشف عن روح الأنثى مفسّرا شفرتها المحملة بهاجسها الوجودي وبوحها القلق ،
والانحياز لمزاج الأنثى الذي يفضح هشاشة المحيط بوعي جاد على ألانا ،حيث المرأة المتمردة والنافرة في تعال عن محيطها في محاولة تعويض عدم التوافق بإنتاج نص يوازن ما بداخلها من ضياع يتساوق مع المحيط الخارجي .
خروجا عن محيط الثيمة التي دارت حولها مجموعة"قافلة العطش"وروايتها"السقوط في الشمس""نرى (سناء شعلان)في مجموعتها"الجدار الزجاجي"والصادرة عن عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية،تخرج لفضاءات أرحب ،بعيدا عن أوجاع الأنثى ،معتمدة تقنية جديدة بتأسيس عنوان رئيس ومجموعة توابع بعناوين فرعية تفضي جميعا لثيمة واحدة بحالات منوعة تطول وتقصر كسداسية الحرمان الذي تبع له ستة عناوين هي:المتوحش /المارد/ ألخصي/ إكليل العرس/فتى الزهور/الثورة ، في حين أن العنوان الرئيس (أكاذيب البحر)انبثق عنه: أكذوبة الجزر/أكذوبة اللؤلؤة /أكذوبة النورس/أكذوبة الأمواج/أكذوبة المد والمرجان/أكذوبة الأصداف، وكذلك فعلت في الكابوس إلى أن تعود لنصوصها المستقلة ،كل بثيمتها ولغتها وفضائها.
في "سداسية الحرمان ،يواجهنا نص"المتوحش"بالحرمان الذي اكتوى به الرجل،على عكس ما كرسته الساردة في قصصها السابقة ،حيث الحرمان جمرة يكتوي بها الإنسان بغض الطرف عن جنسه،هذا الرجل ،سيعاني من حرمان يختلف عما حرمت منه الأنثى ،رجل فكرة الزمن عنده معلقة ومفرغة من أبعادها النفسية والفسيولوجية، والزمن عنده لا يساوي إلا مقدار رجوعه ، ولا يأنف من تكرار الليالي على عمره،لا يعرف إلا بالأصوات والروائح الخطر القادم نحوه لكنه يحتاج لدفء العاطفة ونعومة الجسد ليكمل معنى وجوده مخلوقا ناقصا يسعى لنصفه الآخر.
هذه المتتاليات القصصية التي تشكل إيقاعا عاما متجانسا تصب في بؤرة واحدة مهما كان الناطق بها لحاجة الروح للحب والجسد للارتواء ولمن يكتشف تفاصيله ويسافر مع تضاريسه،حاجة مطلقة للتماهي في الأخر .
هذا الرجل الذي يجترح له عالما خاصا يصطلي على جمر الانتظار ،يفشل مشروعه الوجودي وإن ظل يتمنى الحصول على مجرد حلم واحد فقط ، فكل من حوله يعتاشون على عذب أحلامهم ، يحققون نشوتهم ويفرغون رغباتهم المدفونة ،إلا أنه يفتقد حلمه بسبب كابوس هو لعنة الحياة ولعنة نفسه الآثمة ولعنتها هي أيضا.
الذكورة المشوهة ،المتهكمة الساخرة، تنظر للمرأة التي لم يذق طعمها بعد ويرغب فيها على سبيل التغيير والتحدي، امرأة تخلو من أي جمال أنثوي ، امرأة معنّاة بشكلها وموتورة بإثارتها ، يريدها مسخا بلا تشوهات ليثبت للأصدقاء أن رجولته المتهيجة قادرة على استحضار ذاتها حتى مع أقبح النساء، يريدها امرأة قبيحة جدا...تحرك رجولته الطاغية وقسماته المثقلة بشهوتها ، قلبها وأنوثتها التي لم تصدق أنها تستوقف رجلا، فكان اللقاء ، وعلى يديه بدأت أول تنهيداتها ، مزيج من السحر والأزلية ،خليط من الرغبة والنشوة ،حالة خاصة من العشق والتمني توثبت لأجلها رجولته وظل حبيس تأوهاتها لينام ولا يحلم ، ويستيقظ ليجد أنه ما زال حبيس كابوس يسمى هي !!
مثل هذه الأحلام لم تغادر الأنثى التي تعيش أحلامها ليل نهار ... في الليل ترى نفسها في سعادة لا تعرف نهاية وفي النهار تتخيل نفسها نائمة تعيش أحلام يقظة هانئة، ترى جسدها يكتسي بأنوثة هانئة... تترك نفسها للتمني فتجد المستحيل حقيقة ، تنسى أنها امرأة محبوسة خارج أنوثتها ، لم تذق يوما لحظة أنوثة على يديّ رجل خلا ذلك الكابوس ...
تحظى باحترام الرجال دون حبهم... اعتادت أن تحضن الفراغ ، في حين يحضن غيرها قلوب حانية عاشقة ، لا أحد يعنى بحرمانها ووحدتها .
تؤكد الكاتبة إن وجع الإنسان ليس مقصورا على رجل وامرأة فكلاهما يبحث عن نصفه حتى يستقيم وجوده ويتصالح مع ذاته ومع الكون من حوله.
في قصة "الباب المفتوح" يغادرنا السرد مبتعدا عن أجواء هيمان الروح وعطش الجسد إلى واقع اجتماعي سياسي مقدما سخرية سياسية جارحة وُظف فيه البعد التاريخي والتراثي لإسقاط مضامين معاصرة ، حيث نلحظ براعة التصوير الكاريكاتوري لشخص المستبد الذي يتظاهر بالعدل ، الأمي الجاهل ، مطارد النساء غير المهتم بغير عالمه الخاص ، مهملا الجوانب الصحية والاجتماعية والفكرية في مجتمعة سيء الأحوال ، برغم ادعاءاته الكاذبة واهتمامه بالمظاهر بوجود المطبلين من حوله.
تحدث المفارقة برسالة قرأها وزير السلطان كُتب فيها: مولاي :أنا ابن المزارع (دهبور )عمري تسع سنوات،أريد أن أعرف لماذا منعت الرعية من شرب الحليب مع أنه مفيد للصحة؟ أحقا انك تمتلك بحيرة من حليب تسبح فيها محظياتك لينعمن ببشرة جميلة ؟
في هذا النص نكتشف لعبة فنية وظفتها الساردة بذكاء لتمرير مضمون عميق ونقد ساخر ، إضافة لتوظيف ألغرائبي والأسطورة كما في "ملك القلوب" ، كما نلحظ بروز الإعاقة الجسدية كمعادل لفقد الآخر روحا وجسدا كما في " رجل محظوظ جدا ".
ما بين السياسي والاجتماعي والعاطفي، تظل الأنثى محورا تأتلف حوله النصوص في مجمل فضاء الإبداع وهي المحور الذي تتوهج به العبارات والثيمة التي تتألق الكاتبة بكشف أعماقها ورصد دمعاتها التي تختفي بين ابتسامات التصبّر والانتظار ، لا غرابة فالأنثى دائما هي الأصل سواء في سعيها للرجل الأسطورة أم في سعي الرجل للمرأة الحلم وحاجتهما معا لديمومة وجودهما بالحب وبالحنان .


* سناء شعلان: الجدار الزجاجي،ط1،منورات عمادة البحث العلمي،الجامعة الأردنية،2005،ص232.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين ابريل 19, 2010 6:49 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



استلاب الذات وقهر العشيرة:قراءة في مجموعة ( قافلة العطش ) لسناء شعلان

أحمد طوسون


تصدر لنا سناء شعلان في مجموعتها (قافلة العطش ) عوالم قصصية تحتفي بالحب كجوهر وقيمة إنسانية عليا ، تمثل العلاج والخلاص لذات الفرد التي تعاني استلابا وقهرا من المجتمع الذي مازال تحكمه مجموعة من القيم التي ترجح على إنسانية الفرد ، وترسخ لعطش الذات وحرمانها من التحقق الإنساني ( الأنثى أو الذكر – لا فرق ) وتزيحه إلى الوراء وتعلي من شأن المجموع على حساب أي قيمة أخرى .
ومن خلال موتيف العطش للحب والرغبة في الإشباع الروحي والمادي للذات للخروج من أسر الاستلاب تظل شخوص سناء شعلان في بحث محموم للوصول إلى ارتواء سيكون بالتبعية صادما ومتصادما مع قيم المجتمع باختلاف صوره البدوية منها والحضرية .
يبرز هذا المعنى بوضوح في قصة (قافلة العطش) التي اتخذت الكاتبة عنوانها عنوانا دالا للمجموعة .. حيث يركز القص على الصراع الناشب بين قيمتين ، قيم القافلة التي تحدد أهدافها في استعادة كرامة القبيلة التي أهدرت بأسر النساء في الغارات على مضاربها والحفاظ على الأعراض وصونها وجمع الشتات وفك الأسيرات .
وقيم الفرد الذي تسعى ذاته للتحقق الإنساني من خلال إشباع عطشها للحب والعشق .. والذي بدوره يصنع اختلافا في المفاهيم المتعارف عليها بين الفرد وبين القبيلة ، فبينما الذات تجد حريتها في تحقق الحب وإشباعه .. فتتخلى بطلة القصة عن حريتها المادية بإرادتها من أجل ما هو أكبر وأعظم ، حيث الوصول إلى مطلق الحرية المادية والروحية في إشباع عطشها إلى الحب ، (كانت على وشك أن تعتلي هودجها ، بقبضته القوية ، منعها من إكمال صعودها وقال بمزيد من الانكسار : من ستختارين ؟ نظرت في عينيه :" أنا عطشى ... عطشى كما لم أعطش في حياتي" .. اقترب البدوي الأسمر خطوة أخرى منها ، كاد يسمع صهيلها الأنثوي وقال : عطشى إلى ماذا ؟ . قالت بصوت متهدج : عطشى إليك... )1 .
فالبطلة اختارت البقاء إلى جوار البدوي الأسمر وفي أسره لتحقق حريتها الأنثوية وتحققها الإنساني بإشباع عطشها الجارف إلى الحب والهرب من أسر آخر أشد وطأة ، أسر القبيلة بتقاليدها وقوانينها وقيودها .
أما القبيلة فترى في فك الأسر المادي تحقق لمفهوم الحرية بنظرها ، ولا تستطيع أن تتفهم دوافع بطلتها حتى وإن اشتركوا معها- كأفراد - في حالة العطش إلى الحب ، لكنهم كبتوا مشاعرهم واستسلموا لأسر الأفكار بجدرانه التي تحجب القلب والعقل .. (صرخ الأب : خائنة ، ساقطة ، اقتلوها ، لقد جلبت العار لنا . كيف تختارين آسرك على أهلك ؟! ) 2 .
هذي المنظومة من الأفكار التي تحكم القبيلة تجعل من تساؤله في المقطع السابق سؤالا استنكاريا لتصرف البطلة وتعليليا لتطرف الأفكار الذي يجعل القبيلة تصم كل من يختلف معها بالخيانة وتحكم عليه بالقتل المادي والمعنوي في سياق فني سري بالدلالات .
والمفارقة أن منظومة القيم هذه تتخذ من العطش إلى الحب ذريعة للمنع والحجب والمصادرة ، بدلا من تشابك الأفكار وتحاورها ، ليطال المنع ما يختلج بالنفوس من مشاعر ويصادر على ما قد يحمله الغد من تباشير لأفكار جديدة ومختلفة ، تمثلت في وأد الطفلات وهن صغيرات ، خوفا أن يكبرن يوما ويكررن فعل البطلة بالنص .. ( شعرت القافلة بأنها محملة دون إرادتها بالعطش إلى الحب والعشق ، لكن أحدا لم يجرؤ على أن يصرح بعطشه ، عند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطشى ، وعندما وصلوا إلى مضاربهم وأدوا طفلاتهم الصغيرات خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهن )3 .
والسارد داخل النص يكشف عن انحيازه لقيم الفرد في مواجهة قيم القبيلة باستخدام ما يمكن أن نسميه تقنية المتن والحاشية .. فالمتن يتمثل في توصيف الحدث الأساسي بالقصة .. والحاشية تتمثل في تدخل الساردة بالتعليق الذي لا يخلو من دلالات واضحة ، فالساردة من البداية تستهل القصة بتعليق يبين أدانتها المسبقة للقبيلة ومفاهيمها واعتقاداتها .. ( كانوا قافلة قد لوحتها الشمس وأضنتها المهمة واستفزها العطش ، جاءوا يدثرون الرمال وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم .)4 .
وتنهي النص بحاشية أخرى تؤكد إدانتها للقبيلة التي لا هم لها إلا ترسيخ عطش الذات واستلابها .. ( العطش إلى الحب أورث الصحراء طقسا قاسيا من طقوسها الدامية ، أورثها طقس وأد البنات ، البعض قال إنهم يئدون بناتهم خوفا من الفقر ، لكن الرمال كانت تعرف أنها مجبرة على ابتلاع ضحاياها الناعمة خوفا من أن ترتوي يوما )5 .
التصادم بين قيم الفرد وقيم المجتمع يبدو واضحا في قصة ( سبيل الحوريات ) ، فافتقاد البطلة إلى الحب ( موتيف العطش ) يؤدي إلى عدم تكيفها مع المجتمع وخروجها عن تقاليده وقوانينه ، بالمقابل ينظر إليها المجتمع على إنها مجنونة لعدم إيمانها بقيمة وتقاليده ، ويظل المجتمع يمارس دور المتفرج السلبي تجاه الفرد الذي يعاني اغترابا واضحا عن المجتمع بقيمه ورؤاه ، وتظل الذات في استلابها وتشيؤها أسيرة الوحدة والاغتراب . ولا تملك ( هاجر ) بطلة القصة من سبيل لمقاومة قهر المجتمع ( بسلبيته )- ( هي مجنونة اسمها هاجر المجنونة ، لا أحد يعرف عنها أكثر من ذلك ، نهاراتها تقطعها بين سبيل الحوريات وفي الليل تتكور في ركن منه وتنام ملء شواردها ،لأكثر من مرة حاولت شرطة المدينة أن تبعدهاعن المكان لانها تسيء الى السيلح الذين يقصدونه ، لكنها تعود ........ ولم يعد أحد معنيا بابعادها ، حتى الشرطة نسيت الأمر )6 - إلا التعري الذي يفضح الغضب ويبدو كصورة لنفي العالم حولها والتعامل معه ومع مكوناته بعدم انتماء حقيقي وبخوف مصحوب بفزع ، وتصبح مظاهر الجنون وسيلة للحفاظ على الذات وإن استمرت معاناتها ويكشف تعري هاجر تعري المجتمع من القيم التي تعلي من شأن الفرد وحقه في الحياة الكريمة و الحب الذي يصبح في كثير من الأحوال مرادفا للحرية .
لذلك حينما تقابل هاجر ذاتا أخرى لفنان يعيش اغترابا ما مع المجتمع ، لكن ذاته الفنانة بما تملكه من قيم حب وخير ورغبة بالحياة ، تنتشل هاجر من استلابها وتتوافق مع ذاتها مرة أخرى بعد أن تحقق إشباعها المادي والمعنوي .. (دخلت هاجرإلى الشقة بكل رضى وسعادة ولم تخرج منها أبدا واختفت هاجر وافتقدها سبيل الحوريات وإن لم يفتقدها أحد أخر ، لأن المجانين لا يفتقدهم الناس )7 .
هذا التصادم والصراع يأخذ شكل مغاير في قصتي ( تيتا ) و ( تحقيق صحفي ) .. حيث يدور الصراع في القصة الأولى بين الطبيعة بعفويتها متمثلة في تيتا التي تفتقر إلى المدنية والتحضر لكنها تملك الأيمان بحب الحياة وتؤمن بالطبيعة بعفويتها الجامحة وقدرتها على مداواة الأمراض ، تلك الطبيعة التي نجحت في الأفلات من سطوة المدنية وقيودها وأدرانها ، في مواجهة العلم المتمثل في الطبيب الأوربي الأشقر، صراع تم تناوله في كثير من الكتابات العربية لعل أشهرها رائعة يحيى حقي ( قنديل أم هاشم ) ، لكن الساردة في النص تنحاز انحيازا كاملا للعشق والحب ، لعفوية الطبيعة وبرائتها البكر وقدرتها على أرواء العطش الكامن بالنفوس ، فالعلاقة التي تبدأ بكراهية الطبيب لتيتا ولخرافاتها تنتهي بإستسلام الطبيب لساحرته الجميلة وأيمانه بخرافتها لينتصر الحب.. ( خطا خطوتين الى داخل خيمتها ، كان يتفرس في قسماتها بنظرات جائعة ، قالت له بتلعثم وبشجاعة مزعومة : ها قد جئت إذن ، هل أقرأ لك كفك ؟ قال : بل جئت لأخطفك يا ساحرتي الجميلة .) 8 .
وكذلك الحال في قصة (تحقيق صحفي ) تهجر البطلة زوجها وعملها وحياتها ومدنيتها بعد أن صادفت في رحلة عملها إلى أرض تيغمار بالصحراء الغربية الحب الذي لاتقيده القيود ، الحب الخالص الذي انتظرته وظلت تحلم به .
حب يوحد الموجودات :
تقدم سناء شعلان في مجموعتها بانوراما متعددة المشاهد للحب والعشق ، لكن الحب الذي يربط بين الرجل والمرأة في النصوص حب أسطوري يمثل البؤرة التي تنسج حولها البنى السردية ، لكنه ليس الحب المتعارف عليه في العلاقة ما بين الرجل والمرأة .. إنه حب تصنعه مخيلة شخوص النصوص وأحلامهم ، ويصبح مخلوقا له صفاته الأسطورية وحياته المادية والروحية ، من أجل ذلك تسعى شخوص الكاتبة لترصده ومناجاته وعلى استعداد لتقديم حياتها قربانا لمخلوقهم الذي يعني الوصول إليه والأمساك به الوصول إلى اكتمال يهبهم خلودا .
لكن الحب بطبيعته مراوغ ، ذو لمحة صوفية تنطوي على أن الشيء يحمل داخله نقيضه ، فتمام اكتماله نقصان وفي نقصانه اكتمال .
ويتسع معنى الحب داخل النصوص إلى أفاق أبعد تصل به إلى بعد روحي يوحد بين الموجودات بكافة أشكالها ، من بشر وجماد وآلهة أسطورية ، يذيب ما بينها من فوارق ويصهرها في بوتقته ، ينزل بالألهة إلى مصاف البشر ويصعد بالبشر إلى مصاف الألهة .. يحول الجمادات إلى كائنات من دم ولحم ويضفي عليها شيئا من انسانيته ، ويجمد البشر إلى كائنات شمعية بلا قلب .
فلا نجد فارقا كبيرا ما بين عطش خيال المآته في قصة ( الفزاعة ) الذي عاش مصلوبا في أرض معشوقته ، وكيف نجحت دندنات معشوقته ولمساتها العفوية أن تجعل الحياة تدب في أوصاله ، وتهبه قلبا ينبض بالحب والغيرة فيتخلى عن صفاته كجماد ليصبح كائنا من مخلوقات الحب والعشق.أو مابين بطل قصة ( زاجر المطر ) الذي يتخلى عن انسانيته ليتحول إلى كائن شمعي مختارا ، اشباعا لعطشه إلى الحب بعد أن صادفه العشق مع مخلوقته الشمعية .
والبنى السردية في قصتي ( الفزاعة ) و( زاجر المطر ) تعتمد على التماس والتقاطع والنسج المغاير مع أسطورة بجمليون الذي تروي القصص عنه إنه أعجب بتمثال من العاج لأفروديتي نحته بنفسه فشغفه حبا ورجا الألهة أن تهبه الحياة ، فلما أجابت الألهة رجاءه تزوج التمثال الذي صنعه بيده .
كذلك يتلاشى هذا الفارق بين الكائنات في قصة (رسالة إلى الأله ) ، فيتساوى عطش الأله زيوس كبير ألهة الأغريق للحب مع عطش البطلة داخل النص للعشق ، فالعشق يذيب الفوارق ما بين البشر والألهة .
فكما جعلها العطش إلى العشق تكفر بزيوس الأله بما يمثله من قوة وسلطة لاتمس ، وبما يملك من جبروت قادر على أن يهبها العشق المطلق ، وتلعنه .. ( أمسكت بدواة وقرطاس وجلست إلى طاولتها الخشبية وكتبت بغضب وتحد يناسبان يأسها وإن لم يناسبا طبعها واستكانتها : رسالة إلى زيوس ... أنا وحيدة ...اللعنة عليك كيف تتركني أعاني من كل هذه المعاناة ؟ أريد حبا واحدا يملأ ذاتي ، يهصر أشواقي وذاتي ،يسكن ما بيني وبين جسدي ،أريد حبا يقتلعني من أحزان جسدي ووحدة ساعاتي ،أريده حبا قويا جبارا لا يعرف الألم ، أريده حبا يمسك بتلابيب روحي ويخلق حشرجات دامية في نفسي ، اللعنة عليك ، استجب لي ولو لمرة واحدة ) 9 .
العطش ذاته جعل زيوس يكفر بصفاته الألوهية ويتمنى أن يصبح عبدا لأله آخر قادر على أن يهبه حبا حقيقيا واحدا .. ( في لحظات قدرها البشر بآلاف السنين من صمت الأله زيوس واحتجابه دونهم ، تذكر كل من عشق من نساء والآهات ، كانت سلسلة طويلة من العشق والعشيقات ، عشق هيرا ،ويوربا ، ولاتوفا ، وإنتيوبي ، وديون ،ومايا ،وتيمس ،و يورنيوم ، ومنيوزين ،و أورينوما ، وسيميلي الجميلة ، والكمينة ، وداناي ، وليدا ، والكثير الكثير من اللواتي نسى أسماءهن . ذاق آلاف النساء ، عرف كل آهات وانكسارات العشق ،ولكنه ما زال يتمنى العشق ،ما زال يحلم بلحظة حب ، تمنى لو كان له هو الأخر إله ليرسل إليه رسالة يتضرع فيها كي يذيقه العشق الحقيقي ولو لمرة واحدة في الحياة . )10 .
هذا الأله الذي يتوق الى الحب أجاب استغاثة الأنسية وخلق لها هاديس إله الموت ليقبض روحها ، في دلالة واضحة وكاشفة .. كما أنه لم يستسلم لحالة الضعف التي داهمته وقهر رغبة العشق بالشرب وبأوامر زاجرة تمنع وصول رسائل العشاق إليه ، بينما الأنسية واجهت مصيرها برضاء .
وما يلفتنا في النهاية أن الكاتبة تعتمد في أغلب النصوص على بنية سردية ذات طابع أخباري ، السارد فيها من خارج النص يدير دفة الحدث ويوجهه و اللغة شاعرية تحتفي بالجماليات التقليدية للسرد .
هوامش :
1--سناء شعلان ، قافلة العطش ، ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من أمانة عمان الكبرى، 2006، ص12
2-السابق: ص12
3- السابق: ص13
4- السابق: ص9
5- السابق: ص13 و14
6- السابق: ص33
7- السابق: ص36
8- السابق: ص43
9- السابق: ص20 و21
10- السابق: ص23


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين ابريل 19, 2010 6:57 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



مع كل التقدير إلى
من أعطت للكلمة عذوبة ومعنى
وأوفتنا حقنا من الكلمة بشكل كامل
حبنا وتقديرنا


للدكتورة سناء الشعلان
فإليك هذا بشكل خاص


السيد: عيسى أبو الرّاغب





أرض الحكايا / إبداعة جديدة قيمة للقاصة الشابة الجميلة الدكتورة سناء الشعلان، حوت بداخلها كلمات عذبة وكنوز نفيسة، استطاعت من خلالها القاصة أن تجعل القارئ للمجموعة يتذوق كلماتها ويتراكض مع أنفاسه لاستكمال كلمات كلّ قصة.
فكانت بحق مصافحة عذبة مع الإبداع، فَوَجب على كلّ قارئ لتلك الإبداعة أن يصفق طويلاً، ويُدين بعظمة قلم الأديبة الدكتورة سناء الشعلان، فقد كانت الدكتورة سناء موفقة في أن تصنع في مجموعتها القصصية تناغماً عذباً غيرَ معقدٍ بين الفكرة والوسيلة، وتضع بين أيدينا أسلوبها الذي امتازت به.
ولكن كما لها الحق أن ندين بجمالية وروعة كلماتها، لنا الحق أن نتوقف عند بعض محطات المجموعة، وإن كان وقوف نقد، فإنّه بالمقابل وقوف إحقاق حق لأديبتنا الرائعة. نعم نقولها وبكل صراحة أنّ الأديبة القاصة الدكتورة سناء كانت موفقة بشكل ملحوظ في التنظيم الداخلي للخطاب القصصي، وجعلت السمة البارزة ذاك الأسلوب الذي عُرفت به، وهو إظهار الحدث بشكل واضح صريح يجعل من يدخل فيه يشعر بنشوة غريبة.
وكان الرابط الوظيفي لإبراز الفكرة عند أديبتنا قوي مميز، فكان لنا وقفة مع السّرد في قصص الأديبة، فكلنا نلحظ أحياناً إطالة السّرد القصصي على حساب الفكرة الأم.
ولنعترف أننا إن تخطينا أيّ قصة من المجموعة القصصية "أرض الحكايا" يكن إجحاف كبير للأديبة الشعلان ونقيصة في حقنا، لذلك ارتأيت تتبع سلسلة المجموعة القصصية للأديبة من بداية الإهداء الذي له عندنا وقفة إلى نهاية المجموعة.
• إهداء مسروق:
هكذا بدأت الكاتبة مجموعتها المميزة حتى أنها أوجدت لنا مساحة واسعة من فكرة عميقة في ذاك الإهداء أوصلت لنا الأديبة من خلال الإهداء فكرة عظيمة، وأولتنا منذ البداية بأغنية الحب الجميلة، وذاك بأن الكاتبة ركزت على نغمة الحبْ في داخل النّفس البشرية، وما يكون لهذا الحبْ من فعل السّحر في النّفس والوجود، فيصبح ذاك الحب أنشودة المطر التي تعطي الروح ألفتها وحياتها والوجود كيانه والأرض روعة الجمال، فكان منها إهداءٌ لنا معنونة "بإهداء مسروق عبر أكاذيب البحر".
• سداسية الحرمان:
اعتدنا على الكاتبة بهذا الأسلوب الشّهي أن تجعل لقصصها أبواباً، وتجعل خلف الأبواب إمّا جناناً أو نيراناً. فاحتوت سداسية الحرمان على ست زهرات، لكلِّ منها عبير خاص.
فُتح الباب أمامنا، فإذا نحن في جزيرة بعيدة نناظر ذاك المتوحش، ونتلمس انفعالاته ونسمع آهات الاحتياج لديه.
هكذا كانت منذ البداية إبداعة حقة من القاصة التي استهلت بها سداسية الحرمان، حيث أظهرت بكل جدارة مآل النفس بلا ارتباط ووصال الروح بلا رفيق، فكانت أول سداسية الحرمان "المتوحش" وبالتأكيد حاولت القاصة أن تعطينا العمق في الفكرة سواء الفكرة الوجودية أم الأدبية لديها.
وأكدت القاصة في الفكرة الثانية من المتوحش على أنّ الوقت ليس له أيّ قيمة لدى الإنسان أو بطريقة الرمز كما كتبت القاصة "المتوحش" إلا بارتباطه بشيء في داخل النّفس واستشعار اللّذة في الارتباط.
أما الفقرة الثانية من الصفحة الثانية من المتوحش، فقد نجحت الأديبة في هذه الفقرة في إبراز لغة الاشتهاء والنشوة ومدى تأثيرها في الشخص المقابل من خلال الرائحة والاقتراب، ويتضح هذا في قولها:
"لقد ألف كلّ الروائح وكلّ الأصوات حتى باتت من أبجديات بيئته الطبيعية لكن تلك الرائحة داهمته ذات صباح قد أرعبته"( ).
ولنا هنا وقفة مع القاصة التي ارتأت إزاحة شيئًا من الستار عن مكتوم الجسد الأنثوي، وذلك لإيصال الفكرة المرادة بربط التعبيرات مع الهدف المفرد، فوضعت الإبداع الأدبي في قلمها، وأخرجته لنا كلمات اشتهائية، وإن كان منا من يأخذ على أديبتنا هذا الهدف، فإننا نقول إنّ لغة الرّبط الواضحة بين الجسد بكلّ معانيه الواضحة الصريحة وبين ما يكون له من مؤثرات إنّما أمر يستحّق الوقوف عنده، وذلك عبر قولها في قصتها".
"وكيف السبيل إلى التخلص منها، وأنقضّ على الحيوان ينوي أن يعضه ليتخلص من رغبته الغريبة، لكنه اكتفى بلمسه بشفتيه ولعقهما بشهوة غريبة"( ). كان هذا الذي سبق لزوم تواصل الفكرة وإيصال الهدف، وإبراز لغة الأدب العلنية عند القاصة، واستحكام النّص لغة واسهاباً غير طويل، لما سيأتي بعده، وتتابع معنا الكاتبة لتربط لنا فكرة أوصلتها لنا في البداية وهي الوقت، وهذا ليس تكراراً بقدر ما هو هدفاً وغاية لنعرف مدى أهمية الوقت عند الارتباط الروحي، وجاء هذا في: "ثم بات يشعر بشيء يسمى زمناً طويلاً إذا ما غابت خيالا"( ).


ومن نتاج تلك الدُّرة المكنونة من المجموعة يتضح لنا:
• إنّ الكاتبة أجادت رسم حياة الافتقاد حتى لو كان ذلك الافتقاد في العمق غير الظاهر للعيان.
• أصرّت القاصة على إظهار قيمة الجسد في كلماتها ولا سيما بوصف منطقة الصدر وتكور النهدين، وقد أدرك الكثير من علماء النفس في دراساتهم أنّ مفتاح الجسد والشهوة لدى الأنثى هو الصدر، وما يحمله من مؤثرات، ويكون الارتباط وثيقًا إذا أجاد الرجل العزف على هذا الوتر بنغم يفضي إلى داخل النفس بنشوة.
• عند الافتقاد تنتهي معاني الكلمات، وتبقى حبيسة النفس لا لزوم لها.
المارد:
نديـن للأديبة بروعة اللفظ وجمال المعنى وترابط الفكرة وقوة الكلمة من الناحية اللغوية، وقد ركزّتْ في هذه القصة على القيمة نفسها، المتوحش، وحاولت إظهار مدى الحاجة الأنثوية للحبّ في كلّ وقت، وكأنّها تريد أن تقول لنا بشكل واضح "إنّ سنين الحرمان عامل أساسي في صقل معنى الروح لدى الشخص، وأكاد أقول إنّ هذا ينم عن زفرات دفينة في نفسية الأديبة أرادت أن توصلها لنا بهمسة وضحكة وكلمة جميلة، وأن تمثل لنا حالة الافتقاد بأشكال مختلفة.
إذن في المارد نجد:
• إظهار مدى احتياج الأنثى للعاطفة، ومقدار ما تقدم مقابل الحصول عليها.
• الأنا الرجولية المتأصلة في نفس الرجل من عدم مشاركة أحد له في حبّه حتى لو كان من بني الجن ومارد في قمقم.
• لابد أن نشير هنا إلى نقطة هامة امتازت بها القاصة ألا، وهي: أجادت استخدام أكثر من مستوى لغوي – وأجادت كذلك عرض الفكرة المرادة بأكثر من أسلوب، وهذا يخدم الفكرة المقصودة بشكل واضح، ويضاف إلى ذلك أيضاً أن القاصة في سرد قصصها تحاول دائماً البُعد عن مسمى الأشخاص بشكل واضح، وهذا يخدم النّص بشكل قوي، ويدخلنا في بوتقة الخيال اللّذيذ.
الخصيّ:
وضعت الكاتبة يديها في أيدينا لنبارك لها الإبداعة الجديدة في الخصيّ إذ إنّ القاصة نجحت في أن توصل الفكرة لنا ولكل قارئ بشكل واضح، فكانت نقطة الارتكاز لدينا في الخصيّ أنّ عاطفة الانجذاب ليست في الأعضاء فقط بل وفي الروح التي تشكّل الجسد، ولكن من الضرورة
"يتخيلون أنفسهم بأعضاء كبيرة نشطة"
اكليل العروس:
كلمات جميلة وسرد رائع ولكنّه اتصف أيضاً بتكرار الفكرة، فقد طالعنا ذلك في المتوحش والمارد والخصيّ، وها نحن نجده واضحاً جلياً في إكليل العروس.
ونعترف أنّ قوة النص القصصي لدى الأديبة تجبرنا دوماً على الإكمال حتى لو كانت الفكرة مكررة في أكثر من قصة، ولا ندري أنكون منصفين إن قلنا إنّ هذا أصبح أسلوباً يميز أديبتنا في هذه المجموعة.
وفي "يخلق وجلاتها وألوانها كما يشتهي هو بالذات"( ) لا ندري إن كانت القاصة تريد أن توصل لنا الفكرة أم أنّ الفكرة الواضحة لنا إنّ ذاك العشق والجمال العظيم صناعة بحتة خالصة من داخل النفس.
وفي هذه القصة لامسنا في السّرد حالة فوضوية نفسية في داخل بطل القصة "شوشو" وكانت هذه الحالة تبلغ أقصاها بوجود النساء، فكان يرسم رجولية على جمالهن، وكان هذا في "رائع – إبداع يا شوشو، يقترب باسماً من خد العروس قائلاً: كعادته كلما انتهى من تجميل عروس – ألن تكون القبلة الأولى لي".
فتى الزهور:
قـوة النّص اللغوي = السّرد القوي وإيصال الفكرة بسلاسة كانت النّمط الواضح والسائد في قصة فتى الزّهور. وقوة النّص تتضح جلياً في وحدة عضوية واحـدة مترابطة أظهرتها الشعلان بترابط النّفـس والروح والجسد بطريقة عذبـة خالية من الافتعال:
"يشعر بلذة كبيرة لا يعرفها إلا من أتقن قراءة الوجوه وفك معاني النظرات والخلجات"( )
"انتظر طويلاً أن تأتيه زهرة، زهرة واحدة عاشقة وفي مقطع يعترف بأنه لا يحب الزهور"( )
فقد كانت القاصة مجيدة بقوة حتى أنها أوصلتنا إلى جمالية الزهور وعذوبة رائحتها.
الثورة:
ها هي القاصة الأديبة الدكتورة سناء تشعل في داخلنا من جديد في نهاية سداسية الحرمان وفي سطور أجادت تسميتها "الثورة" الحبّ والهيام، وتعرّفنا كيف يكون وما يصنع في النّفوس وتجعلنا نتألّق في سنا الألفاظ السّاحرة الرقيقة، فقد جاءت كلماتها مركبة تركيباً عجيباً، وعرضت الفكرة والهدف بأسلوب جميل يتسلّل إلى القلب بسهولة.

نهاية سداسية الحرمان:
لنكن منصفين بحق كاتبتنا وأيضاً لنكن منصفين بحق أنفسنا، السّداسية كانت إبداعة حقة كما قلنا سابقاً أبحرت فيها الكاتبة الأديبة في بحور اللغة المتينة وترابط الفكرة والقصّ الجميل الاستثنائي والسيطرة الإيحائية بشكل تام على القارئ مهما كان مستوى ثقافته. مع أنّ الفكرة في سداسية الحرمان واحدة حاولت إظهارها الكاتبة الأديبة بأكثر من شكل وإبرازها بعفوية فطرية من داخل نفسها إلا أن هذا كان في بعض الأوقات يشعر القارئ بالوقوف عند نقطة واحدة، ونخلص إلى القول إنّ الأديبة تعرض فكرة منبعها النفس البشرية تؤدي بنا إلى التخلص من كل أثقالنا وهمومنا عن طريق الكلمة العذبة والدّخول في حالة الخيال الجسدي البحت ويبقى هذا المكنون دفين نفس أديبتنا لا ندري لما؟!
أكاذيب البحر "أكذوبة الجزر":
تكاد تدخل الكاتبة في هذا النص القصصي في بحر الشّعر وتظهر مدى إبداعها في ذلك، تتخطّى التفاعيل وتدخل حدود الحوار المتقن بين الشخوص وتتدارك وقع الكلمة وسرعتها، وهذا كان في بحر قلبي – إذن أنا أكذوبة.
دعنا من الأكاذيب عندي لك مفاجأة ... وما هي هذه المفاجأة ضمن ...
- ونفس الشّعر واضح في كلّ القصة
وفي هذه القصة أعطتنا الشعلان واقعية تحاصر ذاك الصيّاد والناسك وصاحب العمامة السوداء، وتطلب منا أن ندرك المعنى الخفي المتمثل في أنّ حالة العشق نتاج الحرمان طوال سنين العمر.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاثنين ابريل 19, 2010 7:04 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




عالم سناء شعلان القصصيّ:
بَدْء اللّعب في المناطق الخطِرة.


مصطفى الكيلاني/تونس












1- الأنوثة/الذُكورة:جَهْل تقريبيّ مُتبادَل.
تبدو صورة الرجل في مرآة النفس الخاصّة بالأنثى كابوسيّة،كالحلم الّذي لا يتحقّق،أو كالقطيعة في مجتمع أقاصيص الكابوس(1) بين الذكورة والأنوثة.وسببها الظاهر هو الرجل، تحديدًا،وقيم الذكورة المستبِدّة بحياةِ الكائن عامّةً،دون التخصيص بماهيّة الأنثى المُفرَدة أو الذكر،إذ صفة الخواء مشتركة بينهما،وعلى حدّ سواء.فثمّة غَبْن بَدْئيّ،لا شكّ،يُصيب المرأة على لسان الراوي-الأنثى،ومردُّه النظر التشييئيّ لشخصها تبعا لعقليّة الرجل العربيّ،والشرقيّ على وجه الخصوص.وكما يتمثّل الجسد الأُنثويّ موضوعا للمتعة فحسب،في نظر الرجل،فإنّ الذكورة تظلّ أقرب إلى الوجود الطيفيّ،في تصوّر المرأة،منه إلى واقع الوجود.وإذا رؤية السراب أو الطيف هي سيّدة الموقف في الاتّجاهين معًا(2).
فتتنقّل عين السارد من الضمير المُفرد المُذكّر إلى الضمير المُفرد المُؤنّث بتحويل مُتعَمَّد يُقابل بين ذاتَيْن مُختلفتيْن تشتركان في ماهيّة وجودٍ واحد يتعيّن،حسب الظاهر،بالفراغ،جهل كُلّ منهما للآخر،الرغبة في الانفتاح الّتي لا تتحقّق نتيجةَ مُعوّقات فرضتها تقاليد مجتمع قهريّ،كأن يستبدّ الكابوس بالحلم،ويتعاظم هذا الكابوس باحثا له عن أفق/آفاق بالحلم الّذي يظلّ في خاتمة المحكيّ المُتعدِّد مُجرّد إمكان للحلم.

2- لعبة الضمائر:محاولة الخروج من واقع الجهل التقريبيّ المُتبادَل.
فتتوالد الحركة السرديّة في بَدْء "الكابوس" من خلال فِعل التصريف اللّغويّ:هو، هي، هما، هم،أنا،تعريف بالتنكير(كابوس)،فنِقاط استفهام وتعجُّب في الأخير.
إنّ الواصل بين مختلف الضمائر وضع واحد مُشترك أجملتْه الذات الساردة في تسمية مُفْرَدةٍ هي الكابوس،مُرادف الملل الّذي يُصيب الجميع دون استثناء.وإذا قصّة "الكابوس" الّتي وَسَمَت المجموعة بأكملها تقليب لهذا اللفظ واستقراء لِمُختلف معانيه الظاهرة والخفيّة،وتوالُد حالات يتّصف مُجملُها بالحُبْسة،لانغلاق الأفق.
فتتلاشى العلامات الخاصّة بالفرد في مُطلق معنى الجماعة،كلفظ "القبيلة" يرد في خاتمة القصّة كي يُؤكّد،بما لا يدع مجالا للشكّ،على التصادم الحادّ الإشكاليّ بين الرغبة ونقائضها،بين مخصوص الذات الفرديّة وواحديّة القيمة في مجتمع تسوده أحكام ذهن بطركيّ جديد.
وكما تتماثل الأنوثة والذكورة في واقع خسارة الفرد وانحباس واقع الفرديّة يتعاظم ثِقَل مأساة الاستعباد الفرديّ عند تخصيص الرؤية في موقع الأنثى الراوية والمرويّة.
فلا غرابة،إذنْ،في أن تُختصر الاسميّة ضمْن مُجمل أقاصيص'الكابوس" في مُطلق الضمائر.
كذا الحلم-الكابوس دلالة والدة مرجعيّة في"عالم البلّورات الزجاجيّة" حيث الفشل هو سيّد المواقف،إذْ تتوالد الأحداث بَدْءًا منه وعَوْدًا إليه.فمسارّ التجربة المنوطة بذات الشخصيّة الأولى في القصّة مدفوع بالفشل بَدْءًا وانتهاءً.أمّا الموت فهو الحَدَث المتكرّر،كموت الجدّ والأب والأخت والتفوّق الدراسيّ الّذي سرعان ما انقضى بالانقطاع والتحوُّل إلى حياة الشُغل في فُرْن وعديد التفاصيل في حياة الشارع والمتجر حيث "عالم الأغنياء" والحُبّ من اتّجاهٍ واحد واستحالة التواصُل...
فيستبدّ الكابوس مرّةً أخرى بالحُلم،وينقطع مجرى المحكيّ بالموت كما يرد ذكره على ألسنة الآخرين،إذْ أجمع"الكُلّ على أنّه الآن في الطريق إلى العالم الآخر،لكنّهم لم يعلموا أنّه قد انزلق بعد عناء في عالم الأحلام الزجاجيّة"(3).

3- تعالُق الأسطورة والواقع بمُشترك حالٍ شِعريّة.
وفي "أودسيوس مرّة أخرى..." تتعالق الأسطورة والواقع بمُشترك حالٍ أُنْثوِيّة تستعيد عبر مُجمل التواريخ القديمة والحادثة وقائع الحرمان والقهر والظمإ الروحيّ والخواء المُستبِدّ بالكائن والكيان.وإذا الحلم-الكابوس وجه آخر لتعدُّد الأزمنة والأمكنة وتداخُلها،كأنْ يصل المكان في هذه القصّة بين جربة(الجزيرة الواقعة في الجنوب التونسيّ)بالجمع بين الماضي والحاضر،تبعا للزمن الأسطوريّ والزمن الواقعيّ الّذي هو مرجع لحظة التمثُّل السرديّ بالاستذكار والانتظار،بما كان ويكون وما يمكن أيضا أن يكون.
إنّ كتابة الطيف باعتماد الإبطان حيث زخم الحالات يستلزم بعضا من أسلوب التداعيات بالتوالُد حينا،وبالفسْخ وإعادة الإنشاء(métamorphose)أحيانا،كي يتحرّر السرد بذلك من الوثوق المحض ويندفع في مغامرة توصيف العديد من الحالات الغامضة واستثمار الوهم والإيهام(fantasme)مَعًا.لذلك يُغلّب الفعل السرديّ المُضمر على المُظهر عند البدء والدفين من الحالات على المُنكشف منها،و" نظام الفوضى" الناتج عن زخم هذه الحالات على "النظام" المستوي المُكتفي بظاهر النسق ورتيب حركة الاطّراد.
وبناءً على السالف فإنّ الكتابة القصصيّة بتوهُّج اندفاعاتها وارتداداتها تُقارب مواطن الشعر لِتُعيد النظر،عند القراءة،في المسألة الأجناسيّة،لما للسرد القصصيّ من توهُّج حال شعريّة،ولما للشعر المُصاغ سردًا من تأثير،وما للخواء الملل الانتظار الرغبة الجامحة الممكنة والمستحيلة معا من اقتدار عجيب على توليد المواقف بالتكرار-العَوْد(الاستدارة) والاختلاف(التمدُّد أو الانتشار).
ويتأكّد هذا المنحى المتفرّد في تمثّل الصلة بين شاعريّة السرد وسردية الشعر في"حكاية شجرة" باستخدام بعض من العجيب المستوحى من تدلال الحلم واستعارة لغة السرد الحادثة:"في أرض نصفها ثلج ونصفها الآخر وهج،في أرض نصفها في الشمال،ونصفها في الجنوب،في أرض نصفها في الماضي،ونصفها الآخر في الحاضر،في أرض نصفها هناء،ونصفها الآخر تعاسة،هناك في أرض الجفاف حيث ملتقى البحريْن(4).
وكأنّنا أمام توصيف الشجرة المتفرّدة عن غيرها من الأشجار التوائم نشهد كتابة أسطوريّة بلُغة حادثة،كـ"مسخ الكائنات"الأوفيديوسيّ يتحوّل من مظانّه الضاربة في القِدَمِ إلى سياق حكاية الأصل والأمّ الآثمة وشجرة الدموع المفردة الّتي ولدت في الماضي الأسطوريّ أدونيس وتداعيات المحْكيّ الأخرى.كما تستعير سناء شعلان،آن رسم الشجرة المُفْرَدة في مجال الغاب بأشجاره التوائم والأشجار العجوزة الحزينة على "الشجرة الوحيدة" البعض الكثير من مشهديّة اللوحة.
وإذا السرد في بنية"حكاية شجرة" يُطوّف في أقاصي المعنى المشترك بين الأسطورة الضمنيّة والواقعيّة الذاتيّة المُضمَرة ليُشارف المعنى الفلسفيّ حيث دلالة الأصل،والأصل الأنثويّ تحديدًا،والمرجع الكينونيّ البدائيّ ممثّلا في النبات.
إنّ الشجرة،بهذا المنظور،هي الحياة على بدئيّتها وبِدائيّتها مَعًا.فـ"أخضر الأوّل" أو"إيخُو"هو بمثابة الرحم الأوّل الّذي أنشأ علامات الوجود البدائيّ،بالمُفرد الّذي تراكم عبر ملايين السنين كي يُنشئ المزدوج(الذكورة والأنوثة)الّذي به كان التعدُّد والاختلاف.غير أنّ واحديّة الشجرة"إيخُو"لم تُثمِر في الأثناء إلاّ رُعب الشيخوخة لتنشأ المأساة بوعي الموت القادم لولا المُفاجأة عند حُدوث التزاوُج(5)الّذي لم يُعمّر طويلا نتيجة تدخّل يد الإنسان الآثمة والقطع الّذي حَدَث والتحوُّل المُزدوج،بعد التعالُق الحميم،إلى كمان وقوس في يد صانع آلات موسيقيّة عجوز.فتستمرّ القاصّة في اعتماد أسلوب التحويل بالإنشاء والإفناء وإعادة الإنشاء،بالحياة تتقادم لتنقضي وتتحوّل إلى حياة ثانية فثالثة،بحلقات سلسلة لا تتوقّف ولا تنقطع،كحكاية العجوز والزوجة الهالكة والقبر وانغراس الكمان والقوس والإزهار تتويجا لِحكاية الشجرة العاشقة،إذِ الأشجار،بلغة القاصّة،مثل البشر تملك هي الأخرى حكايات وسِيَرًا وملاحم وآمالا وانكسارات ونهايات،وتبقى مُقيمةً على عشقها، مخلصة لذِكراه"(6).
4- كتابة الوقائع الجُزئيّة أو أدبيّة السخرية.
وفي"حادث مؤسف سعيد جدّا" ينتقل فعل السرد القصصيّ من الحُلم والتمثُّل العجائبيّ للعالم والأشياء إلى كتابة الوقائع الجزئيّة الّتي تبدو بسيطة تافهة أحيانا في مسارّ الحياة الفرديّة والجمعيّة.إلاّ أنّ مزيجا من العبث والسخرية و"حكمة الجنون" والعين الرائية المُحتفية بالتفاصيل ودقائقها تكشف في الأثناء عن خواء هائل في نسيج الذات الراوية والمَرويّة،كمحمود فاقئ عين مصطفى،يتحوّل من الثأر إلى تأنيب الضمير،ومنه إلى الانتقام الذاتيّ بتجريب إغماض العيْنيْن لممارسة لعبة التردّد بين البصر والبصيرة،وبين معرفة الأشياء والحقائق وجهلها أو تجاهلها لتحقيق النقلة الكبرى في مسارّ التجربة،بأن استحالت إلى ذاتٍ قاتلة بعد أن كانت ضحيّة.
وبهذه القصّة نشهد لونًا سرديّا قصصيّا مختلفا عن سابقه بعد أن نزل المحكيّ من علياء الصُور المُتخيَّلة والاستعارات الواصلة بين ماضي الأسطورة وراهن الحُلم وتداعيات اللّغة الكاتبة إلى أسافل الوجود حيث جحيم الوضعيّة في مجتمع القهر الفرديّ والعذاب اليوميّ.وإذا السعادة لا يُمكن تحقيقها في مجتمع القصّة إلاّ بالانتحار المجازيّ عند تجريب العَمَى والتسليم بالأمر الواقع والتأقلم مع ماهو كائن والاستئثار أخيرًا بِدَوْر الجلاّد على دور الضحيّة.
وإذا استثنينا "بحيرة الساج" و"المُواطن الأخير" حيث الرجوع إلى عالم الغابة والأشجار في الأولى وكتابة البعض من الأسطورة والواقع الكارثيّ الآيل إلى الاندثار بسبب الحروب المُدمِّرة في الثانية فإنّ الأقاصيص الأخرى تُمثّل استمرارًا في النهج الواقعيّ الرافض لأسلوب المُطابقة اللاّئذ بعديد الوسائل الإيجابيّة دون الاقتصار على لون سرديّ واحد.
وإذا الكتابة القصصيّة لونان أساسيّان تتردّد بينهما مختلف الأساليب:الإبطان في اتّجاه طبع بناء القصّة بشاعريّة الحالات على شاكلة سرديّة،والإظهار آنَ الاحتفاء بعديد التفاصيل دون الانزلاق في توظيف المطابقة الصريحة.وبهذا الجمع بين اللّونين المذكورين تُثار القضيّة الأجناسيّة في تمثُّل الكتابة القصصيّة عامّةً،إذ هي السرد الّذي ينزع في اتّجاه الشعر وتوصيف البعض ممّا يتردّد في الداخل من حالات واستيهامات،وفي اتّجاه السرد الّذي يُباعد بين الذات الساردة والعمل السرديّ باعتماد تقنيات الوصف المُختلفة والدعابة و"السُخرية الجادّة" أو"الجدّ الساخر"و"العبث واللاّ-معقول والعجيب بمنظور واقعيّ في الأساس والمرجع المُضمريْن،كأن نقول واقعيّة الذات والوضعيّة وحقيقة الأنوثة في مجتمع الحظر والقهر.
كذا مأساة الكائن تعمق بفعل الإبطان وتنتشر حينما يتباعد موقع النظر بين السارد والمسرود ليتّخذ له الإضمار والتضمين والإخفاء أشكالا أخرى من الوصف الحكائيّ.
5- التجاذُب بين سرديّة الحال وسرديّة الحدث.
فيستأنف السرد بـ"بحيرة الساج" الحكاية الأسطوريّة المزحومة بعلامات الواقع ومختلف دلالاته،كالّذي تردّد في "حكاية شجرة"من مشاهد وصفيّة تُؤالف بين الكيان الإنسانيّ والكيان النباتيّ أداءً لمعنى صوفيّ يُداخل بين اللّه والإنسان والعالم ضِمن ثالوث الحُبّ الأزليّ الّذي يَمْثُل في عديد تفاصيل الوقائع والأشياء لتلهج بـ"الحُبّ الأعظم"والسعادة الأبديّة،وتستقدم إلى راهن المَحكيّ بعضا من ذاكرة العالم عَوْدًا إلى"نوح"و"كنعان"و"عوج"، ووصولاً إلى رمزيّة الطوفان والأمواج ومختلف علامات الفيْض وانفتاح الأنثى بعميم الرغبة والعشق على عوج-الذكر.
كما يتكثّف استخدام الإيحاء في "المُواطن الأخير" باستئناف المحكيّ الّذي يُخفي زحم الوقائع الحادثة خلف تداعيات اللّغة الأقرب إلى الشاعريّة وكتابة الحلم الّذي سُرعان ما انقلب في خاتمة المجموعة القصصيّة إلى كابوس مرعب:"لقد صدقت النبوءة...البشر أصبحوا وُحوشا،البشر أصبحوا وُحوشا..."(7).وهُنا تدّاخل العصور في زمن واحد مُشترك هو الزمن الكوكبيّ يصل بين"باخوس"و"حكماء القارّة" ومصير "أطلنطا" والنهاية الوشيكة لجميع البشر،بما سيحدث من كوارث منتظرة بعد الانهيار القيميّ والحروب المُروّعة والدمار الّذي أصاب المكان والكيان على حدّ سواء.
إنّ الاحتفاء بتفاصيل المحكيّ والتبعيد بين الواصف والموصوف السرديّيْن واعتماد النسج بالمُؤالفة والقطع والوصل والفصل معا هو في صميم اللون الأكثر انتشارًا في مجموعة "الكابوس" القصصيّة.إلاّ أنّ الميل إلى هذا اللون لا يعني المُطابقة المحض،كما أسلفنا،بل إنّ الإيحاء يتّخذ له سمات الإلماح الخافت واللقطات الوصفيّة الخاطفة والانتقال من موقف إلى آخر،كانكفاء البصر في "قصّة طويلة"،بأنْ يتحوّل السرد إلى موضوع لِقصّة،"مكان في المستحيل"داخل القصّة.وبذا أثمر الفراغ حكاية تواصُل سرعان ما أفضى إلى انقضاء بارد بانحباس الرؤية وانحسار الأفق،وكـ"صانع الأحلام"الّذي درس"الشعوذة والسحر في بلاد ما خلف البحر"(Cool ليعود إلى أرض الوطن ويُعيَّن في "الدرجة السابعة بوظيفة صانع أحلام شعبيّة"(9)،وكالإدمان التلفزيونيّ في "آنسة قطّة"التي بها يستحيل فعل مشاهدة البرامج والمسلسلات التلفزيونيّة إلى مرض عُضال تغالب به فَتَاةٌ المللَ كي ينقلب الملل فيها بهذا الإدمان إلى خواء كينونيّ هائل بعد موت الأمّ وزواج الأختين وحياة العُزلة القاتلة وعديد الأوهام والاستيهامات في خاتمة هذه القصّة-المأساة،وكجحيم العزلة في "الضفّة الأخرى تُراوح بين بعضٍ من واقعيّة الذات الساردة ورمزيّة الكائن-الذكر يتوق إلى البُعد الآخر للحياة ليحدث الإبدال(10)،وكالجارة الغجريّة الشرسة بصُراخها وشتائمها الصباحيّة المزعجة الّتي لا تنقطع وسخط الرجل الجار عليها الّذي تحوّل إلى رغبة جامحة لا تتحقّق برحيلها وانتظاراته الّتي لا تنقطع(11)،وكظِلّ الكائن الّذي يمثّل عَدُوًّا لدُودًا يُحاول التخلّص منه مرارًا وتكرارًا في "القاتل" دون جدوى إلى أن حدث القتل،لينشأ عن ذلك حنين إلى زمن ما قبل النفي،وكقطيعة التباعُد المستفحلة في "صباح الخير...يا دكتور"بين الأنثى العرجاء والطبيب وحضور السياج الفاصل بين الداخل والخارج،وبين الممكن والمستحيل،بين انتظاره وانتظارها(12)،وكالحاجة إلى البوح بالكلام أو البُكاء في "صاحب الصوت الأجشّ" لينشأ حنين إلى صَوْتٍ ذكريّ سمعته أنثى لمرّة واحدة عبر الهاتف وظلّ صداه ماثلا بعشق مُرهف في الذاكرة المُعَنّاة.
6- التردّد المأساويّ الحادّ بين رغبة الحُريّة وتعطُّل إرادة التجاوُز.
كذا الكابوس(المجموعة القصصيّة) فيض من أحلام،بعضها واقعيّ أو يكاد،وبعضها الآخر بَدْء توغُّل في المواطن المحظورة حيث التخوم القصيّة لرغبة التحرّر من عديد القيود داخل وضعيّة الكائن-الأنثى والكائن الفرد عامّة في مجتمع سلطة الجماعة القبليّة أو شبه القبليّة على الفرد بمجمل إرثها القديم وقهرها الحادِث.
وبناءً على هذه المغامرة غير مأمونة العواقب في كتابة القصّة وتمثُّل مأساة الوجود الفرديّ الأنثويّ،على وجه الخصوص،تصطدم الأبنية السرديّة بضرب من التكرار الحَدثيّ المُضمر مُمثّلا في التمدّد الّذي سرعان ما يُضحي استدارة تنقضي عادةً بالتوقُّف/البتر وبالارتداد إلى مجال النفس المغلق المزحوم برغبة الانفتاح على الآخر الكينونيّ والامتداد المكانيّ معا المهووس بكوابيس اليقظة.إلاّ أنّ سلطة الماضي،كما تنجلي،تقريبا،في الاستذكار أو حُبْسة الحال تدفع غالبا إلى الانتظار وتفاقُم الملل في عالم الأنثى،كماهو الشأن في عالم الذكر،تبعا لتماثُل الوضع بالنسبة للشخصيّات القصصيّة رغم اختلاف أسمائها ومُسمّياتها ووظائفها.فثمّة مُشترك كينونيّ يقضي تغليب الطيف أو الظلّ على الشخص،والقناع على الوجه،والاسم على المُسمّى،ومجرّد الحال على مخصوصها في"الآن" و"الهُنا".
لذا تبدو"الكابوس"عالما قصصيّا يكتظّ بعلامات الأنوثة المُعذّبة ودلالات الرغبة الحبيسة ومأزق الوضعيّة الناتج عن التردُّد المأساويّ الحادّ بين رغبة الحُريّة وتعطُّل إرادة التجاوُز.وما ينكشف تمرُّدًا للفرد والأنثى-الفرد،على وجه الخصوص،يحمل في ذاته النقيض الّذي هو الإذعان لرقابة ذاتيّة تحلّ مَقامَ الرُقباء الآخرين.
فتتماهى الأنوثة والذكورة حينما يحمل فعل التمدُّد السرديّ حركة ارتداده بالاستدارة المذكورة آنفا،بالالتفاف السريع حول النواة الّتي تندفع بدْءًا نحو تجاوُز وهم المُوحَّد الثابت فيها بالتعدّد،ليتعاظم هذا الوهم بمختلف الاستيهامات تتناسل عن الرعب القديم الحادث،رعب الأنثى الّتي قد تدفع ثمن تمرّدها الكاتِب المؤقّت العارض باهظا،رعب شهرزاد الحفيدة الّتي استفادت من جيل شهرزاد الجدّة،وقد يُسفك دمها انتقاما منها ومن الجدَّات،بل كُلّ الجدّات في تاريخ الأقبية والمقاصير ومرايا العتمة.
وهل"قافلة العطش"،المجموعة القصصيّة الثانية لسناء شعلان(13)،استمرار في نهج هذا التردُّد المستفحل بين رغبة التمرّد على الموروث السائد وبين الإذعان القسريّ له أم هو الاندفاع بجهد كتابيّ حادث نحو ضفّة أخرى،لعلّها ضفّة النجاة من قهر العادة بالكتابة وفي الكتابة؟(14).
7- "السخرية الجادّة" وأفق الكتابة؟
فثمّة أسلوب قصصيّ متفرّد مختلف بَدَأ يتنامى في أقاصيص سناء شعلان،وهو الّذي يمثّل أفق انتظار،حسب قراءتنا،ويستدعي الاشتغال عليه بعد"الكابوس"،تلك"السخرية الجادّة" المتلبِّسة بعديد الأحداث والحالات،الدافعة إلى مُقاربة تخوم الكارثة بتبعيد فنّيّ شيّق بين الواصف والموصوف لحظة يتوارى الواصف خلف موصوفه ويُساوي بين أطراف النقيض في مُعتاد القراءة والتقبُّل،وآنَ زوال الحدود الفارقة بين المنطق والجنون عبر مسحة خافتة من حكمة الجنون أو جُنون الحكمة،وحيث ينتفي الفاصل النهائيّ بين الواقع والحلم،والذاكرة والمخيال،والتاريخ الفرديّ والتاريخ الجماعيّ،والمعتاد والعجيب،والمنتَظر والغريب،والوجه والطيف،وشاعريّة السرد وسرديّة الشعر،.هذا الّذي بَدَا مشروعًا يتشكّل في "الكابوس" وازداد تراكُما موقعيّا في"قافلة العطش" في انتظار ترسيخ تجربة الكتابة القصصيّة المتفرّدة بمزيد من استخدامات السخرية الجادّة أو الجدّ الساخر،وبالمأساة والملهاة مَعًا،وبالحدث والحال،أو السرد وما وراء-السرد.
أليست "السخرية"،كما حدّها فلاديمير جانكلفيتش(Vladimir Jankélévitch) هي تلك الأكثر أخلاقيّة كي تكون فنيّة حقّا،والأشدّ شراسة لتؤدّي وظيفة الإضحاك بالفعل؟ أليست السخرية لَعِبًا في المناطق الخطِرَة،عِلْمًا بأنّ المغامرة أو المخاطرة هي صفة الكائن آنَ استجابته للكينونة باعتبارها مُرادف النُقصان بدءًا وانتهاءً وفي الأثناء،تقريبا؟(15).

*الهوامش:
1- سناء كامل شعلان،"الكابوس"،إصدارات دائرة الثقافة والإعلام،حكومة الشارقة، ط1، 2006.
2- "اعتادت أن تحضن الفراغ في حين يحضن غيرها قلوبا حانية عاشقة(...) الكُلّ يروي لها حلمه،ولكنْ لا أحد يُفكّر في أن يسمع حلمها الّذي سرعان ما مُسِخ في ذاتها،ليُصبح كابوسًا مُضنيا..."،السابق،ص13.
3- السابق،ص24.
4- السابق،ص31.
5- السابق،ص36.
6- السابق،ص39.
7- السابق،ص178.
8- السابق،ص117.
9- السابق،ص121.
10- "وجلس بانكسار على تخوم ضفّته الجديدة،وأخذ يُراقب الضفّة الأولى من جديد،حيث النساء من مرمر والرجال من عسجد،والأرض تفيض لبنا وعسلا،فكّر بأن يُصبح نبيّا مَرّةً أخرى،لكنّ الباقي من العمر كان لا يفي بذلك".السابق،ص154.
11- "اعتاد أن يجلس في مقعده الهزّاز قُبالة شرفة منزلها الّذي هجرته منذ زمن لينتظر إيّابها الّذي لم يحدث".السابق،ص154.
12- "ونزل المطر...وانتظرها على التلّة الموتورة بسياجها العجوز،ولم تأتِ.وانتظرتْه في غرفة العمليّات...ولم يأتِ".السابق،ص165.
13- سناء شعلان،"قافلة العطش"،الأردنّ:الورّاق وأمانة عمّان الكبرى،ط1، 2006.
14- إنّ "قافلة العطش" هي استمرار في نهج "كابوس"،ولكنْ بالمراهنة في الأساس والمرجع على الواقعيّة الّتي لا تخلو من إيحاء،وبضروب حادثة من التبعيد بين الذات الساردة والفعل السرديّ.ذلك ما يجعل القصّة أكثر حكائيّة وأرسخ حضورًا في موصوف الوقائع وألصق وجودًا بالدقائق والتفاصيل.
15-, ‘’L’ironie’’,France :Flammarion,1964 ,p9. Vladimir Jankélévitch


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء ابريل 20, 2010 4:20 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top



نساء الرّمل في "قافلة العطش" لسناء شعلان


أ. أحمد مزيد أبو ردن



هذا العالم الذي يتمازج بين الواقع والحلم والأسطورة، وتكون فيه المرأة واسطة العقد، بمشاعرها العارية وبقدرتها على خلق طعم جميل ورائع للحياة، وتلك الأحاسيس المرهفة الدقيقة لذلك الكائن الرقيق الناعم، الذي هو نصف الحياة وسر الإبداع الفني والإنساني، تقدمه نساء شعلان في تجربتها القصصية المتميزة "قافلة العطش"، ويركز على ضرورة الإبداع والقدرة على توصيل الصورة المضخمة بالمشاعر إلى عقل القارئ الذي يدرك مسبقاً أنّه يقرأ لامرأة.
ويريد أن يعرف كيف تكتب المرأة عن عالمها وأسرارها المتوارية التي تلوب وتختفي عن أعين المتعطشين لحديث النساء؟ وإلى معرفة أدق أخبارهن وأسرارهن واختلافهن الروحي والنفسي والبيولوجي عن عالم الرجل الشائك المصطخب العنيف. وحين تغوص في فضاءات التجربة تنفتح أمامك الكثير من الأشياء التي كتبتها وأعطت معان مختلفة في ذهن القارئ المدقق.
قلت لها: اتركيني أقرأ ما تكتبين، أعيش في عوالم القصص التي تنبئ بالكثير من الأسرار عن هذا الكون الإبداعي المعقد، وعن ضجيج الأنثى إلى الحبّ، وارتشاف حلم الحياة الوردي.
ومن أول الطريق يعبر المبدعون، يبوحون بأسرارهم الدفينة، ويكشفون لواعج قلوبهم التي عذبها الانتظار، وهذه امرأة تبوح وتفضح ذلك العالم الذي يسحر عقول الرجال، ويطلق العنان لخيالاتهم المرهقة من التمني والحلم. حين قرأت النص الأول من "قافلة العطش"، كنت ألهث وراء الصور المجنونة في النسيج الإبداعي، ومن السّطر الأول كانت تفضي بقدرتها الهائلة على البوح، وتتجلّى في عالم السّرد الذي يعطي للقصة مذاقاً رائعاً، ومخزونها من التراث عميق الجذور، لم يقل لي أحد عنه، ولكن بذائقة نقدية تشتم رائحة التراث، اكتشفت الينابيع التي أخرجت هذا الإبداع إلى حيّز الوجود وفرادة التجربة وتميزها ودقة المشاعر التي تنبض وراء الكلمات.
إنّ مجموعة (قافلة العطش) القصصية للكاتبة سناء كامل شعلان تندرج في القص الإبداعي الذي يسحر القارئ، ويجعل من متابعته للحكايات شيئاً ذا قيمة ومتعة، يضيفها جو النّص واللغة العذبة المستخدمة، والوصف الجميل من قلم امرأة تعرف كيف تقدم عالم المرأة بأدق أسراره، وبغرابته، وبقوته وضعفه.
وهذا الجانب الذي عجزت الكثيرات من المبدعات عن تقديمه، من خلال مجال الاعترافات الشخصية، وعالم المرأة الجنسي وتوقها الأبدي إلى نصفها الآخر الرجل، هنا تجربة المرأة المبدعة تختلف كليّاً؛ لأنّها تكشف عن الصورة الحقيقية للأنثى، ولامرأة الصحراء التي لم تقترب أو تقدم مشاعرها الأقلام، المرأة التي تمّ أسرها مع مجموعة من النساء، وجاء أهلهن لدفع الفدية إلى زعيم القبيلة التي اختطفت النساء، ولكن واحدة منهن ترفض أن تعود أو أن تفتدى، وتعترف أنها تحب أسرها، وتطمح إلى الارتباط به.
هذا النّص الذي في المجموعة أماط اللثام عن المرأة الغريبة ومزاجها العجيب، قدمته الكاتبة في أسلوب لا تفهمه غير المرأة بمشاعرها وبقدرتها على الاختيار، حتى لو أنّها أصابت أهلها بالصدمة، وجلبت لهم العار، برفضها العودة إلى أهلها وحسب أعراف قبيلتها التي تعتبر مقدسة في نظر سكان الصحراء الذين يعتبرون المرأة والشرف صنوان يرتبطان بالحياة والوجود، وحين تحدثت عن العطش كان الهدف أكبر من الماء على أهميته في عالم الصحراء، ولكنّه العطش الإنساني ودفء العلاقات بين الرجل والمرأة، وذلك الشعور النفسي الدفين في أعماق النفس البشرية الذي يوصل إلى الاستقرار والأمان. والقبول بهذا الحد من القدر الذي فرضته إرادة الخالق حينما يكون الإنسان ذكراً كان أو أنثى جنيناً في رحم أمه.
هذا اللامعقول في النّفس البشرية الذي جسدته المرأة الصحراوية حين رفضت أن تعود، وماذا وجدت في ذلك الرجل الذي أسرها؟ ولماذا اختارت أن تعيش معه وقد كان كريماً وشهماً حين قبل الفدية؟ وأمر النساء الأسيرات بالعودة مع أهلهن الذين جاءوا من ديارهم ودفعوا المال ليحافظوا على نسائهم وشرف وعرض قبيلتهم.
هذا الحديث لا يكون همساً وإنّما بصوت عال إيقاعه جميل، وأنفاسه مخضبة بعطر وحناء المرأة التي ترى الحياة من زاوية لا يراها الرجال، وهي تكتب عنهم، وتنثر شوقها الأزلي إلى من يكتب لها كلماته المائية ويحملها محارة مغسولة بالزبد ورغوة البحر الطافية البيضاء.
من أول سطر في "قافلة العطش" كان هناك للحديث معنى تجسده امرأة ملهمة تفصح عن تجربتها بجرأة ونبرة عالية تدخل عالم النساء والجواري والأسيرات وجنيات الكهوف المغلقة منذ ألف عام لتقول لنا: هذا هو عالم المرأة بقوتها وضعفها وكيدها الإنساني الغريزي، الذي تروض به ذلك الآخر المكتنز بالقوة والعضلات وإرادته في اختيار ما يريد دون خوف أو خشية من أحد، وفي العبور إلى فضاءات سناء شعلان العارية مثل فصل خريفي يجرد كل الأشجار من أوراقها، تجرد التجربة من وعثاء الطريق وتنثر أحلامها وحنينها ورؤيتها للحياة.
ليست امرأة عادية ولكنها مع ذلك تحمل كل ارثها الأنثوي، ولهاث أنفاسها المتنامي، وقلق شخوصها وصراع واشتباك لحظات الحدث الذي تلتقطه بكل ذكاء، وتفرشه بمساحات واسعة من الرؤية المتجسدة في إبداع قصصي جميل.
لتقدم عالم الأنثى بكل تعقيداته واشكالياته وخصوصيته، هذا العالم والجانب الأنثوي من حياة النصف الآخر من الحياة البشرية، الذي يراه الرجال ناعماً ورقيقا، ولكنّها تختار الزوايا التي لا يفهمها الرجال بحكم التكوين العقلي والبيولوجي، وتنفض عنه غبار الاختباء وتقدمه كما تحس به المرأة حين تكتب إبداعها.
إنّها صورة فنية إبداعية خطتها أنامل الكاتبة بكل براعة فلو أنها عادت لم تغادر فضاء القصة العادية والشيء المألوف، أما حين رفضت، وقالت للرجل الذي جعل منها حكاية في متاهات الرمل والسّراب والهجير: إنها عطشى!!
يا لهذه الكلمة الصغيرة من مدلولات هائلة ومعان ربما لا ينقطع الحديث عنها!! ولو كان الكاتب رجلاً لكانت النزعة الذكورية تتطلب منه البطولة والشهامة والعفو عمن لا يملك نفسه أو لديه المقدرة على أن يحرر جسده المكبل، ولكانت النظرة إلى الأنثى على أنها بحاجة إلى الحب والرجل، والى تغيير واقعها وحياتها بارتباطها بهذا الرجل الذي قدم أنموذجا رائعاً في البطولة والرجولة الحقيقية حين عفا عن الأسيرات حتى ولو بمقابل من فدية ومال، ولكن الكاتبة امرأة مكتملة الأنوثة، وتعرف أدق أسرار قلب ونفس الأنثى بفرحها وحزنها وزاوية نظرتها للحياة، ومزاجها المتقلب وأحوالها النفسية المتغيرة والمضطربة والمستقرة.
وهذا ربما لم يعرفه الرجال الذين يحكمون على الأشياء من خلال عالم صلب خشن قاس مليء بالنزعة إلى السيطرة وإثبات القول في العقل وفي الجسم والرغبات.
ثم إن الحديث في قصة قافلة العطش كان عن امرأة من مدائن الرمل المجنونة، التي يلهث في آفاقها سراب الظهيرة الخادع، وتلك اللوحات السوريالية، التي تلوح للعين كأنها بحار من الماء وهي خلب خادعة تتحلب لها أفواه العطشى التائهين الذين يوقعهم حظهم السيء في دائرة مكرها وبردها اللاسع وفي خديعة سرابها المرتحل.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء ابريل 20, 2010 4:24 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


"السرد الغرائبي والعجائبي" للدكتورة سناء شعلان:

رصد الحدود الفاصلة بين "الغرائبي" و"العجائبي" في السّرد*

جعفر العقيلي


تعددت الدراسات التي تناولت السردَين الغرائبي والعجائبي عادّةً إياهما سرداً واحداً يقوم على تجاوز الواقع، ويتماسّ مع قصص الخوارق التي تمزج بين نقيضين هما: العقلانية التي ترفض كل ما لا يقبل التفسير، واللاعقلانية التي تقبل بعالم غير عالمنا له نظامه ومقاييسه المخالفة لتجربتنا البشرية، دون الالتفات إلى الحدود الدقيقة التي تفصل بين هذين النوعين من السرد -المثقلَين بالرموز والدلالات والإيحاءات- من حيث الزمان والمكان والخلفية الثقافية والتراثية التي تحكم العوامل المؤسسة لهما؛ ففي حين يرتبط الغرائبي بالزمان والمكان، فإن الحدث العجائبي يجيَّر لحساب الزمان.
في ظل هذا الفهم، يأتي كتاب "السرد الغرائبي والعجائبي" للباحثة والأكاديمية الأردنية سناء شعلان، محاولاً التفريق بين السردين الغرائبي والعجائبي، راصداً الحدود الفاصلة والمتداخلة بينهما، ومسلّطاً معطيات هذا التمييز على نصوص أدبية (روائية وقصصية) تتعالق، بشكل أو بآخر، مع هذين السردَين.
بدايةً، ترى شعلان أن السرد العجائبي يسعى، في مزجه العالَمَ الواقعي المحسوس بعوالم أخرى من إنتاج الخيال بما فيه من شخصيات غير حقيقية، إلى إقناعنا بأن هذه الشخصيات موجودة، والترددُ الذي يُظهره القارئ تجاه القبول بهذا النوع من الشخوص أو الأحداث هو المسوّغ الوحيد لوصف هذا الأدب بالنوع الغريب (أو الغرائبي) والعجيب (أو العجائبي).
فجنس "العجائبي"، كما توضح شعلان، يتحدد إذا قرر القارئ أنه ينبغي قبول قوانين جديدة للطبيعة يمكن تفسير الظواهر بها، أما إذا قرر أن قوانين الواقع غير ممسوسة وتسمح بتفسير الظواهر الموصوفة فإنه يدخل عالم "الغرائبي". وفيما يرتبط "العجائبي" بالحاضر ويقوم فيه (زمن التردد والقراءة)، حيث يطابق العجيبُ ظاهرةً مجهولة لم تُرَ بعد، وهي آتية من المستقبل، فإنه يتم في "الغريب" العودة بما لا يقبل التفسير إلى وقائع معروفة، وإلى تجربة مسبقة، موجودة قبلاً (الماضي). وكثيراً ما يتداخل "الغرائبي" و"العجائبي" في النص الواحد، ويصبح إيقاف كل منهما عند تخوم واضحة أمراً صعباً يحتاج إلى مهارة ودقة، وقدرة على التأويل وجمع شتات الظواهر والأحداث وردها إلى الواقع واللاواقع.
وتتسم روافد "العجائبي" و"الغرائبي"، كما تبين شعلان، بسمات عدة تُغني السرد الحديث، وتفتح الأبواب أمامه على عالم اللاواقع والاستثنائي، وتتميز هذه الروافد بغناها وتنوعها وبشمولها عصوراً عدّة وأجناساً أدبية مختلفة، وبمرونتها وخصوبة خيالها، ومنها: الدينية، الأسطورية، التراثية التاريخية (كالقصص العاطفية الاجتماعية والقصص الرمزية وقصص الحيوان والمناظرات الخيالية وقصص الأمثال)، كتب التراث الصوفي، كتب التنجيم، السير الشعبية، بالإضافة إلى الروافد العلمية، والمدارس الأدبية الحديثة.
وتعد شعلان الدمجَ بين "الواقعي" و"الغرائبي" في بنية الخطاب الروائي من أهم مظاهر الخصوصية الإبداعية والرؤيوية في النتاجات العربية عامة، والأردنية خاصة التي شهدت منذ ثلاثة عقود انكساراً وانزياحاً عن التقاليد الروائية، وارتياداً لعالم غرائبي فانتازي يتحدى قيود النوع وأعراف الواقعية، وينتج سرداً يتوافر على إمكانيات تصويرية وتخيلية وتعبيرية وإيحائية، إلى جانب التمثّل السردي للمرجعيات التاريخية والاجتماعية والأسطورية والحكائية التي تستحضر موروثاً غرائبياً متجذراً في الموروث الشعبي والوطني والقومي والعربي.
وبعد دراستها لنماذج من الروايات الأردنية التي قامت بنيتها على السرد الغرائبي، ومنها: "براري الحمى" لإبراهيم نصر الله، "صم بكم عمي" لأحمد الزعبي، و"ذئب الماء الأبيض" لإبراهيم زعرور، تخلص شعلان إلى أن السرد الغرائبي في الرواية الأردنية يقدم تصوراً خاصاً للواقع يمتح ابتداءً من أرض الحدث، ويستعين بمعطيات التراث والتاريخ وشواذّ الأحداث في بناء توليفة سردية تتمخّض عنها بنية سردية لا تخترق الحقيقي والواقعي بل توازيهما، وتلتقط، بذكاء وانتقائية فنية وفكرية، مواقفَ خاصة منهما وتضخمها أو تزيحها إلى حيث الضوء لتشرّح الواقع اليومي وتعرّي مواقفه وتجعل عيوبه ومناقصه في مواجهة القارئ الذي لا يجد صعوبةً، بعد قراءة متأنية، في التقاطِ الفكرة، وفكّ الترميز الذي يحمل دلالات خاصة تتفيأ ظلالَ الواقعي المحسوس في الحياة اليومية، فالسرد الغرائبي يتيح لنا التوقف عند مواقف ما كنّا لنقف عندها في ديدن حياتنا السريعة المضطربة.
أما البنية العجائبية في الرواية الأردنية، فقد وظّفها، كما توضح شعلان، عددٌ من الروائيين قام معمارهم الروائي على السرد العجائبي الذي يخترق حدود الطبيعة ويهمّش قوانينها ويخضع منطقنا وإدراكنا لقوانين عالمه، ويدخلنا في اللعبة السردية بعد أن نعطيه مقاليد فهم ذلك العالم، فيخرج الخيال من جنس متخيل سائب إلى جنس متخيَّل يسنده وعيٌ ولغة متميزة وأدوات إبداعية قادرة على ارتياد عالم المجهول ونقد الواقع.
وقد استفاد الروائي الأردني، بحسب شعلان، من مساحات هذا السرد اللامتناهية، وجعل ارتياد عوالمه تحدياً أدبياً تمخّضت عنه أعمال روائية كان لها نصيب من الشهرة والريادة في هذا المضمار، وقد بدأت الروايات العجائبية في الظهور على الساحة الأردنية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وأصبح هذا النفس السردي ذا حضور كبير في الأعمال الروائية الأردنية في السبعينيات وما تلاها. وتدرس شعلان في هذا الباب روايات عدة، منها: "متاهة الأعراب في ناطحات السراب" للراحل مؤنس الرزاز، "سحب الفوضى" ليوسف ضمرة، "المقامة الرملية" لهاشم غرايبة، "القرمية" لسميحة خريس.
وتلفت شعلان إلى أن السرد العجائبي في الرواية الأردنية يستلهم الموروث الإنساني كاملاً في ضوء ثقافة المبدع ومعطيات موهبته ومجريات أحداث واقعه ليضطلع بمهمة تشكيل عالم كامل في أرضية عجائبية وأدوات عجائبية تسند الحدث الخيالي، وتنقله من أدب متخيل إلى وعي خاص، وإدراك تهيمن عليه الفكرة، وتجسده لغة تحمل على عاتقها رسم هذا العالم وترك الباب موارباً لدخول القارئ والمتلقي الواعي الذي لا يعدم الوسيلة لإعادة ترتيب هذا العالم العجائبي وفق صورة حقيقية لعالمه الذي يحياه ويعيش واقعه.
فالسرد العجائبي في الرواية الأردنية، كما تؤكد شعلان، أثبت مقدرته على تجاوز عالمه المغلَق دون عالمنا، وبرهن على أن الأديب الأردني استطاع بموهبته الفذة أن يستثمر العجائبي ليعبّر عن الواقع، ويخلق عالماً موازياً له، يتيح للمتلقي أن يؤول الحدث بعيداً عن الفكرة المباشرة.
وتدرس الباحثة السرد الغرائبي في القصة القصيرة، في الباب الثاني من الكتاب، مبينةً أن البنية السردية الغرائبية أعادت بناء هيكل الشكل على حساب السرديات التقليدية التي ترمي إلى تجاوزها سعياً لتأسيس وعي خاص. وقد بدأت هذه البنية السردية تتسرب إلى القصة القصيرة في الأردن تسرباً ملحوظاً.
ومن خلال قراءة شعلان لمجاميع قصصية منها: "أحزان كثيرة وثلاثة غزلان" لجمال أبو حمدان، "عود كبريت" لأحمد الزعبي، "لا أقسم بالشمس" لعبد الله الشحام، "المتحمسون الأوغاد" لمحمد طملية، "بلا قبيلة" لفايز محمود، ترى أن السرد الغرائبي يتعالق بشكل واضح مع البنى السردية في القصة القصيرة، بل يجيز لنفسه أن يكون البنية الوحيدة في كثير من القصص، وسبيله إلى ذلك اقتناص المواقف الاعتيادية التي تضج بذلك الغريب المضحك قليلاً والمحزن غالباً، ومن ثم تسلط الضوء عليها ضمن بؤرة حدثية مكثفة تنتخب أفراداً كسروا المعتاد، واسْتَحلوا انتهاكَ الشريعة اليومية المألوفة، وفضحوا بذلك واقعهم الذي كثيراً ما يصبح وحشاً يطحن أفراده الضعفاء ولا يبالي بأحزانهم، فالسرد الغرائبي يتحول إلى أداة تلمز الواقع، وتفضح عورته، وتعرّي جسده البغيض أمام القارئ شرط أن يمتلك ذائقة إدراكية تجيز له تجاوز النص الموجود، والبحث عن النص المفقود فيما يقرأ، عندها فقط يملك القارئ زمام السرد، ويصبح قارئاً مبدعاً يعيد إنتاج ما يقرأ، لا مجرد قارئ متلق حسْب.
وفيما يخص السرد العجائبي في القصة القصيرة الأردنية، تذهب شعلان، بعد دراستها لمجاميع قصصية أردنية مختارة، ومنها: "زائر المساء" للراحل خليل السواحري، "البحث عن قطعة صابون" لأحمد الزعبي، "طقوس أنثى" لسامية عطعوط، "صرخة البياض" لجميلة عمايرة، "ضيوف ثقال الظل" لجعفر العقيلي، "رحيل الطيار" لنايف النوايسة، إلى أن هذا السرد بات نمطاً سردياً لا يمكن إنكاره أو إغفال وجوده، لا سيما في ضوء غزارة الكتابات الموظفة لهذا الاتجاه من جهة، وفي ضوء قيمة هذه الكتابات فنياً من جهة أخرى. مشيرة إلى أنه جرى توظيف هذا السرد عند كثير من الأدباء الأردنيين منذ السبعينيات، وكان تيسير السبول أول من تسرب إلى كتاباته هذا النمط السردي.
وبعد دراسة مستفيضة للسردَن الغرائبي والعجائبي، في منتخبات إبداعية أردنية في الرواية والقصة القصيرة، تخلص شعلان إلى أن السردين الغرائبي والعجائبي أبرز وضوحاً وأكثر استخداماً في القصة القصيرة في الأردن عمّا هو في الرواية، عازيةً ذلك إلى أن الرواية تشغل حيزاً زمانياً ومكانياً كبيراً يعزّ على أي كاتب أن يملأه بالسردَين الغرائبي والعجائبي اللذين يحتاجان إلى قدر أكبر من الموهبة والخيال، بينما تكون الأمور أسهل في القصة القصيرة التي يعمد إليها الكثير من الكتاب لتوظيف هذين السردين.
* سناء شعلان: السّرد الغرائبي والعجائبي في الرواية الأردنية والقصة القصيرة في الأردن 1970-2002م،ط2، قطر، الدوحة، 2006.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الثلاثاء ابريل 20, 2010 4:29 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


رواية السقوط في الشمس لسناء شعلان

المرأة تصنع تمثالها الخالد وتتعبّده

*حكمت النوايسة


على مر العصور صنع الرجل المرأة ، صنعها كما يريد ، معشوقة خاصّة ، لا يحق للغير ( الرجل الآخر ) المساس بها ، شكّلها في أحلامه فكانت المعشوقة المستحيلة عند العذريين ، وشكّلها جسدا مرسوما بالكلمات كما عند المحققين ، وجسدا صخرا نفخ فيه من روحه ليكون من يد وروحٍ خاصّتين كما تقول الأسطورة، أما المرأة العربية فقد ظلّت المستهدفة في هذا النوع من الكتابة ، ولم تستطع أن تكون المستهدِفة ، ولم تستطع أن تكون الصانعة لحلمها كما كان الرجل . وظلّت المرأة موضوعا يُتحدث عنه لا ذاتا تتحدّث ، وفي أحسن حالاتها معشوقة تلتمّ حولها قصائد الرجل وأنفاسه ، ولا نرى منها إلا الخط العنوان لمشاعرها : أحبّت فلانا ، ولم تحب فلانا ، أما كيف تحب ؟ كيف تفكّر ؟ كيف تكون أقوى من الرجل ؟ فهذه مناطق كانت المرأة محرومة منها إلى سنوات قليلة مضت ، حيث بدأت المرأة تعبّر عن ذاتها من خلال السرد الروائي أو القصصي ، والشعر بشكل خجول إلى سنوات قريبة ، مع بعض الفلتات هنا وهناك التي لم يكن يعوّل عليها لإنشاء تيار أو تلمّسه .
أما كيف تصنع المرأة عاشقةً الرجلَ . فهذا ما تر سمه بطلة رواية " السقوط في الشمس " لسناء شعلان ، الصادرة عن دار اليازوري للنشر والتوزيع ، وتقع في مئتين وتسع وتسعين صفحة من القطع المتوسط .
البطلة في هذه الرواية عاشقة بلا حدود ، عاشقة مثقفة ، قوية ، توظف قوتها وثقافتها في صنع عشقها الخاص ، عشق كتب عليه أن لا يكون محققا كما عند العذريين الرجال ، وبقصدية واضحة ليس في الرواية اسم للبطلة وليس للمعشوق اسم " أسماؤنا أسخف ما نحمل ، أسماؤنا ليست لنا ، بل هي ملك القدر،" ،فالأسماء شيء واقعي وقائعي ، وهي لا تريد لهذه العلاقة أن تحمل من الواقع إلا ما يجعل القصّة جميلة ، والأسماء التي لم نخترها لأنفسنا ليست هي ما تمنيناه ، فنكتب أسماءنا كما نريد نحن ، وعلى ذلك تسمي البطل وتسمي نفسها اسما اسطوريا
" لا تذكر اسمي ، اسمي هو وجودي معك ، أنا لا أسمّيك بل لا أذكر اسمك ، أتعرف لمَ ؟
لم ؟
لأن اسمك يعني كل رجال الدنيا ، أنت رجال الدنيا كلّهم في رجل واحد، لا رجال في دنياي من بعدك ، عالمي أنت ، لا أسميك لأني أغار أن تلامس شفاهي حروف اسمك وأنا أنطقه
حبيبتي ( أرتميس ) أي قدر بعث بك إلي ؟"
"يا شمس حياتي يا ( هيلوس ) في أي بقاع الدنيا تختفي ؟ حبيبتك ( أرتميس ) قد أضناها الانتظار "
الرواية مقدمة بطريقة الاسترجاع ، فالبطلة تعود بعد غياب عشرين عاما لترى حبيبها ، وفي محطة القطار تتذكر ( تسترجع ) أحداث الرواية كاملة ، تلك الأحداث التي دارت في ست سنوات ، وأبطالها طلبة دارسون في مؤسسة أكاديمية، حيث تدرس البطلة الفنون وتتعرف إلى البطل المعشوق حيث كان يعمل مشرفا أو معلما في تلك الأكاديمية ، بالإضافة إلى كونه فنانا ، وتعجب به، ويكون هو محط إعجاب كثيرات غيرها ، لكنّها بفيض الحب الهائل الذي تمنحه له تستطيع أن تكون الجزء الأهم في وقته ، وفي حياته ، وترسم من جهتها هالة روحية حول هذا البطل الذي لم يتكلّم إلا قليلا ، وتتولى هي الكلام، ورسم معالم العلاقة بينهما ، من خيالها ، ومن روحها العاشقة ، وتصنع وهمها العذري حوله، وتكتب ديوانها الخاص حوله ، فالرواية ديوان غزل تتخلله الأحداث ، والأحداث ، قصّة الحب الكبيرة ، المثيرة ، جاءت مرويّة من زاوية نظر واحدة ، وجهة نظر البطلة ، أما البطل ، فلم يعبّر عن نفسه إلا قليلا بما يخدم الرؤيا النهائية للرواية ، وقد كان ذلك عندما طلبت منه أن يساعدها في كفالة عيسى الشاب المناضل الذي يقبض عليه إثر أحداث تظاهرات في الأكاديمية ، فظهر لها كم هو مخالف للصورة التي رسمتها له في خيالها ، إذ إنّه خذلها ، وأفصح عن شخصيّة إنسان جبان ، أناني ، لا يريد أن يعرض نفسه لأي تعب في سبيل أي إنسان ، واهتزت صورته على إثر ذلك ، لكنها لم تمّحي نهائيا ، وإنما نجد البطلة تغفر له مثل ذلك ، وتحاول أن تصنع له عذرا كي لا تمحي الصورة التي رسمتها في ليالي شوقها الغامر ، وتأمّلاتها المستمرّة ، وهنا تظهر ملامح جديدة للمرأة ، المرأة التي تغفر ، وتسامح ، ليس لأن الرجل يقنعها بكذب كان يسميه أبيض ، وإنما لأنها العاشقة ، التي تكون أقوى في فهم الآخر ، أو محاولة فهمه، ولأنها الصورة المقابلة لذلك الرجل الذي كان يرسم المرأة كما يشاء ، ويغفر لها إذا أخطأت فروسيّة وترفعا ، أو عشقا يعمي القلب .
تمر ست سنوات من العشق اللاهب ، من طرف أرتميس ، والعادي من قبل هيليوس ، وتنتهي عندما تتأكد البطلة أن هذا الحب لا يمكن أن يكون محققا، كما ينبغي للحب أن يكون في مجتمع الرواية ، وعندما يقرر البطل الزواج من ( شرف ) التي كانت البطلة تعرف بالعلاقة الجسدية بينها وبين حبيبها ، و تسكت تاركة مشاعر الغيرة تلتهب في صدرها ، ومترفّعة عن المقاضاة التقليدية في مثل هذه الحالة ، بل نرى البطلة تترفع على مشاعرها تجاه شرف ، وتتكفلها عندما تتعرض للاعتقال ، وتخرجها من السجن . وهو ملمح آخر نجده في المرأة العاشقة التي تريد أن تكون البطل الذي يرسم ملامح العشق الذي استأثر به الرجل.
تنتهي علاقة التواصل عندما تنهي ( أرتميس ) دراستها ، وتتأكد من رغبة ( هيليوس ) بالزواج من شرف التي تبيّن أنها حامل ، و لا تقف البطلة عند هذه العلاقة الوقفة المتوقعة كما أسلفنا ، و كانت على استعداد أن تنسى مثل هذه العلاقة المزعجة لها إذا قبل ( هيلوس ) أن يتزوجها . وعندما ينحاز إلى خطيئته ويقرر الزواج من شرف ، وتكون هي قد أنهت دراستها تقرر السفر الذي تغيب فيه عشرين عاما ، تتزوج خلالها وتنجب الطفلة التي كانت تتمنى أن تنجبها من الحبيب . تمر عشرون سنة دون أن تنسى ، وبعد السنوات العشرين تقرر أن ترى الحبيب مضحية بكل ما يمكن أن يمسّها جراء هذا القرار ، وتأتي لزيارته ، ويكون في سرير المرض الأخير ، وتكون (أحلام ) ، ابنته من ( شرف) عنده في المشفى الذي يعالج فيه ، وترحل بعد رؤيته الرحيل الأخير ، وتعود من حيث أتت .
هذه هي القصّة الحاملة ،( المتن الحكائي ) ، وفي الرواية مجتمع رواية متكامل ، فهناك الضابط ( سعادة ) الذي شُلّ في أحدى الحروب مع الكيان الصهيوني ولم يورثه الشلل أي يأس أو قنوط ، فهو الحالم أبدا بالتحرير ، والمنتظر لساعته ، وهناك قصة فضيلة وكاظم العراقي الذي يعود للعراق لكي يبني نفسه ويعود ليتزوج فضيلة ، لكنها الحرب العراقية الإيرانية التي يستشهد فيها ، وتنتهي أحلام فضيلة ، وهناك مروة ، وأسرار ، وكل لها قصة وهن صديقات البطلة ، ومن يسكن معها في السكن الجامعي ، وهناك قصّة أجود الذي يدرس الفلسفة في روسيا ، ويعود بأفكار اشتراكية مما يسبب قطيعة بينه وبين أهله ، ويرث عن أبيه متجرا للزهور ، ويعمل به بفلسفته الخاصة ويتحول إلى شخصيّة متدينة ، ويعرض على البطلة التي تعمل عنده مدة ثلاث شهور ، يعرض عليها الزواج وترفض رغم احترامها الشديد له ولأخلاقه ، لأنها تعشق ( هيلوس ) . والملاحظ على هذه القصص أنها جاءت واقعية ، ويمكن أن تحدث كل يوم ، إلا القصة الحاملة التي جاءت مغايرة لتلك القصص ، وقد استمدّت فضاءها من الأجواء الأسطورية التي يتثقف النص بها ، فمن قصيدة أوسكار وايلد عن البلبل العاشق ، إلى أسطورة اليونان عن الندى ، إلى أسطورة بيجماليون وجالاتيا ، إلى أسطورة اليونان عن شجر السنديان ، إلى أسطورة فيلمون وبسيس ، إلى أسطورة أرتميس ، و وأختمارت الأرمنية ، وطائر الفينيق الكنعاني ، وأورفيوس ، وكالجولا ، إلى قراءة في لوحة تمثل إله الخصب عند الكنعانيين ، فالنص هنا مثقف أسطوريا ، واجتماعيا ، إلى الدرجة المدهشة حقا ، ففي هذه الأجواء الأسطورية ، وهذا الحب الأسطوري نجد الفضاء الواقعي والوقائعي المحيّر ، ومن هنا نعود إلى ما تتبناه هذه القراءة ، من أن النص ( الرواية ) تمثل ديوان الشعر المضاد ، أو جالاتيا المضادة ، جالاتيا من زاوية نظر جالاتيا ، وليس من وجهة نظر بيجماليون ، فإذا كان بيجماليون قد حطّم التمثال بعد أن خشي أن يعشقه غيرة ، نجد جالاتيا المضادة تسمح بكل محبة لحبيبها أن يعشق غيرها ، ويمارس حياته الزوجية مع غيرها ، و تتوسل إلى تلك التي سرقت الحبيب منها أن تسعده، أن توفر له ما تستطيع من السعادة ، هذا ما ترجحه هذه المقالة حول النشيد العام للرواية ، أما الشعرية الأكثر جلاء في هذه الرواية ، فهي شعرية القبض على اللحظة ، والتمسّك بها ، لحظة الوصل المفترضة ، التي لم تتحقق كما ينبغي لحب متاح له في ظروف الرواية الوصل ، الوصل الجسدي الذي لم يتحقق ، إلا كما قال العذريّون عنه ( شم ولم وقبل وبكاء ) ، تلك الشعرية هي التي جعلت هذه الرواية ديوان غزل ، غزل بالرجل ، وبالمرأة قليلا ، ورأينا الرجل هنا في المكان الذي رأينا في المرأة في الغزل العذري والصريح ، ونقول فيه ما قلناه في المرأة، والعشق عند العذريين:
"نه عشق آخر ، إنه عشق الرمز الذي يكتسب في غياب الحبيبة معطياتقادرة على إشباع الخيال العاشق ؛ لأنه صانعها الذي أراد لها أن تكون كما يشاء ، فهي جالاتيا الحلم ، وعشتاره ، وهي الحياة الجميلة ، حيث تحلق نجوم الخيال ، وتتناغى ربّات الجمال ، هناك ، أو هنا ، في هذا الغوص الجوّاني الذي تسمح به فسحة بعد الحبيبة ؛ فتخلع تحققها الواقعي كاملاً ، وتتحرر من كونها جسداً ترابا، لتصبح هناك ، أو هنا ، في الأعالي ، أو في أدغال الخيال الخصب ، امرأة خارجة من فيوضات أسطورية ، وتأملات شاردة راغبة في صياغتها كما تشاء " إ. الرجل هنا هو المقصود ، فبطلة سناء تحمل على عاتقها هذا الثأر الدفين ، وتلك الهواجس التي توارثتها المرأة فأفصحت عنها الآن في هذه الفسحة من الحرية والوعي الذي الذي أتاح للمرأة أن تكون كما هي ، لا كما تعارف عليها المجتمع الأبوي البطريركي ، ورأينا في هذه الرواية كيف صنعت تمثالها ، لكنها لم تحطمة بل جعلته يعيش كما يريد، تظلله سحابة من عشق ليس له حد .
أما البناء الفني للرواية ، فإنه قد جاء متماسكا بعد أن وقفنا على الجانب الموضوعي فيها ، وبرّرنا الرؤيا التي تقف وراء ذلك الغزل الكثير في الرواية ، والإلحاح على ذكريات البطلة مع حبيبها ، وقد جاء البناء الزمني للرواية ( الديمومة) بإتقان عال بين الاستباق والاسترجاع ، وقتل الزمن بالوصف ، وقد جاء الزمن المقتول بالوصف ليحتل المساحة الأكبر من الرواية وهذا ما ينسجم تماما مع ما ذهبنا إليه من أن الشعرية الأكثر جلاء هي شعرية القبض على اللحظة السعيدة، وشعرية الثأر الدفين من الرجل الذي رسم المرأة كما يشاء ، ولم يحبها كما تشاء ، فالوصف الجميل هنا للرجل ، هو وصف ثأري دفين ، وهو من ثارات شهرزاد الكثيرة عند الرجل ، أما الاستباقات ، فهي تلك التي وردت مبرّرة أيضا، فهي التي جاءت في نبوءات الفنجان التي كان يقوم بها الضابط المتقاعد (سعادة ) ، وتلك التوقعات التي كانت تأتي بوساطة الحدس حول الحبيب ، ويبرّرها رؤية الرواية النهائية ، وهي الإيهام بذلك الحب الذي لا يعرف الحدود . والتواصل الروحي الذي لا تحجبه الغيابات الصغيرة .
أما القطع الزمني ، فقد شمل ( عشرين سنة ) لا ندري ما دار بها من أحداث، وقد كانت تلك السنوات العشرون ملخّصة بأسطر قليلة ، وهذا ما ينسجم مع هدف السرد الكامن ، ويضيء أكثر ما يعتم الغاية من القص، النشيد المحب .
أما الزمن المساوق ، فقد اشتملت الرواية على الكثير من الأجزاء السردية التي تمثله ، وقد كان ذلك يأتي عندما يراد أن نرى نحن القراء ، الحدث كما يحصل في الواقع ، ليكون الحكم لنا ، ومثال ذلك :
"- أتذهب للبصرة ، الإيرانيون يقصفونها بشدّة؟
يجب أن أكون إلى جانب أسرتي ، سأعمل وأكمل دراستي في جامعة البصرة، وأعود لأخطب فضيلة .
حقا ؟ ستتزوّجان ؟
عندما أكون جديرا بها ، صدّقيني يا ........... لقد قهرني الفقر ، وحرمني من كثير من الأمور ، قضيت أجمل أيام عمري أطارد لقمة العيش كي أعيل أسرتي ، قهرني الفقر ، لكنني سأنتصر عليه هذه المرة ولن أسمح له أن يحرمني من فضيلة .
لا تتأخر علينا .
اذكريني في دعائك .
سأفعل .
تهمس فضيلة بنبرة كسيرة : ألم يتصل بك ؟
أومئ برأسي نافية .
تقول : شرف..............
ما بها ، هل ماتت ؟
بل تزوّجت ................"
ونلاحظ هنا كيف جاء هذا النمط في توزيع الزمن ، ليعزز الرؤيا ، فالرواية واقعية عندما يكون الحال في القصص المحمولة ، والواقعية المرسومة بعناية هنا، هي المجتمع الحاضن الذي أراد النص رسمه لتكون القصّة الأسطورية ذات مرجعية أرضية ، ومتحققات واقعية ، فأبطال الأساطير هم في الأصل بشر تأسطروا ثمّ تألّهوا.

أما الرؤية ، فإننا واجدوها موزعة بإتقان سردي ، فهناك الراوي كلي العلم المتداخل مع الرؤية (عن) مع التخطيب الروائي كما في " لقد أمضى سعادة معظم أيام شبابه إن لم تكن كلها في مجال العمل العسكري ،الذي ورث العمل فيه عن أبيه ، وعمه وبقي وفيّا لقضية أمته ، ولم يخذلها أبدا لا في ساحة المعركة ولا في المعتقل أمام تعذيب العدو ، ولكنّ الحسرة قهرته عندما اجتاح العدو الصهيوني كثيرا من الأراضي العربية في عام 1967 فأصيب بالشلل بعد ساعات قليلة من هذا الاجتياح فللأجساد أيضا لغة خاصّة في الغضب والرفض والحزن "
وهناك الرؤية مع التي وردت كثيرا في الرواية ، وفي اللحظة التي يحتاج إليها السرد تماما ، وقد سبق تمثيلنا عليها عندما استشهدنا بمقطع من الرواية عند التمثيل على الزمن المساوق ( زمن السرد = الزمن الواقعي ) . وإتقان توزيع الزمن والرؤية ليس هو إتقان اللعب به ، وإنما أن يكون هذا التوزيع مبررا نصّيّا ، والناظر في الرواية لا يعدم ذلك .
وإذا تذكّرنا في هذا المضمار أننا نقرأ رواية هي الأولى لصاحبتها ، فإننا نقرأ بين السطور موهبة روائية حقيقية ، وقدرة حقيقية على الإمساك بالعالم الروائي، مع رؤيا وهواجس كتابية تنبئ أننا سنرى لسناء روايات أخر تضيف شيئا إلى المكتبة الروائية .


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء ابريل 21, 2010 5:25 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top


العالم القصصي عند الأديبة سناء الشعلان

بقلم : خالد الباتلي



صدرت للأديبة الشابة المتألقة سناء الشعلان حتى الآن 8 مجموعات قصصية،نالت اهتمام النقاد، وحصت الكثير من الجوائز، والحقيقة العالم القصصي عن سناء االشعلان عالك كبير وغني ومثقل بالرموز والتمريرات والرؤى،ويحتاج إلى وقفات فاحصة، وهو ما يضيق عنه المقام في هذا المقام، ولكني حسبني أن نضيء زوابا وأركان في ذلك العالم الحافل امتنوع، ال\ي يعكس عوالم القاصة الشعلان،ويكرّس موهبتها الاستثنائية.

فالمجموعة القصصية "أرض الحكايا" تقع في 16 قصة قصيرة،وزهي مجموعة ذات قصص تلعب على ثيمات الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية، وتخلص منها إلى مزيج قصصي جريء ،يختزل اللاواقع ليقدّم الواقع بكلّ جزئياته الجميلة والقبيحة،ويرسم السعادة بأرقى معانيها،ويكرّس الحزن بكلّ بشاعته وآلامه.وهي مجموعة تتميّز بقدرتها على تقديم مساحات كبيرة من المشاعر الإنسانية والعواطف البشرية بعيداً عن التابوات دون الإسفاف أو الوقوع في شرك المغالطات أو التناقضات أو المبالغات العقيمة، وإن كانت المجموعة تدين بالكثير من تماسكها النصي وتقنياتها السردية للعبة المفارقة التي تجعل للحرمان سداسية،وتجعل البحر كاذباً،وتجعل ملك القلوب بلا قلب،وتحوّل جداراً من زجاجٍ إلى قوةٍ تحجر على مشاعر أبطال قصته،و تجعل الطيران ممكناً لعاشقٍ ولو كان عاشقاً منكوداً،وهي ذاتها من تجعل رجلاً تعيساً جداً محظوظاً جداً في ليلة وضحاها،وهي من تدفع بالناس على السقوط من السماء،وهي من تسوّغ بكاء الشيطان في عالمٍ يدين بالكثير للأحلام والتجاوزات.
والمجموعة في بعض قصصها تلعب على تقنية القصة الأم التي تلد قصصاً من ذاتها،فسداسية الحرمان تتكوّن من ست قصص،وهي: المتوحش،المارد، الخصي، إكليل العرس، فتى الزهور، الثورة. كذلك قصة أكاذيب البحر تتكوّن من مجموعة قصص: أكذوبة الجزر، أكذوبة اللؤلؤ،أكذوبة النوارس، أكذوبة الجزر، أكذوبة الأمواج، أكذوبة المدّ والمرجان، أكذوبة الأصداف. تجمعها وحدة عددية، وإن كانت تقوم على فوضى التشظّي والاسترجاع والاستشراف وتداخل الحوارات الداخلية والخارجية لأجل نقل الحالة الشعورية التي يعيشها أبطال القصة.
أمّا في مجموعة " الكابوس" الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وكانت قد حصلت المجموعة على الجائزة الأولى في القصة القصيرة للعام 2005، تتناول القصص مجموعة لقطات إن جاز التعبير ، فهي قصص أقرب ما تكون إلى صور فوتوغرافية عفوية في الظاهر ، لكنّها متعمدّة ومدروسة تمامًا عند التحديق بها ، ففي اللحظة الأولى هي كثير السّخرية وعدم الاهتمام واللامبالاة بل و الدعوة إلى الضحك لالتقاطها صورًا مهمّشة أو غير مفسّرة أو غير متناسقة ، لكن لحظات من التدقيق بها تقودنا إلى فجيعة الحقيقة وإلى تفاصيل الكابوس ، الذي يستولي على كلّ جزيئات حياتنا ، ويهصر سعادتنا ، ويحطّم يقينا وسلامنا المزعوم.
فمجموعة الكابوس هي التقاط لكلّ المسكوت عنه والمصادر يفعل قوى التابوات والمقدّسات وقوى الاستلاب ، وإبراز لملامح بشاعته ، وتنديد بمدى قسوته التي قد تصادر حقوق الإنسان حتى بالحلم والتمنّي والتوقّع والانتظار ، وتحاصره في زاوية الهزيمة حيث لا يوجد إلا الاستسلام واجترار الأحزان والانكسارات.
وهذا المسكوت عنه قد يطال كلّ مفردات الحياة وأشخاصها وقواها وأشكالها ، كما أنّه قد يحاصر كلّ الأشخاص وكلّ الطبقات في كلّ الأزمان والأماكن وفق ظروفهم ومعطيات حياتهم ، وتوافرهم على أسباب الحرمان أو العطاء المزعوم.
فالمجموعة لا تعد أبدًا بحلول ، ولا تخجل أبدًا من التصريح بخوف أبطال قصصها ، بل هي صرخة خوف حقيقية في وجه الخوف المسمّى ( الكابوس ) أيًّا كان شكله أو اسمه أو زمانه أو مكانه.
أمّا في مجموعة " الهروب إلى آخر الدنيا فنجد الحبّ بتجليات وجوده واختفائه والحاجة إليه هو الوحدة الموضوعية أو الثيمة الرئيسية في مجموعة قصص الهروب إلى آخر الدنيا التي يبلغ عددها اثني عشرة قصّة، والحبّ فيها يعرض عبر قصصٍ مختلفةٍ، وأحداث متباينة، وشرائح مختلفة، وأشكالٍ نادرة، فالحبّ أشكالٌ وألوانٌ كما يعتقد الكثير من النّاس والشعوب والمفكرون، لكنّه في النهاية في هذه المجموعة القصصية قوّة ثابتة للتغيير والخير والنماء والسّعادة، وهو العنصر الأساسي في أيّ تركيبة نجاحٍ أو سعادةٍ، ودونه تؤول الحياة إلى الفشل والتعاسة.
فالحبّ في هذه القصص يستولي على رصيدٍ لا يعرف نهاية من السّرد والأحداث، ويمتدّ أزماناً ساحقةً في القدم أو موغلةً في النفس الإنسانية، فيكشف العيوب، ويرسم حيرة النفس التّائقة للإنعتاق من أغلالها عبر مشاعر الحبّ، وهو بذلك يملك طاقةً متجدّدةً لا تفنى تجعله يتكرّر كلّ يوم وفي كلّ مكانٍ مشكلاً حالةً منفردة في كلّ مرّة، وتاركاً بصمته التي لا تتكرّر.
فالحبّ في هذه المجموعة تماماً كالولادة أو الموت، يتكرّر بلا نهاية، ولكنّه في كلّ مرّة حالةً خاصةً، لها محدّداتها وصفاتها واستثنائيتها، وكذلك هو في مجموعة سناء شعلان ،له أشكال وبصمات وحالات حبٍّ كلٌّ لها بصمتها وخصوصيتها.
ويبدو أنّ هذه المجموعة هي استكمال موضوعيّ لمجموعة "قافلة العطش "التي كانت قد صدرت للكاتبة في الأردن بدعم من أمانة عمّان الكبرى في مطلع عام 2006؛ إذ إنّ كلاهما تعرضان أنماطاً وأشكالاً للحبّ.
والجدير بالذكر أنّ الحبّ في هذه القصص له قوة سحريّة قادرة على أن تجعل القلوبَ تخفق، والدّماء تسري في الأوصال الميتة، والنّفوس تنتشي بالسعادة، والهمم الخاملة تستيقظ، والأنفس الشحيحة تجود، فهذه المجموعة تعدنا بالسّعادة بشرط أن نملك قوّة الحبّ ،وأن نخلص لها ،وأن نرعاها ،وأن نتولاها بالنّماء والزيادة، وهي تفتح تجاربنا على كثير من الأسئلة الانسانية الشائكة التي تطرح نفسها بقوةٍ على مشهدنا الفكري والإنساني، مثل: الموت، والحياة، والخلود، والسعادة، والإخفاق، والعطاء.
سناء الشعلان في هذه المجموعة تطرح الحبّ بديلاً لكلّ تجارب الإخفاق التي تكبّدتها البشرية في التّواصل والسّعادة والتعايش والتفاهم والانسجام.
وهذه المجموعة تحيلنا إلى سابقتها " قافلة العطش" التي تعرض بجرأة تنميطات وأشكال للحبّ، الذي يتجلّى في ثنائيات جدلية : كالوصل والحرمان، واللقاء والفراق، والتقارب والتباعد ،و الرضا والغضب، الحزن والسعادة، ويستولي في هذه المجموعات على حيز كبير من المفارقات والتجاوزات الواقعية.
فقصص المجموعة تدين بالكثير لاستيلاد مفردات التراث والفنتازيا والخرافات والأساطير. فنجد تراث الوأد حاضرًا في القصة، كذلك خرافات الكنوز الموقوفة لرصد خرافي، وفنتازيا مشاركة الجمادات في الأحداث ، فنجد القراءة واللعبة البلاستيكية والأرواح الراحلة عن أجساد أصحابها والقطط البيتية الأليفة والجنّيات تعشق ، وتكون لها تجربتها الخاصة مع الحبّ ، الذي يقدّم في هذه المجموعة على أنّه بديلٌ موضوعي للسعادة والهناء والسلام.
والقصص تجنح إلى طرح الحزن والفراق والهزيمة والفشل قرينًا شبه دائم للحبّ ، وكأنّه تجسيد للواقع الحياتي المهزوم والمسحوق الذي يعيشه أبطال القصص ، وتبقى القصص مفتوحة على التأويل والتجير والتفسير ، فهل الحبّ هو علاقة خاصة لها محدّداتها الخاصة ؟ أم هو صورة اجتماعية من صور المجتمع بكلّ ما في مشهده الإنساني من أحلام وأماني وتناقضات وأحزان وانكسارات ؟أم هو بحث عن صيغة جديدة للبحث عن الفردوس المفقود في هذه الحياة ؟


أمّا مجموعة " مذكرات رضيعة" فهي تحيلنا إلى عالم قصصي مختلف،
فهذه المجموعة القصصية كما تقول كاتبتها سناء شعلان في الصفحة الثالثة منها إنّها كُتبتْ بالدّم، وهي مجموعة قصصية تسجيلية لأحداث حقيقية تروي معاناة بعض ضحايا تفجيرات العاصمة الأردنية في 9/11/2005م،حيث فجّر أكثر من إرهابي أنفسهم في ثلاثة فنادق أردنية كبيرة،كان في إحداها عرس تحوّل إلى مذبحة شنيعة،سقط فيها الكثير من الضحايا.
والمجموعة تحتوي على 23 قصة قصيرة،تروي أحداثاً حقيقية،وتُسرد القصص بالأسماء الحقيقية لضحاياها،كما أنّها تُسرد بتقنيات سردية متعدّدة،تغطي مساحات زمنية كبيرة، تتجاوز ليلة الانفجارات المشؤومة. فالقصص تُروى أحياناً بسرد لاحق او سابق أو متوازي مع الحدث، كما أنّ أصوات الرواة تتعدّد في المجموعة، فهناك الرواي العليم في بعض القصص، وهناك الراوي المشارك في الحدث في قصص أخرى، وفي أحيان أخرى هناك الراوي الشاهد أو البطل.
والقصص تستثمر مساحات فنتازية وتخيليية كبيرة؛ لتسلّط الضوء في النهاية على عظم معاناة الضحايا، وتصوّر هول الفجيعة، وبشاعة الجريمة. وهي في النهاية تخلص إلى قيمة إنسانية جمالية،تتلخّص في إعلاء قيمة الحياة مقابل التنديد بالموت والاستهتار بحياة الإنسان لاسيما المدنيين المسالمين منهم.
فهذه المجموعة القصصية تصلح أن تُعدّ رواية بفصول متعدّدة،لحمتها الأساسية هي التفجيرات في عمان عشية يوم 9/11/2005م، ،ومحورها الرئيس هو رصد المعاناة والموت والفجيعة، فالقصص جميعاً ذات وحدة موضوعية واحدة، فهي تبدأ بالفرح المذبوح في ليلة زفاف العروسين الأردنيين أشرف ونادية، اللذين لم يتمّ زفافهما في تلك الليلة المشؤومة بل مزّقهما الحزن على ضحايا العرس أمواتاً وجرحى ومروّعين من العائلة والأقارب والأصدقاء،انتهاءً بزفاف هبة غزالة وشكري عازر اللذين تحدّيا الموت والإرهاب، وأقاما زفافهما متحديان الألم والحزن في إحدى قاعات الفنادق المغدورة في أربعاء التفجيرات.
ولمّا كان الإرهاب الغاشم لا يعرف وطناً أو رحمة،ولايميّز بين صغير أو كبير، أو بين ضيف أو مواطن أو مغتربٍ،فقد كان الضحايا من جنسيات ٍ شتّى،فهناك العروسان والأهل الأردنيون، وهناك الفنان العالمي المبدع ذو الأصول السوريّة،وهناك التاجر الفلسطيني الكادح، وهناك الطالب والطالبة البحرينيان اللذان جاءا في رحلة نأي طويلة عن الأهل والوطن في سبيل تحصيل العلم،وهناك السائح القطري الذي جاء ليقتنص لحظات الراحة بعد شهور من العمل والجدّ،وهناك المقاتل الفلسطيني ذو التاريخ الكفاحي الطويل، وهناك الشقيق العراقي الذي هرب من بلاده حيث الموت وحروب العصابات ليجد الإرهاب في انتظاره.
فالمجموعة ذات البعد التسجيلي تمتدّ على مساحات شعورية إنسانية كبيرة ترصد أحزان ضحايا أُغتيلوا ببشاعةٍ دون ذنبٍ سوى أنّهم كانوا يبحثون عن لحظة سعادة واستجمام،ولذلك فالقصص تقترب من أدقّ تفاصيل حياة الضحايا،وترصد جزيئات حياتهم اليومية،وتسجّل أحلامهم وأمنياتهم التي ذرّاها الإرهاب رماداً، وأطعمها للنسيان،وهي بذلك تدين بلا ريبٍ الإرهاب شرّ إدانةٍ،فلا مسوّغ في الدنيا لهدر حياة إنسانٍ برىءٍ، أو ترويع آمن.


في حين أنّ مجموعة "ناسك الصومعة "هي مغامرة تجريبية جريئة لسناء شعلان في المزاوجة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، ليس في مجموعة قصصية واحدة وحسب، بل في القصة الواحدة، لاسيما أنّ المجموعة تتّسم بسمة القصة الأم التي تلد قصصاً ضمن وحدة موضوعية واضحة.
والقصص المتوالدة في هذه المجموعة تكتسب شرعيتها وحدثها المحور أو فكرتها المحرّك للأحداث من أزمتها المشتركة مع القصة الأم،ويصل عدد القصص المتوالدة من القصة الأم في بعض الأحيان في المجموعة إلى 28 قصة قصيرة،كما أنّ هذه القصص تمتدّ من بضعة سطور إلى بضعة صفحات.
ولعلّ القلق والارتباك والشكّ والسخرية وشجب التداعي والسقوط بأنواعه هي الثيمات الرئيسة في هذه القصص التي تغزو المتلقّي بهواجسها بعد أن تقدّم نفسها له بلغة رشيقة أنيقة،تحتفي بالكلمة كما تحتفي بالألم والصراع والقلق الذي يسكنها، وتحاول أن تدّعي حياديتها،لكنّها تسقط بسهولة وبعد سبق إصرارٍ في فخّ الرّفض والتنديد، وهي في سبيل ذلك تتستّر طويلاً وراء الفنتازيا والمخيال الشعبي والتاريخ المفترض أو المتخيّل أو الفكاهة السّوداء أو السّرد الغرائبي والعجائبي أو خلف المفارقات المضحكة المبكية عبر 15 قصة قصيرة أو قصة قصيرة جداً.

أمّا مجموعة " مقامات الاحتراق"،فتحمل الكثير من عذابات الإنسان وانكساراته واستلاباته، وتهاجم أصقاعًا ومساحات كبيرة من صراعات الإنسان مع ذاته ومع مجتمعه ومع ظروفه ومع قائمة الحرمان والقيود والمحرمات التي تكاد لا تنتهي،وذلك في خضمّ عجلة الحياة اليومية ، وفي تزاحم تفاصيلها اليومية قـد يسحق الإنسان ، ويجبر على التخلي عن أجزاء من إنسانيته لصالح القدرة على أن يبقى في مجتمع كاد يكون ماردًا قاسيًا يقسم كلّ من يعارضه.
والمجموعة تربط اسمها بالمقامات ، لتحيلنا إلى فن قصصي قديم بمحاولة لخداعنا ، وإيهامنا بأنّ ما سنقرأ في المجموعة هو مقامات مصنوعة هدفها الإبهاج والتعليم والتندر ، لا وضع الألم في قالب فني مشهور ، ولكن سرعان ما ينكسر توقعنا ، عندما نجد قصص مقامات تبتعد عن الشكل التقليدي للمقامـة ، وتصبُّ لفنها في خدمة فكرتها وقضيتها ، وهي الاحتراق والألم أمام متناقضات لا تورث إلا تجربة المعاناة.
وتلعب المجموعة على مزاوجة القصة القصيرة مع القصة القصيرة جدًا مع القصص المتوالدة التي تحمل داخلها قصصًا ذات لحمة موضوعية معها. وهي تستحضر أجواءً فنتازية وتراثية ، فتعود إلى الماضي ، وتستحضر بعض شخصيات التراث، وتعاين الحاضر، وتتمثّل بعض أبرز أوضاعه، ثم تقفز إلى المستقبل بل وإلى ما وراء المستقبل، فتستحضر السماء والجنة والنار والممالك المزعومة ، والسلاطين المجهولين ،وتكثف الهزيمة والحروب في مواقف وأحزان وشخصيات منكسرة.
ويبقى القول إنّ عالم سناء الشعلان القصصي يشكل علامة في القصة العربية الحداثية،وهو يحتاج لأدوات نقدية كثيرة لتفكيكه وفهمه،في ضوء موهبة استثنائية تطالعنا بهاا سناء الشعلان في كلّ ما تكتب.


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء ابريل 21, 2010 5:37 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top





الشركسية


عدنان الظاهر


الشركسية أم الشركسيات ؟ كانت في أواسط سبعينيات القرن الماضي شركسية واحدة ولكن ، الزمن يمشي في إتجاهين والعمر يمشي وكل شئ في الكون يمشي . فالشركسية غدت شركسيات ، وإعجابي بالأولى قد إنتقل مع حركة الزمن المزدوجة الإتجاه إلى أكثر من شركسية . الإسم بحد ذاته يعجبني ويثير فيَّ أخيلة شتى متباينة يغلب عليها في معظم الأحيان طابع وطبع السحر والتألق الصوفي الروحاني . ذكرَهن َّ التأريخ الإسلامي وربطهن َّ بقصور ونزوات السلاطين والملوك والأمراء ومن هم على شاكلتهم [[ شركسيات سبابا ]] . أكره هذا التأريخ لكني أعشق جبال القوقاز المشرفة على مياه البحر الأسود بشموخ وإباء وكبرياء حيث مواطن الشركس والشيشان والأبخاز وسواهم من شعوب بقية الأقليات النادرة كالجواهر . كان الطالب الشركسي الشاب [ بوبا ] جاري في القسم الداخلي الذي كان ينام طوال ليله وسواد نهاره إذا لم يوقظه أحد ٌ ... وكنت أنا المكلف بأداء هذه المهمة المضجرة التي كانت تتكرر صباح كل يوم . أما [ مليكة ] الشركسية الجميلة فما كان أحلاها من فتاة جامعية جميلة الوجه والروح والقوام . تزورني وأزورها فأرى فيها ذكاء وسحر شهرزاد . كنت أقول لها ذلك لكنها كانت ترد بكل أدب وجدية : لكني لا أرى فيك شيئاً من شهريار !! كنت أقول في سرّي (( إنك مخطئة يا مليكة ، فيَّ الكثير من سجايا وأخلاق وطبع شهريار ! )). ولأنها مسلمة متعلقة بالقرآن والإسلام فلم أراودها عن نفسها ولم أسمح لشيطان الغواية أن يتحكم فيَّ أو أن يسوقني في دروبه الملتوية . بقيت علاقتي بها نزيهة صافية مثالية وكانت تعززها بما تقدم لي من مأكولات تأتيها من أهلها في القوقاز وخاصة فاكهة الخريف والصيف . ما كانت تقرب الخمور فإرتفعت مكانتها في نفسي . كنت بحاجة ماسة لمثل هذه العلاقة البريئة التي تشبه علاقة الأخت بأخيها ولا من غرابة ، كنت بعيداً جداً عن أهلي وشديد الشوق لهم . ثم َّ ، لم أكن محروماً من العلاقات المفتوحة على الآخر مع سواها من بنات حواء من غير المسلمات . مر َّ الزمن سريعاً ... مرَّ في إتجاه واحد ... أكملت أبحاثي ودراساتي وقفلت راجعاً للوطن لآمارس التدريس في الجامعة .
" الشركسية " ... كانت واحدة من طالباتي بعثتها حكومة الأردن للدراسة في جامعة بغداد . شارفت السنة الدراسية على نهايتها فحان موعد تقديم ومناقشة مشاريع طلبة السنة الرابعة في حقل الكيمياء والصناعات الكيميائية . حددت لها موعداً دقيقاً لمناقشة مشروعها وتقويمه وإعطائه ما يستحق من درجات . جاءت الطالبة الأردنية الشركسية حسب الموعد ولكن ... جاء معها شاب لم أره قبلاً . قالت إنه خطيبها . شعرتُ بشئ من الحرج !! أدخلتهما مكتبي وطلبت منهما الجلوس . إنه خطيبها ... فلربما يغار خطيبها عليها أو يخاف عليها من أمر مفاجئ أو غير محسوب . أردت إحراجه قليلاً لعله يدرك أن َّ وجوده معنا لا معنى له بل وثقيل وغير مرغوب فيه أصلاً . سألته هل هو طالب في كليتنا ؟ قال كلا ، إنه طالب في كلية الإقتصاد . هل بلغته رسالتي اللاذعة أم لا ؟ الجواب كلا ، إبتلعها وكأني لم أسال وواصل بقاءه معنا!! ناقشت طالبتي وإنتهى النقاش فغادرا بعد أن تركت معي مشروعها حسب الأصول . كنت أسعد بوجودها في مكتبي وأحيطها بالكثير من الرعاية لأنها واحدة من ضيوف العراق ، ولأنها كانت كثيرة الأدب جميلة الوجه نحيلة الجسد لكأنَّ سحر أجدادها الشركس والشيشان قد تركز فيها . قالت لي مرة ً : تفضلْ وزرنا في نادي الطلبة الأردنيين وإشرب معنا فنجان قهوة . شكرتها وقلتُ لها إنَّ ذلك ربما يجلب لي متاعب أنا عنها في غنى . ثم ذكرتها بتدهور العلاقات بين الأردن والعراق إثر إقدام سلطات البعث على إعدام طالب أردني بتهمة التجسس لصالح بلده الأردن . أكملت البنت الشركسية دراستها في كلية العلوم / جامعة بغداد وغادرت بغداد إلى بلدها وإنقطعت أخبارها عني .
هل أسمح للزمن أن يظل َّ يتلاعب بي جيئة ً وذهابا ً وبمصيري إلى أبد الآبدين ؟ يمشي فأمشي معه ولا يتوقف كي أتوقف للراحة معه فأي جبار هذا وأي عنيد ! سأتخلى عنه وأمضي أو أمشي حسب رغبتي ومشيئتي فأجنح لعالم الخيال وما يشبه أحلام اليقظة . سأدعه يمشي وسأمشي حالما ً مخادعاً الزمن أني أمشي معه وأقطع المسافات حيث مشى . مشيت مشيتُ حتى بلغت الإمارات العربية المتحدة . لم أمش ِ تلقاء نفسي في الواقع ، لكنْ قدمي قادتني . قدمي قادتني أم نجم شركسي ٌّ قوقازي ٌّ قادني كذاك النجم الذي قاد مجوسَ الشرق ودلهم على مكان ولادة عيسى المسيح في بيت لحم من فلسطين ؟ لا فرق ، النجم هو النجم ، ليس الدال هو المهم إنما المدلول . النجمة الشركسية هناك تعمل وهناك تعرفت عليها شاعرة ً وإعلامية مرموقة . لم أرها إلا في الصور . لكن َّ ما أرى في الصور يكفي لتذكيري بشركسية جامعة موسكو في ستينيات القرن الماضي وشركسية جامعة بغداد في سبعينياته . أرى في هذه الوجوه عظمة سلاسل جبال القوقاز وجمال الطبيعة فيها وفيما حولها وتحتها وما فوقها . الجمال والأبهة والشموخ . يا شركسيات : إني بكن َّ مولّه ولكنَّ عاشق ومتيم . أحب القوقاز والسباحة في البحر الأسود مقابل هذه الجبال . أحب ثمار القوقاز وما يهبُ الناسَ صيفاً . أجد فيكن َّ كل جمال وبهجة القوقاز وروعة مذاق ثماره وطيب هوائه ودفء مياه البحر المحاذي له . هل حقاً من هناك أتيتنَّ وفارقتن َّ الجدّات والأجداد والجذور وكل التأريخ ؟ لا ، أنتنَّ هناك رغم الفرقة ، إنها فراق الأجساد لا فرقة الأرواح . سألحق بكن َّ إلى هناك حيث المواطن الأصلية . إلى هناك ... سأمشي على عجل لألتقي بحلم جديد راودني ليلة أمس . جمعني بشركسية أخرى فأكملت مسلسل أحلامي الشركسية . صرت فجأة أؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح . فهذه
( مليكة ُ ) جامعة ِ موسكو جالسة أمامي ، في غرفتي رقم 833 في القسم الداخلي . جاءت تحمل لي صندوق خوخ وكمثرى مع صورة ملونة لها بالزي الشركسي الوطني . وهذه طالبتي في قسم الكيمياء في كلية العلوم تقف قبالتي باسمة ً وفي خصلات شعرها الأسود الفاحم وردة جوري حمراء يفوح منها عطر الربيع . جاءت هذه المرة وحدها وليس برفقة خطيبها الذي غدا زوجها بعد التخرج مباشرة ً . شعرتْ أخيراُ بثقل وطأته عليَّ فزارتني بدونه . حملت لي شيئاً من حلويات عمان . قالت متى تزورعاصمتنا لنردَّ لك بعض جميلك ونقوم بواجب الضيافة ؟ ليس لي عليك جميل يا حلوة . كنا نقوم بواجباتنا تجاه طلبتنا لا أكثر . غادرت مكتبي ولكنْ ... بقيَ منها طيف ٌ رقيق غير واضح تماماً . لا زمني طوال عمري الذي بقي واقفاً فتخلف عن مسيرة الزمن . لا أصدق ما أرى وما أقرأ !! هل أنا حقاً في عمّان وفي أعلى قمة جبل الحسين ؟ مَن هذه الحورية التي فارقت الجنان للتو ؟ ما هذا الجمال الخارق وأي رب جبله وسواه ؟ سحرها يصعق البشر كما صعق كلام ُ الرب عبده موسى فوق جبل حوريب في سيناء . هل تعرفينني يا ملاك ويا عينة ما في الجنة من حور العين ؟ هل سبق وأن إلتقينا في هذا العالم ؟ قالت نعم ، إلتقينا وتقابلنا مراراً وفي مناسبات وأماكن شتى . كنتُ معك ( مليكة ) في جامعة موسكو وكنا نأكل الكمثرى معاً. وكنت معك في جامعة بغداد ، تناقشني فيما كتبتُ من تقارير ومشاريع للبحث . ورافقتك إذ زرتَ قبل عامين الشاعرة الشركسية في الإمارات العربية المتحدة . ذهبت معكما في سفرة بحرية بهيجة لصيد السمك والسباحة متحدين خطر أسماك القرش الخليجية. ذهلتُ . تلعثم في حلقي لساني ثم جف َّ . غشاوة على عيني . شحوب في وجهي . أكاد أتهاوى فأسقط على الأرض . قالت تماسكْ . سأقص عليك حكايتي معك. أنا الشركسية الأخيرة التي كنتَ تحلم بها فلم تجدها . [[ أردتُ أن أسالها وهل وجدتها أخيراً ؟ لكنَّ لساني لم يخدمني ، خذلني في الوقت الحرج ]]. قالت أُعجبتُ بك منذ لقائنا الأول شهر أيلول من عام 1965 وكنتُ في ضيافتك في القسم الداخلي . كتبت لك في اليوم الثاني رسالة رمزية قصيرة لعلك تفهم مغزاها وبغيتي فيك لكني ترددتُ ولم أرسلها بالبريد لك . مزقتها فندمتُ . سألتها وقد أفقتُ من حلمي : وهل تتذكرين محتوياتها ؟ قالت أجلْ ، أتذكرها حرفاً حرفاً لكأنها لم تزل في ورقتها وبحبرها كما كتبتها على حالها. هلا قرأتيها لي ؟ شرعت تقرأ وأنا مسحور مأخوذ غير مصدق ما ترى عيني وما تسمع أُذني :
[[ أنا مخلوقة من الحب وهو حلمي الملّح . لا أستطيع أن أتعامل مع
< شئ > إنْ لم أحبه . ولا أستطيع أن أتخلى عن < شئ > أحبه . < قلبي
ضعيف > للغاية ... مشاعري جياشة ومتأججة بشكل < دائم > وذلك أمر متعب ومرهق خاصة ً عندما يُصبح من الواجب < ضبط تلك المشاعر >. فكرت في < العشق > ألف مرة ، وحضرت له الكؤوس والهدايا وأطواق الياسمين وبحثتُ عنه طويلاً وصرحّت ُ دائما ً للأهل والأصدقاء بأنني أبحث عنه ... وإنتظرته وتخيلته < يأتي > من كل الجهات . وتساءلتُ طويلاً كيف سيكون < مَن > سأحب ؟؟؟ لكنه ما جاء
[[ ولربما يأتي يوماً ]] على الرغم من أنني إدخرت < < له >> أشواق العمر وحكايا العشق الشركسي الأصيل النادر المثال ولحظات التمني ... وسأظل أنتظره . آه ٍ كم عناني وأعنتني ذلك السلطان السحري الذي إسمه الحب . فهو كلمة البداية وهو كلمة النهاية وما كنتُ سأكونُ لولا الحب ]] . لم أفقْ من ساعة إسرائي ومعراجي مع الصوت الشركسي إلا بعد أن فارقتني الشركسية تاركة ً على المنضدة ورقة زرقاء بلون السماء العاشرة فيها كتابة غريبة عليَّ وفي نهايتها توقيع أكثر غرابة ً : شعلة السناء !! أهذا هو إسم زائرتي الأخيرة ؟


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
د.سناء شعلان[/b], ')">د.سناء شعلان



اشترك في: 13 فبراير 2009
رقم العضـو : 1,497
مشاركات: 350
المكان: عمان - الأردن


غير متصل

نشرةارسل: الاربعاء ابريل 21, 2010 5:42 pm رد مع اشارة الى الموضوع Back to top




الحب والحرية في قافلة العطش

وهيب نديم وهبة



سناء كتلة ملتهبة من بركان الكتابة ، حين تشعل الرمز في حقول النار .. تحرق غابات الجمود وتحرك السكون / العاطفة / العشق / الحب توأم الروح / تكسر قيد الصمت ؛ ومن حالة الركود يبدأ الصعود( من قاع البئر-1- ) بالإحساس/ بالعشق / واتحاد روحين في جسد واحد .
تلك العتمة - البئر - هذا القلب الذي يحتوي على خصائص الإحساس - يعتم - دون حب . ووحشة المكان - الدنيا - حين يكون الافتراس فيها علنياً ومشهود ومسكوت عنهُ .. الكاتبة تقاوم الوحشة - العتمة - وتعيد في جسد واحد - الروحين .
بئر الأرواح -2- الصراع الأزلي بين الجسد والروح /الموت والولادة / هذا الانفجار العميق من بئر الحرمان / العطش / الجوع إلى عناق الأخر / الاتحاد الإنساني في العطاء تحت غطاء الحياة .
د. سناء تفجر ينابيع المعرفة على امتداد مساحة الحياة / أنها تستغل المفردة في اللغة لكي تدخلها في صيغة الجمع " الأنا " هنا .. نحنُ .. ونحنُ في هذا الزمن في رؤية الكاتبة - تسير بنا القافلة / الحياة - العطش / نحنُ / من هنا ندرك العمق الثقافي عند الكاتبة ، في سير خطى ما زالت ترنو إلى الشمس ولم تبصر بعد الحقيقة .
أن جوهر الكتابة / المكاشفة / مكاشفة الذات / تعرية الواقع / محاصرة المستقبل .. ( قطار منتصف الليل-3- ) فحين تدنو إيقاعات القطار السريعة تعزف على وتر العمر في الجريان ووتر العشق الذي يكاد يهرب منكَ أو تأخذه عنوة أو بشفافية كي لا يغادر المكان . أن هذا التزمن بين قطار العمر وقطار العشق حقاً كان رائعاً .
أن محاصرة المستقبل في هذا الزمن الرديء يحتاج إلى دراسة مكثفة وفكرة واضحة فحين اعتلت الكاتبة صهوة الزمن عرفت أن المكان - خصوصية المكان - تحدد قضية الغد - ألمستقبل .
الدكتورة سناء ترتكز في قافلة العطش - حول قضايا دائرية محورية - تدور في فلك الذات الإنسانية - القافلة - السفر - العطش - الحرمان - قضايا الإنسان - الحب - الحرية - الروح - الجسد - وتستمر تلك اللعبة الدائرية في الكتابة عند الكاتبة حين تكتب ( الجسد -4 - ) تستبدل الأدوار - بنطال يبحث عن جسد عن روح ، عن عشق يحتويه . فكرة الاستبدال هنا ، تدل على روعة في تمثيل المشهد . أن قضية البحث عن الأخر قضية جوهرية في الوجود الإنساني وقد يمر العمر وأنت تبحث أو تكتفي بما يأتي ( قرر أن يطفئ بعضاً من أشواقه فقط -5- ) بالتحديد - فقط - هذا الحلم في البحث ، ربما الحظ ، ربما الصدفة ، ربما المعرفة - آلاف الاحتمالات ولكن ربما هذا لا يأتي .. من هنا أهمية نسيج العاطفة وقماش العشق وبدله الكون الحياة .
هذا الشوق - الحنين - في رحلة الكاتبة في قافلة العطش ، يجعل القارئ المتمهل أن يتأمل الحياة - نافذة واسعة جداً للتفكير - هكذا يفتح الكتاب الحوار معكَ .. سناء تخاطب العقل عن طريق العاطفة ، مهمة خطيرة أن أشعر وأن أفكر لماذا حدث هذا . تلك المعادلة الصعبة في تركيب العبارة وفي حث القارئ على التفكير .
أن المفارقة العنيفة والمقاربة المحببة بين ( زاجر المطر- 6- ) وبين ( تحقيق صحفي - 7 - ) النهايات . تطرح النهايات نفس الرمز.. ولكن في اتجاه معاكس ، في حين الرمز الأول يتحقق في الموت .. الرمز الثاني في الحياة ، الالتصاق بقضية الحب كقضية بقاء .
أن سكين الكتابة ما بين الجرح والرمز عند الكاتبة سناء شعلان أجراء عميلة جراحية / استخراج العاطفة من قلب هذا الكائن البشري دون دماء - ومع هذا تبرز قصة العاشقة - 8- ) مع الكثير من الذكريات والألم على ارتكاز أننا لا نبصر حقاً من هم أمامنا .. هنالك لحظة تهرب منا . لهذا كان نداء الحلم في القصة عالي الصراخ ، ربما ليس لدينا وقت للحلم . ربما لا نملك المقدرة على الحلم / الأمل / الحب / الحياة . هذه العملية تجري تفاصلها يومياً ، والمخيف حتى حين يأتي الحلم يأتي ليس كما نشتهي .
الآن أجمع شظايا البلور وجرح الكتابة في( قصة النافذة العاشقة - 9- ) هذا التصور الشعري يخفى حنيناً موجعاً في زمن الانتظار. هذه المحطة الراكدة في قلب الإنسان لا تعرف متى تبدأ السفر / سفر العشق الحقيقي . حين تهرب منه يخترق العشق جدار الصمت ، وبلاغة التصوير أن النافذة أصبحت عاشقة / لماذا لا تكون نافذة للحياة ؟
أن روعة ( قصة الفزاعة -10- ) تدخلكَ مباشرة بعد القراءة إلى حالة من الصمت . هذا التراكم الكمي من الإحساس يسيل بمذاق طعم الخيبة . لهذا كان العنوان - الفزاعة - كي تهجر الطيور الحقل . هل حقاً قصدت أننا أحياناً نتصرف برغم الحب تصرفات فيها - الفزاعة - لهذا يهجرنا الغير .. كما قلتُ هذه المجموعة تحمل الرمز العادي والرمز العميق كما تحمل الأم طفلها بدلال وغنج وأحياناً يرفعك الرمز إلى قمة الخيال والتصور وتتحد بهذه الكتلة المشتعلة بلهيب النار .
أن قصة ( قلب لكل الأجساد - 11 - ) رسالة عميقة واضحة لعدم السقوط في الخطيئة .. حيث تجمع في بوتقة واحدة الحب الضائع والخطيئة .. أن السقوط هنا يحول المرأة إلى زانية إلى جسد بلا إحساس ووجود بلا هدف .
أعود إلى القصة الأولى ( قافلة العطش - 12- ) ما بين السفر والحرمان تتمحور القصة وبين الشرف والحب ولكي ترتدي القصة ثياب الحضارة ويقبل العقل والقلب هذا الموضوع ترتكز الكاتبة على حكمة قديمة .. تحملنا .. تأخذنا معها عبر التاريخ . هي فكرة رائعة أن تقول لنا الكاتبة أننا منذُ فجر التاريخ نكبل الحب نمنع عنهُ الهواء وفضاء الحرية . هذا العطش الممتد من الصحراء العربية إلى عالمنا الحضاري يسكب في بوتقة حياتنا اليومية / الحرمان .. أننا حين نقتل في داخلنا المرأة تقتل الحياة .. أن العودة إلى واد البنات تعبير صادق على عدم حرية المرأة في الزمن الراهن .. تدور أحداث القصة في الزمن الغابر كي تنسكب في مستنقع الحاضر دون أن تقول الكاتبة .
قلتُ أن الرمز أجمل ما في هذه المجموعة القصصية . كذلك لغة الشعر.. أن المجموعة زاخرة مفعمة مترعة بشفافية اللغة التي تنم عن روعة في الإحساس والمشاعر .
كلمة أخيرة
كل قصة لم يندس فيها قلمي كانت لضيق المجال . ليكن مبارك ما كتبت يداكِ .


----
إشارات :
1- قصة بئر الأرواح ص 86 - والجملة -ثم فاض جسدها سعادة بالروح الجديدة ، وامتزجت الروحان ، كانت مساحة الفرح كبيرة ، ولكن جسداً عاشقاً يكفيها ، يكفيها تماماً ، لفحها برد الصباح ، الشمس داعبت هدبيها ، وعادت أدراجها شبه عارية من ملابسها ، تحمل روحين عاشقين كلتيهما قد قهرتا جبروت البئر الغاشمة .
2- نفس المصدر قصة بئر الأرواح
3- قصة - قطار منتصف الليل - ص - 54 -
4- قصة الجسد - ص - 120 -
5- نفس المصدر -ص- 122 - و ( بل غاية أمنياته الحصول على جسد يخلو من الدنس ، لم يعرض في الأسواق ، لم تبتذله الأيدي ، ولم تشبع منه النظرات ، جسد يخلص ويخلص … ، ويطوقه إلى الأبد بعيدا عن سوق الأجساد - ص 125 - )
6- قصة زاجر المطر ص - 119 - كان على شفتيه ابتسامة غربية ، لم يعن أحد المشيعين نفسه في فك سرها ؛ فلا أحد يبالي بابتسامة زاجر مطر مسكين !
7- قصة تحقيق صحفي - ص- 72-73- بعد أن ذكرت الصحف اليومية أنها ضاعت في الصحراء ، ولم يعن أحد نفسه ليبحث عن امرأة عاشقة قد اختفت في الصحراء في مهمة صحفية .
8- قصة قطته العاشقة ص- 94 - عشقت آلاف المرات ولكنني خبأت العشق لها حتى تأتي . " - وهل أتت " - نعم ، أتت ، ولكن على غير ما اشتهي . وفي نفس القصة - ص - 102 - أنت معذور. لكن صدقني نحن نقابلهم مرة واحدة في الحياة . - من هم ؟ - الذين يملكون أن ينيروا حياتنا سعادة ..
9= قصة النافذة العاشقة - ص- 15-
10- قصة الفزاعة - ص- 25- لكن ما لم يستطع أن يفهمه هو التغير الذي حدث بعد ذلك ، فقد تعالى صراخهما ، وبدا أن ناراً تشتعل بينهما ، ثم غادر المكان غاضباً .
11- قصة قلب لكل الأجساد - ص - 74 - وفي نفس المصدر ص- 78 - لأنها تعلم منذ الليلة شبح لا جسد له ، قلب يصلح لكل الأجساد .
12- قصة ( قافلة العطش ص 9- ) العطش إلى الحب أورث الصحراء طقساً قاسياً من طقوسها الدامية ، أورثها طقس واد البنات ، البعض قال انهم يئدون بناتهم خوفاً من العار ، البعض الآخر قال انهم يفعلون ذلك خوفاً من الفقر ، لكن الرمال كانت تعرف أنها مجبرة على ابتلاع ضحاياها الناعمة خوفاً من أن ترتوي يوماً .


قافلة العطش :

قصة للدكتورة سناء كامل شعلان صدرت عام 2006 عن مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع - مجموعة قصص قصيرة – ط1


توقيعد.سناء شعلان :

الزمن هو البطل الحقيقي في قصصي والمحرض على التوتر

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
استعرض مواضيع سابقة:   

انشر موضوع جديد   رد على موضوع


استعرض الموضوع التالي
استعرض الموضوع السابق
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½
2006
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½